ما أنواع المعرفة التي ستنقذك من الذكاء الاصطناعي؟

البرامج الذكية تخفض قيمة العنصر البشري لقاعدة العمل المعرفي الكفء العريضة

ما أنواع المعرفة التي ستنقذك من الذكاء الاصطناعي؟
TT

ما أنواع المعرفة التي ستنقذك من الذكاء الاصطناعي؟

ما أنواع المعرفة التي ستنقذك من الذكاء الاصطناعي؟

لم تعد المقولة بأن تهديد «الذكاء الاصطناعي مقبل ليحل محل وظائفنا» مجرد تهديد غامض بشأن المستقبل، كما كتب فيصل حق (*). إليكم مثال تيموثي ماكيون، الذي أمضى سنوات في الترجمة من وإلى اللغة الآيرلندية لصالح الاتحاد الأوروبي، والذي يدرك هذا الأمر أكثر من غيره. فمع تطور الترجمة الآلية، أثرت القدرة على إنتاج نص «جيد بما فيه الكفاية» بشكل كبير على مصدر رزقه، فخسر ما يقارب 70 في المائة من دخله مع توقف عمله مع الاتحاد الأوروبي. وقد صرّح حديثاً لشبكة «سي إن إن»: «كلما تعلم الذكاء الاصطناعي أكثر، تصبح أقل أهمية».

انخفاض قيمة العمل المعرفي

وماكيون ليس حالة شاذة، فقد شهد 43 في المائة من المترجمين انخفاضاً في دخلهم نتيجة لازدياد وجود بدائل الذكاء الاصطناعي في السوق.

وما يحدث للمترجمين هو مؤشر مبكر على تطور جارٍ الآن في جميع أنحاء اقتصاد المعرفة، إذ ولعقود طويلة، استند جزء كبير من قيمة العمل المكتبي على مبدأ بسيط: معرفة المرء بأمور أو القدرة على إيجادها أو تجميعها، وهي أمور يعجز عنها معظم الناس. وكان الآخرون على استعداد للدفع مقابل الاستفادة من تلك المعرفة. لكن الذكاء الاصطناعي يُقوّض قيمة شريحة واسعة من هذه السوق. ففي عدد كبير من المجالات، بات بإمكان برامج الدردشة الآلية إنجاز عمل في ثوانٍ معدودة، يُقارب، بل ويتفوق في بعض الحالات، على عمل المحترف العادي. ولهذا فإنه يخفض قيمة الجزء الأكبر من اقتصاد المعرفة، أي القاعدة العريضة للعمل المعرفي الكفء، وإن كان عادياً، بانخفاض حادّ نحو الصفر.

الخبرتان المتوسطة والمعمقة مهددتان

قد يميل المرء إلى الاعتقاد بأن التهديد يتوقف عند مستوى المتوسط ​​- وأن الخبرة المتعمقة والمتخصصة في مأمن، على عكس الكفاءة العادية. لكن هذا ليس صحيحاً تماماً. فالسؤال المهم لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُعيد تشكيل العمل المعرفي، بل هو: أي أنواع المعرفة تحتفظ بقيمتها في ظل قدرة الآلة على إنجاز كل هذا؟

أوضاع «أيام زمان»... راحت

خلال معظم العصر الحديث، كانت قيمة الموظف في سوق العمل تنبع من رصيده المعرفي: مثلا: معرفة موظف الضرائب لقانون الضرائب الذي كان يحفظه عن ظهر قلب، أو السوابق القضائية التي كان يتقن محام معرفة تفاصيلها، والعامل في الأسواق الحاصل على بيانات السوق التي كانت متاحة له بسهولة، واللغة للمترجم التي أمضى عقداً من الزمن في تعلمها بطلاقة.

كان العمل، في معظمه، يتمحور حول معرفة أمور يجهلها الآخرون، والحصول على أجر مقابل استخلاصها وتطبيقها. وقد تعلم الذكاء الاصطناعي محاكاة هذا العمل بطريقة مقنعة بشكل كبير. فقد قرأ نموذج لغوي ضخم متطور كميات هائلة من قوانين الضرائب، والسوابق القضائية، وتقارير السوق، أكثر مما يستطيع أي فرد قراءته، وهو قادر على إعادة معظمها عند الطلب، بطلاقة وفورية.

انحسار هلوسة النماذج الذكية يهدد الأعمال

إن الفكرة التي كانت سائدة في السابق، والتي مفادها أن ميل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى الهلوسة سينقذ العاملين في مجال المعرفة، تتلاشى تدريجياً. فبعد أن كانت الهلوسة شائعة، أصبحت نادرة بشكل كبير، ويمكن الحد منها في كثير من السياقات من خلال التوجيه الفعال. صحيح أن الوصول الموثوق إلى نماذج اللغة الضخمة ليس مجانياً أو سلساً تماماً، لكن تكلفته، مقارنةً بالعمل البشري، أصبحت ضئيلة للغاية.

