لماذا تتحول الاحتفالات الكروية في فرنسا إلى أعمال شغب؟

وزير الداخلية قال إن هناك مجموعات تستغل المناسبات لأجل التخريب... ونائب أوروبي: هذه مشكلة مجتمع!

لماذا تتحول الاحتفالات الكروية في فرنسا إلى أعمال شغب؟
TT

لماذا تتحول الاحتفالات الكروية في فرنسا إلى أعمال شغب؟

لماذا تتحول الاحتفالات الكروية في فرنسا إلى أعمال شغب؟

أعادت الاحتفالات التي رافقت تتويج باريس سان جيرمان بلقب دوري أبطال أوروبا طرح سؤال يتكرر في فرنسا كلما تحقق إنجاز كروي كبير: لماذا تتحول لحظات الفرح الجماعي أحياناً إلى أعمال شغب وعنف ومواجهات مع الشرطة؟ فبينما كان النادي الباريسي يحتفل بإنجاز أوروبي جديد، شهدت شوارع باريس ومدن فرنسية أخرى أعمال تخريب ونهب ومئات الاعتقالات وإصابات في صفوف قوات الأمن. ولم تبدُ هذه المشاهد مفاجئة لكثير من الفرنسيين، بل جاءت امتداداً لسلسلة من الأحداث التي تكررت خلال السنوات الماضية مع كل نجاح كبير يحققه باريس سان جيرمان أو المنتخب الفرنسي.

وتشير صحيفة «التلغراف» البريطانية إلى أن القضية تجاوزت حدود مباراة أو حادثة بعينها، لتصبح جزءاً من نقاش أوسع يتعلق بطبيعة المجتمع الفرنسي وقدرة الدولة على إدارة التجمعات الجماهيرية الضخمة ومنع انزلاقها إلى الفوضى. وقد تجدد هذا الجدل عندما وُجّه سؤال إلى وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز حول أسباب عدم وقوع أحداث مشابهة في لندن خلال احتفالات آرسنال بلقب الدوري الإنجليزي، في مقارنة وضعت فرنسا أمام واقع محرج، إذ شهد البلدان احتفالات جماهيرية واسعة خلال فترة زمنية متقاربة، لكن النتائج كانت مختلفة بصورة واضحة.

القضية تجاوزت حدود مباراة أو حادثة بعينها لتصبح جزءاً من نقاش أوسع يتعلق بطبيعة المجتمع الفرنسي (أ.ب)

وأوضح نونيز أن بعض المجموعات تستغل هذه المناسبات من أجل التخريب والنهب، وأن عدداً من المشاركين في التجمعات لا يحضرون للاحتفال بكرة القدم بقدر ما يسعون إلى استغلال أجواء الفوضى المصاحبة لها. إلا أن هذا التفسير لم يكن كافياً لإقناع كثير من المراقبين، خصوصاً أن حوادث مماثلة تكررت مرات عديدة خلال العقد الأخير.

وتعود جذور هذه الظاهرة إلى عام 2013 عندما توج باريس سان جيرمان بلقب الدوري الفرنسي للمرة الأولى منذ 19 عاماً. ففي الوقت الذي كان يُفترض أن تشكل المناسبة لحظة تاريخية للنادي والعاصمة، تحولت الاحتفالات إلى مواجهات بين الجماهير والشرطة أسفرت عن إصابة العشرات واعتقال عدد من الأشخاص، كما تعرضت سيارات ومتاجر لأعمال تخريب. واضطرت السلطات حينها إلى نشر مئات عناصر الشرطة للسيطرة على الوضع، فيما أقر النادي بأن الاحتفالات أفسدتها مجموعات لا علاقة لها بكرة القدم. وذهب وزير الداخلية الفرنسي آنذاك مانويل فالس إلى وصف المشكلة بأنها تعكس أزمة أعمق داخل اللعبة نفسها، قائلاً إن «كرة القدم ما زالت مريضة».

