ما أنواع المعرفة التي ستنقذك من الذكاء الاصطناعي؟

البرامج الذكية تخفض قيمة العنصر البشري لقاعدة العمل المعرفي الكفء العريضة

ما أنواع المعرفة التي ستنقذك من الذكاء الاصطناعي؟
TT

ما أنواع المعرفة التي ستنقذك من الذكاء الاصطناعي؟

ما أنواع المعرفة التي ستنقذك من الذكاء الاصطناعي؟

لم تعد المقولة بأن تهديد «الذكاء الاصطناعي مقبل ليحل محل وظائفنا» مجرد تهديد غامض بشأن المستقبل، كما كتب فيصل حق (*). إليكم مثال تيموثي ماكيون، الذي أمضى سنوات في الترجمة من وإلى اللغة الآيرلندية لصالح الاتحاد الأوروبي، والذي يدرك هذا الأمر أكثر من غيره. فمع تطور الترجمة الآلية، أثرت القدرة على إنتاج نص «جيد بما فيه الكفاية» بشكل كبير على مصدر رزقه، فخسر ما يقارب 70 في المائة من دخله مع توقف عمله مع الاتحاد الأوروبي. وقد صرّح حديثاً لشبكة «سي إن إن»: «كلما تعلم الذكاء الاصطناعي أكثر، تصبح أقل أهمية».

انخفاض قيمة العمل المعرفي

وماكيون ليس حالة شاذة، فقد شهد 43 في المائة من المترجمين انخفاضاً في دخلهم نتيجة لازدياد وجود بدائل الذكاء الاصطناعي في السوق.

وما يحدث للمترجمين هو مؤشر مبكر على تطور جارٍ الآن في جميع أنحاء اقتصاد المعرفة، إذ ولعقود طويلة، استند جزء كبير من قيمة العمل المكتبي على مبدأ بسيط: معرفة المرء بأمور أو القدرة على إيجادها أو تجميعها، وهي أمور يعجز عنها معظم الناس. وكان الآخرون على استعداد للدفع مقابل الاستفادة من تلك المعرفة. لكن الذكاء الاصطناعي يُقوّض قيمة شريحة واسعة من هذه السوق. ففي عدد كبير من المجالات، بات بإمكان برامج الدردشة الآلية إنجاز عمل في ثوانٍ معدودة، يُقارب، بل ويتفوق في بعض الحالات، على عمل المحترف العادي. ولهذا فإنه يخفض قيمة الجزء الأكبر من اقتصاد المعرفة، أي القاعدة العريضة للعمل المعرفي الكفء، وإن كان عادياً، بانخفاض حادّ نحو الصفر.

الخبرتان المتوسطة والمعمقة مهددتان

قد يميل المرء إلى الاعتقاد بأن التهديد يتوقف عند مستوى المتوسط ​​- وأن الخبرة المتعمقة والمتخصصة في مأمن، على عكس الكفاءة العادية. لكن هذا ليس صحيحاً تماماً. فالسؤال المهم لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُعيد تشكيل العمل المعرفي، بل هو: أي أنواع المعرفة تحتفظ بقيمتها في ظل قدرة الآلة على إنجاز كل هذا؟

أوضاع «أيام زمان»... راحت

خلال معظم العصر الحديث، كانت قيمة الموظف في سوق العمل تنبع من رصيده المعرفي: مثلا: معرفة موظف الضرائب لقانون الضرائب الذي كان يحفظه عن ظهر قلب، أو السوابق القضائية التي كان يتقن محام معرفة تفاصيلها، والعامل في الأسواق الحاصل على بيانات السوق التي كانت متاحة له بسهولة، واللغة للمترجم التي أمضى عقداً من الزمن في تعلمها بطلاقة.

كان العمل، في معظمه، يتمحور حول معرفة أمور يجهلها الآخرون، والحصول على أجر مقابل استخلاصها وتطبيقها. وقد تعلم الذكاء الاصطناعي محاكاة هذا العمل بطريقة مقنعة بشكل كبير. فقد قرأ نموذج لغوي ضخم متطور كميات هائلة من قوانين الضرائب، والسوابق القضائية، وتقارير السوق، أكثر مما يستطيع أي فرد قراءته، وهو قادر على إعادة معظمها عند الطلب، بطلاقة وفورية.

انحسار هلوسة النماذج الذكية يهدد الأعمال

إن الفكرة التي كانت سائدة في السابق، والتي مفادها أن ميل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى الهلوسة سينقذ العاملين في مجال المعرفة، تتلاشى تدريجياً. فبعد أن كانت الهلوسة شائعة، أصبحت نادرة بشكل كبير، ويمكن الحد منها في كثير من السياقات من خلال التوجيه الفعال. صحيح أن الوصول الموثوق إلى نماذج اللغة الضخمة ليس مجانياً أو سلساً تماماً، لكن تكلفته، مقارنةً بالعمل البشري، أصبحت ضئيلة للغاية.

