النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

تبدت وجوهها واضحة حيناً واختبأت أحياناً خلف أقنعة مختلفة

محمود درويش
محمود درويش
TT

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سواء من خلال سفور الأنا عن وجهها على نحو مباشر، أو من خلال اختبائها خلف أقنعة وأساطير وتوريات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونيس وأيوب ولعازر والمتنبي وغيرهم.

إلا أن أي مقاربة لهذه المسألة ستظل موضع ريبة والتباس، ما لم تتم الإشارة إلى نقطتين مهمتين، تتمثل الأولى بكون النزوع النرجسي ليس بحد ذاته هنة أو نقيصة، وهو لا يكون كذلك إلا حين يتفاقم أمره ليصبح نوعاً من البارانويا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي، ولم تحُلْ دون تصدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته.

ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الرواد والأجيال التي تبعتهم، فإننا نجد لدى سعيد عقل وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش، على نحو خاص، الكثير من الشواهد الدالة على تأصل هذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة.

أدونيس

وإذا كان اسم سعيد عقل هو أول ما يتبادر إلى الذهن لدى حديثنا عن تعاظم الأنا وتفاقمها؛ فلأن شعره ومواقفه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قلّ نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بل إن صاحب «قدموس» لا يترك للباحث عن الشواهد الدالة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها ليست سوى انعكاس لزهوه النرجسي وذاته المتعالية. وسواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عن الدوران حول محور واحد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط.

حين قام شولوخوف، صاحب «الدون الهادئ»، بزيارة إلى بيروت، وطُلب من سعيد عقل المشاركة في حفل تكريمه، لم يستطع الأخير تجنب الإشادة بنفسه إلى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً:

لئن تحكِ عن نهرٍ فشطر قصيدتي

يطلّ وهزّ السيف يكتملِ الشطرُ

وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحاً نفسه:

أقول الحياة العزم حتى إذا أنا

انتهيتُ تولى القبر عزميَ من بعدي

وحيث لا يتوانى عقل عن الغمز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشعر؟»، فإن الاعتداد النرجسي بالذات، بتقمص أحياناً مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني أنّى نشأ لبنانا».

أما نزار قباني، فقد حملت تجربته وأعماله وعلاقته بالمرأة أشكالاً من الزهو والانتشاء بالذات، لم يشهد الشعر العربي مثيلاً لها منذ تجربة عمر بن أبي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم الممسك بخيوط اللعبة، وقائد أوركسترا المتعة والإغواء. وهو إذ يوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأسرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول:

لفّي تحارير الهوى وامضي

أنا في السماء وأنت في الأرضِ

ما أنتِ من بعدي سوى طللٍ

أنقاضهُ تبكي على بعضِ

وإذا استثنينا أعمال نزار السياسية التي تضطر فيها ذات الشاعر إلى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فإن نتاج قباني المترع بعشرات المغامرات والتجارب العاطفية، ما هو إلا انعكاس لصور الأنا المترامية التي تكرر نفسها في مرايا الفحولتين الشعرية والعشقية. والأرجح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية.

كما لا يتحرج قباني من إظهار براعته في الإيقاع بالنساء، وصولاً إلى تنصيب نفسه زعيماً بلا منافس لجمهورية العشق والعاشقين. لذلك؛ فهو يخاطب إحدى نسائه الساذجات في قصيدة «نرجسية» بالقول: «هل ممكنٌ أيتها الساذجة السطحية الحمقاءْ. هل ممكنٌ أن تجهلي أنّي الذي أسس جمهورية النساءْ».

وإذ يحاول نزار مواراة اعتداده بنفسه خلف أقنعة كثيرة تحفل بها قصائده ومقطوعاته، وبينها شهريار وديك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فهو يؤثِر في قصائد أخرى إظهار هذه النرجسية على نحو مكشوف، كما في قصيدته «الرسم بالكلمات» التي توصل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى.

النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

وإذا كان أدونيس واحداً من الشعراء الذين تستبطن تجربتهم الكثير من ملامح النزعة النرجسية ومواصفاتها، فإن رغبة الشاعر في التفرد تظهر من خلال اتخاذه من الإله الفينيقي أدونيس، الذي قتله الخنزير البري على ضفاف نهر إبراهيم، اسماً بديلاً عن اسمه الأصلي. ومن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة.

ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة على البعد النرجسي في تجربة أدونيس وأعماله. لا، بل إن الأساطير والرموز التي يستخدمها في شعره، هي نفسها قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع»، ما يقدم الشواهد الدالة على الأنا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها المشتهى. وإذ يضع الشاعر لفصل الكتاب الأول اسم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى.

كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لخوارج الأرض ومجانينها ومشعلي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو علي أحمد سعيد وعلي أحمد إسبر، وهو أدونيس الذي «أحبته عشتار وتستدعيه الشعوب». واللافت، أن النرجسية التي اتخذت شكلاً موارباً على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صريح، وإن اتخذت شكل سؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟».

ولا يختلف الأمر في أعمال أدونيس الأخرى، حيث يرتدي الشاعر قناع مهيار، الهادم المؤسس «الذي لا أسلاف له وفي هويته جذوره». وهو الذي يبشر العالم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهذه الأنا بالذات هي التي تدفع صاحبها إلى أن يختبئ في ديوانه «الكتاب» خلف قناع المتنبي، الشاعر الأكثر فرادة وتأثيراً في تاريخ العرب، فضلاً عما تحيل إليه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الذي تحيل تسميته إلى إلياذة هوميروس وإنياذة فيرجيل.

وإذا كان في شخصية محمود درويش وشعره، الكثير من الزهو النرجسي الذي يظهر جلياً في قصائده، فإن صاحب «الهدهد» قد نجح في تصريف جزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، التي نقلها التغييب والظلم إلى خانة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يصنعون طاغيتهم بأيديهم، هم أنفسهم الذين يصنعون نرسيسهم؛ لكي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته.

والأرجح أن درويش حين حاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، لم يكن يقصد سوى نفسه، حين قال: «كان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهداً فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرةً ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحبَّ فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلاً لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ».


مقالات ذات صلة

نجيب محفوظ... الغائب الحاضر دائماً

ثقافة وفنون قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

نجيب محفوظ... الغائب الحاضر دائماً

في مثل هذا اليوم من عام 2006، رحل نجيب محفوظ، المولود عام 1911، مخلفاً إرثاً روائياً ونثرياً هائلاً، أهله لنيل «جائزة نوبل» عام 1988، ليكون بذلك أول عربي،

د. رشيد العناني (لندن)
ثقافة وفنون قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس عام 2006، يمعن الناقد المصري الدكتور محمد بدوي النظر والتأمل في عالم أديب نوبل

عمر شهريار
كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

«الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

صدر حديثاً العدد 118 (أغسطس/ آب 2026) من مجلة «الشارقة الثقافية»، وقد تضمَّن مجموعة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل

«الشرق الأوسط» (الشارقة)

نجيب محفوظ... الغائب الحاضر دائماً

قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
TT

نجيب محفوظ... الغائب الحاضر دائماً

قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

في مثل هذا اليوم من عام 2006، رحل نجيب محفوظ، المولود عام 1911، مخلفاً إرثاً روائياً ونثرياً هائلاً، أهله لنيل «جائزة نوبل» عام 1988، ليكون بذلك أول عربي، ورابع أفريقي يحصل على هذه الجائزة العالمية المعتبرة.

رغم الغياب، لا يزال محفوظ حاضراً بقوة، فلا تكاد تمر سنة من دون صدور كتاب عنه يتناول تجربته الروائية العريضة وعمق كتاباته وأبعادها الاجتماعية والتاريخية، التي تحتمل أكثر من تفسير وتأويل، كما حصل، على سبيل المثال، مع روايته الكبرى «أولاد حارتنا»، التي نوهت بها الأكاديمية السويدية حين منحته «جائزة نوبل».