وخلال السنوات التالية لم يتراجع الجدل المرتبط بإدارة الحشود في فرنسا، بل ازداد تعقيداً مع تنامي التحديات الأمنية. فبعد الهجمات الإرهابية التي شهدتها باريس عام 2015، أصبحت أي فعالية جماهيرية ضخمة مرتبطة باعتبارات أمنية استثنائية. ثم جاءت بطولة أوروبا 2016 لتكشف مجدداً صعوبة السيطرة على بعض التجمعات الرياضية، بعدما شهدت مدن عدة أعمال عنف وصدامات بين المشجعين، ما أثار تساؤلات متجددة حول قدرة الدولة على التعامل مع الأحداث الكبرى.

احتفالات آرسنال الأخيرة استقطبت مئات الآلاف من الأشخاص في شوارع لندن لكنها لم تشهد موجة واسعة من التخريب (أ.ف.ب)

وعندما بلغ باريس سان جيرمان نهائي دوري أبطال أوروبا لأول مرة في تاريخه عام 2020، عادت مشاهد الفوضى إلى الواجهة رغم الطابع التاريخي للإنجاز الرياضي. ورأى بعض المحللين حينها أن ما جرى لا يمكن فصله عن المناخ الاجتماعي والسياسي العام في البلاد، خاصة في ظل تداعيات احتجاجات «السترات الصفراء» وما أظهرته من توترات داخل المجتمع الفرنسي.

وتفاقمت الانتقادات الموجهة إلى السلطات الفرنسية عام 2022 خلال نهائي دوري أبطال أوروبا بين ليفربول وريال مدريد على ملعب «فرنسا»، عندما اشتكى آلاف المشجعين من سوء التنظيم والتعامل الأمني، فيما أثارت صور استخدام الغاز المسيل للدموع ضد بعض الجماهير موجة انتقادات واسعة داخل أوروبا وخارجها، وتحولت القضية إلى أزمة أثرت في صورة فرنسا كدولة قادرة على تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى.

وفي خضم هذا الجدل تعددت التفسيرات السياسية والاجتماعية للظاهرة. فقد رأت مارين لوبان أن فرنسا تكاد تكون الدولة الوحيدة التي يمكن أن يؤدي فيها فوز فريق لكرة القدم إلى اندلاع أعمال شغب واسعة، معتبرة أن كثيراً من المواطنين باتوا يتجنبون الخروج خلال ليالي الاحتفالات الكبرى خوفاً من العنف. في المقابل، قدم النائب الأوروبي رافائيل غلوكسمان قراءة أكثر عمقاً، معتبراً أن هذه الأحداث تعكس توتراً متزايداً داخل المجتمع الفرنسي، الذي يعيش، بحسب وصفه، حالة من الضغط المستمر تجعل الانفجار ممكناً في أي لحظة.

أما بعض الصحافيين والمراقبين فيرون أن تحميل المسؤولية لطرف واحد لا يفسر الصورة كاملة. فمن جهة، تتعرض الشرطة الفرنسية لانتقادات متواصلة بسبب أساليبها في التعامل مع الحشود والمظاهرات، ومن جهة أخرى تواجه تحديات أمنية متراكمة تشمل الإرهاب والاحتجاجات السياسية وأعمال الشغب والأحداث الرياضية الضخمة. كما يلفتون إلى الدور الذي تلعبه الضواحي المحيطة بالمدن الكبرى، حيث ترتفع معدلات البطالة والتحديات الاجتماعية، ما يجعل المناسبات الرياضية الكبرى فرصة لتجمع أعداد كبيرة من الشباب في مراكز المدن. وغالباً ما تبدأ الأجواء احتفالية بشكل طبيعي قبل أن تتطور إلى مواجهات أو أعمال تخريب نتيجة وجود عناصر تسعى إلى إثارة الفوضى أو بسبب تصاعد التوتر بين الحشود وقوات الأمن.