التوجه نحو المعرفة المتخصصة

في ظل هذه التطورات، يميل كثير من العاملين في مجال المعرفة إلى التوجه نحو التخصصات المتقدمة: التخلي للآلات عن الأعمال البسيطة، والتركيز على التخصص العميق. فالخبرة المتخصصة، كما يُقال، هي الخيار الأمثل. وهناك أدلة حقيقية تدعم هذا الرأي. فقد وجد المترجمون، على سبيل المثال، أن العمل المتبقي لهم يتجه نحو التخصصات المتقدمة: فالأعمال ذات الكميات الكبيرة أصبحت من نصيب الآلات، لكنّ المترجمين الأدبيين والمترجمين الفوريين القانونيين والدبلوماسيين ذوي المهام الحساسة - الذين تترتب على أخطائهم عواقب وخيمة - ما زالوا يتلقون طلبات عمل كثيرة.

يبدو المتخصصون في مأمن... في الوقت الراهن. لكن الوضع الذي يقفون عليه ليس بالصلابة التي يبدو عليها، والخط الفاصل بين العمل الذي يمكن للذكاء الاصطناعي القيام به والعمل الذي لا يمكنه القيام به ليس كما يتصوره معظم الناس.

نوعان من المعرفة

تكمن المشكلة في أن هذا النوع من العمق ليس إلا ملاذاً مؤقتاً. فبالنسبة للآلة، لا تُعدّ المعرفة النادرة أمراً مميزاً، ولا يوجد ما يمنعها من الوصول إليها ما دام أنها مُتاحة في شكل مُسجّل. أما بالنسبة لحامل شهادة الماجستير في القانون، فإنّ الزاوية الغامضة من قانون الضرائب تُعدّ مجرد زاوية أخرى. ولضمان أن تحمل معرفتك قيمةً أكثر ديمومة، لا يمكنك الاعتماد على العمق أو الندرة. أنت بحاجة إلى أنواع مختلفة تماماً من المعرفة. ويبرز نوعان منها.

الحكم أثناء السياق

* الأول -الحكم السياقي. لم تكن قيمة المستشار المُحنّك يوماً مُقتصرة على تفاصيل قطاع العمل في ذهنه فحسب، بل كانت تكمن في معرفة أيّ التفاصيل مهمة لهذا العميل أو لذاك المجلس، وأيّ معلومة أساسية تُوجّه كيفية قراءة الميزانية العمومية الإشكالية، وكيفية فهم المخاوف غير المُعلنة التي ذكرها الرئيس التنفيذي عرضاً. فالخبرة العميقة، مهما كانت نادرة، تنطوي على التفكير المنطقي في المواد الموجودة في السجلات (فالزاوية الغامضة من قانون الضرائب مُدوّنة في مكان ما)، وهذا ما تُجيده هذه النماذج الآن.

أما الحكم السياقي فهو مختلف؛ إذ إن الدليل الحاسم يطرح نفسه «بشرياً» مثل: ما الذي يعنيه هذا الصمت من العميل؟ ولماذا يتردد هذا المجلس؟ وهذه أشياء ليست مدونة لأو مسجلة. وتحديداً لأنّ هذا الموقف أو ذاك لم يسبق له أن ظهر بهذا الشكل من قبل.

يعتمد هذا النوع من الأحكام على شيء حقيقي ولكنه عابر، شيء يستنتجه الفرد من أجواء الغرفة في تلك اللحظة بالذات. لا يمكن الرجوع إلى هذا الدليل في الأدوات الذكية، والنماذج الحالية أقل موثوقية بكثير في هذا النوع من الاستدلال مقارنةً بالاستدلال القائم على المعرفة المُسجلة التي أتقنت بالفعل. قد لا يبقى هذا الأمر بعيد المنال إلى الأبد، ولكنه ليس التهديد الذي يواجهه العاملون في مجال المعرفة اليوم.

معرفة تنفيذ الإجراءات

* الثاني- المعرفة الإجرائية. يُفرّق بعض الفلاسفة تمييزاً مفيداً بين «معرفة ذلك» و«معرفة كيف». يمكنك معرفة كل فرضية في كل كتاب فيزياء، ومع ذلك فإنك لا تستطيع الحفاظ على توازنك على دراجة. يمكنك استيعاب كل ما كُتب عن نظرية الموسيقى، ومع ذلك لا تستطيع العزف على الكمان.

وينطبق الأمر نفسه على مجال الأعمال. إنّ امتلاك مخزون شامل من الحقائق والآراء حول القيادة لا يكفي لجعل شخص ما قائداً عظيماً. كما أن قراءة كل كتاب عن التفاوض لا تُكسبك القدرة على ضبط النفس، وتوقيت التنازلات، والحفاظ على ثباتك عندما يضغط الطرف الآخر.

هذا النوع من المعرفة ينبع من الممارسة: لا يُكتسب إلا بالتجربة والممارسة، وفي أعلى المستويات، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمورٍ مثل الثقة، والسلطة، والقدرة على فهم الآخرين والتواصل معهم، وهي أمورٌ لا وجود لها إلا بين البشر. هذه ليست مجموعة من الحقائق يُمكن لأحد أن يُقدمها لك، وليست مهمة يُمكنك تفويضها دون أن تُصبح أنت العائق الذي كنت تسعى إلى إزالته.

لا يُمكن تحميل أيٍّ من هذين النوعين من المعرفة. لكن يُمكن بناء كليهما بوعيٍ وتخطيط. وهنا يكمن الجهد الجاد في تطوير المسار المهني.

بناء معرفةٍ تُعزز فرص النجاح

إليك ثلاث خطوات تُساعدك على مواكبة هذا التغيير التاريخي في مفهوم عامل المعرفة.

