«لعنة القيادة» تلاحق عملاق النفط البريطاني «بي بي»

أطاحت بـ4 قادة في 3 سنوات وتحوّلت إلى حلبة صراع بين «الحوكمة» وصناديق التحوط

لافتة في محطة وقود «بي بي» في لندن (إ.ب.أ)
لافتة في محطة وقود «بي بي» في لندن (إ.ب.أ)
TT

«لعنة القيادة» تلاحق عملاق النفط البريطاني «بي بي»

لافتة في محطة وقود «بي بي» في لندن (إ.ب.أ)
لافتة في محطة وقود «بي بي» في لندن (إ.ب.أ)

تُمثّل الإقالة الصاعقة، وبأثر فوري، لرئيس مجلس إدارة شركة «بي بي»، ألبرت مانيفولد، ذروة مشهد دراماتيكي يعيد تسليط الضوء على معضلة الاستقرار المؤسسي داخل أحد أكبر عمالقة الطاقة في العالم. ففي توقيت حساس كانت تحاول فيه المجموعة النفطية التقاط أنفاسها التشغيلية والارتداد من سنوات الأداء المالي المتعثر، جاء قرار الإطاحة بمهندس هيكلتها القيادية الأخيرة ليفتح صفحة جديدة من «لعنة الإدارة» التي أحرقت أربعة قادة في غضون ثلاث سنوات؛ مما يضع آليات الحوكمة وصناعة القرار داخل قاعة المجلس تحت مجهر المستثمرين والأسواق العالمية، ويهدد بنسف الاستقرار الإداري الهش في ذروة طفرة طارئة لأسعار الطاقة.

وتأتي هذه الخطوة المفاجئة التي فجّرت أزمة قيادة جديدة داخل كواليس قطاع الطاقة العالمي، بعد أن صوّت مجلس إدارة عملاق النفط البريطاني بالإجماع على عزل مانيفولد جراء «مخاوف جسيمة وقوية» تتعلق بمعايير الحوكمة والإشراف والسلوك الشخصي، لتمدد وتعمق وتيرة الاضطرابات العنيفة التي تعصف بالمجموعة، مكرسةً التعثر الاستراتيجي الذي طال أمدُه.

رئيس مجلس إدارة «بي بي» المقال ألبرت مانيفولد (الشركة)

وفي هذا السياق، أفصحت أماندا بلانك، من كبار المديرين المستقلين في شركة «بي بي»، عبر بيان رسمي عن كواليس القرار قائلة: «لقد فوجئ مجلس الإدارة وأصيب بخيبة أمل شديدة بعد علمه بوجود مشكلات تتعلق بالإشراف على الحوكمة والسلوك، والتي نعتبرها غير مقبولة بتاتاً، لذا اتخذنا إجراءات حاسمة وقاطعة». وفور صدور هذا الموقف، تلقت أسواق المال الصدمة بقوة؛ حيث هوت أسهم شركة «بي بي» في بورصة لندن بنحو 9 في المائة فور الإعلان الأولي، قبل أن تقلص خسائرها اللاحقة لتغلق متراجعة بنحو 4 في المائة بحلول منتصف النهار.

كواليس الإطاحة

ورغم أن البيانات الرسمية لم تفصح عن التفاصيل الدقيقة، فإن مصادر قريبة من الشركة كشفت لـ«بلومبرغ» و«رويترز» أن قرار الطرد جاء عقب تلقي مجلس الإدارة شكاوى متعددة من «المبلغين عن المخالفات»، رصدت سلوكاً إدارياً يوصف بـ «العدائي والعدواني الحاد» من قبل مانيفولد (63 عاماً) تجاه الموظفين والزملاء، فضلاً عن اتهامات بإساءة إدارة المعلومات الحساسة ومحاولة تجاوز صلاحيات المجلس، إلى جانب استخدامه حسابات وأجهزة إلكترونية شخصية لإدارة أعمال الشركة الرسمية في خرق صريح لسياسات الامتثال المعتمدة.