التوجه نحو المعرفة المتخصصة

في ظل هذه التطورات، يميل كثير من العاملين في مجال المعرفة إلى التوجه نحو التخصصات المتقدمة: التخلي للآلات عن الأعمال البسيطة، والتركيز على التخصص العميق. فالخبرة المتخصصة، كما يُقال، هي الخيار الأمثل. وهناك أدلة حقيقية تدعم هذا الرأي. فقد وجد المترجمون، على سبيل المثال، أن العمل المتبقي لهم يتجه نحو التخصصات المتقدمة: فالأعمال ذات الكميات الكبيرة أصبحت من نصيب الآلات، لكنّ المترجمين الأدبيين والمترجمين الفوريين القانونيين والدبلوماسيين ذوي المهام الحساسة - الذين تترتب على أخطائهم عواقب وخيمة - ما زالوا يتلقون طلبات عمل كثيرة.

يبدو المتخصصون في مأمن... في الوقت الراهن. لكن الوضع الذي يقفون عليه ليس بالصلابة التي يبدو عليها، والخط الفاصل بين العمل الذي يمكن للذكاء الاصطناعي القيام به والعمل الذي لا يمكنه القيام به ليس كما يتصوره معظم الناس.

نوعان من المعرفة

تكمن المشكلة في أن هذا النوع من العمق ليس إلا ملاذاً مؤقتاً. فبالنسبة للآلة، لا تُعدّ المعرفة النادرة أمراً مميزاً، ولا يوجد ما يمنعها من الوصول إليها ما دام أنها مُتاحة في شكل مُسجّل. أما بالنسبة لحامل شهادة الماجستير في القانون، فإنّ الزاوية الغامضة من قانون الضرائب تُعدّ مجرد زاوية أخرى. ولضمان أن تحمل معرفتك قيمةً أكثر ديمومة، لا يمكنك الاعتماد على العمق أو الندرة. أنت بحاجة إلى أنواع مختلفة تماماً من المعرفة. ويبرز نوعان منها.

الحكم أثناء السياق

* الأول -الحكم السياقي. لم تكن قيمة المستشار المُحنّك يوماً مُقتصرة على تفاصيل قطاع العمل في ذهنه فحسب، بل كانت تكمن في معرفة أيّ التفاصيل مهمة لهذا العميل أو لذاك المجلس، وأيّ معلومة أساسية تُوجّه كيفية قراءة الميزانية العمومية الإشكالية، وكيفية فهم المخاوف غير المُعلنة التي ذكرها الرئيس التنفيذي عرضاً. فالخبرة العميقة، مهما كانت نادرة، تنطوي على التفكير المنطقي في المواد الموجودة في السجلات (فالزاوية الغامضة من قانون الضرائب مُدوّنة في مكان ما)، وهذا ما تُجيده هذه النماذج الآن.

أما الحكم السياقي فهو مختلف؛ إذ إن الدليل الحاسم يطرح نفسه «بشرياً» مثل: ما الذي يعنيه هذا الصمت من العميل؟ ولماذا يتردد هذا المجلس؟ وهذه أشياء ليست مدونة لأو مسجلة. وتحديداً لأنّ هذا الموقف أو ذاك لم يسبق له أن ظهر بهذا الشكل من قبل.

يعتمد هذا النوع من الأحكام على شيء حقيقي ولكنه عابر، شيء يستنتجه الفرد من أجواء الغرفة في تلك اللحظة بالذات. لا يمكن الرجوع إلى هذا الدليل في الأدوات الذكية، والنماذج الحالية أقل موثوقية بكثير في هذا النوع من الاستدلال مقارنةً بالاستدلال القائم على المعرفة المُسجلة التي أتقنت بالفعل. قد لا يبقى هذا الأمر بعيد المنال إلى الأبد، ولكنه ليس التهديد الذي يواجهه العاملون في مجال المعرفة اليوم.

معرفة تنفيذ الإجراءات

* الثاني- المعرفة الإجرائية. يُفرّق بعض الفلاسفة تمييزاً مفيداً بين «معرفة ذلك» و«معرفة كيف». يمكنك معرفة كل فرضية في كل كتاب فيزياء، ومع ذلك فإنك لا تستطيع الحفاظ على توازنك على دراجة. يمكنك استيعاب كل ما كُتب عن نظرية الموسيقى، ومع ذلك لا تستطيع العزف على الكمان.

وينطبق الأمر نفسه على مجال الأعمال. إنّ امتلاك مخزون شامل من الحقائق والآراء حول القيادة لا يكفي لجعل شخص ما قائداً عظيماً. كما أن قراءة كل كتاب عن التفاوض لا تُكسبك القدرة على ضبط النفس، وتوقيت التنازلات، والحفاظ على ثباتك عندما يضغط الطرف الآخر.

هذا النوع من المعرفة ينبع من الممارسة: لا يُكتسب إلا بالتجربة والممارسة، وفي أعلى المستويات، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمورٍ مثل الثقة، والسلطة، والقدرة على فهم الآخرين والتواصل معهم، وهي أمورٌ لا وجود لها إلا بين البشر. هذه ليست مجموعة من الحقائق يُمكن لأحد أن يُقدمها لك، وليست مهمة يُمكنك تفويضها دون أن تُصبح أنت العائق الذي كنت تسعى إلى إزالته.

لا يُمكن تحميل أيٍّ من هذين النوعين من المعرفة. لكن يُمكن بناء كليهما بوعيٍ وتخطيط. وهنا يكمن الجهد الجاد في تطوير المسار المهني.

