«لعنة القيادة» تلاحق عملاق النفط البريطاني «بي بي»

أطاحت بـ4 قادة في 3 سنوات وتحوّلت إلى حلبة صراع بين «الحوكمة» وصناديق التحوط

لافتة في محطة وقود «بي بي» في لندن (إ.ب.أ)
لافتة في محطة وقود «بي بي» في لندن (إ.ب.أ)
TT

«لعنة القيادة» تلاحق عملاق النفط البريطاني «بي بي»

لافتة في محطة وقود «بي بي» في لندن (إ.ب.أ)
لافتة في محطة وقود «بي بي» في لندن (إ.ب.أ)

تُمثّل الإقالة الصاعقة، وبأثر فوري، لرئيس مجلس إدارة شركة «بي بي»، ألبرت مانيفولد، ذروة مشهد دراماتيكي يعيد تسليط الضوء على معضلة الاستقرار المؤسسي داخل أحد أكبر عمالقة الطاقة في العالم. ففي توقيت حساس كانت تحاول فيه المجموعة النفطية التقاط أنفاسها التشغيلية والارتداد من سنوات الأداء المالي المتعثر، جاء قرار الإطاحة بمهندس هيكلتها القيادية الأخيرة ليفتح صفحة جديدة من «لعنة الإدارة» التي أحرقت أربعة قادة في غضون ثلاث سنوات؛ مما يضع آليات الحوكمة وصناعة القرار داخل قاعة المجلس تحت مجهر المستثمرين والأسواق العالمية، ويهدد بنسف الاستقرار الإداري الهش في ذروة طفرة طارئة لأسعار الطاقة.

وتأتي هذه الخطوة المفاجئة التي فجّرت أزمة قيادة جديدة داخل كواليس قطاع الطاقة العالمي، بعد أن صوّت مجلس إدارة عملاق النفط البريطاني بالإجماع على عزل مانيفولد جراء «مخاوف جسيمة وقوية» تتعلق بمعايير الحوكمة والإشراف والسلوك الشخصي، لتمدد وتعمق وتيرة الاضطرابات العنيفة التي تعصف بالمجموعة، مكرسةً التعثر الاستراتيجي الذي طال أمدُه.

رئيس مجلس إدارة «بي بي» المقال ألبرت مانيفولد (الشركة)

وفي هذا السياق، أفصحت أماندا بلانك، من كبار المديرين المستقلين في شركة «بي بي»، عبر بيان رسمي عن كواليس القرار قائلة: «لقد فوجئ مجلس الإدارة وأصيب بخيبة أمل شديدة بعد علمه بوجود مشكلات تتعلق بالإشراف على الحوكمة والسلوك، والتي نعتبرها غير مقبولة بتاتاً، لذا اتخذنا إجراءات حاسمة وقاطعة». وفور صدور هذا الموقف، تلقت أسواق المال الصدمة بقوة؛ حيث هوت أسهم شركة «بي بي» في بورصة لندن بنحو 9 في المائة فور الإعلان الأولي، قبل أن تقلص خسائرها اللاحقة لتغلق متراجعة بنحو 4 في المائة بحلول منتصف النهار.

كواليس الإطاحة

ورغم أن البيانات الرسمية لم تفصح عن التفاصيل الدقيقة، فإن مصادر قريبة من الشركة كشفت لـ«بلومبرغ» و«رويترز» أن قرار الطرد جاء عقب تلقي مجلس الإدارة شكاوى متعددة من «المبلغين عن المخالفات»، رصدت سلوكاً إدارياً يوصف بـ «العدائي والعدواني الحاد» من قبل مانيفولد (63 عاماً) تجاه الموظفين والزملاء، فضلاً عن اتهامات بإساءة إدارة المعلومات الحساسة ومحاولة تجاوز صلاحيات المجلس، إلى جانب استخدامه حسابات وأجهزة إلكترونية شخصية لإدارة أعمال الشركة الرسمية في خرق صريح لسياسات الامتثال المعتمدة.

