مخرجات «الحوار المهيكل» الليبي... تمهيد للانتخابات أم تدوير للأزمة؟

اقترح «قاعدة دستورية مرحلية» لإدارة المرحلة الانتقالية

خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)
خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)
TT

مخرجات «الحوار المهيكل» الليبي... تمهيد للانتخابات أم تدوير للأزمة؟

خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)
خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)

وسط «انتقادات وتحفظات واسعة»، استقبلت النخبة السياسية الليبية توصيات «الحوار المهيكل»، التي أُعلن عنها بدايات الأسبوع الحالي، برعاية أممية.

وتضمَّنت التوصيات تشكيل حكومة جديدة لمدة مُحدَّدة لا تزيد على عامين، تتولى إدارة الاستحقاق الانتخابي. لكنها قوبلت بفتور شعبي، وأثارت موجةً من التساؤلات بشأن مدى أهمية هذه المخرجات وجدواها في تحريك العملية السياسية لإجراء الانتخابات المؤجَّلة.

ورأى منتقدو التوصيات أنَّ تأجيل ملف الدستور، واعتماد «قاعدة دستورية مرحلية»، يُمثِّلان «تمديداً لمرحلة انتقالية» مستمرة منذ 15 عاماً، و«غموضاً يكتنف التوصية بتشكيل الحكومة والمجلس الرئاسي المقبلَين عبر لجنة حوار سياسي جديدة لم توضِّح البعثة آلية اختيار أعضائها».

كما طرح المنتقدون سؤالاً بشأن ما إذا كانت البعثة الأممية ستتبنى هذه التوصيات، وتحيلها إلى مجلس الأمن الدولي لتتحوَّل إلى خريطة طريق ملزمة؟ أم أنَّها ستبقى مجرد مخرجات استشارية تنضم إلى مبادرات سابقة أضاعت الوقت، وأعادت تدوير الأزمة؟

آراء متباينة

بداية يرى عضو المجلس الأعلى للدولة محمد معزب أن «وصف البعثة لمخرجات الحوار بأنَّها غير ملزمة لا يعدو كونه محاولة لتفادي المعارضة لها»، متوقعاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تطرح المبعوثة الأممية هانا تيتيه هذه التوصيات على مجلس الأمن خلال إحاطتها المرتقبة في 18 من الشهر الحالي.

وكانت تيتيه قد أطلقت في أغسطس (آب) الماضي «خريطة طريق» لمعالجة الانقسام السياسي عبر مسارات عدة؛ أولها إعداد إطار تشريعي توافقي للانتخابات أُوكل إلى مجلسَي النواب و«الدولة»، وثانيها «الحوار المهيكل» بمشاركة 120 شخصية لمعالجة جذور الصراع وإزالة العوائق أمام الانتخابات.

ومع تعثر المجلسين في إنجاز المهام الموكلة إليهما، أطلقت البعثة لجنة «4 + 4» المشتركة بوصفها آليةً تفاوضيةً مصغرةً، تضم ممثلين عن حكومة «الوحدة الوطنية»، ومجلسَي النواب، و«الأعلى للدولة»، والقيادة العامة لـ«الجيش الوطني».

وفي معرض رده على التساؤلات بشأن مصير لجنة «4+4»، بعد تناول «الحوار المهيكل» للملفات التي تعمل عليها، خصوصاً القوانين الانتخابية، أجاب معزب بأن اللجنة «لم يعد لديها ما تقوم به»، مشيراً إلى ما تردد عن «انسحاب ممثلي مجلسَي النواب و(الأعلى للدولة) من هذا الاجتماع».

ويرى معزب أن «البعثة تتحرَّك وفق مسارات متدرجة؛ تبدأ بمنح المجلسين مهلةً للتوافق على القوانين الانتخابية، وتشكيل سلطة تنفيذية جديدة، وفي حال الفشل تنتقل إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة لاختيار الحكومة والمجلس الرئاسي لولاية تتراوح بين 18 و24 شهراً، مع اللجوء إلى (استفتاء تحكيمي) لتمكين الليبيين من حسم النقاط الدستورية الخلافية».

