بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

كثرة الإنجازات غيَّرت المشهد العام للمدينة لكن صور المأساة لا تزال تطارد السكان

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
TT

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)

تحاول مدينة درنة الليبية، التي كادت أن تُمحى بفعل إعصار دانيال عام 2023، النهوض من جديد من خلال عملية إعمار متسارعة، تشمل تشييد جسور ومبانٍ سكنية ومنشآت صحية. ورغم مرور 3 سنوات، لا تزال صور كارثة سبتمبر (أيلول) 2023 عالقة في أذهان السكان: مبانٍ مدمَّرة وجثث مدفونة تحت أطنان من الطمي، وهياكل سيارات تطفو فوق أمواج البحر.

قتلى وخسائر بالجملة

في الليلة الفاصلة بين 10 و11 من الشهر ذاته، تسبب هطول أمطار غزيرة في انفجار سدَّين متداعيين في أعالي درنة، ما أدَّى إلى تدفُّق طوفان من المياه على وسط المدينة البالغ عدد سكانها 120 ألفاً. وقد وصل ارتفاع منسوب المياه إلى 7 أمتار، ولقي ما لا يقلُّ عن 4 آلاف شخص حتفهم، بينما اعتبر عشرات الآلاف في عداد المفقودين، ونزح جرَّاء ذلك أكثر من 40 ألف شخص، وفق حصيلة تمَّ الإعلان عنها إثر الكارثة.

صورة التُقطت في 18 سبتمبر 2023 بعدما ضرب إعصار دانيال المدينة (أ.ف.ب)

وفقدت أسماء أحمد القزيّري (40 عاماً) أبناء عمتها وخالها، حالها حال آلاف في مدينة «درنة المترابطة»، كما تقول، وحيث «كل العائلات قريبة بعضها من بعض... وكلُّنا أنساب وأحباب وأقارب وجيران». وتضيف أسماء التي تعمل في دولة خليجية وتعود بانتظام لزيارة مسقط رأسها، إن هناك «تغييراً ملحوظاً جداً... مدينتي تتعافى».

وتمكَّنت «وكالة الصحافة الفرنسية» خلال جولتها في المدينة من معاينة عملية إعادة الإعمار عن قرب، مثل المستشفى الجديد الذي لا يزال قيد البناء، ويتسع لـ600 سرير، كما تمَّت إعادة تأهيل عشرات المدارس، وبُنيت جامعة جديدة وملعب كرة قدم.

تحاول درنة تناسي مأساتها بتشييد المرافق الصحية والمستشفيات والمنازل العصرية (أ.ف.ب)

وعلى مسافة 6.5 كيلومتر، يمتدُّ كورنيش بحري مجهَّز بالحماية اللازمة من عوامل الطقس. كما يمكن مشاهدة محطة لتحلية مياه البحر وجامع الصحابة الذي عاد جديداً. ولكن ذلك لا يُنسي أسماء القزيري المفقودين من عائلتها الذين لم يُعثر عليهم قط.

لذلك ترى أنَّ على السلطات أن تركِّز على الاهتمام بـ«كل من نجا من الإعصار. فقد نجا من نجا جسدياً؛ لكن تضرَّروا جداً نفسياً. فقدوا جزءاً كبيراً من عائلاتهم، والمفروض الاهتمام بقطاع الصحة النفسية وجعله من الأولويات في الوقت الحالي».

جانب من البنايات الحديثة التي عوَّضت المنازل المهدمة (أ.ف.ب)

وبالنسبة إلى أشرف التارقي البالغ من العمر 30 عاماً، وهو مشرف على ورش بناء، وفقد أيضاً كثيراً من أفراد عائلته الموسعة في الكارثة: «وراء كل شرٍّ عظيم تُبتلى به، يأتي خير عظيم بعده، وهذه ميزة من الله»؛ لكنه يتحسَّر على فقدان أقاربه الذين لقوا حتفهم في الفيضان، ويفضِّل لو أنه خسر منزله بدلاً من أحبائه. في الوقت نفسه، يجد أن «المساحات الخضراء» المنتشرة هنا وهناك «مفيدة جداً للصحة النفسية».

