سباق 2028 يبدأ مبكراً داخل الحزب الديمقراطي

حكام وسيناتورات ووجوه إعلامية يختبرون المزاج الحزبي وسط صراع بين الوسط واليسار

يبحث الحزب الديمقراطي عن مرشّح قادر على استعادة البيت الأبيض في 2028 (أ.ب)
يبحث الحزب الديمقراطي عن مرشّح قادر على استعادة البيت الأبيض في 2028 (أ.ب)
TT

سباق 2028 يبدأ مبكراً داخل الحزب الديمقراطي

يبحث الحزب الديمقراطي عن مرشّح قادر على استعادة البيت الأبيض في 2028 (أ.ب)
يبحث الحزب الديمقراطي عن مرشّح قادر على استعادة البيت الأبيض في 2028 (أ.ب)

قد يكون مبكراً الحديث عن المرشح الديمقراطي الأوفر حظاً لانتخابات الرئاسة الأميركية عام 2028، لكن السباق غير المعلن بدأ فعلاً. فلا يوجد مرشح رسمي، ولا زعيم طبيعي، ولا جناح واضح داخل الحزب يمكن أن يلتف حوله الناخبون الديمقراطيون. ومع ذلك، بدأ حكام ولايات، وأعضاء في مجلس الشيوخ، ومرشحون سابقون، وحتى شخصيات إعلامية، في اختبار الأرضية السياسية وقياس المزاج الحزبي وبناء صورة عامة تصلح للمرحلة المقبلة.

الأهمية هنا لا تكمن في الأسماء وحدها؛ بل فيما تمثله هذه الأسماء من صراع داخل الحزب الديمقراطي؛ بين المؤسسة التقليدية، والليبراليين، والتقدميين، واليسار الشعبوي، وجناح الوسط الذي يعتقد أن الحزب خسر جزءاً من الطبقة العاملة والناخبين المستقلين بسبب لغة سياسية معقدة، أو خطاب ثقافي منفصل عن هموم المعيشة.

ومن هذه الزاوية، تبدو لائحة المرشحين المحتملين مرآة لأزمة أوسع: من يستطيع أن يهزم الجمهوريين؟ ومن يستطيع في الوقت نفسه أن يُعيد تعريف الحزب؟ غير أن الترشيحات المفترضة تعكس بوضوح أزمة الهوية والبرنامج، وضعف القدرة على استعادة ناخبين ذهبوا إلى الجمهوريين أو إقناع المستقلين.

سباق بلا مرشح طبيعي

صحيفة «واشنطن بوست» وصفت الحقل الديمقراطي بأنه واسع ومفتوح: لا مرشح أعلن دخوله، ولا متصدّر واضحاً، ولا مسار مضموناً. لكنها أشارت إلى أن «حملة الظل» بدأت بالفعل بين حكام وسيناتورات ومرشحين سابقين وشخصيات عامة، في وقت يرى فيه بعض الاستراتيجيين الديمقراطيين أن الحزب يملك «قدراً جيداً من المواهب والمرشحين المثيرين للاهتمام».

هذا الاتساع قد يكون مصدر قوة، لأنه يمنح الحزب خيارات متعددة بعد هزيمة أو إخفاقات انتخابية سابقة. لكنه في الوقت نفسه علامة ضعف، لأنه يعني أن الديمقراطيين لم يحسموا بعد السؤال الأساسي: هل يريدون مرشحاً وسطياً قادراً على طمأنة المستقلين؟ أم وجهاً تقدمياً يثير حماسة القاعدة؟ أم حاكماً من ولاية متأرجحة يقدم نموذجاً عملياً للحكم؟ أم شخصية مشهورة قادرة على اختراق المشهد الإعلامي؟

كيلي ونيوسم وشابيرو

بين الأسماء التي يكثر تداولها، يبرز السيناتور مارك كيلي من أريزونا. ميزته أنه يأتي من ولاية متأرجحة، ويحمل سيرة شخصية جذابة؛ إنه رائد فضاء سابق، وجامع تبرعات قوي، وزوج للنائبة السابقة غابي غيفوردز التي نجت من محاولة اغتيال. وقد قال في وقت سابق إنه «سيفكر بجدية» في الترشح للرئاسة، بعد سجال مع إدارة الرئيس دونالد ترمب على خلفية فيديو ذكّر فيه عسكريين بأنهم غير ملزمين بتنفيذ «أوامر غير قانونية».