بناء معرفةٍ تُعزز فرص النجاح

إليك ثلاث خطوات تُساعدك على مواكبة هذا التغيير التاريخي في مفهوم عامل المعرفة.

* امتلك النتائج لا المخرجات. يُنتج نموذج الذكاء الاصطناعي مخرجات عبارة عن: مسودة، وتحليل، وإجابة. لذا، توقف عن بناء مسارك المهني على أساس التنافس في هذا المجال. راجع ودقق في العمل الذي يدفع المال لك مقابله فعلياً - وهو العرض الأساسي لقيمة ما تقدمه - وتخلص من كل جانب يمكن لنموذج ذكي جيد فعله في دقائق.

النتائج وليست المُخرجات هي ميزتك التنافسية الحقيقية*

ما يتبقى هو النتائج التي لا يمكن تحقيقها إلا بوجودك : حل المشكلة المعقدة بدءاً من التشخيص الأولي وصولاً إلى نتيجة يمكنك الوثوق بها، أو فهم احتياجات العميل الحقيقية التي تتجاوز مجرد أقواله. أعد تنظيم دورك أو عرضك بناءً على هذه النتائج.

حكم واقعي وممارسة من دون روتين

* ابنِ حكمك في الواقع لا على الورق

لا يمكن اكتساب الحكم المناسب للموقف إلا من خلال وجودك أثناء اتخاذ القرارات المصيرية ومتابعة نتائجها. ويصعب استبدال ذلك الجانب آلياً، لأن ما كان مهماً في تلك الجلسات لا يمكن تلخيصه بالكامل ونقله إلى سجل يمكن لخبير قانوني قراءته.

الأشخاص الذين يتقدمون أسرع لن يكونوا من يستطيعون تخزين أكبر قدر من المعلومات، بل من يجدون طرقاً لتحسين حكمهم القائم على السياق.

* فوّض المهام الروتينية واحفظ الممارسة

تكمن الخبرة الإجرائية في الممارسة، لذا فإن العمل الذي تُسنده بالكامل إلى الذكاء الاصطناعي هو عمل يتوقف عن تطوير مهاراتك فيه. أسند المهام الروتينية إلى النموذج، لكن استمر في القيام بالمهام التي تتطلب مهارات عالية بنفسك - مثل التفاوض، والنقاش الذي تُحلله بدقة - حتى لو كان بإمكان النموذج إنتاج نسخة مقبولة بشكل أسرع.

الخلاصة

خلاصة القول: ينطبق حكم تيموثي ماكيون بشأن الذكاء الاصطناعي – «كلما ازداد تعلمه، تقادمت أنت» - على أنواع معينة من المعرفة، وهي الأنواع التي بنى عليها معظم المحترفين مسيرتهم المهنية لعقود. لكن توجد أنواع أخرى من المعرفة أقل عُرضة للتأثر. بل قد يكون بعضها محصناً ضد الذكاء الاصطناعي، على الأقل في أشكاله المتاحة اليوم.

و هذا النوع من المعرفة لا يمكن تحميله. إنها معرفة تجسدها لا تمتلكها - مكتسبة بالممارسة، متأصلة في الشخص، وملكية خاصة بك بطريقة لم تكن عليها أبداً مجموعة من الحقائق.

* مجلة «فاست كومباني»


مقالات ذات صلة

إصدار جديد ﻟ«غوغل»... سوار اللياقة البدنية «فيت بت إيدج»

تكنولوجيا أحد المارة أمام شعار شركة «غوغل» في بانكوك بتايلاند يوم 12 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

إصدار جديد ﻟ«غوغل»... سوار اللياقة البدنية «فيت بت إيدج»

أطلقت شركة التكنولوجيا الأميركية «غوغل» إصداراً جديداً من سوار اللياقة البدنية المزود بشاشة، وهو جهاز يجمع بين خصائص الساعات الذكية وأجهزة مراقبة الحالة الصحية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة متسارعة ويوفر فرصاً كبيرة لتحسين الخدمات الصحية (جامعة ولاية لويزيانا)

فريق دولي لضبط استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب النفسي

أعلنت الكلية الأوروبية لعلم الأدوية النفسية والعصبية (ECNP) إطلاق أول فريق عمل أوروبي من الخبراء متخصص في الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة النفسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد كريستالينا غورغييفا تحمل جهازاً لوحياً خلال لقاء مع ممثلي المجتمع المدني على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (رويترز)

غورغييفا: الذكاء الاصطناعي يعزز النمو العالمي ويهدد بإعادة تشكيل الوظائف

هيمنت تداعيات الذكاء الاصطناعي على افتتاح اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، بين رهانات على دوره في دعم النمو العالمي.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد أشخاص يمرون بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)

اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين تنطلق في بانكوك

يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في بانكوك هذا الأسبوع، للمشاركة في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا خلال الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)

صندوق النقد يحذِّر من الضغوط التضخمية ويدعو إلى خفض العجز المالي والتحرك سريعاً

دعا صندوق النقد الدولي الدول الأعضاء إلى التحرك سريعاً عند رصد ارتفاع التضخم، والعمل على خفض العجز المالي الكبير، في ظل استمرار الضغوط التضخمية.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية
TT

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

أدى ازدهار مجال الصحة والعافية إلى ظهور مجموعة واسعة من المنتجات الاستهلاكية تَعِد بتحسين الصحة والسعادة، إلا أن الطبيب والإعلامي زاند فان توليكن يتحدث مع غريس ويد عن ثلاثة اتجاهات يجب الحذر منها، ويشير إلى أسبابها.