درنة تنهض من جديد

تمرَّدت درنة على حكم الزعيم الليبي معمَّر القذافي في عام 2011، مع بدء الانتفاضة الشعبية ضده، ولكنها بعد سقوط هذا الحكم وموت القذافي، تحوَّلت إلى معقل لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» المتطرفَين. وفي 2018، سيطرت قوات المشير خليفة حفتر على المدينة بعد معارك دامية.

نموذج من المنازل الحديثة التي تم تشييدها بعد الإعصار (أ.ف.ب)

اليوم، تتمتع عائلة حفتر بصيت كبير في شرق ليبيا وجنوبها؛ حيث تقع غالبية الحقول النفطية والموانئ في بلد يضم ثروات نفطية كبيرة، وتدعم حكومة تتخذ من بنغازي مقراً وموازية للحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس (غرب).

ورافق عادل بوخشيم، المهندس المعماري والمسؤول المحلي عن صندوق إعادة الإعمار، الذي أُنشئ مطلع عام 2024، فريق «وكالة الصحافة الفرنسية» لزيارة أكبر ورش البناء في درنة، مفاخراً بـ«نسبة إنجاز تبلغ 80 في المائة»، و«إتمام الإنجاز خلال الأشهر السبعة أو الثمانية القادمة». ويقول إنه تمَّ بناء 3500 شقة، من بينها 2500 سُلِّمت بالفعل إلى المتضرِّرين، و9 جسور، من بينها 4 تعبر الوادي (مجرى النهر) الذي تحوَّل إلى مكان للتنزه. كما حصلت أيضاً أعمال ترميم في الأحياء التي نجت من إعصار دانيال؛ إذ تنتشر فيها أعمدة إنارة وأرصفة جديدة.

«انطلاقة جديدة»

يُبدي المصري أحمد شحاتة -وهو دهَّان يبلغ من العمر 31 عاماً وأب لأربعة أطفال- سروره من «توفُّر العمل» بسبب «حُمَّى البناء». ويقول: «هناك عمل في كل مكان، ولا يعجز عن إيجاده سوى من لا يستحق».

في أعقاب إعصار دانيال، كشف حجم المأساة ترهُّل وإهمال البنى التحتية، لا سيما السدود التي يعود تشييدها إلى سبعينات القرن الماضي. وقد أقدم سكان غاضبون حينها على إحراق منزل رئيس البلدية، والتنديد بالفساد في الإدارة.

نموذج من الجسور الحديثة المشيدة بعد إعصار دانيال (أ.ف.ب)

وشكَّلت هذه الاضطرابات دافعاً قوياً لعائلة حفتر، التي أنشأت بعد 6 أشهر صندوق إعمار خصَّصت له ملياري دولار، ووُضع تحت إشراف بلقاسم حفتر، نجل خليفة حفتر، الذي قرَّر أن يجعل من درنة مثالاً على قدرات الإدارة في الشرق.

في غضون عامين ونصف فقط، تغيَّر المشهد العام للمدينة بشكل كلِّي، ولكن صور المأساة لا تزال تطارد أهالي المنطقة.

منظر عام لدرنة الجديدة بعد بناء عدد كبير من البنايات والأبراج الحديثة (أ.ف.ب)

فقدْ فقدَ عادل بوخشيم، الممثل المحلي لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، نحو 15 شخصاً من عائلته، من بينهم شقيقته وزوجها وأطفالهما الأربعة. ويقول متأثراً: «لم يكن أحد يظن أننا سنعيش هنا مجدداً» بعد الكارثة.

لكن المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار شكَّلت «نقطة انطلاق» لهذا المهندس البالغ من العمر 54 عاماً، والذي يؤكد: «عندما أنغمس في عملي، أقول لنفسي إن هذه الأرواح لم تذهب هباء».