في المقابل، خرج مانيفولد عن صمته في بيان شديد اللهجة وزعته وكالة علاقات عامة، نافياً الاتهامات جملة وتفصيلاً، ومؤكداً أنه لم يتلقَّ أي تحذير أو تلميح مسبق. ودافع مانيفولد عن خططه الرامية لخفض التكاليف وتبسيط المحفظة الاستثمارية قائلاً: «هل من الممكن أن أكون قد مارست ضغوطاً قوية وتحديت أشخاصاً بشكل مباشر بدافع إصراري على قيادة التغيير في التكاليف، والأداء، والميزانية العمومية؟ نعم، هذا ممكن.. ولكن هناك فرق شاسع بين إدارة مؤسسة بحزم والصورة النمطية التي تُروج لسلوكي حالياً».

وتحدّى مانيفولد كواليس الشركة متسائلاً عن كيفية اتهامه بمحاولة الهيمنة والعمل كـ«رئيس تنفيذي فعلي» في حين أنه لم يزُر مقر الشركة في لندن سوى 13 يوماً فقط منذ مطلع عام 2026. وفي محاولة لرد الاعتبار، أشار إلى تقشفه الشخصي قائلاً: «لم أكن مهتماً بالطيران الخاص أو تذاكر مباريات الشركات، كنت أصنع قهوتي بنفسي وأشتري غدائي من المقهى المحلي وأجلس في مكتب صغير رافضاً المكاتب الفاخرة للرؤساء السابقين». واختتم بيانه بالإعلان عن توكيل مكتب المحاماة الشهير «ميشكون دي ريا» لمقاضاة الشركة ومواجهة ما وصفه بـ«الأكاذيب التي يختبئ أصحابها خلف جدار السرية».

تاريخ من الاضطرابات الهيكلية

ويكشف تحليل لـ«بلومبرغ» أن ما يحدث في «بي بي» ليس مجرد سوء حظ عابر، بل هو انعكاس لأزمة هيكلية عميقة في كيفية إدارة مجلس الإدارة لدفة القيادة؛ إذ عانت الشركة على مدار الـ 25 عاماً الماضية من اضطرابات مزمنة ارتبطت جلّها بالأزمات؛ بداية من استقالة جون براون عام 2007، مروراً بالإطاحة بطوني هيوارد عقب كارثة تسرب النفط في خليج المكسيك عام 2010، وصولاً إلى الحقبة الاستقرارية الوحيدة التي صنعها بوب ددلي وغادر بعدها بشروطه الخاصة.

إلا أن هذا الاستقرار انهار تماماً في غضون السنوات الثلاث الأخيرة فقط (بين 2023 و2026)، وهي الفترة العاصفة التي شهدت المقصلة الإدارية فيها الإطاحة بأربعة من كبار قادة المجموعة قسراً في تتابع سريع؛ إذ سقط برنارد لوني عام 2023 في فخ الاستقالة المفاجئة بسبب علاقاته الشخصية غير المفصح عنها، ثم لحقه النرويجي هيلغي لوند الذي تنحى من رئاسة المجلس عام 2025 بضغط من المساهمين، ليتبعه في مطلع عام 2026 إزاحة الرئيس التنفيذي موراي أوشينكلوس لفتح الطريق أمام استقطاب ميغ أونيل، وصولاً إلى قرار الإقالة الفورية والمدوية لألبرت مانيفولد اليوم بعد أشهر وجيزة من تعيينه.

الرئيس التنفيذي السابق موراي أوشينكلوس (أ.ف.ب)

«إيليوت» تحكم من الخلف

ورغم هذا التعاقب الإداري المتسارع الذي جعل الشركة تغير ستة قادة في أقل من ثلاث سنوات، يرى الخبراء في «سيتي غروب» و«بلومبرغ» أن الجدوى الاستثمارية لشركة «بي بي» قد تنجو من هذه المقصلة بفضل عاملين لا علاقة للإدارة الحالية بهما؛ الأول هو صندوق التحوط الأميركي الشرس «إيليوت إنفيستمنت مانجمنت» (Elliott)، الذي دخل بقوة على خط المساهمين وفرض استراتيجية صارمة تركز على ما يدر الأموال والتراجع عن الرهانات الخضراء غير المربحة التي تبناها لوني بين 2020 و2023 وأتت على 86 في المائة من صافي أرباح الشركة السنوية في عام 2025.