في عام 1893، قتل راعي البقر كلارك ستانلي أفاعي الجرس في معرض شيكاغو العالمي، ثم قام بغليها وبيع الدهون المستخلصة منها كمنشط لعلاج العديد من المشاكل الصحية، ما أدى إلى ظهور قصة «زيت الأفعى» الشهيرة. قد تبدو هذه الحيلة أقل إقناعاً اليوم، ومع ذلك، أصبح التمييز بين الدجل والطب أكثر صعوبة؛ إذ تتنافس الإرشادات الصحية الآن مع قطاع صناعة منتجات الصحة والعافية غير المحددة المعالم، التي تعززها إذاعات المؤثرين ووسائل التواصل الاجتماعي.

رحلة لفهم عالم الصحة

في كتابه «اجعلني بصحة جيدة: رحلة لفهم عالم العافية المُربك» Make Me Well: A quest to understand the confusing world of wellness، يُحقق الطبيب والإعلامي زاند فان توليكن Xand van Tulleken في هذه الصناعة غير الخاضعة للتنظيم القانوني إلى حد كبير. ويُوضح الأشياء التي تُحافظ على صحة الناس، والأشياء التي لا تُحافظ عليها.

• غريس ويد: ما «العافية» تحديداً؟

- زاند فان توليكن: تُعنى العافية بكيفية شعورنا: تحسين الأداء، وتحسين وظائف الجسم، وربما تقليل خطر الإصابة بالأمراض. لكن ممارسات تأمين العافية لا تقع في إطار الرعاية الصحية.

• إن قطاع صناع منتجات العافية الحديثة يحاول جاهداً طمس الحدود بين الصحة والعافية. ولكن ما الفرق؟

-الفرق أن العافية تعدُّ بمثابة تحسين الصحة. وقد دفعني تعمد هذا القطاع طمس الحدود بين الصحة والعافية، والالتباس الحاصل، لكتابة «اجعلني بصحة جيدة».عادةً ما تنطوي جوانب الصحة على مشكلة مُحددة وقابلة للقياس، بينما تُعنى الرعاية الصحية بالوقاية من حالات مُعينة أو علاجها. أما العافية فتركز على أهداف يصعب قياسها: الشعور بتحسن، وتحسين الأداء، وتحسين المظهر.

باستثناء الادعاءات الخاضعة لرقابة صارمة - مثل قدرة فيتامين سي على تقليل التعب - لا يُمكن لقطاع صناعات العافية الادعاء بأن المنتجات تُعالج مشاكل طبية. مع ذلك، لا تمنع قواعد الإعلان المؤثرين من تقديم آرائهم على أنها نصائح.

وبينما يحمي قطاع الرعاية الصحية «الحد الأدنى»، محافظاً على صحة الناس ضمن النطاق الطبيعي، يروج قطاع الصحة والعافية لـ«الحد الأقصى»، داعياً إياهم إلى تخيل أفضل نسخة من أنفسهم.

• هل توجد منتجات صحية تُحسّن الصحة؟

- بالتأكيد. لقد فحصتُ المكملات الغذائية، والأجهزة القابلة للارتداء، والاختبارات التجارية. تُشبه هذه المنتجات الأدوية، ولكن بالنسبة لمعظمها، تختفي الأدلة الداعمة عند التدقيق. وهذه المنتجات ليست مُصممة لعلاج الأمراض أو تشخيصها، ولا تتطلب عموماً أي دليل على فاعليتها أو سلامتها؛ لأن الشركات المصنعة تتجنب الادعاء بأنها تُقدم أي فائدة طبية.

والمشكلة أنه لا يزال بإمكان الشركات الإيحاء بفوائد صحية عبر قنوات أقل خضوعاً للتدقيق: فقد لا تحمل العبوة أي ادعاء، بينما يُمكن لمقدم بودكاست أن يُعلن عنه.

• هل هناك أي ضرر من تجربة هذه المنتجات، كالفيتامينات مثلاً؟

- نعم، الفيتامينات ضرورية، لكن الأصحاء عادةً لا يحتاجون إلى مكملات غذائية. وقد شكل قبول فكرة أن المكملات الغذائية لا تُفيد الأصحاء تحدياً لمعتقداتي الشخصية (بصفتي طبيباً).

كان الأطباء يعتقدون سابقاً أن المكملات الغذائية آمنة، وأن السيطرة على فائض العناصر الغذائية أمرٌ سهل. إلا أن تجارب سريرية واسعة النطاق أُجريت في العقد الثاني من الألفية الثانية أظهرت أن الفيتامينات المتعددة لا تُقلل الوفيات الناجمة عن الأمراض الخطيرة، بينما زادت بعض مكملات مضادات الأكسدة معدل الوفيات بنسبة تتراوح بين 4 و16 في المائة، وذلك بحسب نوعها وجرعتها.

