قراءات متباينة للتفاهم الأميركي الإيراني حول لبنان... وتعويل رسمي على مفاوضات واشنطن

بين غموض التفاصيل وتكريس فصل مساري التفاوض

كبير موظفي وزارة الخارجية الأميركية دانيال هولر يتلو الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي على وقف إطلاق النار في مقر وزارة الخارجية بواشنطن في 3 يونيو الماضي (أ.ف.ب)
كبير موظفي وزارة الخارجية الأميركية دانيال هولر يتلو الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي على وقف إطلاق النار في مقر وزارة الخارجية بواشنطن في 3 يونيو الماضي (أ.ف.ب)
TT

قراءات متباينة للتفاهم الأميركي الإيراني حول لبنان... وتعويل رسمي على مفاوضات واشنطن

كبير موظفي وزارة الخارجية الأميركية دانيال هولر يتلو الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي على وقف إطلاق النار في مقر وزارة الخارجية بواشنطن في 3 يونيو الماضي (أ.ف.ب)
كبير موظفي وزارة الخارجية الأميركية دانيال هولر يتلو الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي على وقف إطلاق النار في مقر وزارة الخارجية بواشنطن في 3 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

رغم الترحيب الرسمي اللبناني بمذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، لا يزال الجزء المتصل بلبنان موضع قراءات متباينة، بين من رأى فيه مكسباً سياسياً لإيران ومحورها في المنطقة، ومن اعتبر أن المذكرة كرّست عملياً فصل المسار اللبناني عن باقي الملفات الإقليمية، وأعطت الأولوية للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل التي ترعاها واشنطن، بحيث يبقى الرهان الأساسي على ما ستفضي إليه هذه المفاوضات.

الرئاسة: الرهان على مفاوضات واشنطن

تؤكد مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الرئيس جوزيف عون من المذكرة لم يتغير منذ إعلانه الترحيب بها، مشيرة إلى أن ما ورد فيها يشكل عاملاً مساعداً في الحد من التوتر في المنطقة بما ينعكس إيجاباً على لبنان. ورغم عدم إخفائها بعض الحذر حيال ما تضمنته المذكرة في ما يتعلق بلبنان، تعتبر المصادر أن الرئيس ينظر إليها باعتبارها عاملاً ميسراً للمفاوضات التي ستُجرى في واشنطن بين لبنان وإسرائيل.

وتشدد المصادر على أن «ما يعنينا هو المفاوضات في واشنطن التي ترتكز على الثوابت التي سبق أن أعلن عنها لبنان مراراً، وهي الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش وعودة النازحين وإعادة الأسرى وإعادة الإعمار»، معتبرة أن النتائج التي ستخرج بها هذه المفاوضات تبقى العنصر الحاسم في تحديد مسار المرحلة المقبلة. وعن عدم وضوح الجزء المتعلق بسلاح «حزب الله»، تقول المصادر: «لبنان اعتبر منذ البداية أن أي تفاهم يساهم في خفض التوتر في المنطقة سينعكس إيجاباً على ساحته الداخلية، فيما سيُعالج ملف (حزب الله) في الداخل اللبناني، بعيداً عن أي مقاربات خارجية مباشرة».

نساء يحملن أغراضهن ​​أثناء سيرهن بين أنقاض حي دمره غارة جوية إسرائيلية بالكامل في بلدة القليلة جنوب لبنان (رويترز)

المسار اللبناني منفصل

في قراءة لمذكرة التفاهم، لا سيما الجزء المرتبط بلبنان، يرى السفير اللبناني السابق لدى واشنطن أنطوان شديد، أن الحديث عن انتصار لفريق على آخر لا يستند إلى معطيات واضحة. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأميركيون يحاولون فصل المسار اللبناني عن مسار التفاوض مع إيران، وسيواصلون دعم المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل والعمل على تنفيذ ما قد ينتج عنها».

