مبعوث ماكرون الشخصي: الوقف المسبق لإطلاق النار شرط أساسي لنجاح المفاوضات مع إسرائيل

جان إيف لو دريان: «حزب الله» هو ذراع إيران في لبنان... ومصلحة نتنياهو المباشرة ليست التوصل إلى اتفاق

الرئيس اللبناني جوزيف عون مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
TT

مبعوث ماكرون الشخصي: الوقف المسبق لإطلاق النار شرط أساسي لنجاح المفاوضات مع إسرائيل

الرئيس اللبناني جوزيف عون مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

تنظر باريس بكثير من القلق للوضع السائد في لبنان؛ بسبب تواصل الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، ولما لها من امتدادات وتداعيات بشرية ومادية متزايدة.

كذلك ترى باريس أنَّ التركيز على مجريات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتداعياتها المرتبطة بحرية الملاحة في مضيق «هرمز»، و أيضاً في باب المندب، يجعل الاهتمام الدولي مركزاً على التطوُّرات في منطقة الخليج. وبمعنى ما، على حساب لبنان.

وتسعى فرنسا، دوماً ومن ضمن إمكاناتها الدبلوماسية والسياسية، لمساعدة لبنان إن من خلال دعوتها قبل أيام لاجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي، أو من خلال التواصل بين الرئيس إيمانويل ماكرون ونظيره الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)

وتؤكد المصادر الرئاسية الفرنسية، أن الملف اللبناني دائم الحضور في كل المحادثات بين الطرفين. ومما يترقبه الطرف اللبناني، أن تستفيد باريس من قمة «مجموعة السبع» التي ستلتئم بدءاً من يوم الاثنين في مدينة إيفيان الفرنسية المطلة على بحيرة ليمان، بحضور الرئيس ترمب، لطرح الملف اللبناني على طاولة المباحثات.

وتؤكد المصادر الفرنسية أنَّ باريس تعمل راهناً في اتجاهين: الدفع، من جهة، باتجاه احترام اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» الذي تَحوَّل عملياً إلى اتفاق نظري. وتدفع باريس باتجاه إعادة إحياء آلية الرقابة المسماة «الميكانيزم» للإشراف على وقف إطلاق النار، وتبدي أسفها لتخلي واشنطن عنها بدفع من إسرائيل.

ومن جهة ثانية، تسريع البحث في صيغة القوة الدولية المفترض أن تحل مكان قوة «اليونيفيل» التي ينتهي انتدابها مع نهاية العام الحالي. وفي الوقت ذاته، تبقى فرنسا متمسكة بتوفير الدعم الواسع للجيش اللبناني من خلال المؤتمر الدولي عندما تتوافر الظروف لذلك.

جنود من البعثة الفرنسية ضمن عداد «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مؤخراً، عاد جان إيف لو دريان، وزير الخارجية والدفاع السابق، والممثل الشخصي للرئيس ماكرون للملف اللبناني، من زيارة للبنان قام بها الأسبوع الماضي ومكَّنته من خلال لقاءاته الموسعة، من الغوص في تعقيدات الملف اللبناني التي تحدَّث عنها صباح الخميس في مقابلة مع إذاعة «فرانس أنتير».

واستفاد لو دريان من المناسبة، ليقرع ناقوس الخطر، ولينبه مما سماه «الخطر الوجودي» المحدق بلبنان، الذي يراه «مهدداً في وحدته، وسلامة أراضيه، وسيادته». وحذَّر من «التوترات بين مختلف الطوائف المتأتية من ازدياد أعداد النازحين واللاجئين، التي قد تفضي يوماً ما، إلى أعمال عنف تُهدِّد الوحدة الوطنية».

والخطر الآخر، عنوانه الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، بحيث إن لبنان «لم يعد سيداً على أرضه». بالتوازي، فإنَّ سيادته مهددة بسبب عدم احتكار الدولة للسلاح، ورفض «حزب الله» تسليم سلاحه وتفكيك بنيته العسكرية «بحيث إن الدولة اللبنانية ما زالت ممنوعة من آداء وظائفها الطبيعية وممارسة سيادتها الوطنية».

