مستثمرو الخليج يصنعون الفارق في أضخم اكتتاب بتاريخ «وول ستريت»

بقيمة سوقية ناهزت 1.78 تريليون دولار مع بدء تداول أسهم «سبايس إكس» في ناسداك

موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
TT

مستثمرو الخليج يصنعون الفارق في أضخم اكتتاب بتاريخ «وول ستريت»

موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)

مع بدء تداول أسهم شركة «سبايس إكس» رسمياً في بورصة ناسداك بقيمة سوقية بلغت 1.78 تريليون دولار، لم يعد الحديث عن دور الأموال الخليجية مجرد تكهنات أو تسريبات صحافية. لقد رفعت إفصاحات اللحظات الأخيرة ونشرة الاكتتاب العامة الستار عن حقيقة اقتصادية بالغة الأهمية: صناديق الثروة السيادية والمستثمرون في دول مجلس التعاون الخليجي لم يكونوا مجرد مشاركين عابري القارات، بل شكلوا العمود الفقري والمحرك الأساسي لأضخم عملية جمع أموال في تاريخ الأسواق المالية (75 مليار دولار)، ليتحول الخليج إلى شريك تاريخي في صياغة مستقبل الفضاء والذكاء الاصطناعي.

إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)

وفي الوقت الذي تلقت فيه صناديق التحوط العالمية تخفيضات حادة في طلباتها بسبب التدافع القياسي الذي تجاوز 250 مليار دولار، كشفت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية نقلاً عن مصادر مطلعة على سجلات الطرح، أنه تم منح الأولوية للصناديق السيادية والمكاتب العائلية، حيث وضعت «سبايس إكس» الصناديق الخليجية في صدارة قائمة المكتتبين الاستراتيجيين.

ووفق الصحيفة، جاء التوزيع الخليجي الرسمي في صدارة قائمة كبار المكتتبين؛ حيث حصل كل من صندوق الاستثمارات العامة السعودي وجهاز قطر للاستثمار والهيئة العامة للاستثمار الكويتية، على حصص تبلغ قيمتها أكثر من مليار دولار لكل منهم حجم تخصيص نهائي، وهي أرقام تقترب من حجم طلب عملاق إدارة الأصول الأميركي «بلاك روك» الذي طلب حصة بـ5 مليارات دولار.

هذا التهافت غذّته أيضاً قواعد «الدخول السريع» التي أقرها مزودو المؤشرات العالمية مثل «ناسداك» و«فوتسي راسل»، والتي تسمح بضم السهم إلى مؤشراتها الكبرى (مثل ناسداك 100) خلال من 5 إلى 15 يوم تداول فقط، مما جعل اقتناص السهم من الدفتر الأول معركة استباقية للصناديق.

قصة صعود حصة «المملكة»

تُقدم حالة الأمير الوليد بن طلال وشركة «المملكة القابضة» النموذج الأبرز لكيفية جني المستثمرين الخليجيين مكاسب دفترية تاريخية بفضل علاقتهم الاستراتيجية الممتدة مع إيلون ماسك، وتجسيداً عملياً لتعهد ماسك في 2024 حين كتب عبر منصته: «الولاء يستحق الولاء»، واعداً بمنح الأولوية لمستثمريه القدامى.

مبنى «المملكة القابضة» في الرياض (واس)

بدأت هذه الرحلة في عام 2011 عندما ضخ الأمير الوليد استثماراً بقيمة 300 مليون دولار في منصة «تويتر» (إكس حالياً). وعندما استحوذ ماسك على المنصة في عام 2022، اتخذت «المملكة القابضة» ورئيس مجلس إدارتها الأمير وليد بن طلال قراراً مفصلياً بتدوير الحصة وعدم تسييلها. لاحقاً، ومع التطورات المتسارعة التي أجراها ماسك بدمج منصة «إكس» مع شركته الناشئة للذكاء الاصطناعي «إكس إيه آي»، ثم صهر الكيان بالكامل تحت مظلة «سبايس إكس»، تحولت تلك المساهمة التاريخية رسمياً إلى أسهم ملكية مباشرة في شركة الصواريخ والاتصالات الفضائية، وفقاً لما كشفته وثائق الاكتتاب العام.

