واشنطن تختبر نفوذها في القوقاز بين رهان أرمينيا وثغرة جورجيا

زيارة روبيو إلى يريفان تفتح باباً على الممرات والمعادن… وسط ضغط روسي وتمدد إيراني

جانب من لقاء وزيرَيْ الخارجية الأميركي والأرميني في يريفان يوم 26 مايو 2026 (أ.ب)
جانب من لقاء وزيرَيْ الخارجية الأميركي والأرميني في يريفان يوم 26 مايو 2026 (أ.ب)
TT

واشنطن تختبر نفوذها في القوقاز بين رهان أرمينيا وثغرة جورجيا

جانب من لقاء وزيرَيْ الخارجية الأميركي والأرميني في يريفان يوم 26 مايو 2026 (أ.ب)
جانب من لقاء وزيرَيْ الخارجية الأميركي والأرميني في يريفان يوم 26 مايو 2026 (أ.ب)

لم تعد منطقة جنوب القوقاز هامشاً بعيداً في حسابات واشنطن. فالمنطقة الصغيرة الواقعة بين روسيا وتركيا وإيران وبحر قزوين تحوّلت، بفعل الحرب الأوكرانية - الروسية وتراجع الثقة بالنظام الأمني القديم، اختباراً مباشراً لقدرة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على تحويل الدبلوماسية التعاقدية نفوذاً مستداماً. زيارة وزير الخارجية، ماركو روبيو، إلى يريفان، وتوقيعه مع نظيره الأرميني، أرارات ميرزويان، اتفاق شراكة استراتيجية ومذكرة بشأن المعادن الحرجة، إضافة إلى إطار تعاون بشأن «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين»، جاءت لتؤكد أن واشنطن لا تريد ترك الممرات والطاقة والمعادن في القوقاز لموسكو وطهران وبكين. غير أن المفارقة أن هذه الاندفاعة الأميركية نحو أرمينيا تتزامن مع تآكل موقع واشنطن في جورجيا؛ الحليف السابق الذي ينزلق، وفق محللين، أكثر فأكثر نحو فلك إيران، بتأثير واضح من روسيا، في ظل حكومة أقل اكتراثاً بالشراكة الغربية.

أرمينيا رهان أميركي جديد

في الشكل، حملت زيارة روبيو إلى يريفان رسالة دعم واضحة لرئيس الوزراء، نيكول باشينيان، قبل الانتخابات البرلمانية المقررة في 7 يونيو (حزيران) المقبل. وفي المضمون، مثّلت محاولة أميركية لتثبيت التحول الأرميني غرباً بعد سنوات من الاعتماد الأمني والاقتصادي على روسيا.

جانب من لقاء وزيرَيْ الخارجية الأميركي والأرميني في يريفان يوم 26 مايو 2026 (أ.ف.ب)

فقد وقّع روبيو وميرزويان اتفاق شراكة استراتيجية، واتفاقاً بشأن المعادن الحرجة، وإطاراً يتعلق بممر بري بطول 43 كيلومتراً عبر جنوب أرمينيا يربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان ومنه إلى تركيا، من دون المرور بروسيا أو إيران. وقال روبيو خلال مراسم التوقيع إن البلدين سيعملان لضمان «وصول موثوق» إلى هذه المعادن الحرجة، في إشارة إلى البعد الاقتصادي والاستراتيجي للاتفاق. هذا المسار لا ينفصل عن رغبة واشنطن في فتح بوابة جديدة بين آسيا وأوروبا، وتثبيت حضور أميركي في عقدة مواصلات كانت تاريخياً خاضعة لتوازنات موسكو وطهران. لذلك يرى محللون أن زيارة روبيو تبدو أبعد من مجرد إظهار دعم انتخابي لحكومة باشينيان، بل محاولة لإقناع دول القوقاز بأن واشنطن قادرة على تقديم بديل ملموس: طرق تجارة، ومعادن حرجة، واستثمارات، وضمانات سياسية؛ لا خطابات عامة فقط.