«عون وحكومته يتحليان بالشجاعة»

ليس سراً، أن باريس تشجع لبنان على المثابرة في المحادثات المباشرة مع إسرائيل التي ترعاها الولايات المتحدة وتستضيفها واشنطن. كما أنَّ مصادرها تؤكد بشكل واضح، رغبتها في مساندة لبنان حتى لا يكون وحيداً، وجاهزيتها لتعبئة الأسرة الدولية لهذا الغرض، بينما الواقع مختلف تماماً، إذ إن واشنطن تريد أن تبقى الجهة الوحيدة المشرفة على المفاوضات.

رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام يستقبل الموفد الفرنسي جان إيف لو دريان (رئاسة الحكومة)

ويعدّ لو دريان، أن الرئيس جوزيف عون والحكومة «يتحليان بالشجاعة» بقبول التفاوض المباشر مع إسرائيل. ورغم تحبيذه لما نتج عن جولة المفاوضات الأخيرة في واشنطن لجهة إقامة «المناطق التجريبية» التي يجب أن تكون تحت سيطرة الجيش اللبناني، وانسحاب مقاتلي «حزب الله» منه، فإنَّه في الوقت عينه، يربط نزع سلاح الحزب بـ«شرط التوصُّل أولاً إلى وقف لإطلاق النار».

ويضيف لو دريان، أن «المفاوضات التي ستُستأنف خلال الأيام المقبلة في واشنطن، يجب أن تركز على هذا الوقف المسبق لإطلاق النار، بما يسمح بتنفيذ استراتيجية الانسحاب التدريجي حسب المناطق، وعودة السكان إلى المناطق المُحرَّرة. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى وضع أفضل، وإلى استعادة دور الدولة. فالقضية الأساسية في لبنان، هي أنَّه دولة يجب أن تؤكد وجودها وتضمن سلامة أراضيها... وبأي حال، فإنَّ المفاوضات المباشرة مع إسرائيل يمكن أن تتيح التوصُّل إلى حل إيجابي، ومصلحة إسرائيل أيضاً أن تحصل في نهاية المطاف على أمن حدودها، وعدم التعرُّض لاعتداءات من الجانب اللبناني. وأنا متفائل نسبياً. فإذا تمَّ اعتماد المعايير التي ذكرتها في المفاوضات المقبلة في واشنطن، والتي تبدأ بوقف إطلاق النار، ثم بانسحابات متزامنة حسب المناطق، فهناك فرصة لتحقيق تقدم».

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل لو دريان (رئاسة البرلمان)

يوجِّه الوزير السابق انتقاداته لطرفَي القتال في لبنان: «حزب الله» وإسرائيل. فهو من جهة، لا يتردَّد في وصف الحزب بأنه «إيران في لبنان»، وأنه «ليس لبنانياً بالمعنى السياسي الذي يدعيه». ويضيف، أن الحزب المذكور الذي «كان يقدِّم نفسه بوصفه حامياً للبنانيين، أصبح في الواقع الذراع العسكرية لإيران في لبنان... هو يخدم المصالح الإيرانية».

من هذه الزاوية، يرى، أن «إيران تسللت إلى لبنان، وتسعى لربطه بعربتها»، بينما السلطات اللبنانية، تسعى لفك هذا الارتباط. والمفارقة، وفق لو دريان، أنَّ بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، يريد الارتباط نفسه. ويقول ما حرفيته: «أنا مقتنع بأن السلطات الأميركية تريد إيجاد مَخرَج (من الحرب في لبنان)، بينما لا يبدو، أنَّ المصلحة المباشرة لنتنياهو هي التوصُّل إلى اتفاق، لأنَّه يريد ربط الوضع في لبنان بالوضع الإيراني، وهو أمر لا يخدم مصلحة لبنان، ولا مصلحة المنطقة كلها. نتنياهو يتحرَّك أولاً وفق حساباته السياسية الخاصة والاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ولا يدرك أنَّ الطابع غير المتناسب للرد الإسرائيلي في لبنان، يصبُّ في الواقع في مصلحة حزب الله، فالحزب كان موضع انتقاد داخلي من قبل اللبنانيين عندما بدأ هجماته على إسرائيل، لكن عنف الرد الإسرائيلي، والضربات العشوائية، وسقوط المدنيين، ووجود ملايين النازحين واللاجئين، والتضحية بلبنان بهذه الطريقة، كلها عوامل تعزِّز مكانة (حزب الله)».