وقرأ معزب في هذا التوجه «محاولة لتمرير مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، عبر لجنة الحوار السياسي الجديدة، التي يُرجّح أن تختار البعثة أغلب أعضائها مع تمثيل محدود لمجلسَي النواب والأعلى للدولة».

وتتمحور المبادرة المنسوبة لبولس حول دمج السلطتين القائمتين في طرابلس وبنغازي، مع تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، رئاسة المجلس الرئاسي، واستمرار الدبيبة رئيساً للحكومة.

وأشار معزب إلى «أن لجنة الحوار الجديدة ستفتح باب الترشُّح عبر قوائم لاختيار رئيس المجلس الرئاسي الجديد، وكذلك رئيس للحكومة الجديدة، بما قد يفضي إلى جمع صدام حفتر والدبيبة في قائمة واحدة».

ورغم إقراره بسعي البعثة إلى توفير دعم دولي لهذا المسار، فإنَّه توقَّع تعثره «بسبب إدراك قطاع واسع من الليبيين أنَّ الهدف منه هو إقرار تسوية سياسية جديدة، لا إجراء الانتخابات».

أما المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ، فرأى أنَّ توصيات «الحوار المهيكل» أعادت في معظمها «إنتاج أفكار طُرحت في حوارات سابقة رعتها البعثة خلال العقد الماضي»، متسائلاً في تصريحات له عن أسباب «التركيز على توسيع صلاحيات رئيس المجلس الرئاسي القادم، خصوصاً اشتراط موافقته على تعيين وزيرَي الدفاع والخارجية، وما إذا كان ذلك يتسق مع مبادرة مسعد بولس».

في المقابل، دافع عضو مسار الحوكمة بـ«الحوار المهيكل» أسعد زهيو عن المخرجات، ووصفها في إدراج له بأنها «خطوة استراتيجية فارقة»، مستنداً إلى توصيتها «بتشكيل سلطة تنفيذية موحدة مقيدة بسقف زمني صارم غير قابل للتمديد، مع حظر إبرام اتفاقات سيادية طويلة الأمد لضمان تفرغها لمهمتها الأساسية، المتمثلة في تهيئة البيئة المناسبة للاستحقاق الانتخابي».

وتوسَّط المحلل السياسي إسلام الحاج بين الآراء السابقة، معترفاً بـ«إيجابية عدد من المخرجات»، من بينها الإقرار بحالة الانقسام، والدعوة إلى توحيد السلطة التنفيذية والمؤسستين العسكرية والأمنية، باعتبار أن هذا الانقسام كان من أبرز أسباب تعثر الانتخابات، التي كان من المقرر عقدها نهاية 2021.

وأشاد الحاج في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بالتوصية المتعلقة بـ«توسيع صلاحيات البلديات»، ما عدّه «إسهاماً في تقليص حدة الصراع على السلطة المركزية». وتساءل عن «مصادر القوة التي ستمتلكها السلطة الجديدة لتهيئة بيئة انتخابية آمنة، وهو ما أخفقت فيه السلطات السابقة»، مشككاً في «إمكانية توحيد المؤسسة العسكرية من دون ضمانات واضحة، وفي جدوى منع أعضاء تلك السلطة من الترشح للانتخابات».

وانضم الحاج إلى الآراء التي ترى أن «التوصيات تتقارب مع مبادرة بولس، خصوصاً فيما يتعلق بتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية»، منبهاً إلى أن «إجراء الانتخابات سيظل رهناً بتوافق القوى المتدخلة في المشهد الليبي».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً منذ سنوات بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة في طرابلس، وأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وأجزاء من الجنوب.