أما العامل الثاني، فهو البيئة الجيوسياسية المشتعلة؛ إذ تسببت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في تحليق أسعار خام برنت لتلامس حاجز الـ 100 دولار للبرميل (بمتوسط 88 دولاراً منذ مطلع 2026 مقارنة بـ 68 دولاراً في 2025). ووفقاً للحسابات الرقمية، فإن كل دولار زيادة في سعر البرميل يضخ نحو 340 مليون دولار إضافية في الأرباح التشغيلية لـ «بي بي»، مما يعني عائداً سنوياً إضافياً غير متوقع بقيمة 6.8 مليار دولار. هذه الطفرة النفطية وتعاظم هوامش التكرير سيمكنان الشركة من تقليص ديونها الصافية البالغة 25.3 مليار دولار لتصل إلى مستهدفاتها (بين 14 و18 مليار دولار) بحلول نهاية العام الحالي، أي قبل عام كامل من الجدول الزمني المحدد سابقاً.

المرأة الحديدية في مواجهة الساعة

وبموجب هذه المقصلة المفاجئة، أعلنت «بي بي» عن تعيين عضو مجلس الإدارة إيان تايلر رئيساً مؤقتاً لمجلس الإدارة حتى اختيار بديل دائم، مؤكدة أن الاستراتيجية التشغيلية لن تتغير.

وفي المقابل، تخرج الرئيسة التنفيذية الجديدة ميغ أونيل (القادمة من «وودسايد إنرجي» الأسترالية كأول امرأة وأول عنصر خارجي يقود الشركة عبر تاريخها) الرابح الأكبر والوحيد من هذه الأزمة؛ حيث تخلصت من هيمنة مانيفولد الذي عينها في مطلع أبريل (نيسان) الماضي وكان يتصرف كـ«رئيس تنفيذي فعلي»، وباتت الآن الحاكم المطلق للشركة بعد أن صوّتت بنفسها لصالح قرار إقالته.

الرئيسة التنفيذية لـ«بي بي» ميغ أونيل (رويترز)

لكن «المرأة الحديدية» تقف الآن وحيدة في مواجهة عقارب الساعة وضغوط صناديق التحوط الشرسة؛ حيث أبلغت أونيل المستثمرين سراً بأنها ستعلن عن مراجعتها الاستراتيجية الشاملة في شهر سبتمبر (أيلول) أو أكتوبر (تشرين الأول) المقبلين. وسيكون عليها اتخاذ قرارات مؤلمة وسريعة تشمل تسييل وإعادة هيكلة الأصول التي لا تتوافق مع العودة للنفط - مثل بيع شركة «لايت سورس» للطاقة الشمسية و«أركيا» للغاز الحيوي - إلى جانب إقرار تخفيضات حادة وواسعة في التكاليف تشمل تسريح مئات الموظفين في المقر الرئيسي بلندن، وبيع أجزاء ضخمة من شبكة محطات الوقود التابعة لها حول العالم لجمع مليارات الدولارات وإعادتها للمساهمين.

في نهاية المطاف، فإن لغة الأرقام في أسواق المال لا تلتفت كثيراً للدراما الإدارية؛ وفجوة التقييم الحالية التي يتداول بها سهم «بي بي» بخصم يبلغ 5 في المائة مقارنة بمنافستها الكبرى «شل»، قد تحول السهم إلى فرصة جاذبة للمستثمرين لإعادة الشراء وبناء المراكز، طالما أن طفرة أسعار النفط العالمية المغذاة بالمخاطر الجيوسياسية الراهنة تضمن استمرار التدفقات النقدية القوية والتوزيعات السخية للمساهمين.