محفوظ لم يكن روائياً فحسب، فقد مارس الصحافة أيضاً من خلال كتابة عمود أسبوعي في جريدة «الأهرام» من 1974 حتى 1994، حين تعرض لاعتداء.


نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
TT

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي، ولا تكاد تمر سنة من دون أن يصدر كتاب يتناول تجربته الروائية وأعماله وحياته، بالإضافة إلى عشرات المقالات النقدية.

وبهذه المناسبة، ننشر هنا مقالين. الأول، هو قراءة في الأعمدة الأسبوعية التي كان ينشرها محفوظ في جريدة «الأهرام» المصرية، واستمرت عشرين سنة، من 1974 إلى 1994، وتوقفت بعد محاولة اغتياله. وفي المقال الثاني، عرضٌ لكتاب مكرَّس لرواية محفوظ الجدلية «أولاد حارتنا». والكتاب، وهو جزء من مشروع نقدي ستصدر أجزاؤه الأخرى قريباً، هو بمنزلة إعادة قراءة تقارب هذه الرواية مقاربةً نقدية أدبية بحتة، بعيداً عن التأويلات التي أُسقطت على هذا العمل الكبير من خارجه.

رشيد العناني

من جوانب نجيب محفوظ التي يقل الالتفات إليها جانب الكاتب صاحب العمود الأسبوعي في صحيفة يومية. الكاتب المنشغل بالأحداث الجارية، والوقائع اليومية -في السياسة، والاجتماع، والاقتصاد- التي تشغل الناس، والحكومات، وتصنع العناوين الرئيسة في الصحافة، وسائر وسائل الإعلام. هذا ما كان يشغل محفوظ في عموده الأسبوعي في جريدة «الأهرام» المسمّى «بوجهة نظر»، والذي كان عادة في حدود 300 كلمة تتناول الأحداث الجارية وقتها، والذي بدأه في 1974، واستمر يكتبه أسبوعياً حتى حادث الاعتداء على حياته في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1994، فانقطع لفترة، ثم لم يلبث أن عاد لمواصلة العمود عن طريق حوار يجريه معه أسبوعياً الكاتب محمد سلماوي. المقالات جمعها فتحي العشري في عدة كتب، إلا أنه اختار أن يبوب المقالات حسب موضوعاتها (حول الدين، الديمقراطية، التعليم... إلخ)، ضارباً عرض الحائط بالتسلسل الزمني للمقالات حسب تاريخ نشرها. لكن من حسن الحظ أنه عندما تُرجمت المقالات إلى الإنجليزية، ونُشرت في أربعة مجلدات عن دار «جنكو» البريطانية بعنوان: «كتابات نجيب محفوظ غير القصصية»، فإن الناشر والمترجمين اعتمدوا المنهج الزمني، فأعادوا للمقالات تسلسلها حسب تاريخ النشر، ما يتيح للدارس رصد الفكر المحفوظي، رصداً يتتبع تجاوبه مع أحداث الساعة كما وقعت حين كتابة المقالات، وهو ما لمسته حين كتبت بتكليف من الناشر المقدمات للأجزاء الأربعة.