قد تُسهم مكملات مضادات الأكسدة في حماية الخلايا السرطانية من التلف. يبقى سبب عدم تسبب الفواكه والخضراوات في نفس المخاطر غير واضح؛ إذ يبدو أن الجسم يُعالج العناصر الغذائية في الأطعمة الكاملة بطريقة مختلفة.

لا تزال الفيتامينات علاجات قيّمة لحالات النقص المُشخّصة، بما في ذلك نقص فيتامين بي في مرض البري بري beriberi ونقص فيتامين دي في الكساح.

يُعدّ الاشتباه في نقص أي عنصر غذائي من اختصاص الرعاية الصحية. فالطبيب لا يُعالج نقص الحديد فحسب، على سبيل المثال، بل يبحث أيضاً عن أسباب أخرى مثل أمراض الأمعاء، وفقر الدم الخبيث، وعدم انتظام الدورة الشهرية، وهي أسئلة لا يُبدي مروجو المكملات الغذائية أي دافع لطرحها.

فحوصات منزلية وتقنيات قابلة للارتداء

• ماذا عن الفحوصات المنزلية؟ يبدو أنها ستكون مفيدة، وليست ضارة للكشف عن حالات النقص والأمراض.

- تُغطي الفحوصات التجارية السرطان، وانقطاع الطمث، والهرمونات، ومستويات الفيتامينات. مع ذلك، قد لا يُسفر الفحص الشامل دون وجود دواعٍ طبية عن إنقاذ الأرواح، بل قد يُؤدي إلى تدهور صحة الأفراد.

في تجربة سريرية فنلندية واسعة النطاق لاختبارات الدم للكشف عن سرطان البروستاتا، لم يتم تأكيد سوى ثلث النتائج الإيجابية تقريباً عن طريق الخزعة. قد يُؤدي إجراء الاختبارات دون وجود دواعٍ أخرى للشك، إلى إجراء فحوصات ضارة، وتلف الأعصاب، وقلق لا داعي له.

يُجري الأطباء الاختبارات بعد تقدير احتمالية إصابة الشخص بالمرض. ويعتمد تفسير النتائج على الأعراض والتاريخ المرَضي والسياق.

لستُ ضدّ الاهتمام بالصحة العامة، إنما أرغب فقط في توفير الوقت والمال للناس، ومنحهم حرية القيام بما يهمهم.

• وماذا عن التقنيات القابلة للارتداء؟

- ساعتي الذكية معي هنا، ورغم أنني أشك في مدى فائدة هذه البيانات المتعلقة بمعدل ضربات قلبي ومستويات التوتر والنوم، فإنني لا أعتقد أنها أضرتني.

تُبسّط الأرقام التي توفرها الأجهزة القابلة للارتداء تعقيدات الحياة إلى نتيجة مطمئنة. مثلاً على دراجة التمرين، أعرف معدل ضربات قلبي ومستوى قوتي بدقة، بينما لا توفر التجارب العادية مقياساً موضوعياً مماثلاً.

قد تُشجع الأجهزة القابلة للارتداء على التركيز المفرط على البيانات، أو السعي وراء عدد الخطوات، أو الاعتماد على التمارين الرياضية. وبالنسبة لمعظم الناس فإنها ببساطة تُقدم أرقاماً، ولا يوجد دليل على أنها تُحسّن لياقة المستخدمين.

مع ذلك، أؤيد توسيع نطاق الوصول إلى المعلومات الصحية الشخصية. مثل موازين الحمام؛ إذ يمكن للأجهزة القابلة للارتداء أن تُظهر ما إذا كان الأمر يسير في اتجاه مفيد بشكل عام.

يبدأ الخطر عندما تقوم الأجهزة الاستهلاكية بفحص الأمراض. على الرغم من أن بعض الأجهزة القابلة للارتداء مُعتمدة كأجهزة طبية، فإن الأطباء وشركات الصحة يستخدمونها بشكل مختلف تماماً. قد يكون جهاز مراقبة الغلوكوز منقذاً لحياة مرضى السكري، لكن مستخدمي تطبيقات الصحة والعافية قد يعتبرون ارتفاعات سكر الدم الطبيعية خطيرة. ولكي يتجنبوا هذه الارتفاعات فإنهم قد يندفعون للابتعاد عن الفاكهة والبقوليات والحبوب الكاملة، والتوجه نحو تناول المزيد من الجبن واللحوم، ما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

اختبرتُ إحدى خدمات التغذية الشخصية مرتين في الوقت نفسه، باستخدام جهازين لمراقبة الغلوكوز، وعينات براز متطابقة، وعينات دم من كل ذراع، وبيانات شخصية متطابقة. أظهرت الخدمة نتائج مختلفة لسكر الدم والميكروبيوم، ونصائح غذائية متضاربة، ما يشير إلى عدم موثوقية النتائج.

خرافات صحية

• إذا كانت صناعة الصحة والعافية مليئة بالخرافات، فلماذا برأيك ازداد الاهتمام بها بشكل كبير في السنوات الأخيرة؟

- يتحمل القطاع الطبي جزءاً من مسؤولية ازدياد الاهتمام بالصحة والعافية. قد يكون الوصول إلى الرعاية الصحية صعباً؛ فحتى في المملكة المتحدة، المواعيد نادرة وقصيرة بسبب قلة عدد الأطباء.