احتراق سيارات في مدينة صيدا بعد غارة إسرائيلية يوم الأربعاء 10 يونيو (رويترز)

وفي هذا السياق، يرى مصدر فرنسي رفيع المستوى، أنَّ ما تقوم به إسرائيل في لبنان «يقدِّم لحزب الله ما يحتاج إليه للتمسُّك بسلاحه، ورفض التخلي عنه، بمعنى أنَّ إسرائيل توفِّر له الحجج والذرائع لرفض الاستجابة لما تطلبه الدولة اللبنانية».

الخلاصة، التي عاد بها لو دريان من بيروت بالغة الوضوح، وليست جديدة، وهو يختصرها بالحاجة لـ«تمكين الدولة اللبنانية من استعادة شرعيتها، وتمكين الجهود التي يبذلها الرئيس اللبناني وحكومته برئاسة نواف سلام من النجاح، بدعم من غالبية الشعب اللبناني الذي يعيش حالياً حالةً من الضيق والارتباك بسبب الوضع القائم».


مقالات ذات صلة

معلومات إسرائيلية تعزز مخاوف اللبنانيين من خطر حرب جديدة

المشرق العربي دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية بين قريتي كفر تبنيت وأرنون في جنوب لبنان السبت (أ.ف.ب)

معلومات إسرائيلية تعزز مخاوف اللبنانيين من خطر حرب جديدة

كشفت «معاريف» عن استعدادات للجيش الإسرائيلي لاحتمال احتلال ثلاث مدن رئيسية في جنوب لبنان، هي صور وصيدا والنبطية، في حال استئناف الحرب مع إيران وتدخل «حزب الله».

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته في جنوب لبنان

واصل الجيش الإسرائيلي، السبت، شن غارات وتنفيذ عمليات قصف وتفجير وتوغل في مناطق متفرقة من جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني يحرسون مزارعين أثناء قطف الزيتون وذلك لحمايتهم من أي هجمات إسرائيلية محتملة في بلدة زبقين بجنوب لبنان (رويترز)

«حزب الله» يروّج لـ«بوادر انفراج إيراني - أميركي»

تجمع القوى السياسية على أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تدخل حالياً في «إجازة»، تبقى مدتها معلّقة على هوية المكلّف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبالي رادوفان (رئاسة الجمهورية)

عون: التقدم في المفاوضات لم يتحقق... وبري يحذّر من إنهاء مهمة «يونيفيل»

جدّد رئيس الجمهورية جوزيف عون تمسّك لبنان بالحلول الدبلوماسية والتفاوضية لمعالجة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)

لبنانيون يطبِّقون وضعية الاستعداد لمواجهة أي حرب مقبلة

يعيد خبر أمني أو تهديد محتمل اللبنانيين، خلال دقائق، إلى نقطة الصفر؛ ترتفع وتيرة الاتصالات، وتُفتح مجموعات العائلة على تطبيقات المراسلة.

صبحي أمهز (بيروت)

العراق يسترد 21.4 مليار دينار من شركتين

تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
TT

العراق يسترد 21.4 مليار دينار من شركتين

تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)

في إطار الحملة التي أطلقتها الحكومة العراقية لمكافحة الفساد، تتواصل الإجراءات القضائية بحق متورطين في عمليات فساد مالي. وفي أحدث تطورات الحملة، أعلن ضياء جعفر، قاضي محكمة تحقيق الكرخ الثانية، استرداد مبلغ 21 ملياراً و424 مليون دينار عراقي (نحو 14.1 مليون دولار) من شركتين مخالفتين متهمتين بالاحتيال.

وأوضح جعفر، في بيان صدر يوم الأحد، أن المخالفات ارتُكبت بهدف الاستفادة من فروق أسعار صرف الدولار في عمليات تحويل الأموال إلى خارج البلاد بطرق احتيالية.

وجاء هذا الإعلان بعد أيام من صدور أحكام بالسجن بحق نائبين، لمدة 6 سنوات لأحدهما و5 سنوات للآخر، مع إلزامهما برد مبالغ مالية في قضية فساد تتعلق بعقود مصافي تكرير النفط.

وقضت محكمة مكافحة الفساد، الخميس الماضي، بالسجن 6 سنوات بحق النائب مثنى السامرائي، رئيس كتلة «العزم»، وإلزامه برد مبلغ 30 مليار دينار، قالت المحكمة إنه انتفع بها نتيجة توسطه في عقود مصافي تكرير الشمال والجنوب.

كما قضت المحكمة بالحبس المشدد لمدة 5 سنوات بحق النائب زياد الجنابي، وإلزامه برد مبلغ 4 مليارات دينار، انتفع بها من عقود مصافي الشمال.