* امتلك النتائج لا المخرجات. يُنتج نموذج الذكاء الاصطناعي مخرجات عبارة عن: مسودة، وتحليل، وإجابة. لذا، توقف عن بناء مسارك المهني على أساس التنافس في هذا المجال. راجع ودقق في العمل الذي يدفع المال لك مقابله فعلياً - وهو العرض الأساسي لقيمة ما تقدمه - وتخلص من كل جانب يمكن لنموذج ذكي جيد فعله في دقائق.

النتائج وليست المُخرجات هي ميزتك التنافسية الحقيقية*

ما يتبقى هو النتائج التي لا يمكن تحقيقها إلا بوجودك : حل المشكلة المعقدة بدءاً من التشخيص الأولي وصولاً إلى نتيجة يمكنك الوثوق بها، أو فهم احتياجات العميل الحقيقية التي تتجاوز مجرد أقواله. أعد تنظيم دورك أو عرضك بناءً على هذه النتائج.

حكم واقعي وممارسة من دون روتين

* ابنِ حكمك في الواقع لا على الورق

لا يمكن اكتساب الحكم المناسب للموقف إلا من خلال وجودك أثناء اتخاذ القرارات المصيرية ومتابعة نتائجها. ويصعب استبدال ذلك الجانب آلياً، لأن ما كان مهماً في تلك الجلسات لا يمكن تلخيصه بالكامل ونقله إلى سجل يمكن لخبير قانوني قراءته.

الأشخاص الذين يتقدمون أسرع لن يكونوا من يستطيعون تخزين أكبر قدر من المعلومات، بل من يجدون طرقاً لتحسين حكمهم القائم على السياق.

* فوّض المهام الروتينية واحفظ الممارسة

تكمن الخبرة الإجرائية في الممارسة، لذا فإن العمل الذي تُسنده بالكامل إلى الذكاء الاصطناعي هو عمل يتوقف عن تطوير مهاراتك فيه. أسند المهام الروتينية إلى النموذج، لكن استمر في القيام بالمهام التي تتطلب مهارات عالية بنفسك - مثل التفاوض، والنقاش الذي تُحلله بدقة - حتى لو كان بإمكان النموذج إنتاج نسخة مقبولة بشكل أسرع.

الخلاصة

خلاصة القول: ينطبق حكم تيموثي ماكيون بشأن الذكاء الاصطناعي – «كلما ازداد تعلمه، تقادمت أنت» - على أنواع معينة من المعرفة، وهي الأنواع التي بنى عليها معظم المحترفين مسيرتهم المهنية لعقود. لكن توجد أنواع أخرى من المعرفة أقل عُرضة للتأثر. بل قد يكون بعضها محصناً ضد الذكاء الاصطناعي، على الأقل في أشكاله المتاحة اليوم.

و هذا النوع من المعرفة لا يمكن تحميله. إنها معرفة تجسدها لا تمتلكها - مكتسبة بالممارسة، متأصلة في الشخص، وملكية خاصة بك بطريقة لم تكن عليها أبداً مجموعة من الحقائق.

* مجلة «فاست كومباني»


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا «أوبن إيه آي» تعتزم دمج المحادثة وتنفيذ المهام في «شات جي بي تي»

«أوبن إيه آي» تعتزم دمج المحادثة وتنفيذ المهام في «شات جي بي تي»

تعتزم «أوبن إيه آي» دمج المحادثة وتنفيذ المهام في تجربة موحدة داخل «شات جي بي تي»، مع بدء اختبارها تدريجياً.

نسيم رمضان (لندن)
علوم هل يمكن لروبوتات الدردشة الإجابة عن أسئلتك الطبية؟

هل يمكن لروبوتات الدردشة الإجابة عن أسئلتك الطبية؟

تساؤلات حول دقة الذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية

«الشرق الأوسط» (كمبردج (ولاية ماساشوستس الأميركية))
آسيا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ في مؤتمر صحافي يوم 9 يناير ببكين (أرشيفية- د.ب.أ)

الصين تتهم بريطانيا بـ«تشويه صورتها» على خلفية تقرير للأمن السيبراني

حذَّرت الصين بريطانيا من «تشويه صورتها»، غداة صدور تقرير أفاد بأن بكين قد تكون بصدد التخطيط لتنفيذ عمليات سيبرانية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
خاص ترى «غوغل» أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط يرتبط بتحويل الاستثمارات والمواهب إلى تطبيقات عملية وتقنيات قابلة للتصدير عالمياً (أدوبي)

خاص «غوغل» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يتجاوز الوكلاء إلى منظومة ابتكار متكاملة

تؤكد «غوغل» أن نجاح الشرق الأوسط في الذكاء الاصطناعي يتطلب تطوير تقنيات محلية وتصديرها وتجاوز تحديات البيانات والحوكمة والمهارات.