مقالات ذات صلة

«المربوعة» في ليبيا... مجلس تتوارثه الأجيال ويتسع دوره السياسي

شمال افريقيا جانب من جلسة في «مربوعة» أحد أعيان مدينة سلوق بشرق ليبيا (الشرق الأوسط)

«المربوعة» في ليبيا... مجلس تتوارثه الأجيال ويتسع دوره السياسي

لم يكن حضور «المربوعة» في الشأن العام الليبي وليد مرحلة ما بعد 2011 وإن ظل دورها السياسي قبل ذلك محدوداً مقارنة بما آلت إليه وظائفها لاحقاً

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مستقبلاً محافظ «المركزي» ناجي عيسى الأربعاء الماضي (الأعلى للدولة)

«الدولة» الليبي يرفض رسمياً استقالة محافظ «المركزي»

تمسك محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى في ليبيا، برفض طلب الاعتذار والإعفاء الذي تقدم به ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي وطالبه بالاستمرار في أداء مهامه.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا «مرتزقة سوريون» خلال تظاهرة في العاصمة الليبية طرابلس الجمعة (صفحة حراك ضد التوطين)

رواتب «المرتزقة» تثقل كاهل الليبيين وتفاقم الأزمات

لم يعد وجود المقاتلين السوريين في ليبيا يقتصر على تداعيات الصراع العسكري الذي استُقدموا خلاله في «حرب العاصمة طرابلس» قبل 7 سنوات، بل تحول إلى عبء أمني ومالي.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا ناجي عيسى في اجتماع مع لجنة المالية بالبرلمان الليبي الأربعاء الماضي (صفحة المصرف المركزي)

محافظ «المركزي» الليبي يتمسك بثلاثة شروط للعدول عن استقالته

قال مصدر مسؤول في مصرف ليبيا المركزي، السبت، إن محافظ المصرف ناجي عيسى يتمسك بثلاثة شروط رئيسية للعدول عن استقالته.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)

هل تُسرِّع الاضطرابات الأمنية في ليبيا «المبادرة الأميركية» أم تُجهضها؟

تتباين الآراء في ليبيا بشأن تأثير الأحداث التي شهدتها الزاوية وبنغازي، الأسبوع الماضي، على «المبادرة الأميركية» بشأن العمل على إنهاء الانقسام السياسي والعسكري.

جاكلين زاهر (القاهرة)

تحذير مصري لإثيوبيا من خطط السيطرة على تدفقات مياه النيل

سد النهضة الإثيوبي (رويترز)
سد النهضة الإثيوبي (رويترز)
TT

تحذير مصري لإثيوبيا من خطط السيطرة على تدفقات مياه النيل

سد النهضة الإثيوبي (رويترز)
سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

في تصعيد جديد للتوتر بين القاهرة وأديس أبابا بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، حذّر مصدر مصري مسؤول من «خطط إثيوبيا للسيطرة على تدفقات مياه النيل».

وجاء التحذير ردّاً على تصريحات أخيرة منسوبة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، بشأن بناء سدود إضافية على نهر النيل، والسيطرة على تدفقات المياه إلى دولتي المصبّ مصر والسودان.

وحسب وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية في مصر، أكّد مصدر مصري مسؤول أن «القاهرة لديها أدوات متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ والدفاع عن مصالح الشعب المصري في نهر النيل، وأن مصر لن تقبل، ولن تسمح بسيطرة أي أطراف على تدفقات المياه لدول المصبّ».

واعتبر دبلوماسيون ومراقبون مصريون، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن أحاديث إثيوبيا تبرهن على أن سد النهضة هدفه سياسي للضغط على القاهرة، «وليس مشروعاً تنموياً كما تروج»؛ لافتين إلى أن دولتي المصب «تعرضتا لمخاطر بسبب التصرفات الأحادية من الجانب الإثيوبي»، وأن القاهرة تتخذ مسارات دبلوماسية عدة لحماية حقوقها المائية.

والخلاف بين القاهرة وأديس أبابا ممتد لنحو 15 عاماً بسبب النزاع حول مشروع «سد النهضة» الذي أنشأته إثيوبيا على رافد نهر النيل الشرقي، وأعلنت افتتاحه قبل عام تقريباً، وتخشى القاهرة أن يؤثر على حصتها المائية.

وفي الأيام الأخيرة، تداولت وسائل إعلام عربية ومحلية تصريحات منسوبة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي، قال فيها إن «تدفق مياه النيل باتجاه دول المصبّ سيكون تحت سيطرة بلاده». وأشار أيضاً إلى أنها «تعتزم المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النيل، في إطار الاستخدام العادل لمياه النيل، وتحقيق التنمية المستدامة».