وفي قضية ذات صلة، صدر حكم بالسجن لمدة 8 سنوات بحق حسين طالب، المدير العام السابق لشركة توزيع المنتجات النفطية، على خلفية تدخله في ترسية العقود بهدف تحقيق مكاسب شخصية.

وكانت الحكومة العراقية قد شرعت، أواخر يونيو (حزيران) الماضي، في حملة اعتقالات بتهم تتعلق بالفساد الإداري، شملت العشرات من النواب السابقين والحاليين ووكلاء الوزارات والمديرين العامين، في إطار حملة أُطلق عليها حينها اسم «صولة الفجر».

وأطلق رئيس الوزراء علي الزيدي الحملة بعد توليه منصبه في مايو (أيار) الماضي، بهدف ملاحقة المتورطين في قضايا الفساد. غير أن وتيرتها تراجعت لاحقاً تحت ضغوط سياسية، وفق تقارير محلية.

وقال موسى فرج، الرئيس الأسبق لهيئة النزاهة الاتحادية، إن حملة الزيدي «تمثل تقدماً مقارنة بمراحل سابقة، حين كانت قرارات حكومية تسهم في حماية الفاسدين، أو عرقلة عمل الأجهزة الرقابية والقضائية»، على حد قوله.

وأضاف أن الحملة «حققت نتائج في ملفات مرتبطة بقضية الفساد في المصافي، استناداً إلى إفادات أدلى بها الجميلي أمام الجهات القضائية، فضلاً عن تحركات في قضايا الكسب غير المشروع».

لكنه رأى أن الحملة لا تزال محدودة النطاق، مشيراً إلى أن «ملفات رئيسية، بينها فساد العملة، والعقارات، وتهريب النفط، والموظفون الوهميون، لم تشملها الإجراءات بالقدر نفسه».

وقال فرج، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن من أوجه القصور أيضاً «عدم مساءلة الكتل السياسية التي ينتمي إليها مسؤولون متهمون بالفساد، رغم نفوذ تلك الكتل واستفادتها من بعض المتورطين»، وفق تقديره.

وأضاف أن «استمرار الحملة وفاعليتها يتوقفان على توسيع نطاق التحقيقات وملاحقة الملفات الأوسع، إلى جانب منع الكتل السياسية من استبدال مرشحين تابعين لها بالمحكومين».


زيارات الزيدي إلى دول الجوار... إعادة ترتيب العلاقات الخارجية

رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع)
رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع)
TT

زيارات الزيدي إلى دول الجوار... إعادة ترتيب العلاقات الخارجية

رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع)
رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع)

أفاد مصدر حكومي بأن رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، يستعد لزيارة الكويت والبحرين خلال هذا الأسبوع، ضمن سلسلة زياراته إلى دول الجوار، وذلك بعد أن كان قد زار كلاً من السعودية والأردن وسوريا وتركيا وإيران.

واستناداً إلى الحسابات السياسية وما تُدوول في الأروقة السياسية العراقية، فإن زيارتَي الزيدي إلى السعودية والأردن كانتا تهدفان إلى بناء الثقة مع قيادتي البلدين، لا سيما بعد سلسلة الهجمات التي تعرضت لها الدولتان من قبل الميليشيات المسلحة في العراق.

وفي هذا السياق، قدم الزيدي ضمانات بعدم تكرار مثل هذه الهجمات مستقبلاً، خصوصاً أن إجراءات حصر السلاح ماضية قدماً، رغم رفض بعض الفصائل إياها، أو محاولاتها تأخير تنفيذها عن المواعيد المقررة، التي من المؤمل أن تنتهي بحلول يونيو (حزيران) 2027.

أما زيارته تركيا، فكانت تهدف إلى بحث ملفات جديدة، في مقدمتها مرور النفط العراقي عبر ميناء «جيهان» التركي، و«مشروع طريق التنمية»، إلى جانب الملفات القديمة المتعلقة بالمياه.

ملفات قديمة وآفاق جديدة

وفي حين تترقب الأوساط السياسية الزيارتين المرتقبتين إلى الكويت والبحرين، تشير أبرز المعلومات المتداولة إلى أن القضايا العالقة بين بغداد والكويت ستكون في صدارة المباحثات، في حين سيكون ملف الأقليات أحد محاور زيارة الزيدي إلى البحرين؛ وفق المصادر.