نسيم رمضان (لندن)

هل يمكن لروبوتات الدردشة الإجابة عن أسئلتك الطبية؟

هل يمكن لروبوتات الدردشة الإجابة عن أسئلتك الطبية؟
TT

هل يمكن لروبوتات الدردشة الإجابة عن أسئلتك الطبية؟

هل يمكن لروبوتات الدردشة الإجابة عن أسئلتك الطبية؟

اطرح سؤالاً طبياً على «تشات جي بي تي» أو «جيميناي» أو أي روبوت دردشة مدعوم بالذكاء الاصطناعي، وستذهلك ربما سرعة تقديمه إجابة مفصلة؛ اذ يمكنه صياغة الإجابة لتلائم احتياجاتك حسب الأوامر التي توجهها له. إلا أنه يتعين عليك توخي الحذر، إذا كنت ترغب في جني استفادة حقيقية من هذه التكنولوجيا، كما كتبيت لين كريستنسن (*).

هل يمكن للذكاء الاصطناعي الإجابة عن الأسئلة الطبية؟

بينما يمتلك الذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية قدرات مثيرة للإعجاب، فإن ثمة قيوداً تفرض نفسها عليه كذلك، خاصة عندما يطبّقها المرضى بأنفسهم، وليس الأطباء. في هذا الصدد، قال الدكتور آدام رودمان، طبيب عام الأمراض الباطنية، وباحث في الذكاء الاصطناعي في مركز «بيث إسرائيل ديكونيس» الطبي، التابع لجامعة هارفارد: «إن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، جيدة لبعض الاستفسارات الطبية دون غيرها».

ولمساعدة الناس على فهم الطريقة المثلى لاستغلال الذكاء الاصطناعي بمجال الرعاية الصحية، طوّر الدكتور رودمان نظام إشارة مرورية؛ حيث يظهر الضوء الأخضر للاستخدامات الآمنة والمفيدة، في حين تتطلب الأسئلة ذات الضوء الأصفر الحذر عند طرحها، في حين تحدد الإشارة الحمراء الاستفسارات، التي يُفضل تجنبها تماماً.

ما المقصود بالذكاء الاصطناعي في الطب؟

يشهد الذكاء الاصطناعي تحولاً سريعاً إلى أداة يتعذر الاستغناء عنها في جميع المجالات الطبية، حيث إنه يصيغ طريقة عمل الأطباء وغيرهم من الاختصاصيين الصحيين، بدءاً من الأبحاث الأساسية، وصولاً إلى تشخيص المرضى وعلاجهم.

تتعلم أنظمة الذكاء الاصطناعي الأنماط من كميات ضخمة من البيانات، ثم تستخدم هذه الأنماط لأداء مهام ترتبط عادة بالتفكير البشري. وتُعدّ نماذج اللغات الكبيرة، نوعاً من الذكاء الاصطناعي، الذي يمكنه التعرف على اللغة البشرية وتوليدها على نحو شبيه بلغة البشر. كما يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي الاضطلاع بمهام، مثل تحديد علامات الإصابة بالسرطان في صور الثدي الشعاعية، التي قد يصعب على البشر رصدها.

ويستعين عدد متزايد من الأطباء بأدوات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك نماذج اللغات الكبيرة، للمساعدة في اتخاذ القرارات السريرية، وتدوين الملاحظات في السجلات الطبية، ومواكبة المعارف الطبية.

اسئلة الاشارات الخضراء والصفراء والحمراء

* أسئلة الضوء الأخضر. قال الدكتور رودمان: «المقصود بأسئلة «الضوء الأخضر»، تلك التي يمكنك طرحها بأريحية دون مناقشتها مع الطبيب، أي مقدم الرعاية الصحية». وعلى سبيل المثال، يمكنك أن تطلب من روبوت الدردشة مساعدتك في فهم المعلومات الطبية العامة، مثل: «اشرح لي مرض السكري»، أو «ما ارتفاع ضغط الدم؟». كما قد تطلب من روبوت الدردشة كذلك المشورة بخصوص النظام الغذائي، مثل: «أنا أعاني من عدم تحمل اللاكتوز، فهل يمكنك مساعدتي في وضع خطة قائمة طعام مناسبة؟».

يمكن لروبوتات الدردشة كذلك شرح معنى الملاحظات التي يدوّنها الأطباء، وتقارير المختبر، ونتائج اختبارات التصوير. وإذا لم تكن تفهم ما هو مكتوب في سجلك الطبي، يمكنك أن تطلب من روبوت الدردشة «شرح ما يقصده الطبيب في هذه الملاحظة» (مع ضرورة إزالة المعرّفات الشخصية أولاً).

واضافة إلى ذلك، يمكن لروبوت الدردشة المدعوم بالذكاء الاصطناعي مساعدتك أيضاً في الاستعداد لزيارة الطبيب؛ إذ يمكنك إدخال معلومات من زيارتك الأخيرة وطرح سؤال: «كيف يجب أن أستعد لهذه الزيارة؟ اذكر لي ثلاث طرق».

التأني والحذر - مستوى الدقة يعتمد على السياق

* أسئلة «الضوء الأصفر». يمكنك طرح أسئلة «الضوء الأصفر»، لكن ضع في حسبانك أن الإجابات لن تحل محل التقييم السريري للطبيب. وغالباً ما يسأل الناس روبوتات الدردشة عن أعراض جديدة يعانون منها. في هذا السياق، شرح الدكتور رودمان: «هناك دراسات تقترح أن نماذج اللغات الكبيرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بارعة للغاية، إن لم تكن أفضل من البشر، في استكشاف الأعراض الجديدة». ومع ذلك، تظل الحقيقة أن مستوى الدقة يعتمد على السياق.