كما أن الرعاية الصحية لا تلبي احتياجات بعض الفئات، وخاصة النساء والأقليات، الذين قد يجدون صعوبة في الحصول على العلاج المناسب.

يُظهر انقطاع الطمث هذه الفجوة بوضوح: ينفق المستهلكون مليارات على المكملات الغذائية، بينما لا يحظى البحث العلمي إلا بتمويل ضئيل نسبياً.

تنفق الولايات المتحدة نحو 57 مليون دولار سنوياً على أبحاث انقطاع الطمث، وهو مبلغ أقل بكثير من المطلوب وهو 100 مليون دولار، بينما لا يُسجّل الإنفاق في المملكة المتحدة أصلاً، وهو في الواقع ضئيل جداً.

عندما تشتدّ أعراض انقطاع الطمث ويبدو العلم غير مهتم، يصبح اللجوء إلى «منتجات العافية» أمراً مفهوماً. قد تبدو الرعاية الصحية أبوية ومُقيّدة، بينما تُوفّر العافية شعوراً بالسيطرة.

كما أن الطب يُعبّر عن عدم اليقين بصدق. وهنا يُقدّم المُكمّل الغذائي وعوداً بإمكانية حدوث شيء ما؛ بينما قد يُوضّح الطبيب أن الدواء يُقدّم فقط تقليلاً محدوداً للمخاطر المُستقبلية وله آثار جانبية.

• ما نصيحتك لمن يرغبون في تحسين صحتهم؟

- استشر مُختصّي الرعاية الصحية قبل شراء مُنتجات العافية. احرص على حضور الفحوصات المُوصى بها، واعرف ضغط دمك، وتناول الخضراوات؛ فهذه الأساسيات البسيطة تُحسّن الصحة.

يجب أن تتجاوز مُنتجات الصحة. يُمكن أن يأتي الشعور بالرضا من المجتمع، والعائلة، والصداقة، والنمو الشخصي. أنا لست ضد منتجات العافية؛ أريد أن يوفر الناس وقتهم وأموالهم ويركزوا على ما يهم حقاً.

ابحث عن شيء تحبه - فنون قتالية، حياكة، رقص، أو صناعة فخار - وانخرط فيه بشغف. قد يكون هذا أنجع وسيلة للحفاظ على صحتك. لا بأس بممارسة التعديل الحيوي كهواية، لكن لا تتوقع أن تُطيل المنتجات، أو المكملات الغذائية، أو العلاجات الخاصة، أو برامج الخلايا الجذعية، عمرك.

* مجلة «نيو ساينتست»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»

من حيلة فوائد «زيت الحية» إلى إذاعات المؤثرين لا تتوقع أن تُطيل المنتجات عمرك


خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين
TT

خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

تكشف دراسة علمية جديدة عن تفاصيل غير مسبوقة حول الطريقة التي يُنظِّم بها الحمض النووي خلايا الجهاز المناعي بعدما نجح باحثون في رسم أول خريطة ثلاثية الأبعاد على مستوى الخلية لجينوم اللوزتين البشريتين.

ويأمل العلماء أن تساعد هذه الخريطة التي تصف التنظيم المعقد للمادة الوراثية داخل آلاف الخلايا في فهم الطريقة التي تتطور بها المناعة ولماذا يمكن أن تتحول بعض العمليات المناعية الطبيعية أحياناً إلى مصدر للطفرات المرتبطة بالسرطان. ونشرت الدراسة في مجلة «Science» في 23 يوليو (تموز) 2026، وأجراها فريق بحثي من كلية الطب بجامعة ييل في الولايات المتحدة بقيادة عالم المناعة ديفيد شاتز من قسم البيولوجيا المناعية بالتعاون مع عالم الوراثة سيوان (ستيفن) وانغ من قسم علم الوراثة في الكلية نفسها.

«معكرونة» داخل نواة الخلية

ورغم أن الحمض النووي في خلايا الجسم يمكن أن يصل طوله إلى نحو مترين، فإنه يجب أن يُحشر داخل نواة مجهرية؛ ولذلك لا يكون الحمض النووي مستقيماً، بل يلتف وينثني ويتشابك في بنية معقدة تشبه بحسب الباحثين «كرة ضخمة من المعكرونة». لكن هذه الفوضى الظاهرية ليست عشوائية، فطريقة طي المادة الوراثية وتنظيمها تختلف من نوع خلية إلى آخر ويمكن أن تحدد أي الجينات تعمل ومتى تعمل ومدى نشاطها.

ولفهم هذا التنظيم استخدم فريق وانغ تقنية تصوير متقدمة طورها في مختبره تُعرف باسم التصوير المتعدد لبنى النوكليوم Multiplexed Imaging of Nucleome Architectures (MINA) وتتيح التقنية تصوير الحمض النووي (دي إن إيه) DNA والحمض النووي الريبي RNA والبروتينات داخل الخلايا، وهي لا تزال في بيئتها الطبيعية داخل نسيج اللوزتين.

ويقول الباحثون إن هذه الطريقة مكّنتهم من بناء أول أطلس ثلاثي الأبعاد لجينوم اللوزتين البشري على مستوى الخلية، كما تمثل أول خريطة جينومية ثلاثية الأبعاد قائمة على التصوير لنسيج عضو بشري.