مقالات ذات صلة

العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

الاقتصاد عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)

العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

أكد وزير النفط باسم محمد خضير، السبت، أن الوزارة لديها خطط جديدة على مستوى مد الأنابيب والتصدير وتطوير الأسطول النفطي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد يرى الرئيس البرازيلي اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا أن بلاده تحتاج إلى إيرادات النفط لتمويل عملية التحول في مجال الطاقة (رويترز)

«بتروبراس» البرازيلية ترصد مؤشرات على وجود نفط قبالة سواحل الأمازون

أعلنت شركة النفط البرازيلية العملاقة «بتروبراس» أنها رصدت مؤشرات على وجود نفط قبالة سواحل منطقة الأمازون في البلاد.

«الشرق الأوسط» (ريو دي جانيرو)
الاقتصاد أشخاص يزودون دراجاتهم النارية بالوقود في إحدى المحطات بأحمد آباد بالهند (رويترز)

الهند تخفض الرسوم الجمركية على الوقود

خفضت الهند رسوم التصدير على الديزل والجازولين ووقود الطائرات بداية من منتصف أغسطس (آب) الجاري، وحتى نهاية الشهر، بحسب بيان حكومي.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

العقود الآجلة الأميركية تستقر قرب مستويات قياسية وسط ارتفاع النفط

اتسمت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية بالاستقرار إلى حد كبير يوم الجمعة، بعد يوم من إغلاق مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» عند مستوى قياسي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد من داخل بورصة نيويورك (أ.ب)

«وول ستريت» تقترب من قمم قياسية جديدة مع انحسار التضخم وتراجع النفط

اقتربت الأسهم الأميركية من تسجيل مستويات قياسية جديدة يوم الخميس، بعد صدور مؤشرات إضافية على تراجع حدة التضخم...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
TT

السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)

في وقت تزداد فيه حالة عدم اليقين التي تحيط بالاقتصاد العالمي، على وقع تداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز، والمخاطر التي تواجه الملاحة في عدد من الممرات البحرية الحيوية، تكثّف السعودية مبادراتها الإقليمية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، انطلاقاً من رؤية تربط بين خفض المخاطر الجيوسياسية وتهيئة البيئة اللازمة للنمو والتنمية وجذب الاستثمارات.

ويبرز في هذا السياق «اتفاق مكة» بين السعودية وتركيا وباكستان، بوصفه إحدى المبادرات التي يعوّل عليها مختصون في تعزيز الاستقرار الإقليمي، ورفع مستوى الثقة بالبيئة الاقتصادية والاستثمارية، في منطقة تحتل موقعاً محورياً في أسواق الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

ويرى مختصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن التحركات السعودية لا تنفصل عن استراتيجية أوسع تستهدف بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الصدمات، مؤكدين أن تعزيز الأمن ينعكس بصورة مباشرة على استدامة إمدادات الطاقة وسلامة طرق الملاحة وحركة التجارة والاستثمار، ويمهد في الوقت نفسه لتوسيع نطاق التكامل الاقتصادي والمشروعات المشتركة بين دول المنطقة.

كما أشاروا إلى أن أهمية المبادرات السعودية تتجاوز الأبعاد الأمنية المباشرة إلى دعم مسار التنمية، من خلال خفض مستويات المخاطر، وتعزيز اليقين لدى المستثمرين، وتهيئة المجال أمام شراكات جديدة في قطاعات الطاقة والصناعة والتقنية والتعدين والخدمات اللوجستية والصناعات الدفاعية.

استقرار إمدادات الطاقة والملاحة

وقال عضو مجلس الشورى، فضل بن سعد البوعينين، لـ«الشرق الأوسط»، إن المبادرات التي تتبناها السعودية، وفي مقدمتها «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وباكستان وتركيا، يمكن أن تنعكس آثارها على الاقتصاد العالمي والأمن الغذائي والتجارة الدولية، بالنظر إلى الثقل الاقتصادي والاستراتيجي للمنطقة.