ويعتبر شديد أن التعويل يبقى على هذه المفاوضات، ومن بعدها على زيارة الرئيس عون المرتقبة إلى واشنطن، متوقعاً أن تطالب الإدارة الأميركية الدولة اللبنانية بمزيد من الحزم في تطبيق المقررات المرتبطة بانتشار الجيش اللبناني وتوسيع دوره الميداني وتنفيذ الجزء المرتبط بما وصف بالمناطق التجريبية. ورغم عدم التطرق إليه بشكل واضح في مذكرة التفاهم، يعتبر شديد أن «ملف سلاح (حزب الله) يبقى بنداً أساسياً في المقاربة الأميركية»، معتبراً أن واشنطن لن تتراجع عن هذا المطلب الذي تنظر إليه باعتباره جزءاً من أي تسوية نهائية يمكن أن تقود إلى الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية. كما لا يستبعد أن تكون المذكرة قد تضمنت تفاهمات غير معلنة تتصل بأذرع إيران في المنطقة، داعياً إلى انتظار ما ستفضي إليه المفاوضات خلال مهلة الستين يوماً المقبلة قبل إصدار أحكام نهائية بشأنها.

إسرائيل غير ملزمة بالتطبيق

لا تختلف قراءة الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع الدكتور رياض قهوجي كثيراً، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن المذكرة «أعلنت وقف الحرب على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، إلا أن إسرائيل ليست طرفاً موقعاً عليها، بالتالي فهي غير ملزمة بتطبيقها، وقد أعلنت ذلك بوضوح». ويشير إلى أن المقاربة الأميركية الحالية تقوم على اعتبار أن الحرب في لبنان يفترض أن تكون قد توقفت، وأن المطلوب الانتقال إلى معالجة مسبباتها، وفي مقدمتها ملف سلاح «حزب الله».

علم إسرائيلي مُلصق على مبنى في قرية الطيبة جنوب لبنان (إ ب أ)

ويرى قهوجي أن هذا الأمر يفسر الأهمية التي توليها واشنطن للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، معتبراً أن أي نقاش يتعلق بلبنان، سواء في واشنطن أو حتى في المفاوضات التي ستجري في سويسرا، سيبقى مرتبطاً من وجهة النظر الأميركية بمستقبل سلاح «حزب الله» والعلاقة بين الحزب وإيران. ويعتبر أن «إيران و(حزب الله) يحاولان تسويق التفاهم على أنه انتصار سياسي لطهران، في حين أن الوقائع الميدانية لا تعكس ذلك، إذ لم تتوقف المواجهة بشكل كامل ولم تنسحب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها، ما يجعل الرهان الفعلي على ما ستنتجه مفاوضات واشنطن».

إتفاق هش وتفسيرات متناقضة

في المقابل تختلف قراءة مدير «مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية» الدكتور سامي نادر، للجزء المتعلق بلبنان في المذكرة، معتبراً أنه يثير علامات استفهام عديدة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المسار الذي يتحدث عن وقف الأعمال العدائية في لبنان قد يساهم في تهميش المفاوضات المباشرة الجارية في واشنطن برعاية أميركية».

ويلفت نادر إلى أنه رغم تأكيد المذكرة على وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها، فإنها لم توضح كيفية تطبيق هذه السيادة، كما أنها لم تتناول بصورة مباشرة مسألة سلاح «حزب الله»، وهو الأمر الذي يشكل مطلباً أساسياً للحكومة اللبنانية وعنصراً أساسياً في أي مسار لاستعادة السيادة الكاملة للدولة.