وتبرز المقارنة مع إنجلترا بوصفها أحد أكثر جوانب النقاش إثارة للاهتمام. فاحتفالات آرسنال الأخيرة بلقب الدوري الإنجليزي استقطبت مئات الآلاف من الأشخاص في شوارع لندن، لكنها لم تشهد موجة واسعة من التخريب أو النهب. ولا يعني ذلك أن إنجلترا خالية من ظاهرة الشغب الكروي، لكنها أمضت عقوداً في تطوير سياسات التعامل مع الجماهير وإصلاح منظومة الأمن الرياضي بعد الأزمات التي شهدتها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وهو ما يدفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن فرنسا لا تزال تبحث عن الصيغة التي توازن بين الاحتفال الجماهيري الواسع والحفاظ على الأمن العام.

وبعد أكثر من عقد على أحداث 2013، مروراً بنهائي دوري الأبطال عام 2020 وأزمة 2022 وصولاً إلى الأحداث الأخيرة، لا تزال فرنسا عاجزة عن تقديم إجابة حاسمة للسؤال ذاته. فالتفسيرات المطروحة تتداخل بين وجود مجموعات تستغل المناسبات الجماهيرية للتخريب، وتراكم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، والتحديات المرتبطة بالضواحي، والانتقادات الموجهة إلى أساليب إدارة الحشود. ولهذا لم تعد القضية مجرد حادثة عابرة يمكن احتواؤها، بل تحولت إلى ظاهرة تتكرر مع كل إنجاز كروي كبير، ما يجعل الدولة الفرنسية مطالبة بالبحث عن حلول دائمة تضمن أن تبقى الاحتفالات الرياضية مناسبة للفرح، لا شرارة لجولة جديدة من الفوضى.


مقالات ذات صلة

تغريم أربيلوا 33 ألف دولار لانتقاده التحكيم

رياضة عالمية ألفارو أربيلوا (أ.ف.ب)

تغريم أربيلوا 33 ألف دولار لانتقاده التحكيم

فرض الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم غرامة قدرها 25 ألف جنيه إسترليني (33 ألف دولار) على المدرب الإسباني لفولهام ألفارو أربيلوا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية الفوز أو التعادل قد يمنح الناس لحظة أمل وسط الظلام (حساب النادي عبر «إكس»)

شاختار دونيتسك... بين ملاجئ الحرب وملاعب أوروبا

لا تبدو رحلة شاختار دونيتسك الأوكراني إلى لندن مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى لخوض مباراة في دوري أبطال أوروبا، بل تختصر حكاية نادٍ يحاول الحفاظ على حضوره.

شوق الغامدي (الرياض)
صحتك طرق عملية تساعد في تخفيف ألم أسفل الظهر الناتج عن الجلوس الطويل (بكسلز)

ألم أسفل الظهر بعد الجلوس طويلاً... 6 حلول من دون أدوية

لا يعني الشعور بالألم بالضرورة وجود مشكلة خطيرة، إذ يمكن تخفيفه في كثير من الحالات من خلال تعديلات بسيطة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
رياضة عالمية أوليفر باومان (حسابه على «إنستغرام»)

باومان يأمل في العودة للمنتخب الألماني

ما زال أوليفر باومان، حارس مرمى فريق هوفنهايم الألماني لكرة القدم، يأمل في أن يعود للمنتخب الألماني ويرفض الاعتزال.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت)
رياضة عالمية سيباستيان كو (أ.ف.ب)

الاتحاد الدولي لألعاب القوى: استضافة كينيا مونديال 2029 فرصة للتخلص من المنشطات

رأى رئيس الاتحاد الدولي لألعاب القوى، سيباستيان كو، أن استضافة كينيا بطولة العالم لعام 2029 ستكون فرصة للمساعدة في مكافحة آفة المنشطات.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)

تغريم أربيلوا 33 ألف دولار لانتقاده التحكيم

ألفارو أربيلوا (أ.ف.ب)
ألفارو أربيلوا (أ.ف.ب)
TT

تغريم أربيلوا 33 ألف دولار لانتقاده التحكيم

ألفارو أربيلوا (أ.ف.ب)
ألفارو أربيلوا (أ.ف.ب)

فرض الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم غرامة قدرها 25 ألف جنيه استرليني (33 ألف دولار) على ألفاروا أربيلوا المدرب الإسباني لفولهام، لقوله إن الحكام «لن يسمحوا لمانشستر يونايتد بالخسارة».