ونتيجة لهذه الهندسة الاستثمارية الذكية، كشفت شركة «المملكة القابضة» في إفصاح رسمي ومستقل للسوق المالية السعودية، أن القيمة التقديرية لحصتها المشتركة مع الأمير الوليد بن طلال قفزت لتتجاوز 10.6 مليار دولار بناءً على سعر الاكتتاب النهائي البالغ 135 دولاراً للسهم. ولم يتوقف أثر هذا التقييم عند دفاتر الشركة فحسب، بل انعكس فوراً على أرض الواقع؛ إذ فجّر طفرة سعرية قادت سهم «المملكة القابضة» في السوق المالية السعودية (تداول) للتحليق عند أعلى مستوى له منذ 10 سنوات كاملة.

معادلة الذكاء الاصطناعي

بالتوازي مع هذه المكاسب المباشرة، تُظهر البيانات التشغيلية المنشورة ومجريات صفقات «سبايس إكس» المدمجة أن المستثمر الخليجي نجح في تغيير قواعد اللعبة الاستثمارية التقليدية. فلم يعد رأس المال المقبل من المنطقة مجرد تمويل «صامت» يكتفي بانتظار توزيعات الأرباح؛ بل تحول إلى لاعب استراتيجي يفرض شروطاً واضحة لتوطين التكنولوجيا الفائقة، وبناء البنية التحتية للحوسبة والذكاء الاصطناعي على أراضٍ عربية، مما يضمن نقل المعرفة والسيادة الرقمية بدلاً من ترك العوائد التشغيلية حكراً على «سيليكون فالي».

«هيوماين» في الصورة

تتجسد هذه الاستراتيجية الجديدة بوضوح في تحركات شركة «هيوماين» السعودية، المملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، التي تُعنى بتقديم قدرات الذكاء الاصطناعي الشاملة عالمياً. فوفقاً للبيان الرسمي الصادر عن الشركة، ضخت «هيوماين» استثماراً استراتيجياً ضخماً بقيمة 3 مليارات دولار في جولة التمويل من الفئة «إي» (Series E) لصالح شركة «إكس إيه آي»، وهو الاستثمار الذي تم في منعطف تاريخي يسبق مباشرة عملية الاستحواذ والاندماج الأكبر التي نفذتها «سبيس إكس» في أوائل فبراير (شباط) الماضي، لتتحول بموجبها حصة «هيوماين» بالكامل إلى أسهم ملكية معلنة ومباشرة في الكيان الأم (سبايس إكس) بصفتها مساهماً رئيسياً بحصة أقلية ذات ثقل استراتيجي.

يقف زوار عند جناح شركة الذكاء الاصطناعي السعودية «هيوماين» خلال «مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض (أ.ف.ب)

ويكشف البيان الصحافي أن هذه الشراكة الاستثمارية لم تكن وليدة اللحظة؛ بل جاءت بناءً على اتفاقية شراكة واسعة النطاق تم توقيعها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 خلال «منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي»؛ وبموجبها التزمت «هيوماين» و«إكس إيه آي» بالتطوير المشترك لبنية تحتية ومراكز بيانات للجيل القادم من الذكاء الاصطناعي بقدرة حوسبة تتجاوز 500 ميغاواط، بالإضافة إلى توطين ونشر نماذج «غروك» المتطورة داخل السعودية. حينها، أكد الرئيس التنفيذي لشركة «هيوماين»، طارق أمين، أن هذا الاستثمار يمثل ترجمة عملية لقدرة الشركة على ضخ رؤوس أموال ضخمة خلف منصات تكنولوجية استثنائية تجمع بين التميز التقني والرؤية بعيدة المدى، مشيراً إلى أن الاندماج بين «إكس إيه آي» والبنية التحتية الهائلة لـ«سبايس إكس»، يخلق منصة فريدة للنمو المتسارع وبناء قيمة استثمارية ممتدة تشمل 4 محاور رئيسية: مراكز تكنولوجيا الجيل القادم، والسحابة الفائقة، والنماذج المتقدمة، والحلول التحولية للذكاء الاصطناعي.

وعلى النحو ذاته، صاغت الإمارات تحالفها التكنولوجي؛ حيث ضمنت أبوظبي مقعداً استراتيجياً عبر ذراعها التكنولوجية المتخصصة (MGX) بالتعاون مع شركة «جي 42» في الكيانات المدمجة التابعة لماسك، بالتزامن مع المضي قدماً في بناء مجمع مراكز البيانات الضخم في أبوظبي، والمستند إلى شراكات استراتيجية موازية شملت التزاماً استثمارياً من شركة «مايكروسوفت» بقيمة 15.2 مليار دولار لصالح شركة «خزنة» التابعة للمجموعة.