الروبوتات تخبرك بما تود سماعه

ويمكن أن تعكس الإجابات الطريقة التي تتفاعل بها أنت مع روبوت الدردشة. وقال الدكتور رودمان: «على سبيل المثال، غالباً ما تخبرك هذه الروبوتات بما تكتشف هي أنك تود سماعه؛ الأمر الذي قد يكون خطيراً». وقد يؤدي ذلك إلى معلومات مضللة وإثارة شعور بالقلق.

ولذا؛ وبدلاً من كتابة قائمة بالأعراض، نصح الدكتور رودمان باستخدام أمر، مثل: «أعاني من صداع جديد. هل يمكنك عقد مقابلة معي، وكأنك طبيب لمساعدتي في استكشاف أعراضِي؟». هنا، سيشرع روبوت الدردشة في طرح أسئلة تضع الأعراض في سياقها. وبالإضافة إلى الأعراض التي تشعر بها، سيسأل عن الأعراض التي لا تعاني منها.

وأضاف الدكتور رودمان: «في الوقت الذي يمكنك استكشاف الأعراض الجديدة، والتشخيصات المحتملة باستخدام روبوت الدردشة، يجب ألا يجري ذلك إلا كخطوة أولى، قبل الحديث إلى اختصاصي الرعاية الصحية».

علاج الحالات الصحية - إشارة حمراء

* أسئلة الضوء الأحمر. بناءً على القيود الحالية للذكاء الاصطناعي؛ لا يمكنك الاعتماد على دقة الإجابات، حول كيفية علاج وإدارة الحالات الصحية. تجنب طرح أسئلة من قبيل: هل خطة العلاج هذه المناسبة لي؟ هل يجب أن أتناول هذا الدواء؟ هل نظام العلاج الكيميائي هذا هو الصحيح؟ هذه أسئلة يمكن تصنيفها باعتبارها أسئلة «ضوء أحمر».

وعن ذلك، قال الدكتور رودمان: «أقول للمرضى، لا تفعلوا ذلك ببساطة». تنطوي القرارات العلاجية على الكثير من الاعتبارات، بما في ذلك الفحوص البدنية، والتاريخ الطبي، والتقدير السريري، لدرجة تجعل الثقة بروبوت محادثة أمراً غير مضمون.

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل الأطباء؟

بحلول الوقت الذي تطالع فيه هذا الموضوع ستكون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تطورت - هذه ببساطة سرعة تغير التكنولوجيا. إلا أن هذا لا يغير شيئاً في الخلاصة الأساسية: لا يجب عليك الاعتماد على تشخيص طبى يقدمه الذكاء الاصطناعي، ولا تعدّ روبوت الدردشة طبيبك الشخصي المعزز بالذكاء الاصطناعي. وأوضح الدكتور رودمان: «الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن اختصاصيي الرعاية الصحية».

* رسالة هارفارد الصحية - خدمات «تريبيون ميديا»


هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟
TT

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

يتزايد قلق الأطباء من أن أدوية إنقاص الوزن تُسهم في ظهور حالات جديدة من فقدان الشهية العصبي anorexia، وأنّ هناك نقصاً في الضمانات لحماية المرضى الذين يعانون من اضطرابات الأكل.

أعراض متشابهة للدواء... وللاضطراب

يتناول عشرات الملايين من المرضى هذه الأدوية حالياً، والتي قد تُسبب أحياناً أعراضاً تُشابه أعراض فقدان الشهية العصبي: تساقط الشعر، والدوخة، ومشاكل في الجهاز الهضمي، ونقص حاد في السعرات الحرارية. وتقول الدكتورة كاثرين كيلي، طبيبة طب الأسرة والطب الرياضي في لونغ بيتش، كاليفورنيا: «إننا نتساءل في هذه الحالة: هل هذا فقدان شهية عصبي؟ هل هو اضطراب في الأكل؟ أم أنه مجرد أثر جانبي للدواء؟».

توصيات لرصد علامات اضطرابات الأكل قبل البدء بتناول أدوية كبح الشهية

وبناءً على «الحاجة المُلحة» إلى إرشادات، أصدر تحالف دولي من اختصاصيي طب السمنة وأطباء اضطرابات الأكل، وغيرهم من الخبراء، أخيراً توصيات جديدة بشأن وصف مُحفزات مستقبلات الببتيد الشبيه بالغلوكاجون-1 (GLP-1) ووصف اضطرابات الأكل. ومن بين اقتراحاتهم الموجهة للأطباء: فحص جميع المرضى بحثاً عن علامات اضطرابات الأكل قبل البدء بتناول مُحفزات مستقبلات الببتيد الشبيه بالغلوكاجون، ومراقبة أي شخص يتناول هذه الأدوية بشكل دوري.

ولا يُعد أي من هذين الإجراءين ممارسةً مُعتمدةً حالياً. كما أن معظم الأطباء غير مُدرَّبين على التعرّف على علامات اضطرابات الأكل، ما قد يُحدّ من نطاق التوصيات الجديدة.

أدوية يسهل الحصول عليها من دون طبيب

وما يزيد الأمر تعقيداً أن العديد من الأشخاص يحصلون على هذه الأدوية عبر خدمات التطبيب عن بُعد، مع إشراف طبي محدود أو معدوم. وفي دراسة حديثة، وجد باحثون حاولوا شراء أدوية إنقاص الوزن من 49 موقعاً إلكترونياً أن ثلث هذه المواقع فقط اشترط التواصل المباشر مع طبيب قبل وصف الأدوية، وأن نصفها فقط سأل عن اضطرابات الأكل.