وأدلى أربيلوا بهذه التصريحات عقب تعادل فولهام مع مانشستر يونايتد 1-1 في الدوري الإنجليزي الممتاز على ملعب «كرايفن كوتيدغ» في سبتمبر (أيلول).

وسجل البرازيلي ماتيوس كونيا هدف التعادل للضيوف في الدقيقة 89.

كما تلقى أربيلوا الذي أقر بالمخالفة الموجهة إليه، تحذيراً بسبب تعليقاته لأنه «تصرف بطريقة غير لائقة من خلال الإدلاء بتصريحات في مقابلة بعد المباراة توحي بوجود تحيز أو تشكك في نزاهة أحد حكام المباراة»، وفق ما أفاد الاتحاد.

ويقبع فولهام حالياً في المركز الأخير برصيد نقطتين فقط من مبارياته الست الأولى.


شاختار دونيتسك... بين ملاجئ الحرب وملاعب أوروبا

الفوز أو التعادل قد يمنح الناس لحظة أمل وسط الظلام (حساب النادي عبر «إكس»)
الفوز أو التعادل قد يمنح الناس لحظة أمل وسط الظلام (حساب النادي عبر «إكس»)
TT

شاختار دونيتسك... بين ملاجئ الحرب وملاعب أوروبا

الفوز أو التعادل قد يمنح الناس لحظة أمل وسط الظلام (حساب النادي عبر «إكس»)
الفوز أو التعادل قد يمنح الناس لحظة أمل وسط الظلام (حساب النادي عبر «إكس»)

لا تبدو رحلة شاختار دونيتسك الأوكراني إلى لندن مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى لخوض مباراة في دوري أبطال أوروبا، بل تختصر حكاية نادٍ يحاول الحفاظ على حضوره الرياضي في ظل حرب مستمرة، جعلت اللعب على أرضه أمراً متعذراً، وحوّلت التنقلات الطويلة عبر الحدود والمطارات إلى جزء ثابت من برنامجه اليومي.

الفريق الذي يستعد لخوض مبارياته الأوروبية في العاصمة البريطانية، مستضيفاً منافسيه على ملعب «ستامفورد بريدج»، لا يملك ترف الاستقرار الذي تتمتع به الأندية الأوروبية الأخرى. فمنذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، باتت مبارياته تُصنّف على الورق مباريات بيتية تُقام خارج البلاد، فيما يتنقل لاعبوه بين أوكرانيا وبولندا ودول أوروبية أخرى، بحثاً عن ملاعب آمنة تسمح لهم بمواصلة المنافسة.

ويخوض شاختار، بقيادة مدربه أردا توران، مواجهة أمام آيك أثينا في لندن، ضمن رحلة أوروبية تحمل أبعاداً تتجاوز حسابات النقاط والتأهل. فالنادي يريد أن يبقى حاضراً في المشهد القاري، وأن يحوّل مشاركته الرياضية إلى رسالة عن قدرة الأوكرانيين على الاستمرار، رغم ظروف الحرب.

وقال توران إن اللعب على ملعب بحجم «ستامفورد بريدج» يحمل مشاعر خاصة، لكنه شدد على أن الملعب، مهما بلغت مكانته، لا يمكن أن يعوّض الفريق عن خسارة اللعب على أرضه. وأضاف أن غياب الملعب البيتي يجعل المهمة شديدة الصعوبة، إلا أن الفريق لا يزال يتمسك بحلمه وبما يملكه من قوة داخلية.