مقالات ذات صلة

تساؤلات حول داعمي «غرفة تحرير الجنوب» في مواجهة «الوطني الليبي»

شمال افريقيا آليات عسكرية عند منفذ التوم الحدودي بين ليبيا والنيجر (رئاسة أركان الجيش الوطني الليبي)

تساؤلات حول داعمي «غرفة تحرير الجنوب» في مواجهة «الوطني الليبي»

فيما تتواصل حملة أمنية يشنها «الجيش الوطني» لمطاردة متمردين، تساءل نشطاء وسياسيون عن الجهة الداعمة لما يسمى «غرفة تحرير الجنوب» في مواجهتها مع قوات الجيش.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا أحد قتلى اشتباكات مدينة الزاوية الليبية بدايات مايو الماضي (مركز طب الطوارئ والدعم)

الزاوية الليبية تدفع ثمن «الرصاص المنفلت» مزيداً من الدماء

حاملاً رشاشاً على كتفه، أطلق ميليشياوي، كان في حالة سكر، النار في الزاوية (غرب ليبيا)، ما أثار حالة من الرعب بين سكانها، وأعاد إلى الواجهة ملف تغول التشكيلات.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا خالد محمد علي الهيشري (متداولة)

«الجنائية الدولية» تقضي بإمكان توجيه اتهامات لمشتبه به ليبي

حكم قضاة المحكمة الجنائية الدولية، اليوم الخميس، بإمكان ​توجيه تُهم متعددة إلى الليبي خالد محمد علي الهيشري، المتهم بإدارة أحد أسوأ السجون سُمعة في ليبيا.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
شمال افريقيا مهاجرة صومالية تحمل ابنها داخل أحد مراكز الاحتجاز والترحيل في بنغازي (رويترز)

تعرض آلاف المهاجرين لـ«انتهاكات جسيمة» على الحدود التونسية الليبية

أعرب خبراء أمميون، اليوم الخميس، عن «قلقهم البالغ» إزاء تقارير عن تعرض آلاف المهاجرين من دول جنوب الصحراء للاحتجاز التعسفي، وعمليات طرد جماعي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس (أ.ف.ب)

خطة مسعد بولس لإعادة توحيد ليبيا... «رهان محفوف بالمخاطر»

يكثّف مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، جهوده للتقريب بين شرق ليبيا وغربها في محاولة تسوية بين رجال نافذين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مصر لمزيد من ردع «الدهّابة» وتأمين الحدود الجنوبية

جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري على «فيسبوك»)
جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري على «فيسبوك»)
TT

مصر لمزيد من ردع «الدهّابة» وتأمين الحدود الجنوبية

جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري على «فيسبوك»)
جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري على «فيسبوك»)

واصل الجيش المصري نشر سلسلة مرئية تتضمن شهادات بشأن ضبط الحدود الجنوبية المتاخمة للسودان، ومواجهة الخارجين على القانون، لا سيما من عناصر التنقيب غير الشرعي عن الذهب، مشدداً على تمسكه بـ«اقتلاع الأخطار الأمنية من جذورها».

تلك التأكيدات المصرية، يرى خبير عسكري واستراتيجي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنها تعكس إصراراً «على إنهاء هذا الملف، وإنهاء أي أزمات في جنوب البلاد، تأكيداً لسيادة البلاد وحفاظاً على مواردها وثرواتها»، متوقعاً مزيداً من «الإجراءات الرادعة لعناصر التهريب التي لم تستسلم إلى الآن».

«درع الجنوب»

ورصد المتحدث للجيش المصري العقيد أحمد عتمان، عبر صفحته الرسمية بـ«فيسبوك»، في الحلقة الثالثة من الإصدار المرئي «درع الجنوب»، مساء الخميس، معاناة أهالي مرسى علم وحلايب وشلاتين (جنوب مصر) من «ظاهرة الدهّابة»، وتأثيرها المتزايد على الحياة اليومية والموارد الطبيعية والأمن داخل المناطق الجنوبية.

وبحسب شهادات نقلها الإصدار المرئي لممثلين للأهالي، بينهم عضو مجلس النواب عن حلايب وشلاتين والبحر الأحمر علي نور، وأحد أبناء قبائل العبابدة نصر أحمد، وشيخ قبيلة اللبب بمدينة الشلاتين علي أبال، فإن «الدهّابة يعملون على نهب الموارد في المنطقة الجنوبية، والتسبب في أضرار بالغة» للسكان الذين يعيشون في المدن والوديان والمناطق الجبلية.

وأكدت الشهادات أن هؤلاء «لم يكونوا يسرقون الذهب وحقوق الدولة فقط، بل تسببوا أيضاً في رفع أسعار السلع والخدمات وانتشار السلاح»، معربين عن «فرحة ودعم الأهالي لتلك الحملة الأمنية والعسكرية ضد الدهّابة»، ومؤكدين أن «أبناء المنطقة لا يرفضون العمل أو الاستفادة من ثروات أرضهم، لكنهم يرفضون وجود عناصر متطفلة أو أجنبية أو خارجة على القانون تستولي على الموارد، وتهدد أمن المواطنين».