«تهديد» روسي مباشر

لكن الرهان الأميركي يصطدم أولاً بقدرة روسيا على العقاب. فموسكو لم تنتظر طويلاً للرد. قبل زيارة روبيو وبعدها، لوّحت بإمكانية وقف أو تعديل شروط إمدادات الطاقة المخفضة التي تعتمد عليها أرمينيا. وذكّرت بأن الأسعار التفضيلية للغاز والنفط والمنتجات البترولية مرتبطة ببقاء يريفان ضمن فضاء التكامل الروسي. وتشير «رويترز» إلى أن أرمينيا استوردت العام الماضي نحو 82 في المائة من حاجتها من الغاز من روسيا؛ مما يجعل أي تحرك روسي في هذا الملف ذا أثر اقتصادي وسياسي مباشر قبيل الانتخابات.

صحيفة «واشنطن بوست» قالت إن التهديد الأول لاستراتيجية ترمب يكمن في أن واشنطن قادرة على توقيع اتفاقات واعدة، لكنها لا تملك بعد شبكة نفوذ يومية تضاهي أدوات موسكو في الطاقة: العمالة، والتجارة، والإعلام... لذلك؛ تسعى روسيا إلى تصوير الانفتاح الأرميني على واشنطن وبروكسل على أنه مغامرة مكلفة. أما باشينيان، فيحاول السير بين خطين: تعميق العلاقات بالغرب من جهة؛ وتأكيد عدم الرغبة في قطع العلاقات بروسيا؛ من جهة أخرى. هذه الموازنة الهشة تجعل «طريق ترمب» مشروعاً استراتيجياً، لكنه أيضاً ورقة انتخابية قابلة للهجوم الداخلي من قوى موالية أو قريبة من موسكو.

جورجيا الثغرة الأخطر

إذا كانت أرمينيا تمثل فرصة، فإن جورجيا تمثل الخطر الأكبر. فاستراتيجية واشنطن في جنوب القوقاز تحتاج إلى مرافئ البحر الأسود والبنية التحتية الجورجية حتى تتحول الممرات البرية شبكةً تجاريةً تصل آسيا بأوروبا. لكن حكومة «الحلم الجورجي» اتخذت، خلال السنوات الأخيرة، مساراً أكبر عداءً للغرب وأقرب من روسيا، مع تشديد قبضتها على المعارضة والمجتمع المدني. وقد حكمت محكمة جورجية أخيراً على زعيم معارض بالسجن عامين ونصف العام بعد دعوته إلى «ثورة سلمية»، وسط احتجاجات مستمرة منذ قرار الحكومة تعليق محادثات الانضمام إلى «الاتحاد الأوروبي» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

وزير الخارجية الأميركي يغادر يريفان يوم 26 مايو 2026 (أ.ب)

ولعلّ الأعلى حساسية بالنسبة إلى واشنطن أن التباعد الجورجي لم يعد نحو روسيا فقط، بل باتجاه إيران أيضاً. ووفق تقرير من «معهد هودسون»، فقد وُثّق توسع شبكات إيرانية دينية وتعليمية وثقافية داخل جورجيا، لا سيما بين الأقلية الشيعية الأذربيجانية. وذكر أن «جامعة المصطفى الدولية»؛ المصنفة أميركياً منذ 2020 قناةَ تجنيد مرتبطةً بـ«الحرس الثوري»، تعمل عبر فروع في جورجيا، إلى جانب مؤسسات دينية وإعلامية أخرى موالية لطهران. كما أشارت «واشنطن بوست» إلى حوادث أمنية شملت مواطنين جورجيين متهمين أو مدانين في قضايا مرتبطة بـ«الحرس الثوري»؛ من محاولة اغتيال شخصية يهودية في باكو، إلى مؤامرة استهداف الصحافية الإيرانية الأميركية مسيح علي نجاد في الولايات المتحدة.