قبل الرحلة إلى لندن، كان لاعبو شاختار يعيشون يوماً عادياً، ظاهرياً، في مقر إقامتهم قرب مدينة لفيف غرب أوكرانيا. تدرب اللاعبون الذين لم يشاركوا أساسياً في المباراة السابقة، فيما تبادل توران ومدير كرة القدم داريو سرنا، المزاح على هامش الحصة التدريبية.

لكن المشهد الهادئ لم يكن سوى استراحة مؤقتة من واقع الحرب. فقد دوّت صافرات الإنذار في ساعات الفجر، لتذكّر الجميع بأن خطر الصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية لا يستثني المناطق الغربية من البلاد. وفي مباراة الفريق أمام فيريس ريفني، اضطر اللاعبون وأفراد الجهاز الفني إلى اللجوء إلى الملجأ، وتأخر انطلاق الشوط الثاني نحو 20 دقيقة.

وتكشف هذه التفاصيل عن جانب من الظروف التي يواجهها النادي، إذ لا تتوقف تداعيات الحرب عند صعوبة السفر أو غياب الملعب، بل تمتد إلى أبسط تفاصيل العمل اليومي، من التدريبات إلى الإقامة، وصولاً إلى الإجراءات الإدارية التي يحتاج إليها اللاعبون الأجانب.

وقال فيتالي كليفنيوك، مدير الإدارة الرياضية في شاختار، إن الأعباء النفسية تزداد مع مرور الوقت. وشبّه الأمر بالحرمان من النوم، موضحاً أن الجسم قد يتمكن من تجاوز ليلة واحدة بلا راحة، لكن التعب يتراكم مع تكرار التجربة، إلى أن يصبح الضغط النفسي أكثر صعوبة من الإرهاق البدني.

وأضاف أن مكتبه تحوّل، على حد وصفه، إلى غرفة لإدارة الأزمات، بسبب المشكلات المفاجئة التي تظهر باستمرار. وخلال الاستعداد للرحلة الأخيرة، واجه النادي تعقيدات إدارية بعدما توقّف نظام إصدار تصاريح الإقامة الجديدة للاعبين والعاملين الأجانب، إثر تعرض أنظمة في كييف لأضرار نتيجة القصف الروسي.

9 ساعات من السفر قبل الوصول إلى لندن

بدأت رحلة الفريق بمغادرة مقر إقامته قرب لفيف في قافلة من السيارات الصغيرة، تُقلّ كل واحدة منها أربعة أو خمسة أشخاص، قبل التوجه إلى معبر كراكوفيتس الحدودي مع بولندا.

واستغرقت الرحلة إلى المعبر أقل من ساعتين، ثم احتاج اللاعبون والوفد إلى نحو ساعة وربع ساعة لإنهاء الإجراءات على جانبي الحدود. وبعد ذلك، واصل الفريق طريقه عبر الأراضي البولندية إلى مطار جيشوف، حيث واجهت البعثة مشكلة أخرى تتعلق بتصريح دخول أحد اللاعبين إلى المملكة المتحدة، بعدما أخفق النظام الإلكتروني في مطابقة بيانات جواز سفره. ولم تُحل المشكلة إلا قبل موعد الصعود إلى الطائرة بنحو نصف ساعة.

ووصلت البعثة إلى لندن بعد رحلة استغرقت نحو تسع ساعات منذ مغادرتها مقر الإقامة في أوكرانيا، في رحلة وصفها اللاعبون بأنها من الرحلات الأقل صعوبة مقارنةً بتجارب سابقة.

ويقول المهاجم البرازيلي كاوا إلياس، إنه لم يكن يدرك حجم التحديات المرتبطة بالسفر عندما انضم إلى النادي، لكنه اعتاد الأمر مع مرور الوقت. وأوضح أن وجود عدد كبير من اللاعبين البرازيليين يساعده على التأقلم، مشيراً إلى أنهم يجتمعون أسبوعياً في لفيف لإعداد وجبات الشواء البرازيلية وتخفيف وطأة الظروف الاستثنائية التي يعيشونها.