في المقابل، خرج مانيفولد عن صمته في بيان شديد اللهجة وزعته وكالة علاقات عامة، نافياً الاتهامات جملة وتفصيلاً، ومؤكداً أنه لم يتلقَّ أي تحذير أو تلميح مسبق. ودافع مانيفولد عن خططه الرامية لخفض التكاليف وتبسيط المحفظة الاستثمارية قائلاً: «هل من الممكن أن أكون قد مارست ضغوطاً قوية وتحديت أشخاصاً بشكل مباشر بدافع إصراري على قيادة التغيير في التكاليف، والأداء، والميزانية العمومية؟ نعم، هذا ممكن.. ولكن هناك فرق شاسع بين إدارة مؤسسة بحزم والصورة النمطية التي تُروج لسلوكي حالياً».

وتحدّى مانيفولد كواليس الشركة متسائلاً عن كيفية اتهامه بمحاولة الهيمنة والعمل كـ«رئيس تنفيذي فعلي» في حين أنه لم يزُر مقر الشركة في لندن سوى 13 يوماً فقط منذ مطلع عام 2026. وفي محاولة لرد الاعتبار، أشار إلى تقشفه الشخصي قائلاً: «لم أكن مهتماً بالطيران الخاص أو تذاكر مباريات الشركات، كنت أصنع قهوتي بنفسي وأشتري غدائي من المقهى المحلي وأجلس في مكتب صغير رافضاً المكاتب الفاخرة للرؤساء السابقين». واختتم بيانه بالإعلان عن توكيل مكتب المحاماة الشهير «ميشكون دي ريا» لمقاضاة الشركة ومواجهة ما وصفه بـ«الأكاذيب التي يختبئ أصحابها خلف جدار السرية».

تاريخ من الاضطرابات الهيكلية

ويكشف تحليل لـ«بلومبرغ» أن ما يحدث في «بي بي» ليس مجرد سوء حظ عابر، بل هو انعكاس لأزمة هيكلية عميقة في كيفية إدارة مجلس الإدارة لدفة القيادة؛ إذ عانت الشركة على مدار الـ 25 عاماً الماضية من اضطرابات مزمنة ارتبطت جلّها بالأزمات؛ بداية من استقالة جون براون عام 2007، مروراً بالإطاحة بطوني هيوارد عقب كارثة تسرب النفط في خليج المكسيك عام 2010، وصولاً إلى الحقبة الاستقرارية الوحيدة التي صنعها بوب ددلي وغادر بعدها بشروطه الخاصة.

إلا أن هذا الاستقرار انهار تماماً في غضون السنوات الثلاث الأخيرة فقط (بين 2023 و2026)، وهي الفترة العاصفة التي شهدت المقصلة الإدارية فيها الإطاحة بأربعة من كبار قادة المجموعة قسراً في تتابع سريع؛ إذ سقط برنارد لوني عام 2023 في فخ الاستقالة المفاجئة بسبب علاقاته الشخصية غير المفصح عنها، ثم لحقه النرويجي هيلغي لوند الذي تنحى من رئاسة المجلس عام 2025 بضغط من المساهمين، ليتبعه في مطلع عام 2026 إزاحة الرئيس التنفيذي موراي أوشينكلوس لفتح الطريق أمام استقطاب ميغ أونيل، وصولاً إلى قرار الإقالة الفورية والمدوية لألبرت مانيفولد اليوم بعد أشهر وجيزة من تعيينه.

الرئيس التنفيذي السابق موراي أوشينكلوس (أ.ف.ب)

«إيليوت» تحكم من الخلف

ورغم هذا التعاقب الإداري المتسارع الذي جعل الشركة تغير ستة قادة في أقل من ثلاث سنوات، يرى الخبراء في «سيتي غروب» و«بلومبرغ» أن الجدوى الاستثمارية لشركة «بي بي» قد تنجو من هذه المقصلة بفضل عاملين لا علاقة للإدارة الحالية بهما؛ الأول هو صندوق التحوط الأميركي الشرس «إيليوت إنفيستمنت مانجمنت» (Elliott)، الذي دخل بقوة على خط المساهمين وفرض استراتيجية صارمة تركز على ما يدر الأموال والتراجع عن الرهانات الخضراء غير المربحة التي تبناها لوني بين 2020 و2023 وأتت على 86 في المائة من صافي أرباح الشركة السنوية في عام 2025.