شروط نجاح مهمة روبيو

يرى محللون أن زيارة روبيو إلى أرمينيا يمكن قراءتها بوصفها جزءاً من محاولة لترميم صورة أميركا وجاذبيتها في القوقاز. لكنها ليست مجرد عملية علاقات عامة؛ فالزيارة تهدف إلى تثبيت مكسب جيوسياسي محدد: تحويل اتفاق السلام الأرميني - الأذربيجاني والممر المقترح رافعةً أميركية تقلص اعتماد المنطقة على روسيا وإيران. غير أن نجاحها يتوقف على 3 شروط: ألا تتمكن موسكو من خنق أرمينيا اقتصادياً؛ وألا يتحول الممر مصدرَ توتر جديداً مع إيران؛ وألا تكافئ واشنطن حكومة جورجية تقمع القوى الغربية داخلياً وتفتح أبوابها لشبكات إيرانية خارجياً.

ويحذر البعض في واشنطن من أن تتعامل إدارة ترمب، بحكم أسلوبها القائم على الصفقات، مع تبليسي بوصفها شريكاً ضرورياً في الموانئ والممرات، حتى لو استمرت في تقييد الحريات والتقارب مع خصوم واشنطن. كما أن التغاضي عن سلوك «الحلم الجورجي» سيجعل جورجيا بوابة لمصالح أميركا وخصومها في وقت واحد. ومن ثم، فإن تهديد استراتيجية ترمب في القوقاز لا يأتي فقط من موسكو وطهران، بل من الفجوة بين الطموح الأميركي الكبير والانخراط الأميركي المتقطع. فالدول الصغيرة في المنطقة لا تسأل فقط عمّن يوقّع الاتفاقات، بل عمّن يبقى حاضراً عندما تبدأ الضغوط الروسية، وتتحرك الشبكات الإيرانية، وتصبح تكلفة الاصطفاف مع واشنطن أكبر من مكاسبه الفورية.


مقالات ذات صلة

قادة الدول يبحثون في نيويورك عن مخرج من «عالم قاتم»

تحليل إخباري مشهد عام لمبنى الأمم المتحدة عشية بدء الاجتماعات الرفيعة للجمعية العامة (الأمم المتحدة)

قادة الدول يبحثون في نيويورك عن مخرج من «عالم قاتم»

يشارك عشرات من زعماء العالم في انطلاق الاجتماعات الرفيعة للأمم المتحدة بنيويورك وسط ترهل المنظمة والبحث عن بديل يستجيب للتحديات الجديدة

علي بردى (نيويورك)
العالم وعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه نظيره التركي رجب طيب إردوغان قبل انطلاق قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة 7 يوليو الماضي برفع عقوبات «كاتسا» عن تركيا (الرئاسة التركية)

إردوغان يسعى لتنفيذ وعد ترمب برفع عقوبات «كاتسا» عن تركيا

يسعى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى تحريك ملف رفع العقوبات الأميركية على بلاده في مجال الصناعات الدفاعية خلال لقاء مع الرئيس دونالد ترمب في نيويورك.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك في 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

قادة العالم يتجمعون في نيويورك وسط حربين وأزمة ثقة بالمنظمة الدولية

تتحول نيويورك هذا الأسبوع إلى مركز مزدحم للدبلوماسية الدولية، مع وصول نحو 130 رئيس دولة وحكومة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة أرشيفية للرئيس الصيني شي جينبينغ (إلى اليمين) خلال اجتماعه مع الرئيس دونالد ترمب على هامش زيارتهما لحديقة «تشونغ نان هاي» في بكين بالصين 15 مايو 2026 (أ.ب)

قبل وصول الرئيس الصيني... ترمب ينتقل من حرب الرسوم إلى السجادة الحمراء

بدأت في نيويورك مفاوضات أميركية - صينية مكثفة تستهدف تضييق الخلافات بين واشنطن وبكين قبيل زيارة الرئيس الصيني لأميركا.

هبة القدسي (واشنطن)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقى ترحيباً من المستقبلين لدى وصوله إلى سان بيير (أ.ف.ب)

في رسالة لترمب... ماكرون وكارني يجتمعان في أرخبيل فرنسي بالمحيط الأطلسي

يزور إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا أرخبيل سان بيير وميكلون اليوم (الأحد)، حيث من المقرر أن يلتقي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني.