وفي هذا السياق، أفاد مصدر مطلع، في تصريح صحافي، بأن «زيارة الزيدي إلى البحرين والكويت ستتناول محاور مهمة، من بينها معالجة الملفات الشائكة بين العراق والكويت، والمتعلقة بترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وملف «ميناء مبارك» وتأثيره على «ميناء الفاو»، إلى جانب الملف الأمني وأهمية تحقيق الاستقرار في المنطقة».

وأضاف المصدر أن «زيارة رئيس الوزراء إلى البحرين ستركز على التهدئة لضمان استقرار الأمن في المنطقة». وأشار إلى أن «الزيارة التي سيجريها الزيدي ناقش محاورها مع قيادات (الإطار التنسيقي) في وقت سابق».

وكان الزيدي قد أجرى، خلال الفترة الماضية، سلسلة زيارات خارجية، شملت تركيا في 28 يوليو (تموز) 2026، حيث التقى الرئيس رجب طيب إردوغان، ثم السعودية في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث التقى الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، والأردن في 26 من الشهر ذاته، حيث التقى الملك عبد الله الثاني.

كما زار سوريا في 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، والتقى الرئيس السوري، أحمد الشرع، في دمشق، وبحث الجانبان العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.

زيارات مفصلية

وفي حين بدت زيارته سوريا مفصلية؛ لأنها الأولى من رئيس وزراء عراقي بعد التغيير السياسي الذي شهدته سوريا عقب إسقاط نظام بشار الأسد ووصول نظام سياسي جديد برئاسة أحمد الشرع، وما أعقب ذلك من ملابسات سياسية وطائفية، فإن الزيارة نجحت، وفقاً لتقديرات المراقبين، في تبديد المخاوف بين الطرفين، فضلاً عن بحث القضايا المشتركة بين البلدين، وفي مقدمتها أمن الحدود، في ظل وجود خلايا لتنظيم «داعش» على جانبي الحدود، بالإضافة إلى بحث إمكانية إعادة تشغيل «خط أنابيب النفط العراقي» عبر ميناء بانياس السوري.

أما الزيارة الوحيدة التي بدت مرتبطة بما يتجاوز إطار العلاقات الثنائية، فهي تلك التي أجراها الزيدي إلى إيران، والتي أثارت كثيراً من التكهنات في الأوساط العراقية، من بينها احتمال نقل رسائل أميركية حازمة إلى طهران، لا سيما أن الزيارة جاءت بعد زيارة الزيدي الولايات المتحدة خلال شهر يوليو الماضي.

معادلة التسويات

رجل يلوّح بالعلم العراقي في «ساحة التحرير» ببغداد (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قال عضو البرلمان العراقي السابق القيادي في تحالف «العزم»، حيدر الملا، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة تعيش حالة من الصراع، والعراق لا يحمل تأثيراً في هذه المعادلة الدولية، وليس جزءاً من معادلة التسويات، بل هو متأثر بما يجري».

وأضاف الملا أن «الزيارات المكوكية التي يجريها رئيس مجلس الوزراء تمثل خطوات إيجابية تندرج ضمن المسار الصحيح للدولة، لكيلا يُحسب العراق ضمن سياسة المحاور». وأوضح أن «العراق ينوي فتح بوصلة الحوار مع دول الجوار العربي وغير العربي، وهي خطوة إيجابية تبعدنا عن الاصطفافات الجارية في المنطقة».

من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، عصام الفيلي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «رئيس الوزراء يحرص على إقامة علاقات متوازنة بجميع دول المنطقة، مستنداً في ذلك إلى أهمية موقع العراق الجيوسياسي، وما يمتلكه من قدرات بشرية وموارد تمكنه من الانفتاح على العالم».

وأضاف الفيلي أن «الزيدي يريد تأسيس علاقة استراتيجية مع الدول العربية عبر المصالح الاقتصادية بشكل رئيسي، وهو يدرك أهمية العراق بالنسبة إلى دول الخليج، بما يسهم مستقبلاً في عودته إلى المنظومة الخليجية».

وأوضح أن «العراق يجب أن يسهم في استقرار المنطقة في مرحلة ما بعد الحرب، لا سيما أن سياسة الأحلاف والمحاور في المنطقة باتت أوضح من السابق، وأن الزيدي ينوي إبعاد العراق عن سياسة المحاور والاصطفافات».

