عاش البرلمان التركي يوماً متوتراً على خلفية أزمة حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، وانتهى الأمر بالانصياع إلى لائحته وعدم السماح بأن يعقد كمال كليتشدار أوغلو، الذي أعيد إلى رئاسة الحزب بقرار قضائي مؤقت، بعقد اجتماع المجموعة البرلمانية التي يرأسها رئيس الحزب المنتخب، الموقوف مؤقتاً، أوزغور أوزيل.
وتجمع آلاف من أعضاء الحزب، الثلاثاء، لحضور اجتماع المجموعة البرلمانية برئاسة أوزيل، لكن البرلمان رفض دخولهم، وفرضت الشرطة طوقاً أمنياً لمنعهم من الدخول.

وشهد محيط البرلمان حالةً من الفوضى بسبب إعلان كليتشدار أوغلو قبل أيام أنه سيعقد اجتماع المجموعة البرلمانية، رغم عدم امتلاكه عدداً كافياً من النواب في جبهته لعقدها (46 من أصل 138 نائباً يمثلون أغلبية الثلث).
أحداث غير مسبوقة
عشية الاجتماع سجلت إدارة المجموعة البرلمانية، التي يرأسها أوزيل، 4600 اسم كزائرين لحضور اجتماع المجموعة، فيما أرسل كليتشدار أوغلو أسماء 1500 زائر، بينما لا تتسع قاعة المجموعة البرلمانية لأكثر من 680 شخصاً.
ووجه رئيس بلدية أنقرة، منصور يافاش، رسالة عبر حسابه في «إكس» إلى كليتشدار أوغلو حثه فيها على عدم تصعيد التوتر، أو جعل البرلمان ساحة للفوضى، قائلاً إن حرصكم على حماية هذا البيت سيحظى بتقديرٍ ليس فقط من أعضاء حزبنا، بل من جميع المواطنين المؤمنين بالديمقراطية.
وأمام الحشد الضخم الذي جاء لدعم أوزيل، تراجع كليتشدار أوغلو عن الحضور إلى البرلمان، معلناً أنه سيتحدث لأنصاره في مقر الحزب.

وبسبب منعهم من الدخول توجه أوزيل إلى بوابة البرلمان التي خصصت لحضور الزائرين، والتي فرضت قوات الشرطة طوقاً أمنياً حولها لمنع الآلاف الذين جاءوا لحضور الاجتماع.
وأكد أوزيل في كلمته التي وجهها إلى الحشد، أن منصة المجموعة البرلمانية هي للمنتخبين بإرادة أعضاء الحزب فقط، وليست لشخص يتم تعيينه لإدارة الحزب، متعهداً بأنه سيواصل نضاله، جنباً إلى جنب مع الجماهير، لاستعادة حزب «الشعب الجمهوري» موحداً، وعقد مؤتمره العام لانتخاب رئيسه، وبعدها مواصلة الطريق نحو حكم البلاد في أول انتخابات مقبلة.
وردد الحشد هتافات «الرئيس أوزغور» و«تركيا فخورة بك»، ليرد عليهم بأن «تركيا لا تفخر بي بل تفخر بنا جميعاً، فالمخصلون الثابتون على مواقفهم هم من يفسدون الألعاب والمخططات».
وطالب الحشد أوزيل بمواصلة النضال من أجل استعادة الحزب من جانب الوصي المعين بقرار قضائي مؤقت (كليتشدار أوغلو)، ورد قائلاً: «مسيرتنا أولاً من أجل المؤتمر العام للحزب ثم من أجل السلطة، لن نتنازل عن الوصول إلى الحكم».
لاحقاً، قال أوزيل في كلمته أمام المجموعة البرلمانية: «لا أعتبر حديثي هنا اليوم انتصاراً شخصياً، لكن وجود رئيس حزب (الشعب الجمهوري) المنتخب هنا هو دليل على الحب والإيمان بالديمقراطية اللذين أظهرهما الشعب المتجمع أمام بوابة البرلمان».