«الشرق الأوسط» (الأمم المتحدة)

مصير المستشار الألماني معلَّق على نتائج انتخابات محلية اليوم

ناخب ألماني يدلي بصوته في صندوق الاقتراع في أحد المراكز الانتخابية في العاصمة برلين (أ.ف.ب)
ناخب ألماني يدلي بصوته في صندوق الاقتراع في أحد المراكز الانتخابية في العاصمة برلين (أ.ف.ب)
TT

مصير المستشار الألماني معلَّق على نتائج انتخابات محلية اليوم

ناخب ألماني يدلي بصوته في صندوق الاقتراع في أحد المراكز الانتخابية في العاصمة برلين (أ.ف.ب)
ناخب ألماني يدلي بصوته في صندوق الاقتراع في أحد المراكز الانتخابية في العاصمة برلين (أ.ف.ب)

تحوَّلت الانتخابات المحلية في ألمانيا إلى كابوس بالنسبة للمستشار الألماني فريدريش ميرتز الذي يجد نفسه بعد أقل من عام ونصف على تسلمه منصبه، أمام امتحانات متكررة لشعبيته. ورغم أن ميرتز لم يحظَ يوماً بشعبية مرتفعة، لكنها انخفضت في الأشهر الماضية إلى مستويات قياسية؛ إذ لا تتعدى نسبة الرضا عنه اليوم الـ10 في المائة.

وبعد أسبوعين على خسارة حزبه أمام «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف في انتخابات محلية في أحد معاقله التقليدية، ولاية ساكسونيا أنهالت، يواجه ميرتز يوماً آخر مؤلماً ينتظر فيه نتائج الانتخابات المحلية في ولايتين: العاصمة برلين وماكلنبورغ فورمومرن الشرقية. وقد تكون النتائج التي ستظهر في نهاية اليوم الانتخابي، بداية نهاية رحلة ميرتز في المستشارية.

المستشار الألماني فريدريش ميرتز مع المرشح عن حزبه في ولاية برلين شتيفان إفرز وخلفها شعار «برلين ابقِ ثابتة» في دعوة لسكان العاصمة لإعادة انتخاب حزبه في الانتخابات المحلية (أ.ف.ب)

برلين تلغي نيويورك

لعل الدليل الأكبر على أهمية تلك النتائج بالنسبة لمستقبل المستشار، قراره قبل أيام بإلغاء مشاركته في الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وحتى تخلفه عن تسلُّم جائزة كان من المفترض أن يتسلمها خلال وجوده هناك.

وأعلن المتحدث باسمه أن ميرتز سيلغي سفرته ويبقى في برلين حيث «وجوده ضروري» بعد انتخابات الأحد. وبالفعل، فقد استدعى ميرتز كل رؤساء الحكومات المحلية الذين ينتمون لحزبه ويبلغ عددهم 8 من أصل 16 ولاية ألمانية، لترقب النتائج ومناقشة تبعاتها.

وبعد الهزيمة المؤلمة التي مني بها الحزب المسيحي الديمقراطي بزعامة ميرتز في ولاية ساكسونيا أنهالت، حيث انخفضت أصواته إلى النصف، بدأ نقاش داخل الحزب حول استبدال المستشار بسياسي آخر لإكمال ولايته. ولكن «التمرد» هدأ سريعاً، ووقَّع رؤساء الولايات الـ8 بياناً يعلنون فيه تأييدهم للمستشار. ولكن خسارة أخرى في أعقاب الأولى ستعيد إشعال الجدل مرة جديدة.