ترى ما الذي يميز تلك المقالات الأسبوعية القصيرة التي كتب محفوظ منها ما لا يقل عن 1500 مقالة عبر ثلاثة عقود ونيف؟ قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات مجتمعة اليوم يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي، والمعلق على الأحداث العامة، والمحلل السياسي الهاوي. أعدت على سبيل المثال قراءة المقالات التي كتبها في الفترة ما بين 1982 و1988، والتي تمثل الجزء الثالث من السلسلة، والمُعَنوَن: «سنوات مبارك المبكرة: 1982-1988» (صدرت الطبعة الورقية منه هذا العام). نُشرت المقالات أسبوعياً على مدى ست سنوات في الفترة الحرجة من تاريخ مصر المعاصر التي أعقبت اغتيال السادات، وتصاعد فيها الإرهاب، واشتدت الأزمة الاقتصادية في أعقاب سياسة الانفتاح الاستهلاكي التي ميزت عصر السادات... إلخ. كانت الصورة قاتمة تماماً، إلا أن ما لفتني في المقالات أنك تجد التفاؤل يقطر من مقالات محفوظ، والروح الإيجابية تنبض بها كلماته أسبوعاً بعد أسبوع. كانت مقالاته على وعي تام بالعيوب، والسلبيات، وإرث الديكتاتورية، والهزائم، والديون، والفقر، وأزمات الحياة اليومية، وضياع الشباب، وتفتت الوحدة الوطنية، وانتشار التعصب، والتفرق العربي، وحروب المنطقة، وتعثر التحول الديمقراطي... إلى آخر القائمة الطويلة، إلا أن روح القنوط لم تتسلل أبداً إلى مقالاته. كان يتجاوز هذا كله مقترحاً الحلول، وطالباً العبرة من الماضي، ومتطلعاً إلى مستقبل أفضل، وباثّاً العزيمة والأمل دائماً في مَن يقرأه. أدهشتني هذه الروح الشابة المتفائلة في غير هوادة في كاتب شيخ عاصر تراجع النهضة المصرية من أوائل القرن إلى أواخره. ازددت إعجاباً به، إلا أنني كنت على وعي بالمفارقة الكبيرة بين كتاباته الصحافية وكتاباته القصصية. إذا ما تركنا هذه المقالات وعدنا إلى رواياته، وقصصه القصيرة من نفس الفترة، فلن نجد فيها بارقة أمل. تلك هي الفترة التي نُشرت فيها «الباقي من الزمن ساعة»، «أمام العرش»، «يوم قُتل الزعيم»، «قشتمر»، وغيرها. هنا يصدمنا الواقع، والإحباط القومي والفردي بكل شراسته. أيُّ الصورتين نصدق؟ الصورة الفنية بطبيعة الحال. ولكنني أكبرت فيه القدرة على التفرقة بين التناول الفني حيث لا مناص من تصوير الوضع البشري في أحلك صوره، والتناول اليومي المباشر أمام الجمهور الذي يحتاج حلولاً وأفكاراً تعينه على مواجهة الحياة، ولا تدفع به نحو اليأس الكامل.

في سياق الحديث عن عمود الأحداث الجارية لمحفوظ أحب أن أقف عند مثال من استخدامه الخلّاق له. بتاريخ 23 أبريل (نيسان) 1987 كتب محفوظ مستشرفاً عيد تحرير سيناء (25 أبريل) من آخر فلول الاحتلال الإسرائيلي قائلاً: «ولتكن أيضاً مناسبة نذكر فيها أبطال التحرير، مثل أحمس، وعمر مكرم، وعرابي، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وسعد زغلول، ومصطفى النحاس، ومحمد نجيب، وجمال عبد الناصر (وكان قد ذكر السادات في موضع آخر من المقالة)، الأحياء في قلوبنا، وفي رحاب ربهم».

تُرجمت مقالات محفوظ إلى الإنجليزية ونُشرت في 4 مجلدات اعتمدت المنهج الزمني بعكس الطبعة العربية