وأضاف أن المنطقة تصدّر ما يقارب خُمس احتياجات العالم من النفط، إلى جانب الغاز والمغذيات الزراعية، ما يجعل استقرارها وأمنها عاملَين أساسيين في ضمان استمرارية إمدادات الطاقة وسلامة خطوط الملاحة البحرية.

وأوضح البوعينين أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يولي التنمية الاقتصادية أهمية كبيرة بوصفها قاعدة لازدهار الشعوب والدول، مع التركيز على تدفق الاستثمارات بوصفه أحد محركات التنمية، بالتوازي مع تعزيز قدرات المملكة في قطاع الطاقة والمحافظة على مكانتها المؤثرة في منظومة الإمدادات العالمية.

ويرى أن المساعي السعودية تستهدف تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة بما ينعكس إيجاباً على اقتصاد المملكة واقتصادات دولها، مشيراً إلى أن التنمية تحتاج إلى قاعدة مستقرة يمكن البناء عليها، وأن الاتفاق الدفاعي يُسهم في تعزيز الردع وخفض المخاطر التي يمكن أن تؤثر في النشاط الاقتصادي.

ولفت إلى أن المستثمرين يضعون استقرار البيئة الاستثمارية ضمن أولوياتهم عند اتخاذ القرارات، وبالتالي فإن تعزيز الأمن الإقليمي ووضوح الرؤية الاقتصادية يمثّلان عاملين داعمين لجاذبية السوق السعودية، في ظل ما توفره من فرص استثمارية متنوعة.

وحسب البوعينين، فإن «اتفاق مكة» يبعث برسائل طمأنة إلى المستثمرين المحليين والأجانب، كما يعزز الثقة باستدامة إمدادات الطاقة وحماية المنشآت الحيوية، وهو ما يمكن أن ينعكس على وتيرة المشروعات وتدفقات الاستثمار والتبادل التجاري.

وأكد أن السعودية تراهن على «رؤية 2030» وبرامجها التنموية التي تتطلّب استثمارات كبيرة، ما يجعل رفع مستوى اليقين الاقتصادي وخفض الضبابية الجيوسياسية عنصراً مهماً لدعم تدفقات رؤوس الأموال وتنفيذ المشروعات.

وأضاف أن تعزيز منظومة الأمن الإقليمي من شأنه تشجيع المستثمرين على اقتناص الفرص والمشاركة في المشروعات التنموية، مع امتداد الآثار الإيجابية إلى اقتصادات المنطقة عموماً، وليس الاقتصاد السعودي فحسب.

وأشار البوعينين إلى أن توقيع الاتفاق بعد سنوات من المباحثات يعكس عمق العلاقات بين السعودية وتركيا وباكستان، ويفتح المجال أمام مرحلة أوسع من التعاون، بما يدعم جهود إرساء الأمن والاستقرار والازدهار.

ويرى أن التحركات التي يقودها ولي العهد السعودي أسهمت في تعزيز دور الدبلوماسية والحوار السياسي في التعامل مع أزمات المنطقة، إلى جانب توحيد الجهود في مواجهة التحديات، بما يدعم الأمن والاستقرار ويوفر أرضية أكثر صلابة للبرامج الاقتصادية والتنموية.

تكامل اقتصادي يتشكل

من جهته، قال رجل الأعمال السعودي عبد الله بن زيد المليحي، الرئيس التنفيذي لشركة «التميز» السعودية القابضة للتقنية، إن السعودية تواصل العمل على تعزيز الثقة بالاقتصادَيْن المحلي والإقليمي، مشيراً إلى أن «اتفاق مكة» يأتي ضمن المبادرات التي يمكن أن تعزّز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً، وتفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون والتكامل الاقتصادي.

وأوضح المليحي لـ«الشرق الأوسط» أن الخطوات السعودية لتعزيز الأمن والاستقرار تنعكس على البيئة الاقتصادية والاستثمارية، لافتاً إلى أن التقارب السعودي-التركي-الباكستاني يوفّر أرضية لتطوير العمل المشترك سياسياً واقتصادياً ودفاعياً وبشرياً.