صراع على البقاء

حتى الآن، فإن حزب ميرتز يصارع للإبقاء على ولاية برلين التي يقودها حالياً في حكومة ائتلافية إلى جانب الحزب الاشتراكي. ولكن فوزه غير مؤكد بتاتاً، خاصة بعد انسحاب العمدة الحالي كاي فاغنر من السباق قبل أسابيع، في أعقاب فضيحة إمضائه ساعات يلعب التنس في وقت كان يعيش عشرات الآلاف من سكان المدينة من دون كهرباء، وسط عاصفة ثلجية قاسية، بعد عملية تخريب كابلات. وفي المقابل، يتقدم حزب «دي لينكا» من أقصى اليسار في استطلاعات الرأي التي جرت قبل الانتخابات، ويتبعه حزب ميرتز بفارق ضئيل. وحتى في برلين اليسارية، نجح حزب «البديل من أجل ألمانيا» بمضاعفة أصواته، وهو يحصل على 18 في المائة من نسبة الأصوات في استطلاعات الرأي.

والصورة أسوأ في ولاية ماكلنبورغ فورمومرن بالنسبة لحزب ميرتز؛ فالولاية الشرقية التي يقودها حالياً الحزب الاشتراكي في حكومة ائتلافية مع حزب «دي لينكا»، قد تخرجه من البرلمان بشكل كامل، مما قد يكون سابقة للحزب الذي لم يفشل في السابق بدخول أي برلمان محلي.

سبق يغذيه الامتعاض

ويتعين على الأحزاب الفوز بنسبة 5 في المائة من الأصوات لدخول البرلمان، وحتى الآن تشير الاستطلاعات إلى فوزه بنسبة 7 في المائة. ويتسابق على الفوز الحزب الاشتراكي مع حزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي يطمح لتكرار فوزه الكبير في ولاية ساكسونيا أنهالت قبل أسبوعين حيث حصل على 44 في المائة من نسبة الأصوات. ولكن نسبة التأييد له في ولاية ماكلنبورغ فورمومرن لا تصل إلى ذلك وهي كانت قبل الانتخابات عند عتبة الـ36 في المائة مقابل 37 في المائة للحزب الاشتراكي.

صور انتخابية للحزبين المتنافسين الاشتراكي من اليسار الوسط و«البديل من أجل ألمانيا» من اليمين المتطرف في انتخابات ولاية ماكلنبورغ فورمومرن الشرقية (رويترز)

ويزداد الامتعاض من حكومة ميرتز بسبب تخلفه عن الوفاء بالكثير من التزاماته وتعهداته التي أطلقها قبل الانتخابات العامة التي أوصلته إلى المستشارية. فهو كان تعهَّد مثلاً بتقليص تقدم حزب «البديل من أجل ألمانيا»، ولكن في المقابل نجح الحزب في مضاعفة أصواته حتى على المستوى الوطني وليس فقط في الولايات المحلية الشرقية التي تعد معقله. كما تعهد ميرتز بتحسين الوضع الاقتصادي وإعادة إطلاق العجلة الاقتصادية بعد سنوات من الركود بسبب الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار المحروقات؛ ولكن الوضع الاقتصادي ازداد سوءاً وارتفعت أسعار المحروقات، بشكل أساسي بسبب الحرب في إيران وإغلاق مضيق هرمز. ولكن المستشار يتهم كذلك بإدخال تعديلات غير شعبية على النظام الصحي ونظام التقاعد، تسببت في مظاهرات كبيرة. ومع ذلك بقي ميرتز متمسكاً بتطبيقها ومصمماً على أن الإصلاحات أساسية لجعل ألمانيا قادرة على المضي قدماً والحفاظ على مكتسباتها في النظام الاجتماعي.

وقد تكون المشكلة الأكبر الآن في إيجاد بديل عن ميرتز في حال قرر حزبه المضي في استبداله، وهي خطوة غير محبذة في ألمانيا ولا تعتبر من التقاليد السياسية على عكس بريطانيا. وحتى الآن، يعتبر رئيس ولاية بافاريا وزعيم الحزب المسيحي الاجتماعي الشقيق ماركوس زودر المرشح الأبرز، خاصة وأنه كان له طموح في أن يحصل على ترشيح الحزب مكان ميرتز لكي يصبح المستشار.