واختتم الفيلي بالقول إن «الزيدي نجح في تحجيم دور أذرع إيران في المنطقة، بعد محاولات لتحرير العراق من الضغوط الإيرانية، وهو ما يمثل، في نهاية المطاف، رسالة إلى دول الخليج مفادها بأن القرار العراقي سيكون قراراً مؤثراً، بما يسهم في تعزيز العلاقات بجميع الدول العربية».


تحول لافت في سوريا نحو تفكيك البنية التحتية لشبكات الكبتاغون

ضبط شحنة مخدرات في دمشق (إدارة مكافحة المخدرات)
ضبط شحنة مخدرات في دمشق (إدارة مكافحة المخدرات)
TT

تحول لافت في سوريا نحو تفكيك البنية التحتية لشبكات الكبتاغون

ضبط شحنة مخدرات في دمشق (إدارة مكافحة المخدرات)
ضبط شحنة مخدرات في دمشق (إدارة مكافحة المخدرات)

بينما أعلنت إدارة مكافحة المخدرات السورية، اليوم، عن حصيلة أبرز عملياتها الأمنية خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول)، التي أسفرت عن تنفيذ 157 عملية أمنية، وتفكيك 30 شبكة تهريب داخلية، وضبط كميات كبيرة ومتنوعة من المواد المخدرة، تكشف سلسلة العمليات الأمنية الأخيرة عن تحول لافت في كفاءتها الاستراتيجية، حيث انتقلت من مجرد ضبط شحنات عابرة إلى تفكيك البنية التحتية لما يوصف بـ«اقتصاد الظل» والشبكات العابرة للحدود.

هذا التحول الأمني بات يرتبط بجهود تجفيف منابع الاقتصاد الأسود وتفكيك المنظومة المالية والأمنية المعقدة لشبكات التهريب، التي ما زالت تجد في الهشاشة الاقتصادية والأمنية بيئة خصبة للاستمرار، ما يجعل الكفاءة الأمنية محكاً أساسياً لاستعادة الثقة بسوريا.

الاستراتيجية الجديدة حققت نتائج ملحوظة عبر المنافذ البرية، ومنها معبر «نصيب» على الحدود الأردنية وجديدة يابوس على الحدود اللبنانية، وصودر أكثر من مليوني حبة كبتاغون خلال النصف الأول من أكتوبر المنصرم، ومئات الكيلوغرامات من الحشيش والمخدرات في عدة محافظات. وأشارت وزارة الداخلية لإحباط تهريب شحنات متفرقة، مصدرها لبنان، متجهة للخليج العربي، بلغت أكثر من 700 ألف حبة.

وأعلنت ضبط 641 ألف حبة مخدرة في درعا كانت معدة للتهريب بالبالونات الهوائية، وتفكيك خلية لتهريب مادة الحشيش في حلب وضبط 260 كيلوغراماً، و140 ألف حبة كبتاغون بحي الأشرفية بحلب، وتوقيف 5 متورطين، واعتقال وتفكيك خلايا في محافظات طرطوس ودمشق وريفها ودير الزور وحمص والحسكة والرقة، وضبط 91 ألف حبة بريف دمشق قادمة من لبنان، والقبض على عصابة التهريب.

لكن التطور الأبرز تمثل في تحول التركيز لاستهداف شبكات الإمداد الكبرى وتجفيف مصادرها، حيث وصل إجمالي الشبكات الدولية العابرة للحدود المفككة إلى 90 شبكة، منها 8 شبكات خلال شهري سبتمبر (أيلول) وأكتوبر، ما يسهم في تجفيف منابع الاقتصاد الأسود الذي استند عليه النظام البائد لتمويل بقائه، وتضييق الخناق على بقية الشبكات وخطوط التهريب المترابطة إقليمياً.

غير أن مدير منصة «اقتصادي»، يونس كريم، يرى أن الحديث عن إنهاء تجارة المخدرات واقتصاد الظل في سوريا لا يزال مبكراً، مؤكداً أن غياب النشاط ظاهرياً لا يعني تفكيك شبكاته. وأوضح أن القضاء الفعلي عليها يتطلب محاكمات شفافة، وملاحقة الأصول، وتفكيك البنية المالية والأمنية لمنظومة الكبتاغون المرتبطة بالنظام البائد وعدم الاكتفاء بضبط الشحنات.