غافن نيوسم يلقي كلمةً في فعالية تطوعية بعنوان «نعم للاقتراح 50» بمركز مؤتمرات لوس أنجليس - نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

لكن نقطة ضعفه أنه لم يُختبر وطنياً بعد. فالحملة الرئاسية شيء مختلف عن الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ. يحتاج كيلي إلى إثبات أنّه ليس فقط شخصية محترمة أو سيرة ملهمة؛ بل قادر على بناء خطاب اقتصادي واجتماعي وسياسي يصل إلى مختلف أجنحة الحزب.

أما غافن نيوسم، حاكم كاليفورنيا، فيمثل نموذج السياسي الهجومي ضد ترمب. حضوره الإعلامي قوي، ويجيد استخدام المنصات الرقمية والسجال السياسي، وقد عزز موقعه داخل الحزب بعد قيادته مسعى إعادة رسم الخريطة الانتخابية في كاليفورنيا، لمواجهة تحركات الجمهوريين في إعادة تقسيم الدوائر. لكنه يدرك أيضاً أن صورته بوصفه حاكماً ليبرالياً «لامعاً» من كاليفورنيا، قد تكون عبئاً وطنياً.

وفي مقابلة مع «ذي أتلانتك»، اختصر نيوسم مشكلة الديمقراطيين بكلمة واحدة: «الضعف»، كما تحدث عن الحاجة إلى إعادة صياغة صورته السياسية.

أما جوش شابيرو، حاكم بنسلفانيا، فيملك ورقة مختلفة: ولاية متأرجحة، وشعبية محلية، وصورة تنتمي إلى جناح عمالي داخل الحزب. شابيرو يدافع عن قضايا ليبرالية، لكنه لا يتردد في انتقاد الجناح الأكثر يسارية، خصوصاً في ملفات مثل إسرائيل. وقد دعا بعد التعديلات التي ألحقتها إدارة ترمب على قانون حقوق التصويت، إلى تغيير تركيبة الكونغرس ثم البيت الأبيض، من أجل تمرير قوانين «تحترم جميع الأميركيين»، بدلاً من استهداف فئات بعينها، بحسب «واشنطن بوست».

عودة هاريس وشبح الهزيمة

كامالا هاريس تظل اسماً ثقيلاً بحكم أنها نائبة رئيس سابقة ومرشحة رئاسية سابقة. وهي معروفة بقدرتها على المناظرة، ولا تزال تحظى بترحيب داخل قواعد ديمقراطية معينة، خصوصاً بين ناخبين يرون فيها امتداداً لمعركة سياسية لم تكتمل. لكن مشكلتها الكبرى أنها خسرت أمام ترمب، وهذا وحده يجعل كثيراً من الديمقراطيين يشككون في قدرتها على خوض معركة جديدة.

وذكرت «واشنطن بوست» أن هاريس تلقت هتافات «ترشحي مجدداً» خلال فعالية بنيويورك، كما أظهر استطلاع لـ«إن بي سي» في فبراير (شباط)، أنها بين الأكثر قبولاً لدى الناخبين من بين الأسماء المحتملة. غير أن القبول الشخصي شيء، والقدرة على إقناع الحزب بأنها الخيار الأقوى شيء آخر.

بيت بوتيجيج يواجه معضلة مغايرة؛ فهو من أفضل المتحدثين الديمقراطيين، وشاب، وعسكري سابق، يمتلك قدرة واضحة على تفكيك خطاب الجمهوريين؛ لكنه لا يشغل حالياً منصباً تنفيذياً منتخباً يمنحه منصة يومية. ولهذا قد يحتاج إلى تحويل حضوره الإعلامي إلى حركة سياسية فعلية، لا مجرد إعجاب نخبوي.