صورة لسوق ناسداك بعد أن قرع مسؤولو «سبايس إكس» جرس الافتتاح احتفالاً بإطلاق الاكتتاب العام الأولي لأسهم الشركة في نيويورك (أ.ف.ب)

الهندسة المالية والرهان على الفضاء

تُميط البيانات الرسمية التي أوردتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية اللثام عن خطة الصرف الدقيقة لأموال الاكتتاب؛ حيث سيتم فوراً استقطاع 20 مليار دولار من الحصيلة الإجمالية لسداد قرض جسري (Bridge Loan) كانت المجموعة قد سحبته في مارس (آذار) الماضي، لتغطية الديون الناتجة عن دمج أعمال إيلون ماسك للذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي (إكس إيه آي وإكس)، تحت المظلة المالية لـ«سبايس إكس».

أما بقية السيولة، التي تسهم فيها التدفقات النقدية والمليارات الخليجية بشكل وازن بصفتها في صدارة دفتر المكتتبين، فستوجه لتمويل قفزة النمو المقبلة. وعلى رأس هذه التطلعات، يأتي مشروع ماسك الثوري الذي كشف عن تفاصيله لرئيس بنك «جي بي مورغان» خلال الجولة الترويجية للاكتتاب ونشرته الصحيفة البريطانية، والمتمثل في إنشاء «مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الفضاء الخارجي» عبر إطلاق أقمار اصطناعية عملاقة يبلغ طول جناحها 70 متراً، وذلك بوصفه حلاً استراتيجياً ومبتكراً للتغلب على قيود ومحدودية موارد طاقة الكهرباء على كوكب الأرض.

ثقة فولاذية

ما يجعل هذا التموضع الخليجي مثيراً لاهتمام الأوساط المالية في «وول ستريت»، أن الحسابات والبيانات الرقمية الحالية لشركة «سبايس إكس» تنطوي على معادلات استثمارية استثنائية بموجب القواعد التقليدية للسوق؛ فالشركة طُرحت للاكتتاب العام بالتزام مالي يتضمن سداد قرض بقيمة 20 مليار دولار قبيل الطرح لتغطية التزامات الشركات المدمجة (إكس إيه آي وإكس) تحت المظلة الموحدة لـ«سبايس إكس».

مسؤولون «سبايس إكس» يحتفلون بقرع جرس افتتاح التداول في بورصة ناسداك إيذاناً بإطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة (أ.ف.ب)

والأكثر تميزاً في مشهد الطرح، هو تقييم الشركة الذي يعادل 92 ضعفاً لإيراداتها السنوية البالغة 19 مليار دولار؛ ولتبسيط هذا الرقم، فإن الأعراف المالية السائدة تصنف الشركات الكبرى عادةً بناءً على تقييمات لحظية ترتبط بالإيرادات المباشرة، مما يضع القيمة السوقية لـ«سبايس إكس» في مرتبة متقدمة وفريدة بين أكبر تكتلات التكنولوجيا في العالم مقارنة بحجم عملها الحالي.

ورغم هذه الحسابات الدفترية التقليدية، وصفت الأوساط المصرفية توجه الصناديق السيادية والمكاتب العائلية الخليجية بأنها رؤية استراتيجية نافذة عابرة للمخاوف النمطية للأسواق؛ إذ كشف مديرو الاستثمار لصحيفة «فاينانشال تايمز» أنهم عرضوا على عملائهم الخليجيين خيارات «التحوط المالي»، بوصف ذلك إجراء وقائياً تقليدياً مع بدء التداول، إلا أن الجميع رفض التحوط تماماً.

هذا الموقف يعكس تحولاً ناضجاً في العقلية الاستثمارية للمنطقة، التي لم تعد تكتفي بالقراءات والمؤشرات اللحظية؛ بل باتت ترتكز على «اقتناص الفرص الاحتكارية للمستقبل»، استناداً لتوقعات بنك «غولدمان ساكس» (مدير الاكتتاب الرئيسي) الذي تنبأ بقفزة بمقدار 100 ضعف في عوائد الذكاء الاصطناعي للشركة لتصل إلى 322 مليار دولار بحلول عام 2030، لتهيمن على سوق عالمية مستهدفة قيمتها 28.5 تريليون دولار.