وأضاف أن المملكة رسخت دورها بوصفها قوة سياسية واقتصادية مؤثرة، من خلال بناء شراكات استراتيجية تستهدف تحقيق المصالح المشتركة ودعم أمن المنطقة واستقرارها.

ويرى المليحي أن استراتيجية السعودية القائمة على تعزيز الاستقرار وبناء شراكات طويلة الأجل تساعد في توفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمارات، وتفتح فرصاً أمام القطاع الخاص في الصناعة والتقنية والطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية والصناعات الدفاعية والتجارة.

وأشار إلى أن السعودية تمتلك اقتصاداً كبيراً وموقعاً جغرافياً استراتيجياً وبرامج تحول طموحة ضمن «رؤية 2030».

وقال إن التقارب السياسي والأمني يمكن أن يتطور إلى شراكات اقتصادية أوسع يستفيد منها المستثمرون ورجال الأعمال، ولا سيما عبر المشروعات المشتركة ونقل المعرفة والتقنية وتوطين الصناعات وزيادة حجم التبادل التجاري.

وأكد المليحي أن الاقتصاد والتنمية والمواطن هم المستفيدون بصورة مباشرة من استقرار المنطقة، مشيراً إلى أن قوة المملكة السياسية وشراكاتها المتوازنة تمنح القطاع الخاص مزيداً من الثقة، وتعزز قدرتها على استقطاب رؤوس الأموال والتقنيات والشراكات الدولية.

وخلص إلى أن السعودية تتحرك وفق رؤية تجمع بين حماية مصالحها وتعزيز أمنها وبناء اقتصاد المستقبل، معتبراً أن «اتفاق مكة» يعزّز موقع المملكة في صياغة معادلات الأمن والتنمية والتعاون الإقليمي.

الطريق إلى التنمية المستدامة

بدوره، قال رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية في جازان، الدكتور عبد الرحمن باعشن، لـ«الشرق الأوسط»، إن السعودية تعزّز موثوقيتها الدولية من خلال تبني مبادرات تستهدف خفض المخاطر ودعم الاستقرار، ومن بينها «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي يرى أنه يمكن أن يُسهم في رفع مستوى اليقين الاقتصادي في المنطقة، بعد التداعيات التي خلفتها الحرب الأميركية-الإيرانية والتوترات في مضيق هرمز.

وأضاف باعشن أن النهج السعودي القائم على الجمع بين التحرك السياسي والأمني والاقتصادي يدعم حالة التوازن الإقليمي، ويعزّز الثقة بالاقتصاد السعودي وبيئة الأعمال في المنطقة، وهو ما يمكن أن ينعكس على مستويات التجارة والاستثمار والشراكات الدولية، خصوصاً مع الدور المحوري للمملكة في أسواق الطاقة العالمية.

وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة نشاطاً أكبر في الحركة التجارية والاستثمارية، ولا سيما في الصناعات التقنية المرتبطة بالدفاع، بالتوازي مع توسع الشراكات الاستراتيجية مع الدول التي تمتلك خبرات وقدرات متقدمة في هذه المجالات.

ويرى باعشن أن الاتفاق يمكن أن يوفّر مظلة داعمة لإطلاق مشروعات ومبادرات اقتصادية نوعية بين السعودية وتركيا وباكستان، وأن يمتد أثرها إلى شركائها الدوليين، بما يضع أسساً أوسع للتكامل الاقتصادي والتنمية المستدامة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد.

وأشار إلى أن تطوير الشراكات في مجالات الصناعة والتقنية والطاقة وسلاسل الإمداد والبنية التحتية والنقل يمكن أن يحول التقارب الاستراتيجي بين الدول الثلاث إلى فرص اقتصادية ملموسة، ويزيد قدرة المنطقة على مواجهة الاضطرابات الخارجية.