حكام الولايات

حكام الولايات يشغلون موقعاً مهماً في الحسابات الديمقراطية، لأنهم يستطيعون القول إنهم لا يكتفون بالخطابة في واشنطن؛ بل يديرون ولايات، ويتعاملون مع الأمن، والاقتصاد، والتعليم، والهجرة، والصحة. من هنا يأتي اسم جاي بي بريتزكر، حاكم إلينوي، الذي يملك ثروة ضخمة قد تساعده في تمويل حملة وطنية، لكنها قد تتحول أيضاً إلى عبء في زمن تتزايد فيه الحساسية تجاه عدم المساواة. وقد قال في مناسبة ديمقراطية إن الحزب لن يفوز بالانتخابات إذا اكتفى بالحديث إلى الجمهور عن «الديمقراطية»، داعياً إلى تركيز أكبر على الاقتصاد.

نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس مع حاكم بنسلفانيا جوش شابيرو خلال مناسبة بفيلادلفيا - يوليو 2024 (رويترز)

ويس مور، حاكم ماريلاند، يقدم صورة مختلفة: أول حاكم أسود حالي، ومحارب قديم، وصاحب مواجهة مستمرة مع ترمب في ملفات عدة. لكن قدرته على التحول إلى مرشح وطني لا تزال غير محسومة. أما آندي بشير، حاكم كنتاكي، فيحمل ورقة نادرة: ديمقراطي فاز مرتين في ولاية صوتت لترمب 3 مرات. رسالته للحزب مباشرة: «تحدثوا بوصفكم بشراً طبيعيين»، في إشارة إلى ضرورة التخلي عن لغة النخب والتركيز على ما يفهمه الناخب العادي.

غريتشن ويتمر، حاكمة ميشيغان، كانت من أكثر الأسماء جاذبية نظرياً؛ فهي حاكمة ولاية متأرجحة، وصاحبة تجربة في مواجهة ترمب. لكنها أربكت المشهد أخيراً حين قالت إنها لن تترشح في 2028، قبل أن تتراجع جزئياً. هذا الغموض يُبقي اسمها حاضراً، لكنه يعكس أيضاً تردد بعض كبار الديمقراطيين في الدخول المبكر إلى سباق طويل ومكلف.

اليسار والوسط

لا يمكن تجاهل الجناح التقدمي في الحزب. ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، مثلاً، تملك شهرة وطنية وقدرة على تحريك الشباب واليسار، لكن ترشحها سيطرح سؤالاً صعباً: هل يستطيع الحزب الفوز بمرشحة تقدمية جداً في انتخابات عامة؟ كذلك يبرز رو خانا، الذي يسعى إلى الجمع بين خطاب اقتصادي تقدمي وصورة أكثر عملية في قضايا التكنولوجيا والطبقة الوسطى.

ممداني مع السيناتور التقدمي بيرني ساندرز والنائبة التقدمية ألكسندريا وكاسيو كورتيز - 4 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

في المقابل هناك شخصيات وسطية؛ مثل رام إيمانويل، الذي يدعو إلى حلول أكثر اعتدالاً، ويطرح أفكاراً مثيرة للجدل مثل حظر وطني لوسائل التواصل للأطفال، وسن تقاعد إلزامي للسياسيين والقضاة الفيدراليين عند 75 عاماً. غير أن المشكلة، بحسب «واشنطن بوست»، أنه لم يحقق زخماً كبيراً حتى الآن.

حتى الشخصيات الإعلامية تدخل الهامش، مثل ستيفن سميث، معلق شبكة «إي إس بي إن»، الذي قال إنه يفكر في الترشح مقدماً نفسه وسطياً. مثل هذه الأسماء قد لا تكون مرجحة، لكنها تعكس شيئاً مهماً: الديمقراطيون لا يبحثون فقط عن برنامج؛ بل عن شخصية قادرة على كسر الضجيج الإعلامي والوصول إلى ناخب مشتت وغاضب.

وبعد سنوات من الاستقطاب، وصعود ترمب مجدداً، وتراجع ثقة قطاعات من الناخبين في خطاب الديمقراطيين؛ أي نسخة من الحزب الديمقراطي ستنجح في إقناع الأميركيين عام 2028؟ حتى الآن، لا توجد إجابة واحدة. وهذا بالضبط ما يجعل السباق مفتوحاً، ومربكاً، وحاسماً في آن واحد.


