رسائل متناقضة تعمق انقسام «الشعب الجمهوري»

أوزيل رفض تأسيس حزب جديد... وكليتشدار أوغلو يماطل في إجراء انتخابات داخلية

يؤيد أنصار حزب «الشعب الجمهوري» عودة زعيمه المعزول أزغور أوزيل (إ.ب.أ)
يؤيد أنصار حزب «الشعب الجمهوري» عودة زعيمه المعزول أزغور أوزيل (إ.ب.أ)
TT

رسائل متناقضة تعمق انقسام «الشعب الجمهوري»

يؤيد أنصار حزب «الشعب الجمهوري» عودة زعيمه المعزول أزغور أوزيل (إ.ب.أ)
يؤيد أنصار حزب «الشعب الجمهوري» عودة زعيمه المعزول أزغور أوزيل (إ.ب.أ)

كشفت رسائل متناقضة عن عمق الأزمة في حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، التي نتجت عن قرار محكمة في أنقرة بعزل رئيس الحزب المنتخب أوزغور أوزيل، وعودة رئيسه السابق كمال كليتشدار أوغلو لقيادته «مؤقتاً».

وأكّد أوزيل أنه سيواصل «النضال» لاستعادة زعامة الحزب، مُتمسّكاً بعقد المؤتمر العام للحزب لانتخاب رئيسه ومجالسه، ومستبعداً فكرة تأسيس حزب جديد، على الرغم مما أظهرته استطلاعات الرأي من ميل الناخبين لهذا الخيار. في المقابل، رفض كمال كليتشدار أوغلو اقتراح أوزيل بالاحتكام إلى أصوات مليوني عضو لعقد المؤتمر العام دون تأخير.

كليتشدار أوغلو يتجنب المؤتمر العام

في تصريحات أدلى بها خلال تهنئته الصحافيين بالعيد أمام منزله في أنقرة الأربعاء، قال كليتشدار أوغلو إن «طريقة انتخاب رئيس الحزب واضحة، ولا يمكن تجاهل الأحكام القضائية والتدابير الاحترازية التي وضعتها المحكمة، لو كان الأمر بيدي لذهبت إلى المؤتمر صباح الغد».

كليتشدار أوغلو متحدثاً إلى الصحافيين أمام منزله في أنقرة الأربعاء (إعلام تركي)

ولم ينفِ كليتشدار أوغلو نيته الترشح لرئاسة الحزب، ولمّح إلى أنه سيتّخذ إجراءات بشأن هياكل الحزب والمجموعة البرلمانية التي انتخب أوزيل لرئاستها، السبت الماضي، في أعقاب قرار المحكمة بتعليق قيادته للحزب مؤقتاً، مؤكداً أن كل شيء يجب أن يتم ضمن الإطار القانوني.

وعن دعوته الشرطة لاقتحام مقر الحزب، يوم الأحد الماضي، قال كليتشدار أوغلو: «يجب على الجميع الالتزام بالقوانين، سأوضح هذا الأمر للشعب في اجتماع عام سيعقد يوم الاثنين المقبل». وبشأن حديث بعض النواب عن منعهم من دخول مقر الحزب الأربعاء، قال: «لا يجوز إغلاق أبواب الحزب أمام الجمهور ولا أمام نوابه، مقر الحزب مفتوح على مدار الساعة، يمكن لأي شخص الحضور في أي وقت، هذا المكان ليس ملكاً لأحد».

أما عن الادعاءات التي تشير إلى أنه يخطط لطرد بعض الأسماء البارزة المعروفة بقربها من أوزيل داخل الحزب، أكّد أنه لا يمكن اتخاذ أي إجراء بناءً على الشائعات أو طلبات شخصية، بل يتم الالتزام بالنظام الأساسي للحزب.

شهادات متباينة

ردّ أوزيل على تصريحات كليتشدار أوغلو في اتصال هاتفي مع قناة «سوزجو» التلفزيونية، وعلّق على ما قاله بشأن اقتحام الشرطة لمقر الحزب، قائلاً: «لقد تحدثنا مع السيد كمال في اليوم السابق للهجوم على حزبنا، كل منا كلف زميلين بتحديد موعد المؤتمر العام، وكان من المقرر أن يجتمعوا ويتفاوضوا في تمام الساعة 12، ظهر الأحد الماضي، إلا أن هذين الزميلين اللذين كلفهما السيد كمال حضرا رفقة مجموعات تُشبه المافيا، إلى أبواب الحزب في السابعة صباحاً».