ضبط شحنة مخدرات في دمشق (إدارة مكافحة المخدرات)

يضيف كريم أن الأرقام الرسمية السورية تفتقر إلى الأدلة الفعلية، لغياب الشفافية حول كشف تفاصيل العمليات أو مصادر المواد الأولية، أو المحاكمات، ما يثير شكوكاً حول دقتها. وأن صحة هذه الأرقام «تقتضي تراجع المخزونات وصعوبة حركة الشبكات، وهو ما لا ينعكس على الواقع، إذ توفر الهشاشة الأمنية والتدهور الاقتصادي بيئة خصبة لاستمرار التهريب».

ومع ذلك، يؤكد كريم أن تفكيك هذه الشبكات يحقق مكاسب اقتصادية كبرى، عبر توجيه رؤوس الأموال والعمالة نحو قطاعات إنتاجية قانونية، والحدّ من التدفقات غير المشروعة، وتقليص الطلب على العملات الأجنبية. ويشدد على الشفافية ومكافحة غسل الأموال كشرطين أساسيين لاستعادة الثقة بالنظام المالي السوري، تزامناً مع الانفتاح المالي التدريجي.

ضبط شحنة مخدرات في حمص (إدارة مكافحة المخدرات)

جهود لحماية الإقليم

سبق أن تحدثت مصادر دولية عن تحول تجارة الكبتاغون خلال عهد نظام الأسد إلى مصدر كبير للدخل والنفوذ، وارتبطت بشبكات اقتصادية وأمنية واسعة. وتظهر الإحصاءات جدية فاعلة لإنهاء هذه الظاهرة والتخلص من إرث النظام البائد، الذي حوّل سوريا لمصنع كبير وممر لشبكات دولية ضخمة. حيث شهدت الأشهر الأولى التي تلت سقوط نظام بشار الأسد ضبط أكثر من 320 مليون حبة مخدرة، بينما شهد النصف الثاني ضبط أكثر من 48 مليون حبة داخل سوريا وخارجها، و1750 كيلوغرام حشيش، وإغلاق 17 معملاً. وخلال النصف الأول من العام الحالي، أُعلن عن ضبط 31 مليون حبة مخدرة، ونحو 16 طن مواد أولية للتصنيع، ونصف طن حشيش وماريغوانا.

اقتصاد الظل

تكتسب العمليات الأمنية السورية أبعاداً تتجاوز الداخل لتصبّ في مصلحة الأمن الإقليمي وضبط الحدود المشتركة، فإغلاق المعامل وتفكيك الشبكات في معبري «نصيب» و«جديدة يابوس» يقطعان شرايين التهريب التي أرّقت الأردن والعراق ودول الخليج، ما يخفض من تدفق السموم ويقلل التهديدات الأمنية لدول الجوار.

شارك مدير إدارة مكافحة المخدرات العميد خالد عيد في المؤتمر العربي الأربعين لرؤساء أجهزة مكافحة المخدرات الذي عُقد بمقر مجلس وزراء الداخلية العرب في تونس نهاية أكتوبر (إدارة مكافحة المخدرات)

وعلى هذا الأساس، يعدّ خبراء أمنيون، ومنهم ضياء قدور، أن هذه الحملات المنسقة تحمل رسالة دبلوماسية تعكس التزام سوريا الصارم بمكافحة المخدرات والوفاء بتعهداتها، كما أن التحول نحو تفكيك منظومات التصنيع يقدم دليلاً عملياً للمجتمع الدولي على رغبة دمشق في أن تكون شريكاً موثوقاً لحماية الاستقرار.

ويبقى ضبط الحدود الاختبار الحقيقي لجدية العملية، بحسب قدور، لافتاً إلى أن الحدود مع الأردن ولبنان والعراق تشكل «المنافذ الحساسة، ويثبت نجاح تأمينها أن الجهود مستدامة، وليست موسمية. بينما يعني استمرار الثغرات أن الشبكات ستجد دائماً طريقاً للعودة»، ليستهدف التدمير الحقيقي البنية الإنتاجية والمواد الأولية والمسارات الحدودية والقيادات حتى لا تعود التجارة بأشكال مجزأة.

ويمنح تجفيف منابع الكبتاغون سوريا شرعية دولية أوضح للاندماج في المنظومة الأمنية والسياسية العالمية، وتتوقف البلاد عن كونها مركزاً رئيسياً للإنتاج، ما يحسّن صورتها ويفتح أبواب التعاون والشراكات الدولية التي كانت مغلقة.