وأكد أن جوهر المبادرات السعودية يتمثل في الربط بين الأمن والتنمية؛ إذ إن خفض التوترات وتعزيز استقرار المنطقة لا يقتصر أثرهما على الجانب السياسي، وإنما يمتد إلى حماية حركة التجارة وإمدادات الطاقة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوفير قاعدة أكثر استدامة للنمو الاقتصادي الإقليمي.


العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
TT

العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)

أكد وزير النفط، باسم محمد خضير، السبت، أن الوزارة لديها خطط جديدة على مستوى مد الأنابيب والتصدير وتطوير الأسطول النفطي.

وقال وزير النفط في مؤتمر صحافي، وفقاً لـ«وكالة الأنباء العراقية»، إن «هدف الوزارة هو تطوير قطاع التصفية (المصافي) وتصدير المنتجات»، مشيراً إلى أنه «سيتم إغلاق ملف حرق الغاز نهاية 2029».

وأكمل: «لدينا خطط عديدة على مستوى مد الأنابيب والتصدير وتطوير الأسطول النفطي... سيكون هناك افتتاح لعدة مشروعات خلال الأيام المقبلة، وبدعم حكومي».

وأوضح أن «الاستثمار في العراق من قِبَل الشركات الأجنبية سيوفر عائدات مالية كبيرة ويقلل البطالة».


صناديق الأسهم العالمية تسجل تدفقات للأسبوع الـ12 على التوالي

أحد المتداولين يعمل خلال جلسة التداول في بورصة نيويورك فيما تبث الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي عقب إعلان سعر الفائدة يوم الأربعاء 29 يوليو الماضي (رويترز)
أحد المتداولين يعمل خلال جلسة التداول في بورصة نيويورك فيما تبث الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي عقب إعلان سعر الفائدة يوم الأربعاء 29 يوليو الماضي (رويترز)
TT

صناديق الأسهم العالمية تسجل تدفقات للأسبوع الـ12 على التوالي

أحد المتداولين يعمل خلال جلسة التداول في بورصة نيويورك فيما تبث الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي عقب إعلان سعر الفائدة يوم الأربعاء 29 يوليو الماضي (رويترز)
أحد المتداولين يعمل خلال جلسة التداول في بورصة نيويورك فيما تبث الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي عقب إعلان سعر الفائدة يوم الأربعاء 29 يوليو الماضي (رويترز)

اجتذبت صناديق الأسهم العالمية تدفقات استثمارية للأسبوع الثاني عشر على التوالي حتى 12 أغسطس (آب)، مدعومة بالتفاؤل بشأن موسم أرباح قوي وبيانات أظهرت نمواً أضعف من المتوقع في الوظائف الأميركية وتراجع التضخم، ما خفف توقعات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة.

وأظهرت بيانات «إل إس إي جي» أن المستثمرين ضخوا صافي 18.62 مليار دولار في صناديق الأسهم العالمية خلال الأسبوع، متجاوزين قليلاً صافي التدفقات البالغ 17.27 مليار دولار في الأسبوع السابق.

وارتفع مؤشر «إم إس سي آي» العالمي للأسهم، الذي سجل مستوى قياسياً عند 1163.05 نقطة يوم الأربعاء، بنسبة 2.85 في المائة الأسبوع الماضي، مسجلاً أفضل أداء أسبوعي له منذ 17 أبريل (نيسان)، بدعم من نتائج قوية لشركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل «كاتربيلر» و«بالانتير».

وعلى المستوى الإقليمي، اجتذبت صناديق الأسهم الأوروبية 13.52 مليار دولار، وهو أكبر صافي تدفق أسبوعي لها منذ 8 يوليو (تموز). كما سجلت صناديق الأسهم الأميركية والآسيوية تدفقات بلغت 2.58 مليار دولار و4.13 مليار دولار على التوالي.

في المقابل، سحب المستثمرون نحو 1.7 مليار دولار من صناديق قطاع التكنولوجيا، منهين بذلك سلسلة من صافي التدفقات الداخلة استمرت ستة أسابيع. ومع ذلك، ضخ المستثمرون 1.6 مليار دولار في صناديق أسهم الذهب والمعادن الثمينة، و609 ملايين دولار في صناديق قطاع السلع الاستهلاكية الأساسية.