عنصر في الدفاع المدني اللبناني يحمل علماً لبنانياً انتُشل من تحت الأنقاض أثناء تفقده مقره في النبطية (رويترز)

ويعتبر نادر أن إحدى أبرز نقاط الضعف تكمن في مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في الاتفاق، متسائلاً عما سيحدث بعد انتهائها. ويشير إلى «وجود ثلاث قراءات مختلفة لهذه المرحلة: الأولى إيرانية تربط الاتفاق على النووي بانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، والثانية أميركية تحصر الجهد اللاحق باستكمال المفاوضات المتعلقة بالملف النووي، فيما تتمسك إسرائيل برفض الانسحاب من الأراضي اللبنانية. ويرى أن هذا التباين في التفسيرات يضعف فرص الوصول إلى تسوية مستدامة، كما أن الغموض الذي يحيط بالآليات التنفيذية المتعلقة بسلاح (حزب الله) والانسحاب الإسرائيلي يجعل الاتفاق المرتبط بلبنان هشاً وغير قائم على أسس صلبة».

وتنص مذكرة التفاهم على وقف الحرب في الشرق الأوسط على مختلف الجبهات، ومنها لبنان، وفتح مضيق هرمز، بالتوازي مع إطلاق مفاوضات أميركية - إيرانية حول الملف النووي والعقوبات. إلا أن استمرار الضربات الإسرائيلية الدامية في الجنوب واحتفاظ إسرائيل بمواقع حدودية، مقابل مواصلة «حزب الله» استهداف القوات الإسرائيلية، يطرح علامات استفهام حول آلية تطبيق ما ورد في شأن لبنان.


مقالات ذات صلة

مشاركة وزراء «القوات اللبنانية» في جلسات الحكومة تخضع للمراجعة والتقييم

المشرق العربي رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)

مشاركة وزراء «القوات اللبنانية» في جلسات الحكومة تخضع للمراجعة والتقييم

تخضع مشاركة وزراء حزب «القوات اللبنانية» الأربعة في الجلسات المقبلة لمجلس الوزراء للمراجعة والتقييم، في ضوء قرارهم مقاطعة الجلسة الأخيرة...

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)

«حزب الله» يحول ملف متفجراته إلى مادة تجاذب لبناني

تحولت قضية متفجرات «حزب الله» التي ضبطتها السلطات اللبنانية في الشهر الماضي إلى مادة تجاذب سياسي، إثر تكرار الحزب هجومه على الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دورية لقوات «اليونيفيل» في منطقة عملياتها جنوب لبنان (اليونيفيل)

لبنان يسابق انتهاء ولاية «اليونيفيل» لمنع الفراغ في الجنوب

يسابق لبنان انتهاء ولاية «اليونيفيل» أواخر العام الحالي بحراك دبلوماسي لتجنب فراغ أمني في الجنوب يهدد حدود لبنان المعترف بها دولياً

نذير رضا (بيروت)
خاص القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)

خاص الخارجية الأميركية «تطرد» قنصل لبنان في ديترويت

أكدت مصادر في وزارة الخارجية اللبنانية لـ«الشرق الأوسط»، أن سفارتها في واشنطن تبلغت قرار اعتبار القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة شخصاً غير مرغوب فيه.

«الشرق الأوسط» (بيروت- واشنطن)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)

البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

تتصاعد التحذيرات اللبنانية من مخاطر جرّ البلاد مجدداً إلى مواجهة عسكرية، في ظل المخاوف من تجدد الحرب

«الشرق الأوسط» (بيروت)

توقف الإنتاج في حقل خور مور للغاز بالعراق بعد هجوم بمسيرة

الهجوم على حقل «خور مور» للغاز أصاب منظومة الكهرباء شمال العراق بالشلل (أرشيفية - رويترز)
الهجوم على حقل «خور مور» للغاز أصاب منظومة الكهرباء شمال العراق بالشلل (أرشيفية - رويترز)
TT

توقف الإنتاج في حقل خور مور للغاز بالعراق بعد هجوم بمسيرة

الهجوم على حقل «خور مور» للغاز أصاب منظومة الكهرباء شمال العراق بالشلل (أرشيفية - رويترز)
الهجوم على حقل «خور مور» للغاز أصاب منظومة الكهرباء شمال العراق بالشلل (أرشيفية - رويترز)

أفادت مصادر اليوم الأحد بتوقف الإنتاج في حقل خور مور للغاز في العراق، أحد أكبر الحقول في إقليم كردستان، بعد استهدافه في هجوم بطائرة مسيرة.