غير أن المصدر المصري المسؤول قال إن تصريحات المسؤول الإثيوبي «تمثل إمعاناً في نهج أديس أبابا الأحادي في انتهاك القانون الدولي، وتعكس استمرار أوهام إثيوبيا بإمكانية فرض الهيمنة على نهر دولي مشترك وإخضاعه لإرادة دولة واحدة».

وقال المصدر، في تصريحات نقلتها الوكالة الرسمية بمصر، إن «هذه التصريحات تُسقط مجدداً الادعاءات الإثيوبية المتكررة بأن تحركاتها تستهدف التنمية دون الإضرار بالآخرين».

مخاوف في مصر من تأثير السد الإثيوبي على حصتها المائية (وزارة الري المصرية)

وأضاف أن الإعلان صراحة عن السعي إلى السيطرة على تدفقات نهر دولي يعبِّر عن «توجه بالغ الخطورة لفرض الأمر الواقع واحتكار مورد مائي دولي مشترك». وقال إن إثيوبيا «تسعى لاستخدام الموقع الجغرافي لتهديد الحقوق والمصالح المائية لدولتي المصب، بالمخالفة للقانون الدولي، ولن تسمح مصر بفرضه كأمر واقع».

وحسب المصدر المصري، فإن القاهرة سبق أن أعلنت في خطاباتها إلى مجلس الأمن أنها «ستتخذ كافة التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية حقوق ومقدرات شعبها في نهر النيل».

«خيارات عديدة»

ولدى مصر «خيارات عديدة»، وفقاً للقانون الدولي، لحماية مصالحها وحقوقها المائية، حسبما قال عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، من بينها - على الصعيد الدبلوماسي - اللجوء مرة أخرى لمجلس الأمن «لتوثيق النوايا الإثيوبية للإضرار بدولتي المصب»، مشيراً إلى أنها يمكن أن «تطالب بإجراءات لفضّ المنازعات الدولية وفق الفصل السادس».

وتابع قائلاً: «في حالة عدم التجاوب، يمكن اللجوء للفصل السابع، على اعتبار أن السد الإثيوبي يمثل عدواناً ويهدد الحياة والوجود لدولتي المصب، ما يستوجب حق الدفاع عن النفس».

ويتعلق «الفصل السادس» بـ«التسوية السلمية للمنازعات»، ويُلزم الدول بالبحث عن «حلول سلمية مثل التفاوض والوساطة»، ويسمح بـ«توصيات فقط دون إكراه». وفي المقابل، يمنح «الفصل السابع» مجلس الأمن سلطة اتخاذ «إجراءات قسرية، عسكرية وغير عسكرية، لحفظ السلم والأمن الدوليين».

وأصدر مجلس الأمن الدولي بياناً رئاسياً في 15 سبتمبر (كانون الأول) 2021، عقب مناقشة قضية «سد النهضة»، حثّ فيه مصر وإثيوبيا والسودان على استئناف المفاوضات، بدعوة من رئيس الاتحاد الأفريقي، بـ«هدف وضع صيغة نهائية لاتفاق مقبول وملزم للأطراف، وعلى وجه السرعة، بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، ضمن إطار زمني معقول».

وقال حليمة لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأثيوبية الأخيرة تؤكد الرواية المصرية التي ترى أن سد النهضة هدفه سياسي، وليس تنموياً، على عكس ما تشيع أديس أبابا»، مضيفاً أن هناك أضراراً تتعرض لها بالفعل دولتا المصب، وأن هناك «اعتداء على حقوقهما المائية، كان من بينها انحسار المياه مؤخراً في السودان».

وتابع: «النهج الإثيوبي العدائي في قضية المياه يستوجب مجابهته لتفعيل مبادئ القانون الدولي بشأن إدارة الأنهار الدولية».