لافتة انتخابية تظهر صورة كاريكاتيرية للمستشار الألماني مع كلمات «ارحل ميرتز» في تجمع انتخابي لحزب من أقصى اليسار (إ.ب.أ)

ولكن زودر الذي يحظى بشعبية كبيرة في ولايته، كرر بأنه يفضل أن يبقى في بافاريا. وكذلك الأمر بالنسبة لمرشح آخر تداولت الصحافة الألمانية اسمه، هو رئيس ولاية شمال الراين وستلفاليا هاندريك فوست الذي يحظى كذلك بشعبية واسعة داخل حزبه وبين الألمان، ولكنه هو أيضاً نفى نيته الانقلاب على ميرتز وأعلن دعمه له.

ولكن نتائج سيئة في الولايتين قد تغيِّر الحسابات وتدفعان بزودر أو بفوست إلى الخروج من مظلة ميرتز وإعلان طموحهما خلافته وإطلاق العجلة لتحقيق ذلك.


في رسالة لترمب... ماكرون وكارني يجتمعان في أرخبيل فرنسي بالمحيط الأطلسي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقى ترحيباً من المستقبلين لدى وصوله إلى سان بيير (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقى ترحيباً من المستقبلين لدى وصوله إلى سان بيير (أ.ف.ب)
TT

في رسالة لترمب... ماكرون وكارني يجتمعان في أرخبيل فرنسي بالمحيط الأطلسي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقى ترحيباً من المستقبلين لدى وصوله إلى سان بيير (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقى ترحيباً من المستقبلين لدى وصوله إلى سان بيير (أ.ف.ب)

يزور إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا أرخبيل سان بيير وميكلون اليوم (الأحد)، حيث من المقرر أن يلتقي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، بعد أسابيع من نشر الرئيس الأميركي دونالد ترمب صورة على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر الأرخبيل الفرنسي وهو مغطى بالعَلم الأميركي.

تأتي زيارة ماكرون للأرخبيل، وهي الأولى لرئيس فرنسي منذ زيارة فرانسوا هولاند في 2014، في وقت تسعى فيه كندا إلى توثيق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وسط توتر تجاري مع الولايات المتحدة وتدهور العلاقات مع واشنطن في عهد ترمب، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

خريطة نشرها الرئيس ترمب على منصة «تروث سوشال» أثارت غضب الحلفاء

ويقع أرخبيل سان بيير وميكلون قبالة ساحل كندا على المحيط الأطلسي، وهو الإقليم الوحيد المتبقي تحت سيطرة فرنسا في أميركا الشمالية. وصرَّح مسؤولون فرنسيون بأنَّ الزيارة ستؤكد سيادة باريس على الأرخبيل وتسلط الضوء على علاقتها الوثيقة مع أوتاوا.

وقال مسؤول في الرئاسة الفرنسية للصحافيين: «بالنسبة لمنطقة لا يتجاوز عدد سكانها 5800 نسمة، من النادر أن تجتمع في بقعة بهذا الحجم قضايا كثيرة تهم فرنسا بأكملها: الحضور الجيوسياسي لفرنسا في شمال المحيط الأطلسي، عند تخوم الولايات المتحدة والقطب الشمالي، والسيادة البحرية، والتكيف مع تغير المناخ والتعاون مع كندا».

وقال دبلوماسيون إن الزيارة، التي يقوم بها ماكرون وهو في طريقه لحضور الاجتماع السنوي لقادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ستحمل أيضاً دلالةً رمزيةً بعد أن نشر ترمب خريطةً تظهر الولايات المتحدة وكندا وغرينلاند وآيسلندا والمكسيك وأميركا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي مغطاة بالعَلم الأميركي ومكتوباً عليها «الولايات المتحدة الأميركية».

وتضمنت الصورة سان بيير وميكلون وعدداً من الأراضي الفرنسية في منطقة البحر الكاريبي.

واختارت فرنسا عدم الرد علناً على المنشور في ذلك الوقت.

ومن المتوقع أن يناقش ماكرون وكارني أزمة الطاقة والتقارب المتزايد بين كندا والاتحاد الأوروبي، بعد أن فتح التكتل الباب أمام أوتاوا لتصبح أول عضو منتسب فيه.