وقال مصدران في وزارة الكهرباء بإقليم كردستان العراق إن إنتاج الحقل توقف بعدما استهدفت طائرة مسيرة خزانا لتخزين غاز البترول المسال، ما تسبب في اندلاع حريق لا يزال مستعرا. وذكر مصدران أمنيان أن دخانا شوهد يتصاعد من الحقل. وذكر المصدران في الوزارة أن العاملين في الحقل جرى إجلاؤهم إلى أماكن آمنة داخل المنشأة عقب الهجوم.

وقال رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي إن التقييم الأولي يشير إلى أن الهجوم لم يسفر عن سقوط خسائر بشرية. ووصف بيان مشترك صادر عن وزارتي الثروات الطبيعية والكهرباء في إقليم كردستان الهجوم بأنه «إرهابي»، مؤكدا أن الوزارتين تعملان على تقليص تداعياته إلى أدنى حد. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.

ويوفر الحقل إمدادات غاز لازمة لتوليد الكهرباء في الإقليم. وقالت وزارة كهرباء في كردستان العراق في بيان إن الهجوم أدى إلى فقدان نحو 2.8 جيغاوات من قدرات توليد الكهرباء في الإقليم.

وكانت شركة دانا غاز، المشاركة في تشغيل الحقل، قد أوقفت في وقت سابق من شهر يوليو (تموز) مرافق الإنتاج الرئيسية في الحقل بسبب تهديدات أمنية موثوقة وتوترات إقليمية، قبل أن تستأنف الإنتاج في وقت لاحق من الشهر نفسه.

وكان العراق من بين الدول الأكثر تضررا من إغلاق إيران لمضيق هرمز. ولا تزال حركة المرور في المضيق متعطلة إذ لا تزال السفن تواجه هجمات في المنطقة. وتسعى بغداد جاهدة إلى تحقيق التوازن في علاقاتها مع إيران المجاورة والولايات المتحدة في خضم التصعيد العسكري بين البلدين.

ومع ذلك، شنت طهران هجمات ضد جماعات المعارضة الكردية الإيرانية في شمال العراق، في حين شن مسلحون مدعومون من إيران في العراق هجمات ضد جيرانها في الخليج في وقت سابق من الصراع.


تعيينات وزارة الخارجية السورية تكسر التقاليد الدبلوماسية

الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
TT

تعيينات وزارة الخارجية السورية تكسر التقاليد الدبلوماسية

الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)

ضمن إجراءات إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية السورية، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع ثلاثة مراسيم رئاسية بتعيين ثلاثة معاونين لوزير الخارجية، جميعهم من الشباب، خلافاً لما درجت عليه التقاليد الدبلوماسية السورية في اختيار معاوني الوزير من فئة المخضرمين الضالعين في العمل الدبلوماسي، في الوقت الذي لا يزال فيه الكثير من الدبلوماسيين المنشقين عن النظام السابق في انتظار تسوية أوضاعهم.

وتشهد كواليس الأوساط السياسية في دمشق جدلاً حول تعيين مسؤولي المناصب الرفيعة في الوزارات السيادية وسط أنباء غير مؤكدة عن تغييرات حكومية تشمل وزارات سيادية وتنقلات في مواقع مسؤولين بارزين.

وقال الباحث والمدير التنفيذي في مركز الدراسات «جسور» وائل علوان لـ«الشرق الأوسط»: «هناك حديث عن احتمال تسلم وزير الداخلية أنس خطاب رئاسة الأمن الوطني، على أن يخلفه في وزارة الداخلية اللواء عبد القادر الطحان، كما يوجد حديث مماثل يتعلق بوزارة الدفاع، لكن لا معلومات دقيقة حتى الساعة»، نافياً علمه بحديث انتقال وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى موقع آخر.