أوزيل متحدثاً للصحافيين عقب صلاة عيد الأضحى في مدينة مانيسا مسقط رأسه في غرب تركيا (من حسابه في «إكس»)

وأضاف: «حسب ما قرأت، قال السيد كمال إنه لم يُرسل هؤلاء إلى مقر الحزب في السابعة صباحاً، لم أصدق ذلك»، متسائلاً: «هل يُعتبر اقتحام مقر الحزب في هذا الوقت مع مجموعة تُشبه المافيا وموالية للرئيس رجب طيب إردوغان، في حين أن المفاوضات كانت مقررة في الثانية عشرة ظهراً، خطوةً تصالحية؟».

ونفى أوزيل قول كليتشدار أوغلو إن عقد المؤتمر العام للحزب يجب أن يتم وفق قرار المحكمة والإجراءات الاحترازية، مؤكداً أن هذه الأمور لا تمثل أي عائق أمام عقد المؤتمرات العامة أو الاستثنائية للحزب، «لأن المؤتمر، سواء أكان عادياً أم استثنائياً، هو عملية تأسيس جديدة». وأوضح أنه لا يوجد أي مانع قانوني لعقد مؤتمر بعد 45 يوماً من صدور قرار المحكمة.

أوزيل يتفوق في الاستطلاعات

في تصريحات أدلى بها عقب صلاة عيد الأضحى في مسقط رأسه بمدينة مانيسا غرب تركيا، أكّد أوزيل أنه لا ينوي تأسيس حزب جديد، قائلاً: «لا ينبغي لأحد أن يترك الحزب، ولا ينبغي لأحد أن يستقيل، سنواصل نضالنا من خلال حزبنا».

وعبّر أوزيل عن أمله في ألا يحاول كليتشدار أوغلو قيادة حزب لم يصل إلى رئاسته عبر الانتخابات، قائلاً: «إذا اتخذ السيد كمال قرار عقد المؤتمر بالتشاور مع مجلس الحزب، فلن تكون لدينا أي مشكلة أو صعوبة معه أو مع أي شخص يدعمه أو يعمل معه».

أوزيل يرفع علم حزب «الشعب الجمهوري» خلال تجمع حاشد لأنصاره في إزمير غرب تركيا يوم 26 مايو (من حسابه في «إكس»)

وعلى الرغم من تمسكه بعدم تأسيس حزب جديد، أظهر استطلاع للرأي أجرته شركة «نت إيه آر» إمكانية حدوث تغييرات جوهرية في التوازن السياسي الحالي بتركيا، وأنه حال تأسيس أوزيل حزباً جديداً سيحصل على 32.4 في المائة من أصوات الناخبين، بينما لن تزيد نسبة حزب «الشعب الجمهوري» تحت قيادة كليتشدار أوغلو عن 2.7 في المائة.

وبحسب الاستطلاع، الذي شارك فيه 4900 شخص في 26 ولاية في أنحاء مختلفة من تركيا، ستنتقل الشريحة الكبرى من ناخبي «الشعب الجمهوري» إلى حزب أوزيل الجديد، وسيتفوق على حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، الذي بلغت نسبته 29.4 في المائة.

كما أظهر استطلاع آخر أجرته شركة «أو آر جي» أن 92.2 في المائة من ناخبي «الشعب الجمهوري» يؤيدون استمرار أوزيل في النضال من أجل الحزب بعد قرار المحكمة واقتحام مقره.

بهشلي يتدخل

في الوقت ذاته، أثار رئيس حزب «الحركة القومية»، دولت بهشلي، الحليف الأقرب لإردوغان، جدلاً بتصريحات في مقابلة مع صحيفة «توركغون» نشرت الأربعاء، دعا فيها إلى عقد حزب «الشعب الجمهوري» مؤتمره العام في 9 سبتمبر (أيلول)، وهو تاريخ تأسيسه.

وقال بهشلي إن «قرار المحكمة - إن لم يكن نهائياً - إلا أنه ملزم»، مضيفاً أن «كليتشدار أوغلو هو زعيم الحزب الآن، وفي الإجراءات اللاحقة، سيلتزم بمتطلبات قرار المحكمة ودوره كزعيم للحزب»، معرباً عن أمله في أن يتجنب الحزب أي صراع يؤدي إلى انقسام قد يُشكّل ثقلاً كبيراً في السياسة التركية.