ووفق الإصدار، كانت الحملة المكبّرة للقوات المسلحة والشرطة المدنية «خطوة ضرورية لإنقاذ المنطقة الجنوبية من ظاهرة كانت تتسع يوماً بعد يوم، حتى أصبحت تمس أمن السكان وأرزاقهم وحقهم في موارد أرضهم»، مختتماً بالتأكيد على أن «أي خطر يهدد المواطنين أو ينهب ثروات الدولة سيتم اقتلاعه من جذوره، سواء في الجنوب أو في أي شبر من الدولة».

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي سمير راغب، أن استمرار نشر رسائل الجيش بشأن «الدهّابة» إنما «يحمل رسالة طمأنة للمواطنين، وأخرى للتأكيد على أن الحدود الجنوبية آمنة، وثالثة لمن يقف وراء تلك العصابات بأن جيش مصر وشرطتها سيقفان بالمرصاد لهم»، متوقعاً مزيداً من الحملات لتنظيف المنطقة من الخارجين على القانون.

حملة أمنية في مصر للحد من خطر عناصر التنقيب غير الشرعي عن الذهب (المتحدث العسكري على «فيسبوك»)

وبدأ المتحدث العسكري باسم الجيش المصري العقيد أحمد عتمان، يوم الثلاثاء الماضي، بنشر الحلقة الأولى من سلسلة «درع الجنوب»، وأبرز كيفية تعامل القوات المسلحة والشرطة المدنية مع العناصر المتورطة في التنقيب غير الشرعي عن الذهب ممن سلموا أنفسهم في المنطقة الجنوبية، مشيراً إلى أن ذلك يأتي «في إطار قانوني وفقاً للمعايير والمواثيق الدولية بما يفرض الأمن ويحفظ الحقوق».

وتضمنت الحلقة الأولى شهادات مصورة لسودانيين، أكدوا أنهم تلقوا معاملة إنسانية بعد استسلامهم، موجهين نداءات إلى بقية الموجودين داخل مناطق التنقيب غير الشرعي للإسراع بتسليم أنفسهم، بخلاف حلقة ثانية كشفت شهادات من مصريين وسودانيين متهمين بالتنقيب غير الشرعي عن الذهب.

ونوّه راغب بأن الفيديوهات المنشورة عبر صفحة المتحدث العسكري «تحظى بمتابعة عالية، وتهدف إلى إيصال رسالة توعية وأخرى للردع في آن واحد».

حملة

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلن الجيش المصري تنفيذ حملة، بالاشتراك مع قوات الشرطة، على حدود البلاد الجنوبية ضد «بؤر إجرامية» اتهمها بممارسة أنشطة غير مشروعة، منها الاتجار بالمخدرات، والسلاح، والتنقيب غير المشروع عن الذهب، والهجرة غير المشروعة. وأسفرت الحملة عن ضبط أكثر من 200 شخص، بينهم 136 أجنبياً.

ووقتها تداول ناشطون مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر تسلل أفراد داخل حدود مصر الجنوبية مع السودان، وسط معلومات عن تنقيب غير مشروع عن الذهب في مصر، ومناشدات للسلطات المصرية باتخاذ اللازم حيال ذلك.

الجيش المصري يشدد على «اقتلاع الأخطار الأمنية من جذورها» (المتحدث العسكري على «فيسبوك»)

وقال الجيش المصري في بيان وقتها إنه «في إطار المهام التي تقوم بها القوات المسلحة لحماية الأمن القومي، والحفاظ على المقدرات والمكتسبات الاقتصادية للوطن، قامت القوات المسلحة بالتعاون مع عناصر وزارة الداخلية بتنفيذ حملة مُكبَّرة بقطاع المنطقة الجنوبية العسكرية ضد عدد من البؤر الإجرامية التي تستغلها التنظيمات والشبكات الإجرامية لممارسة أنشطة غير مشروعة منها (الاتجار بالمواد المخدرة، والسلاح، والتنقيب غير المشروع عن الذهب، والهجرة غير المشروعة)».