أما العامل الثاني، فهو البيئة الجيوسياسية المشتعلة؛ إذ تسببت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في تحليق أسعار خام برنت لتلامس حاجز الـ 100 دولار للبرميل (بمتوسط 88 دولاراً منذ مطلع 2026 مقارنة بـ 68 دولاراً في 2025). ووفقاً للحسابات الرقمية، فإن كل دولار زيادة في سعر البرميل يضخ نحو 340 مليون دولار إضافية في الأرباح التشغيلية لـ «بي بي»، مما يعني عائداً سنوياً إضافياً غير متوقع بقيمة 6.8 مليار دولار. هذه الطفرة النفطية وتعاظم هوامش التكرير سيمكنان الشركة من تقليص ديونها الصافية البالغة 25.3 مليار دولار لتصل إلى مستهدفاتها (بين 14 و18 مليار دولار) بحلول نهاية العام الحالي، أي قبل عام كامل من الجدول الزمني المحدد سابقاً.

المرأة الحديدية في مواجهة الساعة

وبموجب هذه المقصلة المفاجئة، أعلنت «بي بي» عن تعيين عضو مجلس الإدارة إيان تايلر رئيساً مؤقتاً لمجلس الإدارة حتى اختيار بديل دائم، مؤكدة أن الاستراتيجية التشغيلية لن تتغير.

وفي المقابل، تخرج الرئيسة التنفيذية الجديدة ميغ أونيل (القادمة من «وودسايد إنرجي» الأسترالية كأول امرأة وأول عنصر خارجي يقود الشركة عبر تاريخها) الرابح الأكبر والوحيد من هذه الأزمة؛ حيث تخلصت من هيمنة مانيفولد الذي عينها في مطلع أبريل (نيسان) الماضي وكان يتصرف كـ«رئيس تنفيذي فعلي»، وباتت الآن الحاكم المطلق للشركة بعد أن صوّتت بنفسها لصالح قرار إقالته.

الرئيسة التنفيذية لـ«بي بي» ميغ أونيل (رويترز)

لكن «المرأة الحديدية» تقف الآن وحيدة في مواجهة عقارب الساعة وضغوط صناديق التحوط الشرسة؛ حيث أبلغت أونيل المستثمرين سراً بأنها ستعلن عن مراجعتها الاستراتيجية الشاملة في شهر سبتمبر (أيلول) أو أكتوبر (تشرين الأول) المقبلين. وسيكون عليها اتخاذ قرارات مؤلمة وسريعة تشمل تسييل وإعادة هيكلة الأصول التي لا تتوافق مع العودة للنفط - مثل بيع شركة «لايت سورس» للطاقة الشمسية و«أركيا» للغاز الحيوي - إلى جانب إقرار تخفيضات حادة وواسعة في التكاليف تشمل تسريح مئات الموظفين في المقر الرئيسي بلندن، وبيع أجزاء ضخمة من شبكة محطات الوقود التابعة لها حول العالم لجمع مليارات الدولارات وإعادتها للمساهمين.

في نهاية المطاف، فإن لغة الأرقام في أسواق المال لا تلتفت كثيراً للدراما الإدارية؛ وفجوة التقييم الحالية التي يتداول بها سهم «بي بي» بخصم يبلغ 5 في المائة مقارنة بمنافستها الكبرى «شل»، قد تحول السهم إلى فرصة جاذبة للمستثمرين لإعادة الشراء وبناء المراكز، طالما أن طفرة أسعار النفط العالمية المغذاة بالمخاطر الجيوسياسية الراهنة تضمن استمرار التدفقات النقدية القوية والتوزيعات السخية للمساهمين.