بهشلي كشف عن دعم موقف كليتشدار أوغلو في إدارة حزب الشعب الجمهوري على أساس قرار المحكمة (حساب حزب الحركة القومية في «إكس»)

ولفت إلى أن الصور «غير المرغوب فيها» لاقتحام الشرطة مقر الحزب عكست «انطباعاً غير عادل عن تركيا في الرأي العام المحلي والدولي، ومهّدت الطريق لحملات تشويه ضدها».

وكان بهشلي أجرى اتصالاً هاتفياً مع أوزيل، ليل الثلاثاء إلى الأربعاء، لتهنئته بالعيد، كما قال كليتشدار أوغلو إنه اتصل ببهشلي لتهنئته.

وردّاً على سؤال عما دار خلال الاتصال، قال أوزيل إن «السيد بهشلي كان ودوداً للغاية وتبادلنا التهنئة والتمنيات الطيبة بمناسبة العيد». وعما إذا كان اقترح عليه عقد المؤتمر العام للحزب في 9 سبتمبر، قال أوزيل إن «السيد بهشلي هو زعيم حزب سياسي آخر، وهناك خط فاصل بين الأحزاب السياسية فيما يتعلق بتقييم بعضها سياسات بعض، لم نتجاوز هذا الخط، ولن نتجاوزه».


مقالات ذات صلة

«فيلا أوجلان» ودوره في «السلام» يفجران الجدل في تركيا

شؤون إقليمية مسيرة نظمها حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في ديار بكر جنوب شرقي تركيا في 15 مايو الماضي للمطالبة بإطلاق سراح زعيم  حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان (رويترز)

«فيلا أوجلان» ودوره في «السلام» يفجران الجدل في تركيا

تفجَّر جدل جديد في تركيا حول تخصيص فيلا لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان بجزيرة إيمرالي حيث يقع سجنه، إضافة إلى مطالبته بوضع رسمي في «عملية السلام»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي مباحثات بين وزيرَي الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني في أنقرة (أرشيفية - الخارجية التركية)

فيدان بدمشق الأحد في زيارة رسمية ليومين

يبدأ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الأحد، زيارة رسمية إلى سوريا تستغرق يومين. وبحسب مصادر في وزارة الخارجية التركية، يلتقي فيدان خلال الزيارة، نظيره السوري

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد في خطاب في مدينة ريزا شمال تركيا ثقته في الفوز بالانتخابات المقبلة (الرئاسة التركية)

إردوغان يشعل تكهنات الانتخابات التركية المبكرة والمعارضة تؤكد جاهزيتها

أشعل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التكهنات حول انتخابات مبكرة قد تجرى في مارس (آذار) 2027، وأكدت المعارضة جاهزيتها للفوز بها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والشيخ محمد بن عبد الرحمن والوزير هاكان فيدان (الخارجية السعودية)

السعودية وقطر وتركيا تبحث خفض التصعيد الإقليمي

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مع رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان، جهود خفض التصعيد في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة عالمية إسماعيل كارتال قاد فناربخشه لآخر مرة أمام روما (رويترز)

فناربخشه يقبل استقالة مدربه إسماعيل كارتال

ذكرت تقارير إعلامية تركية أن نادي فناربخشه وافق على الاستقالة التي تقدَّم بها إسماعيل كارتال، المدير الفني للفريق الأول لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)

إيران: التقارير عن نشاط في «جبل الفأس» لا أساس لها

إيرانيون يسيرون أمام لوحة إعلانية سياسية في وسط طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون أمام لوحة إعلانية سياسية في وسط طهران (إ.ب.أ)
TT

إيران: التقارير عن نشاط في «جبل الفأس» لا أساس لها

إيرانيون يسيرون أمام لوحة إعلانية سياسية في وسط طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون أمام لوحة إعلانية سياسية في وسط طهران (إ.ب.أ)

قال المتحدث ​باسم وزارة الخارجية الإيرانية اليوم (الاثنين) إن التقارير التي تتحدث عن ‌وجود أنشطة ‌في ​موقع بيكاكس ‌ماونتن (جبل الفأس) ⁠لا ​أساس لها ⁠من الصحة، وذلك بعد أن ذكر ⁠الرئيس الأميركي دونالد ‌ترمب ‌أن ​الولايات ‌المتحدة تراقب ‌أنشطة هناك. وكان ترمب قد قال الأسبوع ‌الماضي إن الولايات المتحدة قد ⁠تضرب بيكاكس ⁠ماونتن وحث إيران على توخي الحذر.