وفيما يخص العقبات الميدانية، أشار الخبير العسكري والاستراتيجي سمير راغب إلى أن «التحدي كبير؛ نظراً لطول الحدود وصعوبة المسالك في المناطق الصحراوية التي لا تستطيع حتى المركبات السير فيها»، مؤكداً أن الحدود الجنوبية «هي أكبر الحدود المصرية، وأطول من الحدود مع ليبيا (غرباً)»، وأن «الحملة ونتائجها تعكس قدرة مصر على حماية حدودها وتأمينها».


تذبذب الدولار يربك تسعير السلع ويضغط على الأسواق المصرية

خطة حكومية مصرية لضبط الأسواق ومواجهة موجة الغلاء (وزارة التموين المصرية)
خطة حكومية مصرية لضبط الأسواق ومواجهة موجة الغلاء (وزارة التموين المصرية)
TT

تذبذب الدولار يربك تسعير السلع ويضغط على الأسواق المصرية

خطة حكومية مصرية لضبط الأسواق ومواجهة موجة الغلاء (وزارة التموين المصرية)
خطة حكومية مصرية لضبط الأسواق ومواجهة موجة الغلاء (وزارة التموين المصرية)

برز تأثير تذبذب سعر الدولار في مصر، عبر ارتباك تسعير بعض السلع، ما شكَّل ضغطاً على الأسواق، ودفع التجار إلى مزيد من التَّحوُّط من خسائر الجنيه، في حين أعلنت الحكومة استعدادها لإعلان خطة لضمان استقرار الأسعار.

وتشهد الأسواق المصرية تذبذباً مستمراً في أسعار السلع الأساسية، حيث سجَّلت بعض المنتجات زيادة مثل الدقيق والزيت واللحوم، بينما تراجعت أسعار أخرى كالسكر والفول وفقاً لبيانات بوابة «أسعار السلع المحلية والعالمية» التابعة لمركز معلومات مجلس الوزراء، الجمعة.

ويقول ماجد محمود، وهو تاجر أجهزة كهربائية بمحافظة الجيزة (جنوب القاهرة)، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اضطر لرفع أسعار بعض أسعار الأجهزة خلال الأسبوع الماضي مع تراجع الجنيه أمام الدولار، وإن بعض فواتير التسعير التي جاءت مطلع هذا الشهر شهدت زيادات تراوحت ما بين 10 في المائة و15 في المائة، في حين كان من المتوقع أن تشهد الأسعار استقراراً.

وكان نائب رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية بغرفة الجيزة التجارية، شريف صلاح، قال إن أسعار الأجهزة الكهربائية في السوق المصرية تفوق القيمة العادلة بشكل كبير، لافتاً إلى أنَّ الأسواق شهدت قفزات متتالية ومتسارعة تزامناً مع الارتفاعات السابقة في سعر صرف الدولار.

وأشار في تصريحات تلفزيونية، إلى أنَّ الزيادات السعرية الأخيرة خلال شهرَي مارس (آذار) وأبريل (نيسان) الماضيَين والتي تراوحت بين 25 في المائة و30 في المائة تعود إلى تحجج الشركات بالاضطرابات الجيوسياسية المحيطة بالمنطقة، والتي تؤثر بشكل مباشر على حركة التجارة وسلاسل الإمداد الدولية.

مخاوف من تأثيرات سلبية على أسعار السلع نتيجة تذبذب سعر الدولار (وزارة التموين المصرية)

يأتي ذلك بالتزامن مع استعداد الحكومة لإعلان خطة تهدف إلى ضبط الأسواق، ومواجهة الارتفاعات التي تطال بعض السلع، وذلك عبر توفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة، بحسب رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الذي أشار في تصريحات الأربعاء، إلى أنَّ الخطة تعمل على «خفض الأعباء المعيشية عن المواطنين».

وأشار إلى أنَّ الحكومة ستعرض خلال 10 أيام خطةً تنفيذيةً متكاملةً على مجلس الوزراء لبدء تنفيذ التكليفات الرئاسية الخاصة بـ«ضمان توافر السلع الأساسية واستقرار الأسعار».