الرئيس أحمد الشرع مع وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الداخلية أنس خطاب في فبراير الماضي (سانا)

إجراء غير مسبوق

كان الرئيس السوري أحمد الشرع أصدر السبت ثلاثة مراسيم رئاسية حملت الأرقام 205 و206 و207 لعام 2026، تقضي بتعيين ثلاثة معاونين لوزير الخارجية والمغتربين، وتوزيع المهام بينهم على ملفات الشؤون القنصلية والتعاون الدولي والشؤون التنفيذية.

ويعدّ تعيين ثلاثة معاونين لوزير الخارجية إجراءً غير مسبوق في تاريخ العمل الدبلوماسي السوري، ومؤشراً على تفكيك المنظومة الإدارية التقليدية القائمة في البلاد منذ عقود طويلة.

ويضم الهيكل الإداري لوزارة الخارجية السورية عادةً معاوِنَين اثنين فقط للوزير بشكل رئيسي وثابت، تنقسم بينهما الملفات الدبلوماسية والسياسية والإدارية، وفي بعض الفترات الاستثنائية، كان يتم تعيين معاون ثالث، أو يتم الاعتماد على مستشارين ومستشاري نواب الوزير بمهام تخصصية، ولكن السمة الغالبة على مر العقود كانت مأسسة الوزارة على وجود معاونين اثنين إلى جانب منصب «نائب وزير الخارجية».

ورأى علوان أن التعيينات الجديدة هي عملياً «إعادة هيكلة»، وقال: «الإدارة الجديدة للبلاد غير ملتزمة بما جرت عليه العادة، فهي منفصلة بشكل كامل عن نظام الحكم السابق». ولفت علوان إلى أن «الأصل هو اختيار كوادر ضمن التراتبية الداخلية المؤسساتية، أو التسلسل الوظيفي أو من الخبرات الدبلوماسية الطويلة؛ أما في حالة حكم انتقالي، فالأمر مختلف حيث تتقدم الثقة بمعنى الولاء على الكفاءة». وشرح الباحث أن هذا التوجه المثير للجدل يأتي غالباً «لأسباب أمنية».

أما عن الاستعانة بالدبلوماسيين المنشقين عن النظام السابق من أصحاب الخبرة، فقال علوان إن «هذا ممكن لكنه ليس شرطاً مع إعطاء الأولوية لعنصر الثقة والتوافق مع النهج الحالي».

وزير الخارجية أسعد الشيباني متحدثاً في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «حوار المنامة» في العاصمة البحرينية نهاية أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

شباب بخبرات ضيقة

أما الذين تم تعيينهم فهم محمد يعقوب العمر (مواليد إدلب 1993) معاوناً لوزير الخارجية للشؤون القنصلية، وهو حاصل على ماجستير في السياسات العامة من جامعة إدلب، وبكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة الشمال، إضافة إلى إجازة في الهندسة الزراعية من جامعة إدلب، وفق وسائل الإعلام المحلية.

كما تم تعيين قتيبة علي قاديش (مواليد دمشق 1988) معاوناً لوزير الخارجية لشؤون التعاون الدولي. ويحمل إجازة في الحقوق من جامعة دمشق. وسبق له أن تولّى إدارة التعاون الدولي وإدارة المراسم في وزارة الخارجية والمغتربين، كما شغل منصب معاون وزير التنمية والشؤون الإنسانية في «حكومة الإنقاذ السورية»، ومدير مديرية المشاريع الإنسانية والتنموية فيها.

بالإضافة إلى تعيين عبادة خالد دياب من مواليد دمشق عام 1996 معاوناً لوزير الخارجية والمغتربين للشؤون التنفيذية.