وقالت فانيسا لونغلي، الرئيسة التنفيذية لمنظمة «بيت» Beat البريطانية غير الربحية التي تُدير خطاً ساخناً لمساعدة الأشخاص الذين يُعانون من اضطرابات الأكل: «لقد بدأنا بوصف دواء خطير للغاية، في حين أننا لا نعرف تماماً جميع آثاره الجانبية».

حقن كبح الشهية تُسوَّق أحياناً من دون وصفة طبية

معدل اضطرابات الأكل بين متناولي أدوية كبح الشهية أكثر بـ6 مرات

لا تتوفر بيانات كافية حول مدى شيوع فقدان الشهية العصبي بين الأشخاص الذين يتناولون أدوية إنقاص الوزن. لكن دراسة حديثة تناولت استخدام هرمون GLP-1 بين أشخاص لا يعانون من أي حالة طبية ظاهرة، وجدت أن معدل اضطرابات الأكل في هذه المجموعة يزيد ستة أضعاف عن المعدل في عموم السكان. وتشير الأبحاث إلى أن الكثيرين يلجأون إلى هذه الأدوية لتحقيق مستويات خطيرة من فقدان الوزن. وإذا تُركت حالة فقدان الشهية العصبي من دون علاج، فقد تؤدي إلى هشاشة العظام، وكسور العظام، ومشاكل في القلب والأوعية الدموية، واضطرابات إدراكية. وقد تكون قاتلة أيضاً.

وحتى لو أفصح المريض عن تاريخه مع فقدان الشهية العصبي، فإن الأطباء لا يملكون إرشادات كافية حول الخطوة التالية. هل يصفون الدواء على أي حال؟ أم يمتنعون عن وصفه بسبب هذا الخطر، متخلين عن فوائده؟

«أوزمبيك» أم فقدان الشهية العصبي؟

تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أنه بالنسبة لبعض الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي لفقدان الشهية العصبي، فإن حالة نقص السعرات الحرارية - مثل اتباع حمية غذائية لأول مرة - قد تكون المحفز لاضطراب الأكل، إذ إن أدمغتهم مهيأة لاعتبار هذا النقص في السعرات الحرارية مُرضياً بشكل خاص، مما يخلق حلقة مفرغة تدفعهم إلى مزيد من تقييد تناول الطعام. كما لاحظ الباحثون أن جراحة السمنة قد تُسبب فقدان الشهية بهذه الطريقة.

وهناك ما يدعو للاعتقاد بأن شيئاً مشابهاً قد يحدث لبعض المرضى الذين يتناولون أدوية GLP-1. وقالت سينثيا بوليك، المديرة المؤسسة لمركز التميز لاضطرابات الأكل بجامعة نورث كارولينا، والعضو في لجنة الخبراء التي أصدرت الإرشادات الجديدة: «إنها نقطة تحول حاسمة. فهي تُحفز لديهم الاستعداد الوراثي الكامن».

«أدوات دوائية قوية» لكبح الشهية

ووصفت الدكتورة أماندا بانكس، الطبيبة في فيلادلفيا ومؤلفة كتاب عن العلاقة بين فقدان الشهية العصبي وأدوية إنقاص الوزن، هذه الأدوية بأنها «أدوات دوائية قوية» لكبح الشهية. وهذا ما يجعلها علاجاً فعالاً للأشخاص الذين يعانون من السمنة. كما أنه أحد أسباب ظهور نتائج واعدة لهذه الأدوية لدى مرضى «اضطراب نهم الطعام binge eating disorder».

اضطراب فقدان الشهية العصبي يتسبب في أعراض ضارة بالجسم

تشخيص فقدان الشهية العصبي

يشخص الأطباء أحياناً فقدان الشهية العصبي من خلال أعراضه الجسدية: فقدان الوزن السريع والشديد، والجفاف، والدوار، وتساقط الشعر الناتج عن سوء التغذية. لكن هذه الأعراض قد تكون أيضاً من آثار هرمونات أدوية GLP-1، ما يجعل تشخيص اضطراب الأكل صعباً.

كما يصعب على الأطباء التمييز بين ما إذا كان المريض يحاول عمداً تقليل كمية الطعام التي يتناولها، أو ما إذا كان الدواء هو ما يدفعه إلى ذلك. ولا توجد إجابة قاطعة حول مقدار فقدان الوزن الذي يُعد مفرطاً عند تناول أدوية مصممة لمساعدة الناس على إنقاص الوزن.

وقال الدكتور آرون كيشين، اختصاصي اضطرابات الأكل في نوفا سكوتيا والمشارك في وضع الإرشادات الجديدة: «نشهد حالات لمرضى يعانون مما نسميه فقدان الوزن المرضي»، الذي قد يعني فقدان كمية غير صحية من الوزن. وأضاف: «وهم يتناولون هرمونات GLP-1».

لقد أصبح التمييز بين استخدام هرمونات GLP-1 واضطرابات الأكل غير واضح لدرجة أن بعض الباحثين يتساءلون عما إذا كان التعريف السريري لفقدان الشهية العصبي بحاجة إلى تغيير ليعكس أعراض هذا الاضطراب لدى من يتناولون هذه الأدوية.