التَّحرُّكات الحكومية لضبط الأسواق، تأتي في وقت يشهد فيه سعر الدولار مقابل الجنيه تذبذباً ينعكس على أسعار بعض السلع، حيث وصل سعره، الجمعة، إلى نحو 50.50 جنيه في البنوك المصرية، متأثراً بعودة الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.

وقبل نشوب «الحرب الإيرانية» نهاية فبراير (شباط) الماضي كان سعر الصرف نحو 47 جنيهاً لكل دولار، ومع استمرار الحرب سجَّل مستويات قياسية تجاوزت 54 جنيهاً، ثم انخفض تحت 49 جنيهاً منذ قرار وقف إطلاق النار في أبريل (نيسان) الماضي.

تحوُّط التجار من خسائر الجنيه ينعكس على أسعار السلع (وزارة التموين المصرية)

ودفع تذبذب سعر الدولار، وخسائر الجنيه المصري، التجار إلى التَّحوُّط؛ للتعاطي مع تغيُّر سعر الصرف. وقال الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد حنفي لـ«الشرق الأوسط»، إن «تحوط معظم التجار يتم عن طريق ما يُسمى (الدولار المتحرك)، الذي يضع في الاعتبار تغير سعر الصرف صعوداً وهبوطاً، ويتم التَّحوُّط وفق محورين: التَّحوُّط السلعي، حيث يسعى التاجر خلال فترات الوفرة إلى تخزين كميات من السلع، والتَّحوُّط السعري، حيث يتم تحديد سعر السلعة وفق عوامل عدة، بينها سعر الصرف».

وفي رأي حنفي، فإنَّ «تذبذب سعر الدولار يربك تسعير السلع في مصر، وفق علاقة طردية تقوم على أنه كلما زادت الحاجة إلى الدولار للاستيراد زاد سعر السلعة».

وتشير أحدث بيانات التضخم في مصر إلى تباطؤ نسبي في وتيرة ارتفاع الأسعار، ووفق بيانات الجهاز «المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، سجَّل معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن 14.3 في المائة خلال يونيو (حزيران)، مقارنة بـ14.6 في المائة خلال مايو (أيار).

وفي المقابل، أظهرت بيانات «البنك المركزي» أنَّ معدل التضخم الأساسي ارتفع على أساس سنوي إلى 14.3 في المائة في يونيو، مقابل 13.8 في المائة في مايو، رغم تسجيله زيادة شهرية محدودة بلغت 0.3 في المائة، بما يشير إلى استمرار الضغوط على بعض مكونات الأسعار الأساسية رغم تباطؤ التضخم العام.

ويعتقد حنفي، أن «خطة الحكومة سيكون لها تأثير مباشر في ضبط الأسواق، فإذا تمَّ اختزال حلقات الإمداد الخاصة بالسلع سيؤدي ذلك إلى تقليل التكلفة وينخفض السعر، وسيكون مؤشراً لتحديد سعر عادل بالأسواق لأي سلعة، خصوصاً أنَّ الحكومة يمكنها من خلال الشركات الوطنية توفير كميات من السلع الأساسية عبر منافذها المختلفة».

وتتضمَّن «الخطة التنفيذية» للحكومة المصرية لمواجهة موجة الغلاء وضبط الأسعار، عدداً من المحاور، بحسب تقارير صحافية محلية، بينها تأسيس شركة وطنية مشتركة بين جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» ووزارتَي التموين والزراعة، لتكون الذراع التنفيذية للمشروع، وإنشاء منظومة موحدة لإدارة سلاسل الإمداد والتوزيع، تربط بين الإنتاج والتداول بهدف خفض التكلفة، والتوسع في الإنتاج المحلي، وإنشاء سوق موحدة دائمة على الأقل في كل محافظة، وإطلاق برنامج للأسواق الموسمية، والتوسع في منافذ التوزيع الحكومية.

وقال عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع» الخبير الاقتصادي الدكتور وليد جاب الله، إن الخطة الحكومية لا تتضمن أفكاراً جديدة، بل آليات جديدة لتطوير الاتجاه الحكومي المطبق بتوفير السلع بسعر عادل.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الخطة الحكومية سيكون لها تأثير إيجابي سيؤدي إلى خفض معدلات التضخم، ويحد من جشع التجار، لأنهم لن يستطيعوا رفع السعر أكثر من السعر الذي تطرح به الحكومة منتجاتها إلا بنسبة قليلة».