أما داريو سرنا، فيرى أن حجم المعاناة لا يمكن فهمه بالكامل من خارج التجربة. وأشار إلى أن الفريق مطالَب بخوض 9 مباريات خلال 29 يوماً، بينها ثلاث مباريات في دوري أبطال أوروبا، فضلاً عن الرحلات المتكررة للعودة إلى أوكرانيا لخوض المنافسات المحلية.

وتفرض هذه الظروف تحدياً إضافياً على الجهاز الفني بقيادة توران، الذي يتعين عليه الموازنة بين متطلبات المنافسة الأوروبية، والاستعداد للمباريات المحلية، والحفاظ على الجاهزية البدنية والذهنية للاعبين.

منذ توليه قيادة شاختار في مايو (أيار) 2025، حاول أردا توران بناء علاقة تتجاوز الإطار المهني التقليدي مع لاعبيه، مستنداً إلى شخصية عاطفية وحضور قوي، وإلى قناعة بأن دور النادي في زمن الحرب لا يقتصر على النتائج.

ويؤكد المدرب التركي أنه أصبح جزءاً من عائلة شاختار وقصتها، وأن رؤية الأطفال وهم يبتسمون عند لقاء الفريق تمنحه شعوراً بأن وجوده قد يحمل قيمة تتجاوز كرة القدم.

وقال توران إن رفع صوت الشعب الأوكراني والتذكير بمعاناته يمثلان جزءاً من مسؤوليته، مؤكداً أن الفريق لن يقبل بأن تتحول الحرب إلى واقع طبيعي يُسلّم به الجميع.

ويمتلك توران، الذي سبق له التألق لاعباً مع أتلتيكو مدريد، ذكريات خاصة في مواجهة تشيلسي على ملعب «ستامفورد بريدج». فقد سجل هدفاً في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2014، عندما نجح الفريق الإسباني في تقديم أداء قوي خارج ملعبه.

ويستحضر المدرب تلك التجربة خلال وجوده الحالي في لندن، وإن كانت الظروف مختلفة تماماً هذه المرة. فبدلاً من خوض مواجهة أوروبية بصفته لاعباً يسعى إلى بلوغ النهائي، يعود إلى الملعب ذاته مدرباً لفريق يحمل معه معاناة بلد بأكمله.

اختار شاختار دونيتسك ملعب «ستامفورد بريدج» لاستضافة مبارياته الأوروبية هذا الموسم، بعد المفاضلة بين ثلاثة ملاعب في لندن. ويأمل النادي في حضور ما لا يقل عن 25 ألف مشجع لمباراته أمام آيك أثينا، ضمن سلسلة من المواجهات التي تتضمن زيارة ريال مدريد في يناير (كانون الثاني) المقبل.

ولا تقتصر صلات النادي بالعاصمة البريطانية على كرة القدم؛ إذ أسهمت شركة «ميت إنفست»، الشقيقة لإحدى الشركات المرتبطة بمالك النادي، في توفير خمسة آلاف طن من الفولاذ المستخدم في بناء برج «ذا شارد»، أحد أبرز معالم لندن المعمارية.

كما يرتدي اللاعبون قمصاناً تحمل رسالة حملة «استثمروا في أوكرانيا»، في محاولة لربط حضور الفريق الرياضي بدعوات دعم البلاد.

وعلى الصعيد الفني، يسعى شاختار إلى تعزيز فرصه في بلوغ الملحق المؤهل إلى الأدوار الإقصائية، بعد تعادله مع آيندهوفن الهولندي في الجولة الافتتاحية من مشواره الأوروبي.

لكنّ داريو سرنا يرى أن قيمة الحضور الجماهيري تتجاوز النتيجة، قائلاً إن مساندة شاختار تعني أيضاً مساندة أوكرانيا، في وقت يعيش فيه المواطنون تحت أصوات صفارات الإنذار والقصف.

وأضاف أن الفريق يريد أن يثبت للعالم أنه لا يزال حياً وقوياً وموحداً، وأنه سيواصل القتال حتى النهاية.