مقالات ذات صلة

«توتال» تخفض حصتها في مشروع «بابوا» للغاز... وتسند إدارته إلى «إكسون موبيل»

الاقتصاد يعد مشروع «بابوا» للغاز الطبيعي المسال جزءاً من محفظة مشاريع شركة «توتال إنرجيز» الرامية إلى زيادة إمدادات الغاز الطبيعي المسال منخفضة التكلفة (الموقع الإلكتروني لشركة «سانتوس» الأسترالية)

«توتال» تخفض حصتها في مشروع «بابوا» للغاز... وتسند إدارته إلى «إكسون موبيل»

أعلنت شركة «توتال إنيرجيز» الفرنسية العملاقة للطاقة، يوم الاثنين، أنها ستبيع حصة 9.1 في المائة في مشروع «بابوا» للغاز الطبيعي المسال المشترك لشركائها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد أسعار الديزل الأميركية تُعرَض بمحطة وقود الجمعة 4 سبتمبر 2026 في مينيابوليس (أ.ب)

الديزل يسجل سعراً قياسياً جديداً في أميركا عند 5.90 دولار للغالون

واصل سعر غالون الديزل في الولايات المتحدة تسجيل مستويات قياسية، يوم الاثنين، قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، مدفوعاً بحرب إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد غروب الشمس فوق سفن تجارية راسية بمضيق هرمز تنتظر العبور الأحد 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)

تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى أدنى مستوى منذ مايو

أظهرت بيانات شحن، اليوم الاثنين، أن المتوسط اليومي لعبور سفن السلع الأولية من مضيق هرمز بلغ 10 سفن، خلال الأيام العشرة الماضية، وهو أدنى مستوى منذ مايو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد حفارات نفط تعمل في حقل على شواطئ بحر قزوين بالعاصمة الأذربيجانية باكو (رويترز)

«غولدمان ساكس»: أسعار النفط قد ترتفع إلى 120 دولاراً للبرميل

قالت مجموعة «غولدمان ساكس» المصرفية إن أسعار النفط قد ترتفع إلى 120 دولاراً للبرميل، إذا تصاعدت الهجمات على حركة السفن في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية تستهل الأسبوع على تراجع بفعل صعود النفط

تراجعت الأسهم الأوروبية بشكل طفيف في تعاملات الاثنين، مع صعود أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«البحري» السعودية توزع 369 مليون دولار أرباحاً استثنائية

سفينة تابعة لشركة «البحري» (موقع الشركة)
سفينة تابعة لشركة «البحري» (موقع الشركة)
TT

«البحري» السعودية توزع 369 مليون دولار أرباحاً استثنائية

سفينة تابعة لشركة «البحري» (موقع الشركة)
سفينة تابعة لشركة «البحري» (موقع الشركة)

أعلنت «الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري» (البحري) توزيع أرباح نقدية مرحلية استثنائية على مساهميها عن النصف الأول من العام المالي 2026، بإجمالي 1.384 مليار ريال (369.06 مليون دولار)، في خطوة تأتي عقب قفزة لافتة في أرباح الشركة خلال الفترة، بدعم من تحسن نتائج أعمالها.

وقالت الشركة في بيان على «تداول السعودية»، اليوم الاثنين، إن التوزيعات تبلغ 0.4 دولار (1.5 ريال) للسهم الواحد، بما يعادل 15 في المائة من القيمة الاسمية للسهم، فيما يبلغ عدد الأسهم المستحقة للأرباح نحو 922.85 مليون سهم.

وأوضحت أن تاريخ الأحقية سيكون 10 سبتمبر (أيلول) 2026، على أن يبدأ توزيع الأرباح في 27 سبتمبر 2026، أو قبل ذلك، عن طريق البنك الأهلي السعودي.