إلى ذلك، أعلنت العلاقات العامة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، صباح اليوم، اعتراض طائرة مسيرة متطورة من طراز «إم كيو 1» وتدميرها بواسطة منظومة الدفاع الجوي التابعة للقوة الجوفضائية لـ«الحرس الثوري» فوق أجواء مضيق هرمز، وفقاً لوسائل إعلام إيرانية.

من جهة أخرى ، أفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بأن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، محمد إسلامي، جرى منعه من الدخول إلى فيينا حيث كان من المقرر أن يحضر اجتماعاً للمنظمة الدولية للطاقة الذرية بسبب «عقبات» وضعتها الولايات المتحدة.

وأورد التلفزيون أن «محمد إسلامي ووفده استقلوا رحلة عادية إلى فيينا (السبت) لكن تم اعتراضهم في الطريق بسبب عقبات وضعتها الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أنهما عادا إلى طهران، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان من المتوقع حضور إسلامي إلى مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمشاركة في المؤتمر العام السنوي حول الطاقة النووية.

ويأتي هذا في الوقت الذي تواجه الدبلوماسية في الشرق الأوسط حجر عثرة على ما يبدو، في حين أدت هجمات جديدة استهدفت أهم مسارين لنقل النفط في المنطقة إلى تفاقم المخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية.

ولا يزال المضيق يشكل مخاطر على نقل النفط، إذ أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أمس الأحد أن مقذوفاً أصاب سفينة في أثناء مرورها عبر مضيق هرمز، مما تسبب في اندلاع حريق وأجبر الطاقم على إخلاء السفينة.

من جانبها، قالت إيران إن شخصاً واحداً لقي حتفه وأصيب أربعة من أفراد الطاقم بجروح على متن سفينة تجارية إيرانية تعرضت للهجوم قبالة سواحلها.

وأظهرت بيانات أولية لتتبع حركة السفن اليوم أن عدد سفن نقل البضائع العابرة لمضيق هرمز انخفض إلى أقل من 10 سفن مطلع الأسبوع، وهو ما يقل بكثير عن متوسط 10 أيام البالغ 14 سفينة، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ولا تشمل هذه البيانات السفن التي ربما عبرت المضيق مع إيقاف تشغيل أجهزة الإرسال الخاصة بنظام التعرف الآلي لتجنب رصدها.


واشنطن لا تريد اتفاقاً «غير مثالي» مع طهران

صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن لا تريد اتفاقاً «غير مثالي» مع طهران

صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إن إيران «تسعى بشدة» إلى التوصل لاتفاق مع واشنطن، لكنه شدّد على أنه لن يقبل بتسوية وصفها بأنها «غير مثالية»، مجدداً تأكيده أن طهران لن تحصل على سلاح نووي. وأضاف ترمب، خلال زيارة إلى آيرلندا، أن إيران «تتصل باستمرار» سعياً إلى إجراء محادثات، لكن «عليهم أن يتوصلوا إلى اتفاق مناسب... لن أبرم معهم اتفاقاً غير مناسب».

وطرح ترمب احتمال استمرار انخراط الولايات المتحدة في إيران، وربط ذلك بإمكانية الاحتفاظ بالنفط، مشبهاً هذا الخيار بالترتيبات الأميركية المتعلقة بفنزويلا. وقال الرئيس الأميركي: «سنخرج في نهاية المطاف من إيران، إلا إذا قررنا البقاء والاحتفاظ بالنفط مثل فنزويلا»، مضيفاً أن الإيرادات الأميركية من فنزويلا «دفعت ثمن الحرب مرات كثيرة».

وتأتي هذه التصريحات فيما أصبح مضيق هرمز من أبرز أوراق الضغط في الحرب، نظراً إلى أهميته لحركة صادرات النفط والغاز من منطقة الخليج.