وبالنسبة إلى لاعبي شاختار، فإن هذه الرسالة لا تلغي الإرهاق ولا تختصر المسافات. فبعد نهاية المباراة في لندن، سيكون عليهم العودة إلى أوكرانيا والاستعداد لمواجهة كولوس كوفاليفكا في الدوري المحلي، يوم السبت.

إنها دورة متكررة من السفر واللعب والعودة، لا يبدو أن لها نهاية قريبة، في ظل استمرار الحرب واستحالة استضافة المباريات الأوروبية داخل البلاد.

ومع ذلك، يصر النادي على مواصلة المشوار. ويختصر كليفنيوك فلسفة الفريق بالقول إن هناك مواطنين أوكرانيين يعيشون ظروفاً أشد قسوة من ظروف اللاعبين والعاملين في النادي، وإن معرفة أن الفوز أو التعادل قد يمنح الناس لحظة أمل وسط الظلام تجعل الاستمرار أمراً يستحق كل هذا العناء.

بالنسبة إلى شاختار دونيتسك، لم تعد كرة القدم مجرد منافسة على الألقاب؛ إنها محاولة للحفاظ على شيء من الحياة الطبيعية، ورسالة بأن الحرب، مهما طالت، لم تنتزع من الفريق رغبته في اللعب، ولا من جماهيره قدرتها على الأمل.


باومان يأمل في العودة للمنتخب الألماني

أوليفر باومان (حسابه على «إنستغرام»)
أوليفر باومان (حسابه على «إنستغرام»)
TT

باومان يأمل في العودة للمنتخب الألماني

أوليفر باومان (حسابه على «إنستغرام»)
أوليفر باومان (حسابه على «إنستغرام»)

ما زال أوليفر باومان، حارس مرمى فريق هوفنهايم الألماني لكرة القدم، يأمل في أن يعود للمنتخب الألماني، ويرفض الاعتزال.

وقال باومان، لشبكة «آر تي إل» قبل مواجهة بشكتاش، في «الدوري الأوروبي»، غداً الخميس: «الأمر يتعلق بالسن والتغيير، لكن يورغن كلوب لم يغلق الباب. لهذا السبب لن أعتزل».

وكان باومان يشير إلى المحادثة التي أجراها مع كلوب، الذي تولّى تدريب المنتخب الألماني، بعد المشاركة المخيِّبة للآمال للفريق في «كأس العالم» التي أقيمت في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) الماضيين.

وتابع باومان: «كالمعتاد، أحاول أن أقدم أفضل أداء هنا، وأن ألعب في المستوى الذي يؤهلني للعب في المنتخب الوطني».

وأضاف: «أشعر بأنني جاهز بما يكفي لمساعدة المنتخب الأول. ثم، بالطبع، سأترك القرار للمدير الفني».

وكان باومان الحارس الأساسي للمنتخب الألماني في التصفيات المؤهلة للمونديال، لكن المدرب السابق للمنتخب يوليان ناغلسمان قرر إقناع مانويل نوير بالعدول عن اعتزاله الدولي للمشاركة في البطولة التي استضافتها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.

وأكد باومان أنه على علاقة طيبة مع ناغلسمان: «ليست لديَّ أي مشكلة، على الإطلاق، مع يوليان، نحن نتفاهم بشكل جيد للغاية، حتى إننا تحدثنا بعد كأس العالم».

واستطرد: «كان كل شيء على ما يرام حقاً. بالطبع، آلمني القرار وأثار غضبي، كما أنني لم أفهمه أيضاً. وهو يدرك ذلك كله، وقد تواصلنا بوضوح بشأنه».

وودّع المنتخب الألماني كأس العالم من دور الـ32 في يونيو، واستقال ناغلسمان. واختار كلوب، حليفة ناغلسمان، أول قائمة له، وكانت مكونة من 44 لاعباً؛ وذلك لخوض مباريات في دوري أمم أوروبا، لكن باومان (36 عاماً) لم يكن بها.