أي عبقرية، وأي نظرة شمولية، وأي حس وطني ذلك الذي يقرن اسم أحمس الأول الفرعون المصري العظيم، مؤسس الأسرة الثامنة عشرة، ومحرر مصر من رعاة الشمال، الهكسوس، الذين احتلوا مصر السفلى لنحو مائة عام، بينما انحصر حكم الفراعنة في مصر العليا في طيبة، إلى أن شن أحمس حملة عليهم طردتهم من مصر السفلى، ومن سيناء، معيداً مجد الإمبراطورية المصرية القديمة. وكان ذلك من نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة. إلا أن نجيب محفوظ (الذي كتب روايته التاريخية الشهيرة «كفاح طيبة» عن أحمس، 1944) يقرن اسمه بأسماء قادة مصر المعاصرين من القرن العشرين. هذه هي وحدة التاريخ الوطني. هذا هو الفهم الحقيقي لتاريخ مصر، وتسلسله عبر العصور. هذا هو الوعي الذي يدرك الصلة والتشابه والقدوة الصالحة عبر آلاف السنين. هذا هو الحس الذي لم يفقد وعيه بتاريخ الوطن الممتد في الزمان حتى بداياته. وهي رسالة محفوظ لكل حاكم مطلق مزهو بنفسه يظن أن تاريخ مصر يبدأ به، وأن ما قبله كان عدماً. للسبب نفسه يذكر محفوظ في نفس القائمة اسمي مصطفى النحاس، ومحمد نجيب، وقد كانا من الأسماء المحرمة الممحوة من تاريخ مصر في الفترة الناصرية، وكانت كتب التاريخ تعلم التلامذة أن عبد الناصر كان أول رئيس للجمهورية المصرية (متجاهلةً محمد نجيب)، وأنه كان أول مصري يحكم مصر منذ عهد الفراعنة. لو كان لدى الدولة وجهازها الإعلامي والتعليمي حسّ بالتاريخ المصري لكان اسم أحمس تردد عالياً يوم تحرير سيناء، فما حدث في حرب 1973 وحتى اكتمال تحرير سيناء في 1982 ثم 1989 هو بالضبط ما قام به أحمس الأول قبل 35 قرناً من الزمان. لكن هذا لم يحدث، فليس في وعي الدولة المصرية الحديثة هذه الصلة الوطنية الممتدة في الماضي البعيد. لكن ما انقطع في فهم الدولة يعيد وصله نجيب محفوظ في مقالة صحافية عابرة. ليس من عجب أنه كثيراً ما وُصف بأنه ضمير مصر الحي.

لا يكفُّ نجيب محفوظ عن إدهاشي كلما أعدت قراءته بمعاصرته لهموم اليوم، حتى في هذه المقالات الآنية الوجيزة المواكبة لأحداث يومها. وكأنه حي بيننا لم يُوارَ التراب منذ عشرين عاماً. بتاريخ 27 سبتمبر (أيلول) 1990 كتب مقالة بعنوان: «الدروس القاسية» في معرض الحديث على غزو صدام حسين للكويت الذي لم يكن قد مضى عليه شهران بعد، وكانت الأزمة لا تزال في ذروتها، كتب قائلاً: «البلوى تكمن عادة في زعيم مستبد يفرض ذاته بالقوة، ويهيمن على أجهزة الإعلام حتى يتراءى لنفسه وقومه كأنه فوق البشر، وينطق عن الوحي، ويتصرف بالإلهام. ولا يثوب إلى رشده إلا وهو في قاع الهاوية. متى تبرأ الأوطان العربية من ذلك الداء القاتل؟ متى تُعدّ بيتها للحياة في هذا العصر؟ متى تؤمن بالحرية واحترام حقوق الإنسان؟». لا نزال نسأل معه «متى؟»، نسأل بنفس السخط، وبنفس الإلحاح «متى؟»، وكأن ثلاثين عاماً لم تمضِ على سؤاله. إما أن محفوظ كان يتمتع برؤية تنبئية تجعل كلامه صالحاً لقادم الأزمان، وإما أننا قد تجمدنا عند لحظة سؤاله. تحولنا إلى أصنام. توقفت ساعاتنا عن الدوران، بينما تدور الساعات في كل مكان آخر. صرنا مأسورين في زمن ماضٍ قبيح، وكلما حاولنا الخطو خارجه، وكلما حاولنا فكّ الحصار، رُددناً على أعقابنا محسورين إلى داخل الدائرة المسحورة الشريرة.


محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي
TT

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس عام 2006، يمعن الناقد المصري الدكتور محمد بدوي النظر والتأمل في عالم أديب نوبل، وتحديداً في روايته الإشكالية «أولاد حارتنا»، التي أثارت كثيراً من الجدل على مدار عقود، فيُصدر عنها كتاباً نقدياً بعنوان «مملكة الله: نجيب محفوظ في أولاد حارتنا»، الذي يأتي في إطار مشروع نقدي كبير لمقاربة أدب نجيب محفوظ، فحسبما أعلن الناقد في نهاية مؤلفه، هناك أكثر من كتاب آخر تحت الطبع عن المدونة الروائية المحفوظية. وأهم ما في هذا الكتاب أنه يخلص الرواية مما تجاذبها طويلاً من قراءات آيديولوجية، وتحيزات سياسية، ومن استدراجها إلى أرض الفقهاء حيناً والسياسيين حيناً آخر، ويُعيدها مرة أخرى إلى أرض العمل الأدبي، الذي يجب قراءته وفهم حمولاته في هذا السياق دون غيره، وبمعايير النقد الأدبي ومناهجه، وليس وفق أهواء وتحزبات وقناعات مسبقة قادمة من حقول أخرى.

الكتاب صدر في القاهرة عن «دار العين للنشر»، في مائتين وثلاثين صفحة، ويسعى لقراءة الرواية بوصفها «سرداً أليجورياً ذا حمولات ترميزية»، بما يجعلها ذات طبيعة أمثولية تمثل شوق الإنسانية إلى العدل، واحتياجها من آن لآخر إلى ثورة تعيده بعد فقدانه وضياعه، وتعيدها إلى مسارها الصحيح كلما ضلت الطريق. لم يتوقف بدوي عند قراءة الرواية فقط، بوصفها نصاً منغلقاً، بل كان دائماً في مراوحات بندولية: أولاً بين النص الروائي وشخوصه وأمكنته الدنيوية كما رسمها السارد، وبين الشخصيات الأصلية التي تحاكيها هذه الشخوص الروائية. وثانياً؛ مراوحات دائمة بين الرواية موضوع الكتاب وغيرها من روايات محفوظ السابقة عليها أو التالية لها، مشيراً إلى وجود امتدادات لفكرة أو أسلوب هنا أو هناك، وتمدد حضوره من عمل لآخر، أو لانقطاع أو تحول أو اختلاف بينها وبين بقية الأعمال. وثالثاً؛ مراوحة بين السارد أو المؤلف الضمني داخل الرواية الذي تحكمه تقاليد النوع الأدبي، وبين نجيب محفوظ الإنسان الواقعي، المحكوم بسياقات سياسية واجتماعية في لحظة كتابة الرواية، بما يؤشر على قفز الناقد فوق مقولة «موت المؤلف»، التي ظلت حاكمة للنقد الأدبي منذ بزوغ البنيوية وصرعة مناهج الحداثة النقدية.

هذه المراوحات، استلزمت من المؤلف قدراً هائلاً، ومثيراً للإعجاب، من المعارف، خصوصاً المعرفة العميقة بالنصوص المقدسة، التي يصعب فهم الرواية دون الرجوع إليها، سواء كانت الكتب المقدسة (القرآن الكريم، والإنجيل، والتوراة) أو النصوص الثانوية الشارحة، من كتب فقه وغيرها، فهذه النصوص تمثل الأصل الذي انبنت عليه الرواية، للوقوف على ما حاكاه السارد، وكيف حاكاه، ومن ثم كان الناقد ينطلق من تفاصيل السرد الروائي إلى تتبع أصوله في السرود المقدسة، وكيف أعاد محفوظ تقديمها بشكل فني، وفقاً لتقاليد الرواية الواقعية، بما يخدم بنيتها الروائية، بدءاً من اختيار المكان الواقعي (حارتنا)، بكل التفاصيل الواقعية التي اعتادها قارئ أدب محفوظ، وفي الوقت نفسه ترميز هذه الحارة بما يجعلها فضاءً كونياً صالحاً لإنتاج أمثولة كونية عن العدل وغيابه والكفاح لاستعادته.