من جانبه، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن طهران ومسقط توصلتا إلى تفاهم بشأن إطار عمل لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز. وقال بزشكيان، أمس، إن الجانبين أجريا محادثات بشأن المضيق، وتوصلا إلى «إطار عمل محدد وخطة عمل»، على أن يناقش اجتماع وزاري في عُمان، اليوم (الاثنين)، تفاصيل هذا التفاهم.

من جهة أخرى، كشف تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز» أن الهجمات على السفن في مضيق هرمز نفذتها مجموعة متشددة في إيران من دون تفويض القيادة العليا، وأفشلت مساراً كان يقترب من إنهاء الحرب.

وبحسب التحقيق، فإن الهجمات التي وقعت في أوائل يوليو (تموز) لم تكن جزءاً من قرار رسمي متفق عليه داخل مؤسسات الحكم الإيرانية، لكنها أدت عملياً إلى نسف التفاهمات التي كانت واشنطن وطهران تعملان عليها، وإعادة الصراع إلى مسار التصعيد العسكري.


كيف أجهض متشددون إيرانيون اتفاق السلام مع ترمب؟

ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
TT

كيف أجهض متشددون إيرانيون اتفاق السلام مع ترمب؟

ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)

كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في أوج نفوذه مطلع يوليو (تموز)، بعد نجاحه للتو في التفاوض على اتفاق سلام مع الولايات المتحدة. وكان قد سافر إلى العراق المجاور للمشاركة في مراسم تشييع ضخمة للمرشد الأعلى الإيراني الذي قُتل في الحرب علي خامنئي.

وفجأة، تلقى خبراً صادماً.

فقد فتحت القوات الإيرانية النار على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، ما أدى إلى اشتعال ناقلة نفط قطرية وإلحاق أضرار بسفن أخرى. وأصبحت إيران تحت وطأة انتقادات دولية واسعة.

وفي غضب واضح، اتصل بزشكيان هاتفياً بالجنرال أحمد وحيدي، القائد العام لـ «الحرس الثوري» الإيراني القوي، وبصوت مرتفع وصف ما حدث بأنه عمل متهور وطالب بتفسيرات، وفقاً لخمسة مسؤولين إيرانيين وعضوين في «الحرس الثوري» مطلعين على الأحداث.

وقال المسؤولون الخمسة إن وحيدي أبلغ الرئيس بأنه لم يأذن بالهجوم ولم يكن على علم مسبق به. وأضاف أنه حتى المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يؤدي دوراً محورياً في كل من الحرب والمفاوضات، لم يكن على علم بالعملية.

في الواقع، لم يكن كثير من قادة البلاد يعلمون أن فصيلاً متشدداً هامشياً قرر التحرك من تلقاء نفسه. وفي نهاية المطاف، أدت تلك التحركات السرية إلى إفشال جهود قادها براغماتيون أكثر اعتدالاً في إيران لإنهاء الأعمال القتالية مع الولايات المتحدة وإصلاح اقتصاد البلاد المتعثر.

شكوك في صحة رسائل خامنئي

صورة كبيرة لمجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

ونجح المتشددون، جزئياً، لأن الشخص الوحيد الذي يملك السلطة لحسم مثل هذه الخلافات ــ المرشد الجديد مجتبى خامنئي ــ ظل بمثابة «شبح» منذ توليه منصبه في مارس (آذار). فلم يظهر علناً، ولم يُسمع صوته. كما أثيرت تساؤلات حول صحة البيانات والرسائل المكتوبة المنسوبة إليه، بما في ذلك من جانب بزشكيان نفسه، وفقاً لثلاثة مسؤولين إيرانيين.

وعاد بزشكيان فوراً إلى طهران، في صباح اليوم التالي، وبينما كانت مراسم التشييع لا تزال جارية، ردت الولايات المتحدة بشن غارات جوية على إيران، وعاد البلدان إلى الحرب. وقال مسؤولون إيرانيون كبار وعضو في «الحرس الثوري»، في مقابلات، إن ما أعقب ذلك كان من أكثر المواجهات السياسية اضطراباً داخل القيادة الإيرانية في الذاكرة الحديثة. ودخل مسؤولون في مشادات وصراخ متبادل، وهدد جنرالان كبيران بالاستقالة، فيما تبادل المسؤولون اتهامات بالخيانة والغدر.