القانون الدولي

وأكد المصدر المصري على أن «نهر النيل ليس ملكاً لدولة بعينها، وأن أوهام السيطرة عليه أو التحكم المنفرد في تدفقاته تتعارض بصورة صارخة مع القواعد المستقرة للقانون الدولي الحاكمة للأنهار الدولية المشتركة، وفي مقدمتها عدم الإضرار، والتشاور والتوافق والتعاون بحسن نية، واحترام حقوق ومصالح باقي دول الحوض».

وقال أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الإثيوبية الأخيرة تأتي بعد تأكيدات مسؤولين مصريين بعدم السماح لأديس أبابا ببناء سدود جديدة»، مضيفاً أن القاهرة ترى في التشغيل الأحادي للسد من جانب إثيوبيا «تهديداً دائماً لدولتي المصب».

ويرى شراقي أن الجانب الإثيوبي «يُريد أن يُبقى وضع السد دون تفاوض أو أي اتفاق قانوني ملزم»، وأن «الخطورة تكمن في محاولة أديس أبابا استغلال الوضع لبناء سدود أخرى»، عاداً ذلك «يهدد الأمن والسلم بالمنطقة».

وكان وزير الري المصري هاني سويلم قد أكد، الأسبوع الماضي، أن «بلاده لن تسمح ببناء سدود جديدة في إثيوبيا».


«المربوعة» في ليبيا... مجلس تتوارثه الأجيال ويتسع دوره السياسي

جانب من جلسة في «مربوعة» أحد أعيان مدينة سلوق بشرق ليبيا (الشرق الأوسط)
جانب من جلسة في «مربوعة» أحد أعيان مدينة سلوق بشرق ليبيا (الشرق الأوسط)
TT

«المربوعة» في ليبيا... مجلس تتوارثه الأجيال ويتسع دوره السياسي

جانب من جلسة في «مربوعة» أحد أعيان مدينة سلوق بشرق ليبيا (الشرق الأوسط)
جانب من جلسة في «مربوعة» أحد أعيان مدينة سلوق بشرق ليبيا (الشرق الأوسط)

في شرق ليبيا وغربها، لا تزال «المربوعة» حاضرة في بيوت تتوارثها أجيال، بوصفها غرفة لاستقبال الضيوف ومجلساً اجتماعياً يجمع شيوخ القبائل والشباب، قبل أن تتسع وظيفتها لتشمل الشأن العام، وتعزز حضورها في «شبكات النفوذ السياسي والمسلح» منذ سقوط نظام الزعيم الراحل معمر القذافي في 2011.

وفي مدينة سلوق بشرق البلاد، رصدت «الشرق الأوسط» جانباً من أجواء هذه المجالس، حيث اجتمع شيوخ وأعيان وشباب وموظفون داخل غرفة استقبال ملحقة بمنزل أحدهم.

وتوزعت الأحاديث في أمسية ليلية بين مشروعات «إعادة الإعمار»، والتحسن النسبي في الخدمات بمدن الشرق، والمخاوف من استمرار التعقيدات الأمنية والسياسية في غرب ليبيا، فضلاً عن قضايا اجتماعية ومعيشية وأحوال الناس اليومية.

ومن ثم لا تبدو «المربوعة» مجرد غرفة للضيافة، بل إن لها، حسب باحثين اجتماعيين، مكانتها بوصفها مساحة اجتماعية في البيوت الليبية تواصلت عبر أجيال، وظلت تؤدي دوراً في جمع الناس وتبادل الآراء، رغم تغير أنماط البناء وتصميم المنازل.

ويترسخ هذا التصور في دراسة أكاديمية تحدثت عن أن التطور المعماري في البيوت الليبية العصرية لم يقترب من وظيفة «المربوعة» الاجتماعية، إذ لا يزال الليبيون يخصصون لها مساحة مستقلة وواسعة، حسب عواطف فرج بوجلدين، الباحثة في كلية الفنون والعمارة بجامعة درنة.

ولم يكن حضور «المربوعة» في الشأن العام وليد مرحلة ما بعد 2011، وإن ظل دورها السياسي قبل ذلك محدوداً مقارنة بما آلت إليه وظائفها لاحقاً.