وأكد جاب الله، أنه «منذ تحرير سعر الصرف انتهى زمن أن يظل سعر سلعة ما ثابتاً لسنوات، لذلك يؤثر سعر الدولار مباشرة على أسعار السلع، والمشكلة أن السوق المصرية تستجيب سريعاً للزيادة أكثر من استجابتها للانخفاض».


تساؤلات حول داعمي «غرفة تحرير الجنوب» في مواجهة «الوطني الليبي»

آليات عسكرية عند منفذ التوم الحدودي بين ليبيا والنيجر (رئاسة أركان الجيش الوطني الليبي)
آليات عسكرية عند منفذ التوم الحدودي بين ليبيا والنيجر (رئاسة أركان الجيش الوطني الليبي)
TT

تساؤلات حول داعمي «غرفة تحرير الجنوب» في مواجهة «الوطني الليبي»

آليات عسكرية عند منفذ التوم الحدودي بين ليبيا والنيجر (رئاسة أركان الجيش الوطني الليبي)
آليات عسكرية عند منفذ التوم الحدودي بين ليبيا والنيجر (رئاسة أركان الجيش الوطني الليبي)

تتواصل العملية العسكرية التي أطلقها «الجيش الوطني» الليبي، منتصف الأسبوع الحالي ضد «متمردي» مجموعة يقودها المسلح محمد وردقو، قائد ما يُعرف بـ«غرفة عمليات تحرير الجنوب»، في تصعيد جديد يعكس تحديات تفرضها هشاشة الوضع الأمني في أقصى الجنوب، وسط تباين في الروايات بشأن طبيعة هذه المجموعة ومصادر دعمها.

دورية أمنية تابعة لـ«الجيش الوطني» تمشط الحدود الجنوبية في فبراير الماضي (رئاسة أركان الجيش الوطني الليبي)

وجاءت العملية بعد أيام من إعلان الغرفة، الأحد الماضي، سيطرتها على نقطة تفتيش «أرانديغا» التابعة للجيش، وادعائها التقدم باتجاه قاعدة «اللويغ» الجوية، مع نشر مقاطع مصورة قالت إنها لأسرى من قوات الجيش، دون تعليق رسمي من قيادته، ووسط تساؤلات عن داعمي هذه المجموعة.

وفي وقت اتهم فيه مسؤول عسكري بارز في «الجيش الوطني»، تحدث إلى «الشرق الأوسط» مشترطاً عدم نشر اسمه، حكومة «الوحدة الوطنية» الوطنية، بالوقوف وراء تحركات عناصر هذه الغرفة، نفى وزير مقرب من الحكومة، في إفادة مكتوبة مقتضبة، «أي صلة لحكومته» بهذه الاتهامات، رافضاً كذلك الكشف عن هويته.

وتتكرر منذ فبراير (شباط) الماضي تساؤلات من نشطاء ومدونين بشأن الجهة التي تقف وراء هذه الغرفة، فيما ذهب بعضهم إلى وجود علاقة بين وردقو وحكومة «الوحدة»، لا سيما مع تكرار العمليات التي بدأتها الغرفة، وكان أولها الهجوم على منفذ التوم الحدودي مع النيجر.

قائد «غرفة عمليات تحرير الجنوب» محمد وردقو (صفحات مقربة منه)

ويرصد «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، على لسان مديره أشرف بوفردة، هذه الاتهامات المتكررة، ويربطها بما تردد عن حصول «غرفة عمليات تحرير الجنوب» على دعم مزعوم من جهات مرتبطة بوزارة الدفاع بـ«الوحدة الوطنية»، لكن الأخيرة تنفي ذلك.

وبحسب مصادر بحثية معنية بمتابعة تطورات الجنوب الليبي، فإن التسجيلات المصورة التي دأبت «غرفة عمليات تحرير الجنوب» على نشرها توحي بامتلاكها إمكانات لوجستية وتمويلية ليست محدودة، سواء من حيث نوعية العتاد المستخدم، أو القدرة على تنفيذ تحركات لمسافات طويلة عبر الصحراء الجنوبية.