وفي المحصلة، أثبت اكتتاب «سبايس إكس» التاريخي أن صناديق المنطقة باتت شريكاً استراتيجياً يملك القدرة على فرض شروط تشغيلية، وتوطين تكنولوجيا المستقبل، وصياغة مشهد جيوسياسي مالي جديد يمتد أثره من عمق صحاري الشرق الأوسط إلى الفضاء الخارجي.


مقالات ذات صلة

تصعيد جديد بين ماسك وألتمان يضع «سبايس إكس» تحت الأنظار

الاقتصاد انطلاق صاروخ «فالكون» الثقيل التابع لشركة «سبايس إكس» حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (أ.ف.ب)

تصعيد جديد بين ماسك وألتمان يضع «سبايس إكس» تحت الأنظار

دخلت «سبايس إكس» أسبوعاً حافلاً بالتطورات، بعدما تصاعد الخلاف بين الملياردير إيلون ماسك والرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا إطلاق صاروخ «ستارشيب» في رحلته الـ13 من مجمع الإطلاق في تكساس الشهر الماضي (رويترز)

«سبايس إكس» تعتزم بناء «ميناء فضائي» في لويزيانا بقيمة 100 مليار دولار

أعلنت شركة «سبايس إكس» المملوكة لإيلون ماسك، الثلاثاء، خططاً لبناء «ميناء فضائي» ضخم في ولاية لويزيانا بجنوب الولايات المتحدة، بتكلفة لا تقل عن 100 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق انطلاق مركبة تابعة لـ«سبايس إكس ستار شيب» وصاروخ «سوبر هيفي في ثري» المعزز في رحلتهما التجريبية الثالثة عشرة من مجمع إطلاق «سبايس إكس» في ستار بيس بولاية تكساس (رويترز)

ترجيح اصطدام جزء من صاروخ تابع لـ«سبايس إكس» بسطح القمر

يُعتقد أن قطعة من صاروخ «سبايس إكس»، تزن أربعة أطنان، قد اصطدمت بسطح القمر عن غير قصد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أعضاء في قيادة شركة «سبايس إكس» وضيوف يحتفلون على شرفة مبنى «ناسداك ماركيت سايت» في يوم الطرح العام الأول لأسهم الشركة (رويترز)

إيرادات «سبايس إكس» تقترب من الضعف مع ازدهار «ستارلينك» والذكاء الاصطناعي

قالت شركة «سبايس إكس» إن إيراداتها كادت تتضاعف في أول تقرير لنتائجها المالية منذ طرحها العام، مدفوعة بالازدهار القوي في أعمال الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
أوروبا صورة من بحيرة بايكال في روسيا (أ.ف.ب-أرشيفية)

مشروع سياحي في روسيا يهدد «بايكال» أكبر خزان للمياه العذبة في العالم

يثير مشروع لتطوير السياحة حول بحيرة بايكال في روسيا مخاوف بيئية متزايدة، بعدما سمحت تعديلات قانونية بقطع الأشجار في مناطق كانت تخضع لحماية مشددة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

بعد عام من كشف خطط الإدراج... «هيوماين» تستقطب متخصصين تحضيراً لطرحها

الرئيس التنفيذي لـ«هيوماين» طارق أمين متحدثاً إلى الحضور (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لـ«هيوماين» طارق أمين متحدثاً إلى الحضور (الشرق الأوسط)
TT

بعد عام من كشف خطط الإدراج... «هيوماين» تستقطب متخصصين تحضيراً لطرحها

الرئيس التنفيذي لـ«هيوماين» طارق أمين متحدثاً إلى الحضور (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لـ«هيوماين» طارق أمين متحدثاً إلى الحضور (الشرق الأوسط)

بدأت شركة «هيوماين » السعودية، المملوكة لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، خطوات عملية للتحضير لطرح أسهمها للاكتتاب العام، مع إعلان رئيسها التنفيذي طارق أمين، استقطاب فريق متخصص للمشارَكة في الإعداد للطرح، في خطوة تشير إلى انتقال خطط إدراج الشركة من مرحلة الإعلان عن الطموح، إلى بناء القدرات اللازمة لتنفيذه.