وتأتي هذه التوزيعات بعد نمو قوي في أرباح «البحري» خلال النصف الأول من العام، إذ قفز صافي الربح خلال الربع الثاني بنحو 5.7 مرة، أو بنسبة 574.15 في المائة، ليبلغ نحو 732 مليون دولار (2.74 مليار ريال)، مقارنة بنحو 109 ملايين دولار (407.45 مليون ريال) في الربع المماثل من العام الماضي.

وخلال النصف الأول من 2026، ارتفع صافي أرباح «البحري» بنسبة 420.7 في المائة إلى نحو 1.30 مليار دولار (4.89 مليار ريال)، مقارنة بنحو 251 مليون دولار (940.27 مليون ريال) في الفترة المماثلة من العام السابق.

وسيتم توزيع الأرباح النقدية ابتداءً من أو قبل 27 سبتمبر 2026، من خلال البنك الأهلي السعودي، وفقاً لما أعلنته الشركة.


تدخل قياسي وتشديد مرتقب يعيدان رسم مسار الين

مشاة يعبرون الطريق تحت الأمطار في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
مشاة يعبرون الطريق تحت الأمطار في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
TT

تدخل قياسي وتشديد مرتقب يعيدان رسم مسار الين

مشاة يعبرون الطريق تحت الأمطار في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
مشاة يعبرون الطريق تحت الأمطار في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

دخل الين الياباني مرحلة جديدة من إعادة التسعير، بعدما تزامن تسجيل الاحتياطيات الأجنبية أكبر انخفاض شهري على الإطلاق مع صعود العملة إلى أقوى مستوى في 7 أشهر، في وقت تزداد فيه التوقعات بأن يرفع بنك اليابان أسعار الفائدة هذا الشهر، وأن يُتبعه بمزيد من التشديد خلال الأشهر المقبلة.

وأظهرت بيانات وزارة المالية اليابانية أن الاحتياطيات الأجنبية هبطت إلى 1.208 تريليون دولار في نهاية أغسطس (آب)، من 1.287 تريليون دولار في يوليو (تموز)، بانخفاض قياسي بلغ 79.6 مليار دولار، أو 6.18 في المائة. ويرتبط الجزء الأكبر من هذا التراجع بانخفاض قيمة الأوراق المالية الأجنبية التي تحتفظ بها اليابان، ومعظمها سندات خزانة أميركية، وتمثل نحو 70 في المائة من الاحتياطيات.

وتعود نسبة مهمة من هذه الأصول إلى تدخلات سابقة في سوق الصرف، عندما كانت طوكيو تشتري الدولار للحد من قوة الين قبل نحو عقدين.

لكن الانخفاض الحاد هذه المرة يعكس أيضاً حجم التدخل غير المسبوق الذي نفَّذته السلطات اليابانية خلال الصيف. فقد أنفقت طوكيو 15.4 تريليون ين، ما يعادل نحو 98.7 مليار دولار، بين 30 يوليو و26 أغسطس على عمليات بيع للدولار وشراء للين، وهي أكبر قيمة تدخُّل تُسجَّل خلال شهر واحد. وساعد هذا التدخل على دفع الين بعيداً عن أدنى مستوى له في 40 عاماً قرب 164 يناً للدولار، ليرتفع إلى 155.20 ين بحلول 3 أغسطس.

وعلى الرغم من عودة العملة لاحقاً إلى الاقتراب من 160 يناً، فإن الاتجاه انعكس مجدداً مع بداية سبتمبر (أيلول). وسجل الين الاثنين أعلى مستوى له في 7 أشهر؛ إذ تراجع الدولار بأكثر من 1 في المائة إلى 154.58 ين، وهو أدنى مستوى منذ فبراير (شباط)، بينما انخفض اليورو 0.8 في المائة إلى 179.97 ين. ويعني ذلك أن القوة الأخيرة للعملة لم تعد تعتمد فقط على التدخل المباشر؛ بل باتت مدعومة بتغير في توقعات السياسة النقدية وتدفقات رؤوس الأموال.