وأضاف مشيراً إلى كليتشدار أوغلو من دون تسميته: «لا ينبغي لأحد أن يكون أداة في حرب يشنها غيره ضد الوطن، سندفع الثمن، لكننا لن نتخلى أبداً عن مسيرتنا».
وذكر أن مسيرة الحزب نحو عقد المؤتمر العام لانتخاب الرئيس الجديد ستنطلق، الخميس، ولن نتنازل عن عقد المؤتمر في موعد أقصاه 45 يوماً، أي في 25 يوليو (تموز) المقبل.
ورداً على تصريحات الرئيس رجب طيب إردوغان ومسؤولي حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، بأن ما يحدث في حزب «الشعب الجمهوري» هو «شأن داخلي»، قال أوزيل إن مايحدث هو «عملية تزوير وتآمر غير مسبوقة في تاريخ السياسة العالمية، بينما يسير الحزب نحو السلطة مع الأمة نتعرض للهجمات من جانب القضاء الذي يتحكم به (العدالة والتنمية)، بعدما تمكنا من هزيمته في الانتخابات المحلية عام 2024، ليتذوق الهزيمة للمرة الأولى منذ تأسيسه... سنسير والأمة ستسحق من يحاول الوقوف أمام إرادتها».
كليتشدار أوغلو يتمسك بالمحاسبة
على الجانب الآخر، تحدث كليتشدار أوغلو إلى مجموعة من أنصاره في قاعة بالمركز الرئيسي للحزب في أنقرة، مكرراً تعهداته بـ«تطهير الحزب من الفساد»، ومحاسبة المتورطين فيه أياً كانت أسماؤهم وطردهم من الحزب.

وفي رد على الانتقادات الموجهة إليه بسبب قبوله العودة مؤقتاً لرئاسة الحزب بقرار قضائي وبالتنسيق مع «القصر» (الرئاسي)، قال كليتشدار أوغلو: «يلقبونني برجل القصر... يا صديقي (في إشارة إلى أوزيل دون تسميته)، متى لاحقتَ عصابة المقاولين الخمسة المدعومة من القصر؟ أقسم أنني سأُحاسب تلك العصابات، وأقسم أنني سأُحاسب أباطرة المخدرات، وأقسم أنني سأُنقذ هذا الحزب من أولئك الذين يشترون ويبيعون إرادته مقابل المال، وأن أصل به إلى حكم تركيا لتخليصها ممن يحكمونها حالياً».
تحذيرات لأوزيل
في تعليق على أزمة القرار القضائي الخاص بحزب الشعب الجمهوري، أكد رئيس البرلمان، نعمان كورتولموش، أن دخول الشرطة إلى مقر الحزب (في 24 مايو الماضي) لم يضر بالحزب فقط بل أضر بتركيا.

وقال إنه لن يتم السماح بأن يصبح البرلمان ساحةً تجمع لجماعتين، ويجب أن يحل حزب الشعب الجمهوري «صراعه الداخلي»، لافتاً إلى أنه سيكون من المفيد جداً للمحكمة العليا توضيح المسألة المتعلقة بقرار «البطلان المطلق» في أسرع وقت ممكن، حتى يتم القضاء على الجدل.
وفيما يشبه التحذير لأوزيل، تطرق كورتولموش، في تصريحات الثلاثاء، إلى طلبات رفع الحصانة المتعلقة بأوزيل وعدد من نواب الحزب من فريقه بسبب تحقيقات قضائية، قائلاً: «حتى الآن، توجد العديد من لوائح الاتهام في البرلمان، وبطبيعة الحال، لا يُطرح أيٌّ منها على جدول الأعمال، دعونا ننتظر ونرى، لم تصل العملية إلى تلك المرحلة بعد».

بدوره تحدث رئيس حزب «الحركة القومية»، شريك حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، دولت بهشلي، خلال اجتماع المجموعة البرلمانية بنبرة تشبه التحذير المبطن لأوزيل، قائلاً: «ما ينبغي على حزب الشعب الجمهوري والسيد أوزغور أوزيل فعله هو التحلي بالحكمة، يجب على السيد أوزيل أن يكف عن نقل التوترات الداخلية لحزب الشعب الجمهوري إلى الساحات العامة، ونشرها في أرجاء البلاد، وتصوير التنافس على المناصب على أنه بطولة للديمقراطية».
انتقاد للحكومة
في المقابل، جددت الرئيسة المشاركة لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد وثالث أكبر أحزاب البرلمان التركي، تولاي حاتم أوغولاري، رفض حزبها لتغيير قيادة حزب «الشعب الجمهوري» بقرار من القضاء.

وقالت أوغولاري، في كلمة خلال اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبها، الثلاثاء، إن قرار «البطلان المطلق» المؤقت، الذي أصدرته محكمة استئناف إقليمية في أنقرة في 21 مايو (أيار) الماضي، يعد مثالاً على «إعادة تشكيل السياسة الديمقراطية»، وتهديداً للمجال الديمقراطي والمدني برمته لا يمكن تجاهله ببساطة.
وعدت أن الحزب الحاكم تحوّل إلى نظام وصائي، وأنه في هذا السياق، يتجاوز النقاش الدائر حول «البطلان المطلق» كونه مجرد أزمة داخلية لـ«الشعب الجمهوري» إلى مناقشة أين ستبقى الديمقراطية، وهل ستُحسم المنافسة السياسية عبر صناديق الاقتراع أم في أروقة المحاكم وتُعاد صياغة السياسة عبر القضاء؟».