وأعلن أمين، عبر حسابه على منصة «لينكد إن»، أنه يبحث عن «مجموعة صغيرة من الأفراد الاستثنائيِّين» للانضمام إلى فريق التحضير للطرح العام الأولي، موضحاً أن المطلوبين يجب أن يمتلكوا خبرات رفيعة في شركات الاستشارات الإدارية، إلى جانب خبرة قوية في الجوانب المالية والاستراتيجية والتحضير للاكتتابات، والعمل على استراتيجيات موجهة للمستثمرين.

وأوضح الرئيس التنفيذي أن أعضاء الفريق سيكون عليهم فهم الأعمال والبيانات المالية المُعقَّدة، واختبار استراتيجية الشركة، وبناء قصة استثمارية مقنعة للمستثمرين، فضلاً عن إعداد المحتوى والعروض التقديمية التي ستستخدمها «هيوماين» في عملية التعريف بالشركة أمام المستثمرين.

ولم يحدد إعلان أمين موعداً للطرح أو حجمه أو البورصات التي ستستضيفه، إلا أن الخطوة تأتي بعد أقل من عام من كشفه لـ«الشرق الأوسط» عن أن «هيوماين» تستهدف إدراج أسهمها في السوق السعودية، إلى جانب بورصة عالمية خلال فترة تتراوح بين 3 و4 سنوات.

من إعلان الطموح إلى الاستعداد للطرح

كان أمين قد كشف في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عن أن الشركة تدرس الإدراج في السوق المالية السعودية (تداول) إلى جانب بورصة نيويورك، ضمن خطة تستهدف تنفيذ الطرح خلال 3 إلى 4 سنوات.

ويمثل الإعلان الحالي، عن تشكيل فريق متخصص، أول إشارة علنية إلى بدء بناء الهيكل الداخلي اللازم للتحضير للطرح، ولا يعني في حدِّ ذاته أن موعد الاكتتاب أصبح محدداً، أو أن إجراءات الطرح الرسمية بدأت لدى الجهات التنظيمية.

لكن اختيار أمين التركيز في عملية الاستقطاب على الخبرات الاستراتيجية والتمويل وقصص الاستثمار والعروض المقدمة للمستثمرين، يعكس أهمية بناء رواية استثمارية متماسكة للشركة، في ظلِّ توسُّع أعمالها سريعاً وتنوعها بين البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والحوسبة، والاستثمارات في شركات التكنولوجيا، إلى جانب تطوير منتجات ونماذج خاصة بها.

وكان ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أطلق «هيوماين» في مايو (أيار) 2025؛ بهدف بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي في المملكة، تشمل مراكز البيانات والبنية التحتية والحوسبة السحابية والنماذج والتطبيقات.

صندوق عالمي قد يتجاوز 10 مليارات دولار

ويأتي التحضير للطرح في وقت تتوسَّع فيه «هيوماين» على أكثر من مسار، إذ تخطِّط الشركة لإطلاق صندوق عالمي لرأس المال الجريء هذا العام، قد يتجاوز حجمه 10 مليارات دولار، بحسب ما قاله أمين في مقابلة مع «سيمافور».

وقال أمين إن طموحات الصندوق اتسعت منذ إعلان خطته الأولية البالغة 10 مليارات دولار، مدفوعة بما وصفه بالنجاح المبكر لاستثمار «هيوماين» البالغ 3 مليارات دولار في شركة «إكس إيه آي»، قبل اندماجها مع «سبايس إكس» وطرحها العام الأولي.

ومن المقرر أن يكون للصندوق حضور في الولايات المتحدة والسعودية، إضافة إلى فرنسا والمملكة المتحدة؛ بهدف تسريع وتيرة الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي.

ولا تقتصر استراتيجية «هيوماين» على الاستثمار المالي، إذ قال أمين لـ«سيمافور» إن الشركة لا تتبع نهج «الاستثمارات السلبية»، وإنما ستربط استثماراتها بتوسيع نشاط الذكاء الاصطناعي داخل المملكة.

وبحسب أمين، ستدعم «هيوماين» شركات تلتزم باستخدام مراكز البيانات السعودية لجزء من عمليات الحوسبة الخاصة بها، أو تنقل موظفين إلى المملكة، بما يجعل الاستثمار الخارجي أداةً لجذب مزيد من النشاط الاقتصادي والتقني إلى السعودية.

كما تعتزم الشركة إطلاق ذراع استثمارية أخرى تحت اسم «هيوماين ليمتلس» تركز على الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي داخل المملكة ودعم نموها.