وتسعِّر الأسواق بصورة شبه كاملة رفع بنك اليابان سعر الفائدة 25 نقطة أساس إلى 1.25 في المائة خلال اجتماعه يومي 17 و18 سبتمبر. كما تزداد التوقعات بأن يستمر البنك في التشديد بوتيرة أسرع مما اعتاد عليه منذ بدء دورة التطبيع.

إشارة قوية

وجاءت إشارة لافتة من تاكوجي أيدا، المستشار الاقتصادي لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، الذي قال إن بنك اليابان من المرجح أن يرفع الفائدة في سبتمبر، ثم يرفعها مرة أخرى بحلول يناير (كانون الثاني)، قبل أن يعود بعد ذلك إلى وتيرة أقرب إلى زيادة واحدة كل 6 أشهر. وتكتسب تصريحات أيدا أهمية خاصة؛ لأنه معروف تاريخياً بموقفه الداعم للتيسير النقدي ومعارضته لرفع الفائدة بسرعة. وبالتالي، فإن انتقاله إلى توقع رفع قريب يعكس اتساع دائرة القبول داخل الحكومة نفسها، بضرورة تشديد السياسة النقدية للحد من ضعف الين ومخاطر التضخم.

وقال أيدا إن سبتمبر يمثل نافذة ضيقة لاتخاذ خطوة قبل بدء دورة برلمانية استثنائية في أكتوبر (تشرين الأول)، ستناقش خلالها الحكومة مشروع تعليق ضريبة الاستهلاك البالغة 8 في المائة على المواد الغذائية مدة عامين.

ورغم تأييده الرفع القريب، حذَّر أيدا من أن تسريع وتيرة التشديد في وقت مبكر قد يضغط على الاقتصاد. وهذا يضع بنك اليابان أمام معادلة دقيقة: دعم الين والحد من التضخم من جهة، وتجنب الإضرار بالطلب المحلي والاستثمار من جهة أخرى.

وكان محافظ بنك اليابان كازو أويدا قد أكد الأسبوع الماضي أن البنك سيناقش ما إذا كانت المخاطر التضخمية تزداد، بما في ذلك خلال اجتماع سبتمبر، في إشارة اعتبرتها الأسواق تمهيداً واضحاً لرفع الفائدة.

وزادت تصريحات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت من هذه الضغوط. فقد أعرب عن دعمه القوي لخطوات نقدية «حاسمة» لمواجهة ضعف الين، وهو ما ساهم في تعزيز قناعة المستثمرين بأن بنك اليابان بات أقرب إلى التشديد.

الاستقلالية

وفي المقابل، شددت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما على أن قرارات السياسة النقدية تظل من اختصاص بنك اليابان، في محاولة للحفاظ على الفصل بين استقلالية البنك والضغوط السياسية الداخلية والخارجية. وتأتي هذه التطورات بعد تدخل ياباني أميركي مشترك في سوق الصرف خلال الصيف، هو الأول من نوعه بين البلدين منذ 2011. وقد شكَّل ذلك تحولاً مهماً في إدارة أزمة الين، بعدما انتقلت واشنطن من المراقبة إلى المشاركة المباشرة في دعم العملة اليابانية.

ولطمأنة الأسواق إلى أن قدرة اليابان على التدخل لا تعتمد فقط على بيع احتياطياتها، أشارت طوكيو وواشنطن إلى إمكانية استخدام آلية احتياطية تابعة لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، أُنشئت خلال جائحة «كوفيد-19»، وتسمح للبنوك المركزية الكبرى بالحصول على سيولة بالدولار دون الحاجة إلى بيع سندات الخزانة الأميركية مباشرة. وتكتسب هذه الآلية أهمية مع تراجع الاحتياطيات؛ لأنها تقلل مخاطر اضطرار اليابان إلى تصفية كميات ضخمة من الأصول الأميركية، وهو ما قد يضغط بدوره على سوق سندات الخزانة ويرفع العوائد العالمية.