مقالات ذات صلة

مايك روجرز يتحوّل «ترمبياً» للفوز على السيد اليساري في ميشيغان

الولايات المتحدة​ شارة انتخابية في ميشيغان (أ.ف.ب)

مايك روجرز يتحوّل «ترمبياً» للفوز على السيد اليساري في ميشيغان

انتقل مرشح الجمهوريين بالانتخابات النصفية للكونغرس، مايك روجرز، إلى مؤيد لخط الرئيس ترمب؛ سعياً للفوز ضد مرشح يساري ديمقراطي بمقعد ميشيغان بمجلس الشيوخ.

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)

تحليل إخباري بعد زلزال ميشيغان... هل تكرر فرنشيسكا هونغ مفاجأة عبدول السيد في ويسكونسن؟

انتقل اختبار صعود اليسار الأميركي إلى ولاية ويسكونسن، حيث تدخل فرنشيسكا هونغ الانتخابات التمهيدية لمنصب الحاكم وهي تتصدر السباق الديمقراطي...

هبة القدسي (واشنطن)
العالم العربي عبد الرحمن السيد خلال مؤتمر صحافي (صفحته على موقع «إكس»)

جدل مصري بعد فوز السيد بانتخابات تمهيدية في ميشيغان

أثار فوز الأميركي المصري الأصل عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية لـ«الحزب الديمقراطي» لمجلس الشيوخ بولاية ميشيغان الأميركية حالة من الجدل امتدت إلى مصر.

محمد محمود (القاهرة)
الولايات المتحدة​ عضوة مجلس النواب هالي ستيفنز التي خسرت الانتخابات التمهيدية بفارق ضئيل للغاية لا يتجاوز 15 ألف صوت فقط (أ.ف.ب)

عبد الرحمن السيد يهز المؤسسة «الديمقراطية» بأميركا

رغم أن الأنظار تتجه لانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل فإن كثيراً من المحللين يرون أن ما جرى بميشيغان يمثل بداية غير معلنة لمعركة الرئاسة

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مراقبون تابعون لوزارة العدل الأميركية في مركز اقتراع خلال الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين بديترويت ميشيغان 4 أغسطس (رويترز)

«أيباك» في قلب معركة الديمقراطيين الانتخابية بميشيغان

حسم الديمقراطيون خياراتهم في ميشيغان عبر انتخابات تمهيدية حامية الوطيس بين مرشح التيار التقدمي - الاشتراكي عبد الرحمن السيد ومنافسته النائبة هايلي ستيفنز.

علي بردى (واشنطن)

ترمب: الطائرة التي استقليتها من تركيا كانت «معرضة لخطر أكبر»

ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)
TT

ترمب: الطائرة التي استقليتها من تركيا كانت «معرضة لخطر أكبر»

ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأربعاء إن الطائرة التي استقلها بعد أن غادر سرا على متن رحلة جوية عسكرية من تركيا الشهر الماضي كانت «معرضة لخطر أكبر».

وتضمن ذلك التغيير نقل الرئيس من طائرة إلى أخرى على متن شاحنة لنقل الطعام، وذلك بسبب مخاوف بشأن تقارير عن تهديد إيراني محتمل باغتياله.

وقال ترمب للصحفيين، بعد أن نشرت صحيفة واشنطن بوست تقريرا عن الأمر، «أعتقد في الواقع أن الطائرة التي استقللتها كانت معرضة لخطر أكبر... لأنها كانت الطائرة التي أعتقد أنهم كانوا سيستهدفونها على الأرجح». وأضاف أنه لا يثق في إيران.


واشنطن ودول حليفة لها تطالب بإخطار مسبق قبل اختبارات الصواريخ البالستية

صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن ودول حليفة لها تطالب بإخطار مسبق قبل اختبارات الصواريخ البالستية

صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

حذّرت الولايات المتحدة ونحو 40 دولة أخرى، الثلاثاء، من مخاطر إجراء اختبارات للصواريخ البالستية من دون إخطار مسبق، وذلك في بيان مشترك صدر بعد شهر من إطلاق الصين صاروخا قادرا على حمل رؤوس نووية فوق المحيط الهادئ.

وجاء في البيان الذي وقّعته دول من أوروبا ومنطقة المحيطَين الهندي والهادئ، أن «إجراء اختبارات لصواريخ بالستية قادرة على حمل رؤوس نووية من دون إخطار مسبق وتفاصيل واضحة، يُعدّ أمرا خطيرا ويقوّض السلم والأمن للدول القريبة من مسارات هذه الاختبارات».