وأضاف بوفردة موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن أحد أبرز مصادر التمويل، التي يُعتقد أن المجموعة تعتمد عليها، يتمثل في «شبكات التهريب التي تنشط في الجنوب، سواء تهريب البشر أو المخدرات»، معتبراً أن تحركاتها ترتبط أيضاً بالحفاظ على نفوذها في تلك المسارات غير المشروعة. ورأى أن التشكيلات المسلحة غير الخاضعة لسلطة الدولة، وكذلك الجماعات التي تضم «مرتزقة»، تتحرك غالباً بمنطق «المكاسب والمغانم»، وتسعى إلى تبني شعارات ثورية أو وطنية، أو تحريرية بهدف استقطاب مزيد من المؤيدين.

ولطالما تبنى متمردو «الغرفة» خطاباً يسعى إلى استقطاب دعم شعبي من مكونات الجنوب الليبي، عبر حديث مناهض لـ«الجيش الوطني»، وما يقال إنه إقصاء وتهميش يتعرض له الجنوب.

قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر (الصفحة الرسمية للقيادة العامة)

ومع استمرار العملية العسكرية لـ«الجيش الوطني»، المعروفة إعلامياً بـ«صيد العقارب»، تواصل وحدات من «اللواء 604» عمليات التمشيط والملاحقة في المناطق الحدودية. ونقلت قناة محلية عن مصدر عسكري، لم تسمه، قوله إن «القوات تمكنت من القضاء على عدد من عناصر المجموعات الأجنبية المسلحة في مواجهات مباشرة على الشريط الحدودي الجنوبي»، صباح الخميس.

وأضاف المصدر أن العملية «لا تزال مستمرة حتى تحقيق كامل أهدافها»، من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وكان نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، الفريق أول صدام حفتر، قد أعلن، خلال اجتماع الاثنين الماضي مع قيادات عسكرية في سبها، المضي في ملاحقة «العصابات الإجرامية والخارجين عن القانون» في الجنوب، مؤكداً أنها «لن تجد مكاناً أو مأوى» داخل الأراضي الليبية، دون إشارة إلى العملية الأخيرة التي دأب مقربون من الجيش على القول إنها استهدفت بوابة مهجورة.

في المقابل، واصلت الغرفة نفي تعرضها لخسائر كبيرة أو وقوع اشتباكات واسعة النطاق، وقالت إن الآليات المحترقة التي ظهرت في مقاطع مصورة تعود إلى قوات الطرف الآخر، كما أعلنت استيلاءها على أسلحة وآليات خلال عملياتها الأخيرة، مع إعادة نشر تسجيلات قالت إنها لأسرى من قوات «الجيش الوطني»، وهي مزاعم لم تؤكدها القيادة العامة للجيش.

ويعكس تجدد المواجهات استمرار التنافس على مناطق النفوذ في الجنوب الليبي، الذي يمثل منطقة ذات أهمية استراتيجية بحكم حدوده مع تشاد والنيجر والسودان، واحتضانه ثروات من بينها الذهب، فضلاً عن كونه ممراً رئيسياً للهجرة غير النظامية، وتهريب الوقود والأسلحة والبضائع.

وفي خضم الجدل الدائر والصمت الرسمي، دعا سياسيون ونشطاء إلى ضرورة صدور رواية رسمية أكثر وضوحاً بشأن ما يجري في الجنوب. وقال الناشط السياسي خالد الحجازي إن ترك المجال لمواقع التواصل الاجتماعي لتكون المصدر الرئيسي للمعلومات يفتح الباب أمام الشائعات والاستقطاب، ويزيد من حالة الانقسام.

وانتهى الحجازي إلى القول إن طبيعة المجموعة التي تواجهها قوات «الجيش الوطني» تستدعي توضيحاً رسمياً من مؤسسات الدولة، سواء كانت تمثل اعتداءً من قوات أجنبية، أو جماعات مسلحة مدعومة من الخارج، أو كانت مجموعات خارجة عن القانون، مبرزاً أنه من حق الرأي العام معرفة التوصيف القانوني والسياسي لما يجري، والإجراءات التي تتخذها الجهات المختصة.

وتعيد هذه المواجهات التوتر الأمني إلى الشريط الممتد على قرابة 340 كيلومتراً، بداية من النقطة الثلاثية مع الجزائر غرباً، بالقرب من «ممر السلفادور»، وانتهاءً عند النقطة الثلاثية مع تشاد شرقاً.