كيف تصنع الخلايا أجساماً مضادة أفضل؟ تؤدي اللوزتان دوراً مهماً في جهاز المناعة؛ إذ تستقر فيهما خلايا مناعية متخصصة تساعد الجسم على التعرف إلى مسببات الأمراض ومواجهتها.

كما ركز العلماء بشكل خاص على الخلايا البائية cells B التي تنتج الأجسام المضادة. وبعد تعرض هذه الخلايا لمحفزات مناعية يمكن أن تخضع عملية تعرف باسم فرط الطفرات الجسدية somatic hypermutation حيث تحدث تغييرات عشوائية في الجينات المسؤولة عن تصنيع الأجسام المضادة.

وقد تكون بعض هذه التغييرات مفيدة؛ لأنها تجعل الجسم المضاد أكثر قدرة على التعرف إلى العامل الممرض، ومن ثم تساعد على تكوين استجابة مناعية أقوى.

لكن السؤال الذي حير العلماء هو لماذا تحدث هذه الطفرات في مناطق معينة من الجينوم أكثر من غيرها؟

وقف الطفرات الجينية

وأظهرت الخريطة الجديدة أن المناطق التي تكون أكثر عرضة للطفرات تبدو مرتبطة بتنظيم ثلاثي الأبعاد خاص للحمض النووي حيث تنثني أجزاء منه لتشكّل حلقات تحافظ عليها بروتينات متخصصة. وعندما عطّل الباحثون بسرعة أحد البروتينات المسؤولة عن تشكيل هذه الحلقات توقفت عملية فرط الطفرات الجسدية تماماً.

وتشير النتيجة إلى أن التنظيم المكاني للحمض النووي داخل النواة ليس مجرد طريقة لترتيب المادة الوراثية، بل قد يكون جزءاً أساسياً من الآلية التي تسمح للخلايا المناعية بتطوير أجسام مضادة أكثر فاعلية. ومع ذلك اكتشف العلماء مفاجأة مهمة هي أن اختفاء الطفرات لم يؤدِّ إلى اختفاء جميع الحلقات الجينية، بل ظلت بعض التفاعلات موجودة لمدة أطول. وهذا يعني أن الحلقات وحدها لا تفسر العملية كاملة وأن هناك آليات أخرى لم تُكتشف بعد.

وقد تحمل النتائج أهمية خاصة لفهم بعض سرطانات الخلايا البائية مثل الأورام اللمفاوية؛ فعلى الرغم من أن فرط الطفرات الجسدية يستهدف عادة الجينات الخاصة بالأجسام المضادة فإنه قد يصيب أحياناً مناطق أخرى من الجينوم ما يؤدي إلى طفرات غير ضرورية وربما خطرة يمكن أن تسهم في نشوء السرطان.

ويأمل الباحثون أن يساعد الأطلس الجديد في تحديد العوامل التي تتحكم في هذه العملية وفهم ما يحدث عندما تخرج آليات الطفرات عن السيطرة.

وبالنسبة للعلماء، فإن فك لغز «المعكرونة الجينية» genetic spaghetti داخل الخلايا لا يتعلق بفهم شكل الحمض النووي فحسب بل بكشف الطريقة التي تتحكم بها هندسة الجينوم في المناعة والتعبير الجيني وتكاثر الخلايا وهو ما قد يفتح الباب أمام اكتشافات جديدة في الطب والأمراض مستقبلاً.


كيف تنجو الدول من أزمات الغذاء بعد الكوارث الطبيعية؟

مزارعون يجمعون المياه خلال فترة جفاف في وسط إثيوبيا (تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية)
مزارعون يجمعون المياه خلال فترة جفاف في وسط إثيوبيا (تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية)
TT

كيف تنجو الدول من أزمات الغذاء بعد الكوارث الطبيعية؟

مزارعون يجمعون المياه خلال فترة جفاف في وسط إثيوبيا (تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية)
مزارعون يجمعون المياه خلال فترة جفاف في وسط إثيوبيا (تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية)

في عالم باتت فيه الفيضانات والحرائق والزلازل والأوبئة أحداثاً متكررة تهدد حياة الملايين، قد لا تقتصر الخسائر على المنازل والبنية التحتية؛ بل تمتد إلى الغذاء الذي تعتمد عليه المجتمعات للبقاء؛ فقد تدمر الفيضانات المحاصيل، ويهدد الجفاف الثروة الحيوانية، بينما تؤدي الصراعات إلى قطع طرق الإمداد وتعطيل وصول الغذاء إلى الأسواق، ما قد يحول الصدمة المفاجئة إلى أزمة غذائية واسعة. لكن دراسة دولية تقدم إجابة أكثر تفاؤلاً؛ إذ تشير إلى أن استعداد الدول وقدرتها على الصمود يمكن أن يساعدا في الحد من آثار الكوارث والحماية من تدهور الأمن الغذائي.

قدرات واستعدادات

حلل فريق دولي من الباحثين بيانات عشرات الدول جُمعت على مدى أكثر من عقد، وخلص إلى أن قدرة الدول على التعامل مع الصدمات لا تتحدد فقط بمستوى تطورها الاقتصادي، أو بعدد الكوارث التي تتعرض لها وشدتها، وإنما تتأثر بدرجة كبيرة بالقدرات التي تبنيها مسبقاً لمواجهة الاضطرابات.