الحاجة إلى ضوابط

وبينما تعد الإرشادات الجديدة محاولةً للحماية من مخاطر عقاقير GLP-1 التي قد تُلحق الضرر بالمرضى الذين يعانون من اضطرابات الأكل، فإن تطبيق هذه التوصيات عملياً قد يُمثّل تحدياً، لا سيما مع ازدياد وصفات الأدوية عبر الإنترنت. وتقول بانكس: «إذا استطاع أيّ منا أن يقول: 'وزني 165 رطلاً (الرطل 453 غراماً)، وأعاني من داء السكري وارتفاع ضغط الدم'، ولم يكن أيٌّ من هذه الأمور صحيحاً، ولم يتحقق أحد من ذلك، ثمّ استطاع الحصول على الدواء عند باب منزله صباحاً، فهذه مشكلة».

وحتى الأطباء الذين يُقدّمون رعايةً مباشرةً للمرضى الذين يتناولون هذه الأدوية ليسوا في وضعٍ يسمح لهم بالتعامل مع مخاطر اضطرابات الأكل. فأطباء الرعاية الأولية، الذين يصفون هذه الأدوية بشكلٍ متكرر، غالباً ما يكون وقتهم ضيقاً، ويتعيّن عليهم معالجة مجموعةٍ متنوّعةٍ من المشاكل الصحية.

الأطباء يفتقدون إلى الإرشادات

وتقول الدكتورة ميلاني جاي، مديرة برنامج NYU Langone الشامل للسمنة، إنّ أطباء السمنة واختصاصيي اضطرابات الأكل الذين يُمكنهم المساعدة في معالجة هذه المشاكل مع المرضى نادراً ما تتاح لهم فرص التفاعل فيما بينهم. ويفتقر أطباء السمنة إلى إرشادات كافية حول كيفية التعامل مع فقدان الشهية العصبي، أو حتى كيفية اكتشاف علاماته في المقام الأول.

وقالت لونغلي، رئيسة المنظمة البريطانية غير الربحية المعنية باضطرابات الأكل: «إن الخطر الأكبر لا يكمن في الدواء، بل في عدم تشخيص اضطراب الأكل الكامن أمامك».

* خدمة «نيويورك تايمز».


أجهزة تراقب السكر... هل تقود إلى الوقاية أم إلى مطاردة الأرقام؟

مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
TT

أجهزة تراقب السكر... هل تقود إلى الوقاية أم إلى مطاردة الأرقام؟

مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً

​قد تكشف قراءة واحدة تغيراً عابراً، ولكن ماذا تخبرنا مئات القراءات؟ بين الوعد بالوقاية والقلق من كل ارتفاع، يطرح انتشار الأجهزة القابلة للارتداء سؤالاً يتجاوز دقة المستشعر: هل تمنحنا مراقبة أجسامنا لحظة بلحظة قدرة أكبر على تجنب المرض؟ أم تدفعنا إلى مطاردة أرقام لا نعرف دائماً كيف نفسرها؟

برز هذا السؤال في جلسة «الأجهزة القابلة للارتداء ومراقبة الغلوكوز واقتصاد الوقاية» ضمن المنتدى الرقمي لملتقى الصحة العالمي؛ إذ بعد إعادة جدولة المعرض الحضوري إلى 25–28 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، أطلق المنظمون منتدى رقمياً يمتد من 26 أكتوبر 2026 إلى 20 ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه.

جناح وزارة الصحة خلال ملتقى الصحة العالمي 2025 في الرياض (الشرق الأوسط)

ملتقى رقمي وحضور صحي عالمي

لا يقتصر المنتدى الرقمي على نقل جلسات المعرض إلى الإنترنت؛ إذ يضم برنامجه 30 ندوة مهنية و15 حواراً مع قيادات صحية، إلى جانب تقرير عن سوق الرعاية الصحية. وتكمن أهميته في إبقاء النقاش قائماً بين المختصين والمستثمرين وصنَّاع القرار، وإتاحة الوصول إلى موضوعات الصحة الرقمية والابتكار الطبي خارج حدود المكان وأيام المعرض. كما يعزز حضور المملكة العربية السعودية على الساحة الصحية العالمية، ويبرز طموحها إلى ترسيخ ريادتها في توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في الرعاية الصحية. ولكنه يظل مكمِّلاً للقاءات المباشرة، بما تتيحه من عرض للتقنيات وبناء للشراكات وجهاً لوجه.

وتأتي هذه النقاشات في سياق توسع ملتقى الصحة العالمي نفسه. ففي دورة 2025، استقطب أكثر من 130 ألف زائر، وعرضت فيه أكثر من 2200 علامة تجارية، وشارك 607 متحدثين، بينما أعلن المنظمون اتفاقات وصفقات تجاوزت قيمتها 35.5 مليار دولار. وتعكس هذه الأرقام اتساع الملتقى من معرض للأجهزة والخدمات إلى منصة تتقاطع فيها أسئلة الاستثمار والابتكار ومستقبل الرعاية الصحية.