أمين والرئيس التنفيذي لـ«إنفيديا» جنسن هوانغ خلال منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي (رويترز)

2.5 مليار دولار لمراكز البيانات السعودية

وفي موازاة الصندوق العالمي، تعمل «هيوماين» على إنشاء آلية تمويل منفصلة تركز على البنية التحتية المحلية للذكاء الاصطناعي.

ووفق ما أوردته «بلومبرغ» نقلاً عن مصادر مطلعة، تخطِّط الشركة لجمع 2.5 مليار دولار مبدئياً من مستثمرين محليِّين وعالميِّين لصالح صندوق يستثمر في مراكز البيانات داخل السعودية.

ويستهدف الصندوق تمويل 250 ميغاواط من الطاقة الحاسوبية التي تطورها «هيوماين» بالتعاون مع شركة «المعمر لأنظمة المعلومات (MIS)»، مع إمكانية توسيع القدرة إلى نحو 1 غيغاواط.

ومن المتوقع أن تدير «بي إس إف كابيتال» الصندوق، على أن يبدأ استقطاب المستثمرين بعد الحصول على موافقة هيئة السوق المالية، والمتوقعة خلال شهرين إلى 3 أشهر، وفق المصادر.

ويختلف هذا الصندوق عن الصندوق العالمي لرأس المال الجريء من حيث طبيعة الاستثمار؛ إذ يركز الأول على الشركات والتقنيات، بينما يستهدف الثاني تمويل أصول البنية التحتية اللازمة لتشغيل منظومة الذكاء الاصطناعي في السعودية.

تمويل التوسع من عقود استخدام مراكز البيانات

وتعتمد «هيوماين» في تمويل توسعها في مراكز البيانات على نموذج يقوم على عقود شراء أو استخدام مستقبلية مع شركات تكنولوجيا عالمية كبرى.

وقال أمين لـ«سيمافور» إن هذه الاتفاقات، أو ما تُعرف بعقود الـ«أوف تيك»، وفَّرت أساساً قابلاً للتمويل المصرفي، ومكَّنت الشركة من تسريع الحصول على الديون لتمويل توسعها.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المملكة إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الرأسمالي، وإعادة جدولة بعض المشروعات العملاقة، بينما تواصل «هيوماين» تنفيذ خططها في الذكاء الاصطناعي اعتماداً على الطلب المتوقع من شركات التكنولوجيا العالمية.

كما دخلت «هيوماين» في شراكة بقيمة 3 مليارات دولار مع «بلاكستون» للمساعدة في تمويل صفقات مراكز البيانات.

ويرى أمين أن الطلب من شركات التكنولوجيا العالمية الكبرى لم يتراجع، حتى في ظلِّ الحرب، مشيراً إلى أنَّ تكلفة الحوسبة عبر مراكز بيانات «هيوماين» تقل بنحو 30 في المائة عن مستوياتها في مناطق أخرى من العالم.

أمين خلال كلمته في «ليب 2026» (الشرق الأوسط)

6 غيغاواط من مراكز البيانات بحلول 2034

وتستند خطة الطرح والتَّوسُّع إلى برنامج استثماري ضخم في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وتخطِّط «هيوماين» لإنشاء مراكز بيانات بقدرة إجمالية تصل إلى 6 غيغاواط في السعودية بحلول عام 2034، بينما حصلت على التزام بتوفير 16 غيغاواط من الطاقة من وزارة الطاقة السعودية.

كما أبرمت الشركة اتفاقات مع عدد من شركات التكنولوجيا العالمية، من بينها «xAI»، و«غروك» و«إنفيديا» و«كوالكوم»، إضافة إلى استثماراتها في شركات ناشئة بمجال الذكاء الاصطناعي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أعلنت «هيوماين» استثمار 3 مليارات دولار في «xAI»، في صفقة وصفها أمين لاحقاً بأنها كانت «نجاحاً كبيراً»، في الوقت الذي وسَّعت فيه الشركة حضورها في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية.

الطاقة تحدٍّ أمام سباق الذكاء الاصطناعي

ورغم ضخامة خطط الاستثمار، فإن أمين يرى أن التحدي الأكبر أمام صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية قد لا يكون التمويل أو الرقائق، بل توافر الطاقة.

وقال لـ«سيمافور» إن العالم لا يملك حالياً قدرةً كافيةً على توليد الطاقة لمواكبة الطلب المتوقع على مراكز البيانات والحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي.