ولاحظ الباحثون أن عدداً من الدول، خصوصاً في آسيا، تمكن من تحسين أمنه الغذائي رغم تعرضه للكوارث بدرجة أكبر من مناطق أخرى. وأظهرت النتائج أن تعدد طرق الحصول على الغذاء، إلى جانب فاعلية الحكومات ورأس المال الاجتماعي، يمكن أن يقللا من مخاطر تحول الصدمات إلى أزمات غذائية. ونُشرت الدراسة في سبتمبر (أيلول) الماضي بدورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم».

ويعرّف الباحثون «القدرة على الصمود» بأنها قدرة الأفراد والمجتمعات والنظم الغذائية على تحمل الاضطرابات ومواصلة أداء وظائفها رغم الصدمات والكوارث. ويقول كريستوف بينيه، كبير العلماء ومستشار السياسات الأول في «تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية» في روما والباحث الرئيسي للدراسة، إن القدرة على الصمود لا يمكن اختزالها في ثراء الدولة، موضحاً أن التحليل لم يجد علاقة مباشرة تعني أن الدول الأكثر ثراءً تكون بالضرورة أكثر قدرة على تحمل الصدمات.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «التنمية الاقتصادية تظل مهمة، خصوصاً أن تحسن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي داخل الدولة ارتبط بتحسن نتائج الأمن الغذائي، لكن الثروة وحدها لا تضمن الصمود».

وأوضح بينيه أن فاعلية الحكومات وتنويع مصادر الإمدادات الغذائية من أبرز العوامل المرتبطة بقدرة الدول على مواجهة الأزمات؛ فالمؤسسات الفعالة تساعد في تنسيق الاستجابة، والحفاظ على الخدمات الأساسية، والتحرك سريعاً عند وقوع الكارثة، والاستثمار مسبقاً في القدرات اللازمة لمواجهة المخاطر.

وفي الوقت نفسه، يقلل تنوع مصادر الغذاء من الاعتماد على مصدر أو مسار واحد؛ إذ يتيح للدول الجمع بين الإنتاج المحلي والواردات والمخزونات وقنوات الإمداد البديلة عند تعطل أحدها.

وعن الأولوية التي ينبغي للحكومات التركيز عليها، قال بينيه إن تعزيز فاعلية المؤسسات وبناء القدرات الحكومية يمثلان نقطة بداية مهمة، مع التأكيد على أن تحليل الدراسة لا يسمح بترتيب عوامل المرونة إحصائياً، والقول إن أحدها أهم بصورة قاطعة من غيره.

استراتيجيات «مرنة»

يرى وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بكلية العلوم في جامعة عين شمس، أن الدراسة تبرز أهمية الاستعداد والمرونة في الحد من تداعيات الكوارث على الأمن الغذائي، لكن لا يمكن عدّها حلاً موحداً لجميع الدول؛ إذ تختلف المخاطر والظروف البيئية والموارد المائية والزراعية والبنية التحتية والقدرات المؤسسية، ما يستدعي تصميم استراتيجيات مرنة تتناسب مع طبيعة كل منطقة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «التركيز على الاستجابة للصدمات يجب ألا يأتي على حساب الوقاية من أسباب زيادة هشاشة النظم الغذائية؛ مثل تدهور التربة، وشح المياه، وفقد التنوع الحيوي، والاعتماد المفرط على مصدر واحد للإنتاج أو الاستيراد»، مشيراً إلى أن تعزيز أمن الغذاء يتطلب الجمع بين الإنذار المبكر، وتنويع الإنتاج ومصادر الإمداد، وتحسين إدارة المياه والموارد الطبيعية، ورفع كفاءة المؤسسات، بحيث تصبح المرونة جزءاً من التخطيط طويل الأجل وليست مجرد استجابة مؤقتة بعد وقوع الكارثة.

وتدعم أبحاث حديثة أخرى هذه الرؤية بإضافة أدوات عملية للوقاية والاستجابة؛ فقد بحث فريق دولي بقيادة جامعة أكسفورد البريطانية كيفية استخدام نماذج التحسين لتوجيه الموارد قبل وقوع الكوارث، بما في ذلك التحويلات النقدية وتوزيع الموارد، بحيث يتحول الإنذار المبكر إلى إجراءات فعلية.

وفي جانب آخر، تشير أبحاث إلى أهمية مرونة سلاسل الإمداد والنقل؛ فقد خلص فريق من جامعة نانجينغ الزراعية في الصين إلى أن الاعتماد الكبير على نقل الغذاء لمسافات طويلة يمثل أحد التحديات أمام مرونة النظام الغذائي، واقترح شبكة تجمع بين التنسيق المركزي والتوزيع المحلي.

كما وجد باحثون من كلية جونز هوبكنز بلومبرغ للصحة العامة بالولايات المتحدة، أن الاستعداد المسبق والاحتياطيات المالية وتنوع مصادر الاستجابة والمرونة وقوة العلاقات والاتصالات بين الجهات المختلفة، ارتبطت بقدرة أفضل على الاستجابة لاضطرابات الغذاء خلال المراحل الأولى من جائحة «كوفيد-19».