قادة العالم يجتمعون بالأمم المتحدة... والذكاء الاصطناعي على جدول الأعمال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة... 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة... 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

قادة العالم يجتمعون بالأمم المتحدة... والذكاء الاصطناعي على جدول الأعمال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة... 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة... 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

يشارك قادة العالم في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، هذا الأسبوع، وسط ترقب لحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب للعام الثاني على التوالي، وتركيز المناقشات على اتساع رقعة الصراعات بالشرق الأوسط، وأوكرانيا، ومخاطر الذكاء الاصطناعي.

ويشارك نحو 130 رئيس دولة وحكومة في الاجتماعات في وقت يواجه فيه النظام الدولي الذي تَشكَّل بعد الحرب العالمية الثانية ضغوطاً متزايدة، بينما تكافح الأمم المتحدة للحفاظ على دورها وتأثيرها في ظلِّ انتقادات ترمب الذي خفَّض الإسهامات الأميركية، وانسحب من عشرات المنظمات التابعة للأمم المتحدة، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

ويغيب الرئيس الصيني شي جينبينغ عن اجتماعات نيويورك مفضِّلاً عقد محادثات ثنائية مع ترمب في واشنطن يوم الخميس. وكان قد شارك في أعمال الجمعية العامة عبر رابط فيديو في عام 2021، مما أثار نقاشاً حول مدى قدرة الأمم المتحدة على التعامل مع الأزمات العالمية.

ومما يزيد أزمة الثقة والتمويل تعقيداً، التساؤلات بشأن الأمين العام المقبل للمنظمة التي يبلغ عمرها 80 عاماً؛ إذ تنتهي ولاية أنطونيو غوتيريش في نهاية 2026، من دون وجود مرشح واضح في الصدارة لخلافته.

وقال دبلوماسيون إن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، المؤلف من 15 دولة عضواً، ربما يعقد اجتماعات عالية المستوى بشأن أوكرانيا والذكاء الاصطناعي والشرق الأوسط، منها مباحثات مع قادة عرب.

وقال ريتشارد جوان من «مجموعة الأزمات الدولية» لوكالة «رويترز» للأنباء إنه بعد مرور ما يزيد على عام على عودة ترمب للبيت الأبيض «لم نعد نقول إن الأمم المتحدة في حالة سقوط حر، لكننا نقول إنها عالقة في أزمة مفتوحة الأمد». وضرب تشبيهاً لوضع المنظمة الآن قائلاً: «ربما لا تكون الأمم المتحدة في حالة حرجة كما كانت في العام الماضي، لكنها تبدو وكأنها ستظل عالقة في قسم رعاية الإصابات الخطيرة إلى أجل غير منظور».

وتجنبت الولايات المتحدة فقدان حق التصويت في الجمعية العامة بسدادها قبل أيام 725 مليون دولار من إسهاماتها في الميزانية العادية، لكن لا يزال عليها تسديد ما يزيد على مليار دولار ضمن حصتها المقررة في الميزانية، بينما تواصل تقديم مطالبات بخفض الإنفاق، وإجراء إصلاحات بالهيئة الدولية.

التصعيد في الشرق الأوسط

يظلُّ الشرق الأوسط محوراً رئيسياً للمناقشات، في وقت تواصل فيه الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران دفع معدلات التضخم العالمية إلى الارتفاع وزعزعة استقرار المنطقة. وتهدد أيضاً مكاسب جماعة الحوثي في اليمن في الآونة الأخيرة حركة الملاحة في مضيق باب المندب الحيوي، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم ارتفاع أسعار الطاقة.

وقال غوتيريش: «من الصعب للغاية إيجاد حل عسكري لهذه المشكلة، وأثبتت تجربة القتال في اليمن مدى التعقيد (الذي يواجه إمكانية) تحقيق نجاحات عبر التدخل (العسكري)»، مضيفاً أن مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن يبذل «جهداً هائلاً» لدفع المحادثات قدماً.

لكن محادثات إنهاء الحرب لا تزال متعثرة في ظلِّ استمرار تبادل الضربات بين إيران والولايات المتحدة وتهديد ترمب بالتصعيد.