وارتفع صافي التدفقات الأسبوعية إلى صناديق السندات إلى أعلى مستوى في أربعة أسابيع، مسجلاً 18.01 مليار دولار.

وشهدت صناديق السندات قصيرة الأجل، والسندات المقومة باليورو، والسندات الحكومية، وصناديق المشاركة في القروض إقبالاً قوياً؛ إذ اجتذبت تدفقات بلغت 4.45 مليار دولار، و2.57 مليار دولار، و2.24 مليار دولار، و1.06 مليار دولار على التوالي.

كما اجتذبت صناديق سوق المال صافي تدفقات بلغ 28.41 مليار دولار، مواصلةً تدفقاتها الداخلة للأسبوع الثاني على التوالي.

وبالنسبة إلى صناديق السلع، ضخ المستثمرون صافي 2.62 مليار دولار في صناديق الذهب والمعادن الثمينة الأخرى، ليواصلوا عمليات الشراء الصافية للأسبوع الخامس على التوالي.

في الوقت نفسه، سجلت صناديق الطاقة أول تدفقات أسبوعية لها منذ ثلاثة أسابيع، بقيمة 434 مليون دولار.

وأظهرت بيانات شملت 28,966 صندوقاً في الأسواق الناشئة أن صناديق الأسهم اجتذبت صافي تدفقات بلغ 3.45 مليار دولار للأسبوع الخامس على التوالي، بينما تلقت صناديق السندات استثمارات صافية بقيمة 871 مليون دولار.

تراجع مخاوف رفع أسعار الفائدة

اجتذبت صناديق الأسهم الأميركية تدفقات استثمارية حيث ضخ المستثمرون صافي 2.58 مليار دولار بعد صافي تدفقات خارجة بلغت 1.36 مليار دولار في الأسبوع السابق، وفقاً لبيانات «إل إس إي جي».

وسجل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» مستوى قياسياً عند 7816.70 نقطة يوم الخميس، بعدما أظهرت بيانات وزارة العمل الأميركية استقرار أسعار المنتجين في يوليو، ما عزز التوقعات بأن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير الشهر المقبل.

وحقق المؤشر مكاسب بنحو 4.13 في المائة هذا الشهر، مدعوماً بشكل عام بموسم أرباح قوي. وأعلنت نحو 85 في المائة من الشركات المدرجة في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، وعددها 456 شركة تتوافر بياناتها لدى مجموعة بورصة لندن، عن أرباح فصلية تجاوزت توقعات المحللين.

واستقطبت صناديق نمو الأسهم الأميركية 8.78 مليار دولار، وهو أكبر صافي تدفق أسبوعي لها منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، بينما سجلت صناديق القيمة صافي تدفقات داخلة بقيمة 1.79 مليار دولار.

في المقابل، سحب المستثمرون صافي 3.78 مليار دولار من الصناديق القطاعية، بقيادة تدفقات خارجة بلغت 4.62 مليار دولار من صناديق التكنولوجيا، بعد ستة أسابيع متتالية من صافي التدفقات الداخلة. كما شهدت الصناديق المالية تدفقات خارجة صافية بلغت 633 مليون دولار.

واجتذبت صناديق السندات صافي تدفقات بقيمة 9.4 مليار دولار خلال الأسبوع، وهو أعلى مستوى لها في أربعة أسابيع.

وخصص المستثمرون 2.98 مليار دولار لصناديق الاستثمار ذات التصنيف الائتماني قصير إلى متوسط الأجل، و2.07 مليار دولار لصناديق الدخل الثابت المحلية الخاضعة للضريبة، و1.92 مليار دولار لصناديق السندات الحكومية وسندات الخزانة ذات التصنيف الائتماني قصير إلى متوسط الأجل.

كما سجلت صناديق سوق المال ثاني أسبوع متتالٍ من التدفقات الداخلة، بقيمة 13.92 مليار دولار.