وتحصل «هيوماين» على التزام سعودي بتوفير 16 غيغاواط من الطاقة، لكن قدرة المملكة على تحويل هذه الالتزامات إلى إمدادات فعلية بالتزامن مع نمو الطلب على الحوسبة ستكون عاملاً رئيسياً في تحديد سرعة توسع الشركة.

ويشير ذلك أيضاً إلى تحدٍّ يرتبط بنموذج التمويل القائم على عقود الاستخدام المستقبلية؛ فكلما ارتفع الطلب على مراكز البيانات، احتاجت الشركة إلى مزيد من الطاقة والتمويل لتوسيع قدرتها، ما يجعل توافر الكهرباء عاملاً حاسماً في استمرار دورة الاستثمار.

مراكز البيانات تتحول إلى بنية تحتية استراتيجية

وأثرت الحرب الأميركية ـ الإيرانية كذلك على طريقة تعامل «هيوماين» مع بنيتها التحتية، من دون أن تؤدي، بحسب أمين، إلى تراجع الطلب من شركات الذكاء الاصطناعي.

وقال إن الشركة تعمل على تعزيز التحصينات الأمنية حول مراكز البيانات التي تبنيها في السعودية، بعدما أظهرت الحرب تعرض البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في أجزاء أخرى من الخليج لمخاطر أمنية.

وأضاف أن مراكز البيانات أصبحت تُعامَل بوصفها «بنية تحتية وطنية حيوية»، مشيراً إلى أن «هيوماين» توزع مراكزها في مناطق مختلفة من المملكة، وتعمل على تعزيز بنيتها الأمنية والمرونة التشغيلية فيها.

وتستفيد الشركة في هذا الجانب من الخبرات التي طوَّرتها «أرامكو» في حماية بنيتها التحتية للطاقة، بوصفر «أرامكو» أحد مساهمي «هيوماين».

الرقائق الأميركية تفتح الطريق أمام التوسع

وفي جانب الرقائق، قال أمين إن الشراكة الاستراتيجية الأميركية ـ السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي تمنح «هيوماين» إمكانية الوصول إلى أشباه الموصلات التي تحتاج إليها لتنفيذ خططها، عادّاً أنه لا يرى عقبات أمام حصول الشركة على الطاقة الحاسوبية اللازمة من الرقائق.

وبموجب الإطار المرتبط بالشراكة مع الولايات المتحدة، لن تسمح «هيوماين» بتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية المتقدمة على قدراتها الحاسوبية، لكنها ستتيح استخدام النماذج الصينية مفتوحة المصدر في عمليات الاستدلال، وفق أمين.

وتأتي هذه الترتيبات في وقت تسعى فيه السعودية إلى بناء منظومة ذكاء اصطناعي متكاملة تجمع بين الاستثمار في الشركات والتقنيات، وبين تطوير بنية تحتية ضخمة للحوسبة داخل المملكة.

وبدء استقطاب فريق متخصص للتحضير للطرح يضيف بُعداً جديداً إلى هذه الاستراتيجية، إذ تستعد «هيوماين» في الوقت نفسه لتوسيع قاعدة استثماراتها عالمياً، وبناء مراكز بيانات بمليارات الدولارات، وتطوير منتجاتها الخاصة، وتهيئة الشركة لرواية استثمارية تستهدف المستثمرين في السوق السعودية والأسواق العالمية.


بوتين: النفط بدأ يتدفق عبر خط «فوستوك» التابع لـ«روسنفت»

شعار شركة روسنفت الروسية (رويترز)
شعار شركة روسنفت الروسية (رويترز)
TT

بوتين: النفط بدأ يتدفق عبر خط «فوستوك» التابع لـ«روسنفت»

شعار شركة روسنفت الروسية (رويترز)
شعار شركة روسنفت الروسية (رويترز)

نقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية للأنباء عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قوله اليوم السبت، إن النفط بدأ يتدفق عبر خط أنابيب رئيسي تم تشغيله حديثاً في إطار مشروع «فوستوك أويل».

ويتبع المشروع شركة «روسنفت»، ويقع بمنطقة كراسنويارسك الروسية، حيث ينقل الخام إلى محطة ميناء خليج سيفير لتحميله على الناقلات.

ووصف بوتين بدء تدفق الخام بأنه خطوة مهمة في تطور مشروع «فوستوك أويل».