ويحمل دياب شهادة ماجستير تنفيذي في سياسات التنمية من المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف، وبكالوريوس في الخدمة الخارجية، تخصص الاقتصاد الدولي، من جامعة جورجتاون.

وتضم خبراته السابقة رئاسة مكتب وزير الخارجية وإدارة مكتب التخطيط الاستراتيجي في الوزارة، وخبيراً في إدارة المعلومات وأبحاث سوق العمل في وزارة العمل القطرية، ومتخصصاً في البيانات لدى مركز البيانات الإنساني التابع لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، بحسب ما ذكرت وكالة «سانا».

ورغم قرار وزارة الخارجية السورية إعادة الدبلوماسيين المنشقين إلى العمل وتكليف العديد منهم برئاسة بعثات وتمثيل سوريا في عواصم إقليمية ودولية، لا تزال ملفات عدد كبير منهم عالقة في الأروقة، بانتظار تسوية أوضاعهم واستكمال المراجعات الإدارية.

وترافقت التعيينات الرئاسية في الخارجية السورية، مع قرار وزير الخارجية أسعد الشيباني تعيين المذيعة مزنة ممدوح الأطرش ابنة مدينة السويداء مستشارةً لشؤون السلام. وفيما رأى البعض أن هذا القرار يعطي زخماً لملفات المصالحة الوطنية، لا سيما ملف السويداء، انتقد آخرون هذا التعيين على خلفية استحداث منصب غير واضح المعالم هو «شؤون السلام»، بالإضافة إلى المواقف السياسية السابقة للأطرش، التي كانت تؤيد بشار الأسد وممارسات الجيش عبر عملها في التلفزيون الرسمي.


مشاركة وزراء «القوات اللبنانية» في جلسات الحكومة تخضع للمراجعة والتقييم

رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)
رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)
TT

مشاركة وزراء «القوات اللبنانية» في جلسات الحكومة تخضع للمراجعة والتقييم

رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)
رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)

تخضع مشاركة وزراء حزب «القوات اللبنانية» الأربعة في الجلسات المقبلة لمجلس الوزراء للمراجعة والتقييم، في ضوء قرارهم مقاطعة الجلسة الأخيرة، والانسحاب من الجلسة التي سبقتها، على خلفية الخلافات المرتبطة بملفَّي الكهرباء وإحالة قضية متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي.

وفي هذا السياق، يبرز ملف الكهرباء عاملاً أساسياً في تحديد طبيعة تعامل «القوات» مع المرحلة المقبلة؛ إذ أعلن وزير الطاقة اعتكافه في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن حضور جلسات مجلس الوزراء؛ نتيجة «عدم تحمّل الحكومة مسؤولياتها تجاه قطاع الطاقة وعدم تعاملها الجدي مع الطروحات المقدمة لضمان استمرارية الكهرباء».

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

وأرجأ مجلس الوزراء الجلسة التي كان مقرراً عقدها الخميس الماضي والمخصصة لهذا الملف، في انتظار عودة وزير الطاقة جو صدي من قطر، حيث جرى البحث في تفاصيل العرض القطري لتأمين الكهرباء للبنان.

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، فإنه من المرتقب أن يزور وفد قطري بيروت مطلع هذا الأسبوع؛ لمواصلة النقاشات التقنية والفنية والمالية، في انتظار التوصل إلى «إعلان نوايا» يوقَّع على مستوى الوزراء أو رئاستَي الحكومتين اللبنانية والقطرية، على أن يحدد مجلس الوزراء موعداً لجلسة جديدة تُخصص حصراً لبحث ملف الكهرباء والبت في مختلف تفاصيله.

مصير الاتفاق مع قطر

وتشير مصادر «القوات اللبنانية» إلى أن «هناك كثيراً من التفاصيل التقنية الواجب بحثها، بوصفنا نتحدث عن معاهدة بين دولتين وعن مسارات كثيرة يلحظها ملف الكهرباء، وبالتالي؛ فمن غير المنطقي توقع توقيع اتفاق بين ليلة وضحاها».