وأضاف البيان أن هذه الممارسات «تنطوي على مخاطر سوء التقدير، وتقوّض الاستقرار والأمن العالميَّين، ولا تنسجم مع المسؤوليات المترتبة على امتلاك قدرات صاروخية بعيدة المدى».

ودعت الدول الموقّعة كل البلدان إلى تقديم إشعار قبل الإطلاق بما لا يقل عن 24 ساعة، يتضمّن نوع الصاروخ المزمع إطلاقه، والنافذة الزمنية للإطلاق، والمنطقة والاتجاه المتوقّعَين.

كما شدّد البيان على ضرورة إصدار إخطارات واضحة للطيران والملاحة البحرية وفق المعايير الدولية للحدّ من المخاطر، بما في ذلك في المناطق المتوقع سقوط الصاروخ أو حطامه فيها.

وكانت بكين أخطرت عددا محدودا من الدول قبل فترة وجيزة من اختبارها صاروخا بالستيا عابرا للقارات الشهر الماضي، في خطوة اعتُبرت استعراضا لقدراتها العسكرية في منطقة تسعى منذ سنوات إلى تعزيز نفوذها فيها.

وقال مراقبون إن الصاروخ سقط في منطقة بحرية تقع بين جزر سليمان وناورو وتوفالو في المحيط الهادئ.


إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

عندما يلتقي أقصى اليمين وأقصى اليسار على موقف واحد، يصعب تجاهل التحول الذي يعكسه هذا التقاطع. وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم في الولايات المتحدة، حيث تتسع دائرة الانتقادات لإسرائيل عموماً ولرئيس وزرائها بنيامين نتنياهو خصوصاً، لتتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية، وتجمع أصواتاً متباعدة سياسياً قلّما تلتقي على قضية واحدة.

وفي الوقت الذي بدأت هذه المواقف تتردد منذ فترة في الأوساط السياسية الأميركية، إلا أن حوار الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، المعروف بمواقفه المنتقدة لتل أبيب، مع نجل الرئيس السابق جو بايدن، هنتر، سلّط الضوء عليها، إذ أجمع الرجلان اللذان قلما يتفقان على موقف، على انتقاد نتنياهو. فوصف هنتر رئيس الوزراء الإسرائيلي بـ«الشر المتجسد»، ودافع عن كارلسون الذي يواجه اتهامات بمعاداة السامية بسبب انتقاده لإسرائيل، مستغرباً من ربط الملفين ببعضهما بعضاً.

معاداة السامية

لكن هذا الربط ليس جديداً، فلطالما واجه منتقدو إسرائيل في الولايات المتحدة اتهامات بمعاداة السامية. ولا يقتصر الأمر على كارلسون، بل يتعداه ليصل إلى نائب الرئيس الأميركي نفسه جي دي فانس الذي يواجه هو كذلك اتهامات من هذا النوع، بعد أن انتقد إسرائيل علناً «بسبب عرقلتها الاتفاق مع إيران».

هنتر نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في البيت الأبيض 16 ديسمبر 2024 (أ.ب)

فقد أعرب فانس في موقف لافت عن انزعاجه من سماح «القيادات الأميركية بأن يؤثر النفوذ الإسرائيلي على أحكامها والمواقف التي يدافعون عنها»، واتّهم أعضاء في الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير على الرأي العام الأميركي لإطالة أمد الحرب.

وتطرق فانس بشكل مباشر إلى الاتهامات بمعاداة السامية، فقال بشكل حاسم: «ليس صحيحاً أن كل انتقاد للقرارات السياسية التي يتخذها نتنياهو يقود إلى معاداة السامية، أو يُعدّ بحد ذاته معاداة للسامية».

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في البيت الأبيض 5 أغسطس 2026 (أ.ب)

ومن الواضح أن التطرق إلى ملفات من هذا النوع بدأ يغير من طبيعة الحوار في الولايات المتحدة بشأن إسرائيل. وقد تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن الأمر أكثر من مرة، كان آخرها في مقابلة مع «ريل أميركا فويس» قال فيها إن تأثير اللوبي الإسرائيلي يتراجع في واشنطن، مشيراً إلى تغيير المشهد الأميركي حيال إسرائيل. ورغم وجود كثير من المحافظين الذين ينتقدون تل أبيب، فإن ترمب لم يتردد بتوجيه أصابع الاتهام إلى الحزب الديمقراطي. وهاجم زعيمهم في مجلس الشيوخ تشاك شومر، مشيراً إلى أنه توقف عن دعم إسرائيل «وأصبح فلسطينياً» على حد تعبيره.