يتكون الكتاب من أربعة فصول وخاتمة. الفصل الأول، «الكتابة والتّقنُّع»، يركز على وضعية السارد وعلاقته بالمؤلف، وكيف بدأ السارد حكايته، مرتدياً عدة أقنعة، أحدها قناع «الحكواتي»، الأقرب إلى شاعر الربابة، الذي يروي حكاية الحارة بعد أن انتقلت إليه شفاهةً من جيل لآخر، على عادة الرواة الشعبيين. والقناع الثاني قناع المؤرخ المحايد، وأول من تعلم حرفة الكتابة في الحارة، ومن ثم يخايل بقناع الحياد التاريخي هذا، وبقناع السارد المراقب فقط أحياناً، لكن مع التوغل في السرد كثيراً ما يتوارى هذا الحياد، وتبزغ انحيازات المؤلف الإنسان، الذي يتدخل أحياناً بوجهات نظره وقناعاته خلال مسارات السرد، ويتجلى هذا الانحياز منذ العنوان، خصوصاً في كلمة «حارتنا»، التي تشير إلى انتماء السارد إلى العالم المرويّ عنه، واتخاذه موضعاً محدداً فيه. تتداخل هذه الأقنعة معاً، ومع وضعية المؤلف المنحاز، لتشكل في كلّيتها جزءاً مهماً من البنية الروائية، ووجهات النظر السردية.

ينقسم الفصل الثاني، «القادمون من أقصى الزمن والسرد»، إلى ثلاثة مباحث؛ أولها يعالج كيفية الإمساك السردي بـ«نغمة» الانطلاق، وفي الوقت نفسه تمثيل حقبة ما قبل بداية البشرية سردياً، إذ «استخدم السرد كلمة الخلاء لتمثيل الهيولي والفراغ، وهو أقصى ما تقدر الواقعية على قوله، لتمثيل ما قبل الخلق، ما قبل امتلاء الفضاء بالكائنات». والمبحثان الثاني والثالث يقاربان كيفية صوغ الحدث المركزي في الرواية، وهو «هبوط لإنسان من جنة عدن إلى الأرض، بعد أن اقترف آدم وحواء جرم عصيان الله»، وكيف صاغ محفوظ هذا الحدث، والشخصيات، والفروقات بين الصياغة الروائية وما ورد في النصوص المقدسة على اختلافها.

الفصل الثالث، «سردية الثورة، خطيئة النسيان»، يشير فيه المؤلف بوضوح إلى أنه «خلف المشاهد والتفاصيل المتدفقة، معنى صلب بالغ الوضوح، يمكن صوغه على نحو بسيط، وربما بصيغة شعارية: العدالة هي الأصل. هي توق الناس القارّ في أجسادهم ولا وعيهم إلى التحرر والانعتاق. هذا التوق يخبو حين يغرق الفضاء في ركام من التفاصيل الصغيرة، وربما المبتذلة، ويقترف الناس إثم النسيان». هذا المعنى الرئيس يجعل الرواية تخلق صراعاً بين سرديتين: سردية الثورة من أجل الانعتاق، ويمثّلها مهمشو وحرافيش الحارة/ العالم، وسردية الثورة المضادة، التي تريد سلب ثروات المهمشين وحرياتهم، ويمثلها «الفتوات» و«ناظر الوقف»، الذين يسعون للسيطرة على مقدرات الشعوب وثرواتها من إرث الجد «الجبلاوي».

الفصل الرابع والأخير بعنوان «شعرية المحاكاة»، يتتبع فيه المؤلف جماليات محاكاة النص الروائي للسرد المقدس.

«أولاد حارتنا» من وجهة نظر الناقد، ليست رواية تاريخية، بل «كنائية، أساسها إنتاج مشابهة، تأتي بشخصية من السرد الأسطوري أو السرد التاريخي، وتقوم بتجذيرها في فضاء غير فضائها، أي في فضاء مختلف في زمانه ومكانه». إنها رواية تبحث عن اليوتوبيا، وتتبنى منطقها، وهذه «معضلة الأمثولة، التي تعني أن ثمة معنى تقوم كل أدواتها بصقله وتزيينه عبر صهر التناقضات، ليصبح المعنى واضحاً جلياً، يقينيا، سابقاً على الكتابة، وتتم البرهنة عليه بكل أدوات السرد»، هذا المعنى هو العدل، والتحرر، والبحث عن عالم مثالي.