فقبل «ثورة» فبراير (شباط) 2011، ارتبطت مجالسها بمعالجة المشكلات الاجتماعية، والتدخل في حل النزاعات الأهلية، والمشاركة في المناسبات الاجتماعية وجمع التبرعات.

كما كان لها حضور سياسي محدود تمثل في المشاركة في اختيار ممثلي المدن والقرى في المؤتمرات الشعبية الأساسية، التي كانت تؤدي دوراً شبيهاً بالمجالس المحلية في الوقت الراهن، وفق حديث عضو مجلس النواب فهمي التواتي لـ«الشرق الأوسط».

ومع سقوط نظام القذافي وما أعقبه من ضعف مؤسسات الدولة والانقسام السياسي والأمني، اتسعت وظائف هذه المجالس، فتحولت في مناطق عدة إلى فضاءات غير رسمية للنقاش والتشاور والمصالحة، وأصبحت جزءاً من شبكات العلاقات المحلية.

ويفسر رئيس «المنظمة الليبية للتنمية السياسية»، جمال الفلاح، جانباً من هذا التحول انطلاقاً من تجربة عايشها خلال الفوضى الأمنية التي أعقبت 2011، حين كانت بعض الميليشيات تقتحم اجتماعات سياسية.

ويشير في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلى أن «المربوعة» وفرت في بعض الحالات مساحة أكثر أمناً لعقد اجتماعات تتعلق بالدستور أو الترتيبات السياسية، إذ كان اقتحامها يعد خرقاً للأعراف الاجتماعية.

ويرى الفلاح أن مجالس «المربوعة» أدت أيضاً دور «رمانة الميزان» خلال فترات غياب الدولة، عندما عادت القبيلة إلى الواجهة لتؤدي أدواراً أوسع في ضبط التوازنات واحتواء الخلافات.

كما لعبت هذه المجالس دوراً في المصالحات المحلية، إذ استضافت لقاءات بين قبائل ومدن متخاصمة، وساعدت في مناقشة قضايا تتعلق بوقف الثأر وفتح الطرق وعودة المهجرين وتسوية النزاعات.

ويستند هذا الدور إلى المكانة الاجتماعية التي يتمتع بها شيوخ القبائل والأعيان، وإلى الأعراف المحلية التي تمنح التفاهمات التي تنشأ داخل هذه المجالس وزناً في مجتمعاتها.

ولا يقتصر حضور «المربوعة» على المصالحات، إذ يشير التواتي إلى أنها أصبحت في بعض المناطق مساحة للتشاور والتوافق بشأن المرشحين في الاستحقاقات الانتخابية.

ويمتد حضور «المربوعة» إلى مدن وقرى عدة شرقاً وغرباً، وإن اختلفت طبيعة دورها من منطقة إلى أخرى. ويقول التواتي إن حضورها «لا يزال أكثر وضوحاً خارج مراكز المدن الكبرى».

وفي طرابلس، تراجع حضورها التقليدي داخل قلب العاصمة لتحل الفنادق والمكاتب واللقاءات الخاصة والرسمية محلها في كثير من الأحيان، لكنه يؤكد استمرارها في الضواحي.

ولا يعني تراجع شكلها التقليدي، وفق التواتي، اختفاء دورها، إذ يمكن أن تكون جلساتها تمهيداً اجتماعياً لما يجري لاحقاً في الفنادق والمكاتب من لقاءات سياسية، وربما تفاهمات أو صفقات سياسية.

ويضيف التواتي أن كثيراً من التفاهمات التي تناقَش في الأماكن المغلقة قد تسبقها مشاورات اجتماعية داخل «المربوعة»، خصوصاً في المدن والقرى التي لا تزال تحتفظ بهذا النمط من التواصل.

ويرصد سياسيون وبرلمانيون ومحللون اتساع توظيف «المربوعة» لبناء العلاقات وتوطيد النفوذ الاجتماعي والسياسي، حتى مع تغير شكلها في بعض المناطق واتخاذها طابعاً أكثر عصرية.