تغيير في المشهد الحزبي

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس 4 أغسطس 2026 (رويترز)

لكن شومر من الديمقراطيين القلائل الذين حافظوا على تأييدهم لإسرائيل في أجواء مشحونة سياسياً، إذ إنه صوّت ضد مشروع قرار طرحه التقدمي برني ساندرز لتقييد مبيعات الأسلحة لإسرائيل رغم انضمام 40 ديمقراطياً للتصويت لصالح المشروع في سابقة في الكونغرس.

وتكرر المشهد في الجانب المقابل من المجلس التشريعي، حين صوّت أكثر من 100 ديمقراطي لصالح مشروع مشابه طرحه الجمهوري المعارض لترمب توماس ماسي، في مواقف أظهرت بوضوح تغييراً بارزاً في المعادلة السياسية الأميركية.

ترمب برفقة الإعلامي تاكر كارلسون في فينيكس بأريزونا يوم 31 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

ورغم تأييد شومر المستمر لإسرائيل، فإن الرجل الذي يبلغ من العمر 75 عاماً سيخوض الانتخابات في عام 2028 للدفاع عن مقعده، ومن المتوقع أن تنافسه على هذا المقعد النائبة التقدمية الشابة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز المعروفة بمواقفها المنتقدة لإسرائيل. ومما لا شك فيه أن الناخبين الشباب هم الذين حركوا هذا التغيير في المواقف، فهم من صوتوا لصالح وجوه تقدمية ديمقراطية تعارض إسرائيل علناً، مثل رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، والمرشح الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان عبد الرحمن السيد.

بين إيران وإبستين

ومن اليسار إلى أقصى اليمين، تتصاعد أصوات المؤثرين والمحافظين المعارضين لسياسات إسرائيل.

وقد تبنى هذه المواقف منشقون عن ترمب من حركة «ماغا» مثل النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي جو كنت. ويعتمد هؤلاء في انتقادهم على مبدأ «أميركا أولاً»، وقد شرحوا تحفظاتهم بشكل واضح في نقاط 10 توصلوا إليها بعد اجتماع بتاكر كارلسون، تقول إحداها إن إسرائيل دفعت الولايات المتحدة إلى خوض الحرب مع إيران من خلال «الرشوة أو التهديد أو كليهما»، مع وصف الخضوع لنفوذ جماعات الضغط الأجنبية بأنه شكل من أشكال من «العبودية».

ملفات جيفري إبستين تقسم الصف الجمهوري (أ.ب)

ومن اللافت أن إيران هي القاسم المشترك بين تصريحات فانس وكارلسون، بالإضافة إلى ملف آخر هو ملف إبستين. وهنا الرابط الآخر المثير للاهتمام، فأغلبية المنتقدين لإسرائيل من اليمين يُجمعون على موقف موحد تجاه ملفات إبستين، ويصرون على ضرورة الكشف عن تفاصيلها.

ويشمل هؤلاء تشارلي كيرك الذي تم اغتياله في حدث بجامعة يوتا العام الماضي، مروراً بمقدم البودكاست جو روغان، ومارجوري تايلور غرين، ووصولاً إلى كارلسون الذي ادّعى أن إبستين عمل لصالح الاستخبارات الإسرائيلية. ولم يتردد فانس في الترويج للطرح نفسه، وقال رداً على سؤال لجو روغان: «من الواضح إنه (إبستين) كانت لديه علاقات مع أعلى المستويات من الاستخبارات الإسرائيلية».

وهكذا لم يعد الجدل الأميركي بشأن إسرائيل محصوراً بين جمهوري وديمقراطي. فخطوط الانقسام تداخلت بين الحزبين. ورغم اختلاف دوافع الانتقاد وأسبابه، فإن الهدف واحد: إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ورسم حدود النفوذ الإسرائيلي في أروقة القرار الأميركي.