من وخزة الإصبع إلى القراءة المستمرة

أصبحت أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز أداة مهمة لكثير من المصابين بالسكري. يُثبَّت مستشعر صغير تحت الجلد؛ حيث يقيس الغلوكوز في السائل الخلالي، ثم يرسل قراءاته إلى الهاتف أو جهاز الاستقبال. وعلى خلاف وخزة الإصبع التي تعطي قراءة في لحظة واحدة، ترصد هذه الأجهزة تغير مستويات الغلوكوز بمرور الوقت، فتساعد المريض على متابعة اتجاهها والتنبه إلى ارتفاعها أو انخفاضها، ومناقشة أثر الطعام والنشاط والعلاج مع الطبيب.

لكن استخدام التقنية اتسع ليتجاوز متابعة المصابين بالسكري، فأقبل عليها بعض الأصحاء سعياً إلى «تحسين الأداء» أو بلوغ صحة مثالية. وهنا يختلف السؤال: ماذا تعني هذه القراءات لمن لا يعاني السكري؟ وهل تكفي مراقبة تغيرات الغلوكوز لتغيير العادات بما يحسِّن الصحة فعلاً؟

ماذا تقول الأدلة لدى الأصحاء؟

في 26 يناير (كانون الثاني) 2026، نشرت مجلة «European Journal of Medical Research» مراجعة علمية تناولت 23 دراسة شملت 1074 شخصاً من غير المصابين بالسكري، وجمعت إحصائياً نتائج الدراسات التي استطاعت مقارنتها. وأظهر التحليل انخفاضاً في متوسط الغلوكوز لدى مستخدمي الأجهزة مقارنة بالمشاركين الذين لم يستخدموها، بينما ارتبط استخدامها بتغييرات غذائية وبالتزام أكبر بالتدخلات الصحية.

لكن النتائج اختلفت باختلاف المشاركين؛ فلم يظهر فرق ذو دلالة في مؤشر كتلة الجسم، ولم يُرصد تحسن واضح في ضبط الغلوكوز لدى الأصحاء ذوي المستويات الطبيعية، بينما بدت النتائج أكثر وعداً لدى المصابين بمقدمات السكري. وتشير المراجعة إلى أن الأجهزة قد تساعد ضمن برنامج منظم لتغيير نمط الحياة، لا بوصفها علاجاً مستقلاً. كما أن قصر مدة كثير من الدراسات، ودمج بعضها بين الجهاز والتثقيف الصحي، يصعِّبان تحديد أثر المستشعر وحده.

«إنفوغراف» يوضح آلية عمل أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز وملخص نتائج الدراسات لدى المصابين بالسكري وغير المصابين به

فائدة للمرضى لا تثبت الوقاية للجميع

وتوضح تجربة عشوائية نشرتها مجلة «New England Journal of Medicine» عام 2026، الفرق بين استخدام التقنية لمتابعة مرض قائم وبين تعميمها على الأصحاء. وشملت التجربة 283 بالغاً مصاباً بالسكري من النوع الثاني، لا يستخدمون الإنسولين. وبعد 26 أسبوعاً انخفض السكر التراكمي لدى مستخدمي أجهزة المراقبة المستمرة بمقدار إضافي بلغ 0.9 نقطة مئوية، مقارنة بمن تلقوا الرعاية المعتادة، كما أمضوا وقتاً أطول ضمن النطاق المستهدف.

ورغم أن هذه نتيجة مهمة لهؤلاء المرضى؛ لكنها لا تثبت أن الجهاز يمنع السكري لدى الأصحاء؛ فالفئة والسؤال البحثي مختلفان. والجهاز يقيس الغلوكوز؛ لكنه لا يشخِّص المرض بمفرده، فالارتفاع المؤقت بعد وجبة لا يكفي لتشخيص اضطراب، كما أن التذبذب الطبيعي لا يعني أن الجسم فقد قدرته على تنظيم السكر.

وفي 3 أغسطس (آب) 2026، أشارت صفحة تثقيفية في مجلة «JAMA Internal Medicine» إلى عدم وجود أدلة جيدة تثبت أن أجهزة المراقبة تحسن الصحة أو تمنع السكري لدى الأصحاء. وحذَّرت من أن محاولة تجنب «القمم» (في القراءات) قد تدفع بعض المستخدمين إلى تقييد أطعمة مفيدة مثل الفاكهة، أو تجعل متابعة الأرقام مصدراً للقلق والتوتر.

الوقاية قرار صحي... ليست مستشعراً

لا يعني ذلك أن هذه الأجهزة بلا فائدة خارج عيادات السكري. فقد تساعد بعض الأشخاص على فهم أثر عاداتهم اليومية، إذا فُسرت بياناتهم بإشراف مختص ورُبطت بخطة واقعية. فقيمة التقنية لا تُقاس بكمية البيانات التي تجمعها؛ بل بما تضيفه إلى القرار الصحي.

وهنا يعود سؤال «اقتصاد الوقاية»: من يستفيد من البيانات؟ وكيف تُفسَّر؟ وهل تقود إلى تحسن ملموس؟ فالوقاية لا تتحقق بشراء مستشعر أو جمع قراءات أكثر؛ بل بعادات مستدامة في الغذاء والنشاط والنوم، وبالفحوص المناسبة لمن لديهم عوامل خطر. والطب الجيد لا يقيس كل ما يمكن قياسه؛ بل يختار ما يساعد المريض والطبيب على اتخاذ قرار أفضل.