كما تدعم الين حالياً احتمالات عودة جزء من رؤوس الأموال اليابانية من الخارج إلى الداخل، مع ارتفاع عوائد السندات المحلية، وازدياد جاذبية الأصول المقومة بالين.

محركات متعددة

وبالتالي، لم يعد الين يتحرك فقط وفق فروق الفائدة التقليدية مع الولايات المتحدة؛ بل بات يتأثر أيضاً بالتدخل الرسمي، وتوقعات رفع الفائدة، وإعادة توطين الأموال اليابانية، وتغيُّر شهية المستثمرين تجاه الأصول المحلية. والنتيجة أن اليابان باتت أقل اعتماداً على التدخل المباشر وحده للدفاع عن عملتها، ولكنها دفعت ثمناً مالياً كبيراً لتحقيق هذا التحول. فالانخفاض القياسي في الاحتياطيات يوضح حجم التكلفة، بينما يعكس صعود الين إلى أعلى مستوى في 7 أشهر أن الأسواق بدأت أخيراً تأخذ احتمالات التشديد النقدي بجدية أكبر.

وسيكون اجتماع بنك اليابان في سبتمبر الاختبار الحاسم. فإذا رفع البنك الفائدة وأبقى الباب مفتوحاً أمام زيادات إضافية، فقد يحصل الين على دعم أكثر استدامة. أما إذا جاءت الرسالة أقل تشدداً من المتوقع، فقد تعود الضغوط سريعاً، ما يعيد طوكيو إلى معضلة استخدام الاحتياطيات مجدداً أو القبول بضعف أكبر للعملة. وفي كل الأحوال، تبدو اليابان وقد انتقلت من مرحلة الدفاع التكتيكي عن الين إلى مرحلة إعادة بناء كاملة لمعادلة السياسة النقدية وسوق الصرف، في واحدة من أكثر الفترات حساسية للعملة اليابانية منذ عقود.


السعودية تتحرك للحد من تسرب الإنفاق وتوطين الأعمال

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
TT

السعودية تتحرك للحد من تسرب الإنفاق وتوطين الأعمال

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)

تتجه السعودية إلى إعادة تنظيم سوق التعهيد الخارجي، في خطوة تستهدف الحد من خروج جزء من الإنفاق والخبرات إلى خارج المملكة، وتعزيز قدرة الشركات المحلية على تقديم خدمات تعتمد عليها الجهات الحكومية، والمنشآت. وتأتي هذه الخطوة بالتوازي مع توجه المملكة إلى تعظيم أثر الإنفاق الحكومي، وتنمية المحتوى المحلي، من خلال توطين أعمال وخدمات يمكن تنفيذها داخل السوق السعودية، وخلق وظائف نوعية، وتطوير شركات محلية متخصصة.

وفي هذا الإطار، تدرس الجهات المختصة في السعودية، بالشراكة مع ممثلي القطاع الخاص، خطة لتنظيم قطاع التعهيد الخارجي، والحد من التسرب الاقتصادي، بعد التأكد من جاهزية الجهات المحلية للتحول نحو الكفاءات الوطنية، وتحديد التخصصات المستهدفة بالتوطين التدريجي، بما يتماشى مع مستهدفات «رؤية 2030» في خلق وظائف نوعية داخل السوق السعودية.

التعهيد الخارجي عبارة عن إسناد خدمات أو عمليات لجهة داخل السعودية إلى شركة أو طرف خارجي متخصص، بدلاً من تنفيذها بموظفيها، أو مواردها الداخلية، والهدف منها توفير مالي لدى الجهات.

وبحسب معلومات خاصة، فإن اتحاد الغرف السعودية بالشراكة مع وزارة التجارة، ووزارة الاقتصاد والتخطيط قامت بإعداد دراسة أثر توطين أعمال التعهيد الخارجي على المنشآت السعودية، بهدف قياس حجم الاعتماد على هذه الخدمات خارج المملكة، وتقييم مدى الجهازية لتوطين هذه الأعمال، بما يسهم في دعم اتخاذ القرارات، وتطوير الفرص ذات العلاقة.