ومن المقرر أن يلقي الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، كلمةً أمام الجمعية العامة يوم الأربعاء. وسيلقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أيضاً كلمةً يوم الخميس، وهو مطلوب من المحكمة الجنائية الدولية فيما يتصل باتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة. وتنفي إسرائيل ارتكاب مثل هذه الجرائم.

ولن يحضر الرئيس الفلسطيني محمود عباس اجتماعات الجمعية العامة شخصياً للعام الثاني على التوالي بعد أن رفضت الولايات المتحدة، حليفة إسرائيل الوثيقة، منحه تأشيرة دخول مجدداً. وصوَّتت الجمعية العامة يوم الخميس على السماح لعباس بإلقاء كلمته عبر رابط فيديو.

وقال دبلوماسيون إن من المرجح أيضاً عقد اجتماع على مستوى عالٍ حول الصراع في السودان على هامش اجتماعات الجمعية العامة، لكن فرص تحقيق انفراجة دبلوماسية تبدو محدودة.

أوكرانيا... والأمن الغذائي

يتضمَّن جدول الأعمال أيضاً الحرب الروسية في أوكرانيا المستمرة منذ أكثر من 4 أعوام. ومن المقرر أن يلقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كلمتين أمام الجمعية العامة. وقال دبلوماسيون إن زيلينسكي سيسعى على الأرجح إلى تعزيز موقف أوكرانيا قبل حلول شتاء آخر من المتوقع أن يكون صعباً.

ولم يتمكَّن مجلس الأمن من اتخاذ إجراءات لإنهاء الصراع؛ بسبب امتلاك روسيا، العضو الدائم في المجلس، حق النقض (الفيتو).

وبدا ترمب في بعض الأحيان محبطاً من عدم تمكنه من التوسط لإنهاء الحرب، وهو هدف عدّه أولويةً عند بدء فترته الرئاسية الثانية في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي. وتحدَّث الرئيس الأميركي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين هذا الشهر لكن لم يتضح ما إذا كان بوتين يعتزم عقد لقاء مع زيلينسكي في نيويورك.

وسلط غوتيريش الضوء على تأثير الحرب على المدنيين، وكذلك على الأمن الغذائي وأسعار الطاقة.وقال: «الحصار الفعلي القائم في البحر الأسود يخلق مشكلات هائلة تضاف إلى المشكلات الناجمة عن الأزمة في الشرق الأوسط. وأعتقد أنه سيكون من المهم جداً إيجاد وسيلة تسمح باستئناف صادرات أوكرانيا وروسيا من الأغذية والأسمدة والطاقة عبر البحر الأسود بطريقة آمنة».

مخاطر الذكاء الاصطناعي المتزايدة

تنعقد اجتماعات الجمعية العامة بعد فترة وجيزة من دعوة عدد من كبار قادة قطاع الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء تطوير هذه التكنولوجيا بشكل منسق، محذرين من أنها ربما تصبح قريباً قادرة على تطوير نفسها ذاتياً، والخروج عن سيطرة البشر.

وقال غوتيريش إن الذكاء الاصطناعي سيكون أحد الموضوعات الرئيسية على جدول الأعمال، مضيفاً أن على الدول التي تمضي قدماً في تطوير هذه التكنولوجيا أن تضع «ضوابط مشتركة لتجنب هذا السباق نحو القاع الذي قد يقود يوماً ما إلى كارثة عالمية هائلة».

ودعا الأمين العام للأمم المتحدة منذ فترة طويلة إلى إطار عالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي. وأنشأت الأمم المتحدة في عام 2023 هيئة استشارية معنية بهذه التكنولوجيا تضم مسؤولين تنفيذيين في شركات التكنولوجيا ومسؤولين حكوميين وأكاديميين.

وأثارت هذه التحذيرات خلافاً بين غوتيريش وترمب الذي وصف المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بأنها «خدعة» قائلاً إن هناك «مؤامرة مريضة» ضد هذا القطاع، وإن الصين ستستفيد من التشكيك في تطويره.