وتلفت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الوزير صّدِّي وسائر وزراء (القوات) سيشاركون عندها في هذه الجلسة، بصفة صدي هو الوزير المعني مباشرة بالملف»، وأن «الجلسة المرتقبة يُفترض أن تشكل محطة حاسمة لتحديد مصير الاتفاق مع قطر والخيارات المطروحة بشأنه. ومن هنا؛ تصبح المشاركة ضرورية، في انتظار ما ستؤول إليه المناقشات والقرارات الحكومية».

وكان رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، أعلن منتصف الشهر الماضي عن اقتراب التوصل إلى اتفاق مع قطر لإعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية لإنتاج الكهرباء في لبنان، بموجب مشروع تتولى الدوحة تمويله وتنفيذه وتشغيله دون أن تتحمل الخزينة اللبنانية أي تكلفة استثمارية مسبقة، وذلك خلال استقباله رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الذي كشف عن «تفاهم على إطار شامل للتعاون في قطاع الطاقة، يشمل مشروعاً استثمارياً كبيراً وحلولاً متكاملة لأزمة الكهرباء»، إلى جانب مشروعات للربط في مجال الطاقة بين لبنان وسوريا والعراق.

متفجرات «حزب الله»

ولا يقتصر الامتعاض «القُوّاتي» من الأداء الحكومي على ملف الكهرباء؛ بل يتركز، وبشكل أساسي، على إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر، التي تبناها «حزب الله»، إلى المجلس العدلي.

وكان وزراء «القوات» قد قرروا الانسحاب من إحدى جلسات مجلس الوزراء؛ احتجاجاً على رفض إحالة الملف إلى المجلس العدلي، قبل أن يقاطعوا الجلسة الأخيرة التي خُصّصت لبحث ملف النفايات من دون إدراج بند الإحالة في جدول الأعمال.

رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)

ويصر حزب «القوات» على إحالة هذه القضية إلى المجلس العدلي بوصفها مسألةً تمسّ الأمن القومي وسيادة الدولة، و«ليست مجرد قضية ضبط شحنة متفجرات».

وتوضح مصادر «القوات» أن ما يطالبون به هو «وضع الإحالة إلى المجلس العدلي على جدول أعمال أي جلسة مقبلة لمجلس الوزراء فيجري التصويت على البند؛ فإما تتم الاحالة، وإما يتحمل مَن يُسقطه المسؤوليةَ أمام الناس».

وعمّا إذا كانوا سيواصلون مقاطعة جلسات مجلس الوزراء في حال عدم إدراج بند الإحالة على جدول الأعمال، تقول المصادر: «متى تُحدَّد جلسة عادية ولا يكون بند الإحالة على جدول الأعمال؛ عندها نتخذ الموقف المناسب».

وبدأ القضاء العسكري اللبناني الأسبوع الماضي مرحلة الملاحقة القضائية في قضية شاحنة المتفجرات التابعة لـ«حزب الله»، التي ضُبطت على حاجز ضهر البيدر قبل نحو شهر.

واستجوبت قاضية التحقيق العسكري الأول، غادة أبو علوان، الموقوفَين علي الكردي وهيثم أمهز اللذين كانا يقودان الشاحنة التي تحمل المتفجرات، وأصدرت مذكرتَي توقيف بحقهما، في حين ادُّعي على 11 شخصاً آخرين من «الحزب»، لا يزالون متوارين عن الأنظار.

وتداولت وسائل إعلام مؤخراً «تسوية غير معلنة» يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري؛ لاحتواء أزمة إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، تقوم على استمرار الملاحقات القضائية بحق المتورطين، مقابل تجنب الإحالة إلى المجلس العدلي التي يرفضها «حزب الله» تماماً.