يأتي هذا في الوقت الذي تواجه فيه روسيا نقصاً في مشتقات النفط وتكريره، ما أدى إلى شح في إمدادات الديزل، جراء هجمات أوكرانيا المكثفة بالمسيرات.


محادثات متوقعة بين أميركا والصين حول سلامة الذكاء الاصطناعي في سبتمبر

مهندس يقوم بتهيئة روبوت خلال فعاليات سيميكون تايوان 2026 في تايبيه 2 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
مهندس يقوم بتهيئة روبوت خلال فعاليات سيميكون تايوان 2026 في تايبيه 2 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

محادثات متوقعة بين أميركا والصين حول سلامة الذكاء الاصطناعي في سبتمبر

مهندس يقوم بتهيئة روبوت خلال فعاليات سيميكون تايوان 2026 في تايبيه 2 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
مهندس يقوم بتهيئة روبوت خلال فعاليات سيميكون تايوان 2026 في تايبيه 2 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

تستعد الولايات المتحدة والصين لمناقشة مخاطر سلامة الذكاء الاصطناعي خلال حوار مقرر في منتصف سبتمبر (أيلول)، وذلك في وقت تصل فيه قدرات الذكاء الاصطناعي سريعة التطور إلى نقطة تحول عالمية، حسبما نقلت «رويترز» عن مصدرين مطلعين.

وذكر المصدران أن المحادثات ستكون أول مناقشات ثنائية رسمية مخصصة للذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين منذ تولي الرئيس دونالد ترمب منصبه لولاية ثانية، وسيقودها من الجانب الأميركي وزير الخزانة سكوت بيسنت. غير أن مسؤولاً في البيت الأبيض قال إنه «لا يوجد حالياً اجتماع متعلق بالذكاء الاصطناعي مقرر في منتصف سبتمبر».

ومن المقرر أن يلتقي ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ في 24 سبتمبر خلال قمة في واشنطن.

وقال أحد المصدرين إن الولايات المتحدة ترغب في بحث التعاون بشأن مراقبة الهجمات الإلكترونية التي يوجهها الذكاء الاصطناعي، وقد طرحت اقتراحاً يطلب من مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية والصينية أن «تراقب نفسها»، وتتبادل المعلومات لمنع الهجمات الإلكترونية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وقالت شركة «أوبن إيه آي» وباحثون في الأمن الإلكتروني، الأسبوع الماضي، إن ما يقرب من 700 وكيل ذكاء اصطناعي خارج عن السيطرة ومبني على نماذج «أوبن إيه آي»، اخترق شركة «هاجينغ فيس» الناشئة للذكاء الاصطناعي في يوليو (تموز)، وحاول إخفاء آثاره عبر تزوير السجلات.

وأفادت «رويترز»، يوم الجمعة، أن سرباً من وكلاء «أوبن إيه آي» اخترق موقعاً إلكترونياً في ألمانيا هذا الربيع، وحوّله إلى لوحة إعلانات لوكلاء ذكاء اصطناعي آخرين.

وقال بول تريولو، الشريك في مجموعة «دي جي إيه - ألبرايت ستونبريدغ»: «المحادثات بين القوتين العظميين في الذكاء الاصطناعي تأتي في أكثر اللحظات أهمية... إما أن تُعقد الآن أو لن تُعقد مطلقاً».

وتشعر واشنطن أيضاً بالقلق من احتمال ظهور نموذج صيني في المستقبل بمستوى «ميثوس»، يمتلك قدرات على تنفيذ هجمات إلكترونية. وشركة التكنولوجيا الأميركية «أنثروبيك» هي مطورة نموذج «ميثوس».

وفي يونيو (حزيران)، اتهم كبير مستشاري البيت الأبيض للعلوم والتكنولوجيا مايكل كراتسيوس، شركة «مونشوت إيه آي» الصينية، بسرقة مخرجات من نموذج «فابل» التابع لـ«أنثروبيك» للمساعدة في تطوير إصدارها (كيه 3)، قائلاً إن الشركة الصينية تعمل على تقطير نموذج «أنثروبيك».

ويشير مصطلح التقطير إلى عملية تدريب نماذج ذكاء اصطناعي أصغر باستخدام مخرجات نماذج أكبر وأكثر تكلفة، بهدف خفض تكاليف تدريب أداة ذكاء اصطناعي جديدة وقوية.