وفي غرب ليبيا، تظهر بين حين وآخر صور ولقطات لقيادات سياسية وأمنية وعسكرية خلال جلسات داخل مجالس اجتماعية؛ كما احتضنت «المربوعة» لقاءات لرئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقت عبد الحميد الدبيبة في منزله مع قادة اجتماعيين وقبليين.

مربوعة المنزل تجمع أيضاً قيادات مجموعات مسلحة في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لمعمر الضاوي قائد إحدى المجموعات المسلحة)

أما في شرق البلاد، فقد احتضنت «المربوعة» لقاءات قبل عدة أعوام بين سلطات شرق ليبيا وأعضاء في مجلسي النواب والدولة، بهدف ترطيب الأجواء والحصول على قاعدة شعبية لمشروعات الإعمار، حسب مصدر برلماني فضّل عدم الكشف عن هويته.

لكن اتساع الدور السياسي لـ«المربوعة» يثير نقاشاً حول حدود تأثير المؤسسات الاجتماعية غير الرسمية في إدارة الشأن العام، وسط تحذيرات من تحولها إلى بديل عن مؤسسات الدولة.


«الدولة» الليبي يرفض رسمياً استقالة محافظ «المركزي»

رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مستقبلاً محافظ «المركزي» ناجي عيسى الأربعاء الماضي (الأعلى للدولة)
رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مستقبلاً محافظ «المركزي» ناجي عيسى الأربعاء الماضي (الأعلى للدولة)
TT

«الدولة» الليبي يرفض رسمياً استقالة محافظ «المركزي»

رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مستقبلاً محافظ «المركزي» ناجي عيسى الأربعاء الماضي (الأعلى للدولة)
رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مستقبلاً محافظ «المركزي» ناجي عيسى الأربعاء الماضي (الأعلى للدولة)

رفض المجلس الأعلى للدولة في ليبيا استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، وسط أنباء عن قرب عودته إلى عمله بـ«شروط».

وأعلن رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، في رسالة رسمية الأحد، رفضه «طلب الاعتذار والإعفاء الذي تقدم به عيسى»، وطالبه في خطاب رسمي بالاستمرار في أداء مهامه والاضطلاع بمسؤولياته.

يأتي هذا فيما بحث عيسى مع الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، مستجدات الأوضاع الاقتصادية والمالية في البلاد. ونشر تكالة رسالته عقب اجتماع عقده أيضاً في مكتبه مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة.

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى مستقبلاً المبعوثة الأممية لدى البلاد هانا تيتيه بطرابلس يوم الأحد (المركزي)

وأوضح المصرف المركزي أن لقاء عيسى وتيتيه تناول أيضاً «جهود المصرف في تنفيذ الإصلاحات المالية والاقتصادية مع الجهات ذات العلاقة».

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر بـ«المصرف المركزي» أن المحافظ يستعد للعدول عن استقالته والعودة لممارسة مهامه، مقابل تنفيذ ثلاثة شروط رئيسية، تشمل ممارسة مجلسي النواب والدولة ضغوطاً على مختلف الأطراف لتسريع تنفيذ الاتفاق التنموي الموحد، ووقف أي زيادات جديدة في بند المرتبات، وإصدار قوانين ولوائح وسياسات لحماية موارد الدولة والحد من التهريب وتقليص الضغط على العملة الأجنبية.

وكان عيسى قد لوَّح باستقالته بسبب الضغوط المتزايدة وتعارض الرؤى الاقتصادية والمالية بين مؤسسات الدولة المختلفة، في خطوة فجرت تفاعلات واسعة ومتباينة بين الأطراف المحلية والدولية.

وسبق أن اجتمع عيسى، الأربعاء الماضي، مع تكالة وأعضاء المكتب السياسي ورؤساء اللجان الدائمة للمجلس، وأكدوا «رفض اعتذار عيسى عن ممارسة مهامه، واستمراره في العمل».

وفي الاجتماع استعرض عيسى أبرز التحديات المالية والنقدية، وما يتصل بإدارة الموارد العامة والإنفاق والسيولة وسعر الصرف، وانعكاساتها على الاستقرار الاقتصادي والأوضاع المعيشية للمواطنين.