الكفاءات المتخصصة

وتبحث الدراسة معرفة الأسباب الرئيسة للاستعانة بمزود خارجي بدلاً من المحلي، سواءً كانت جودة الخدمة، أو انخفاض التكلفة، وتوفر الكفاءات المتخصصة، وكذلك سرعة التنفيذ، أو عدم توفر بديل محلي بنفس المستوى.

وحددت الدراسة مدى استعداد الجهات لنقل هذه الخدمات إلى مزود محلي خلال 12 - 24 شهراً، مع أبرز العوائق المتوقعة عند التوطين، سواءً كانت فجوة الكفاءات المحلية، وارتفاع التكلفة النسبي، ومخاطر انقطاع الخدمة أثناء الانتقال، وتعقيد ترحيل البيانات، أو عدم وجود مزود محلي موثوق بنفس الحجم.

وتكمن أهمية توطين هذه المنظومة في إبقاء الإنفاق داخل الاقتصاد السعودي، وخلق وظائف نوعية للمواطنين، وبناء شركات محلية متخصصة، ونقل المعرفة، والتقنية، وكذلك تعزيز استمرارية الأعمال والسيادة التشغيلية، ورفع جودة الخدمات الحكومية.

وتوطين هذا القطاع يزيد من نسبة السعوديين في الوظائف، ويسهم في بناء قدرة محلية متكاملة تستطيع الجهات الحكومية والشركات الاعتماد عليها بدل خروج جزء كبير من الإنفاق والخبرة إلى موردين خارجيين.

تعظيم الإنفاق الحكومي

وتزداد أهمية ذلك مع توجه المملكة إلى تعظيم أثر الإنفاق الحكومي، والمحتوى المحلي. فتعريف المحتوى المحلي يشمل مشاركة العناصر السعودية في القوى العاملة، والسلع، والخدمات، والأصول، والتقنية.

وعندما تُسند جهة سعودية خدمة إلى شركة محلية، فإن جزءاً أكبر من قيمة العقد يتحول إلى رواتب، وموردين، وتقنية، وتدريب واستثمارات داخل المملكة، بدلاً من تسرب القيمة إلى خارجها. وهذا يتوافق مباشرة مع هدف تنمية المحتوى المحلي.

التعهيد يشمل أيضاً قطاعات واسعة، مثل تقنية المعلومات، ومراكز الاتصال، والخدمات المشتركة، والمحاسبة، والموارد البشرية، وتحليل البيانات، والتشغيل، والصيانة، والاستشارات. وبالتالي يمكن أن يكون وسيلة لتوفير وظائف على مستويات مختلفة، وليس فقط وظائف تشغيلية.

آلية وزن المحتوى المحلي

وفي أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية تطبيق آلية وزن المحتوى المحلي في التقييم المالي على منافسات وأعمال ومشتريات الجهات الحكومية لنشاط الاستشارات الإدارية، وخدمات تقنية المعلومات، إلى جانب اشتراط حد أدنى للمحتوى المحلي على مستوى المنشأة للدخول في منافسات نشاط الاستشارات الإدارية، وذلك في إطار جهودها المستمرة لتنمية المحتوى المحلي، وتعظيم الاستفادة من الأعمال والمشتريات الحكومية.

وأوضحت الهيئة أنه سيتم اشتراط حد أدنى للمحتوى المحلي على مستوى المنشأة بنسبة 30 في المائة على منافسات الاستشارات الإدارية على مرحلتين؛ تبدأ مطلع أبريل 2027 على المنافسات التي تبلغ تكلفتها التقديرية 10 ملايين ريال (2.6 مليون دولار) فأكثر، على أن تشمل لاحقاً المنافسات التي تبلغ 5 ملايين ريال فأكثر ابتداءً من يناير (كانون الثاني) 2028.