وأضاف المسؤولون أن تداعيات تلك المواجهات أسهمت في إجراء تغيير في قيادة المجلس الأعلى للأمن القومي، وفي تعيين المرشد للجنرال محسن رضائي، وهو سياسي مخضرم وقائد سابق لـ «الحرس الثوري»، على رأس المجلس، نظراً إلى الاعتقاد بأنه يمتلك المهارة اللازمة للوساطة بين الفصائل السياسية المتنافسة.

المتشددون في موقع أقوى

لكن الانقسامات لا تزال قائمة، فيما أصبح المتشددون الذين دفعوا إيران نحو التصعيد في موقع أقوى. وفي الأسبوع الماضي، تبادلت إيران والولايات المتحدة الهجمات، إذ استهدفت إيران مراراً سفناً حربية أميركية للمرة الأولى، بينما فجرت الولايات المتحدة ما لا يقل عن ثماني ناقلات نفط إيرانية.

ويستند هذا التقرير عن المداولات الداخلية لقيادة إيران إلى مقابلات مع ثمانية مسؤولين إيرانيين، وثلاثة أعضاء في «الحرس الثوري»، وأربعة مسؤولين سابقين، إضافة إلى مراجعة عشرات الخطب والتصريحات لمسؤولين حكوميين وقادة عسكريين، نُشرت في الصحافة الإيرانية ووسائل التواصل الاجتماعي بين يونيو (حزيران) وسبتمبر (أيلول). وتحدث المسؤولون الذين أُجريت معهم المقابلات شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، نظراً إلى حساسية القضايا المتعلقة بالأمن القومي.

«رجل المخابرات» النافذ

حسين طائب القائد الجديد لوحدات «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (همشهري)

وقال ثلاثة مسؤولين إيرانيين إن التحقيقات التي أجرتها الحكومة والأجهزة الأمنية خلصت إلى أن قرار استهداف السفن التجارية الثلاث في يوليو (تموز) يعود إلى حسين طائب، وهو رجل دين ومسؤول استخبارات نافذ عارض اتفاق السلام مع الولايات المتحدة منذ البداية.

وقال المسؤولون إن طائب كان يبلغ المرشد الأعلى الجديد بأن إيران ارتكبت خطأ بإنهاء الحرب والموافقة على الاتفاق. وفي خطاب ألقاه مؤخراً أمام عائلات عسكريين، قال طائب إنه لم يكن معارضاً للمحادثات، لكنه أضاف أن «المفاوضات التي تتجاهل حقوق شعبنا وتتنازل أمام المطالب المفرطة للعدو لا مكان لها في السياسة الإيرانية».

وكان خامنئي قد عيّن طائب مؤخراً رئيساً لقوات «الباسيج»، التي تتولى مسؤولية قمع المعارضة والاضطرابات الداخلية.

وكان طائب قد شغل لأكثر من 20 عاماً منصب رئيس جهاز الاستخبارات التابع لـ «الحرس الثوري»، قبل أن يعزله المرشد السابق في عام 2022 بسبب إخفاقات، من بينها اختراق إسرائيلي لصفوف الجهاز وإحباط مؤامرة في تركيا.

وعاد طائب إلى الواجهة بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي، في بداية الحرب ولعب دوراً رئيسياً في اختيار نجله مجتبى خلفاً له، وفقاً لما قاله مسؤولون في ذلك الوقت.

«القضاء على آفاق أي مفاوضات»

بزشكيان في أثناء لقائه قيادات عسكرية (أرشيفية- الرئاسة الإيرانية)

وقال علي رضا نامور حقيقي، وهو خبير في الشأن الإيراني ومسؤول سابق لا يزال يحتفظ بعلاقات وثيقة داخل الحكومة الإيرانية، في مقابلة من كندا: «تم تدبير الهجوم على السفن بهدف نسف مذكرة التفاهم مع ترمب، والقضاء على آفاق أي مفاوضات أو اتفاقات مستقبلية».

وعندما طالب بزشكيان بمعرفة الجهة التي هاجمت السفن الثلاث، أُبلغ بأن قادة ميدانيين تصرفوا من تلقاء أنفسهم، استناداً إلى أمر يمنحهم صلاحية مهاجمة أي سفينة تنتهك سيطرة إيران على المضيق من دون انتظار موافقة القيادة المركزية، وفقاً للمسؤولين المطلعين على تلك المناقشات.

وفي إحدى علامات الخلاف، لم يصدر «الحرس الثوري» أي بيان يعلن فيه مسؤوليته عن هجوم 7 يوليو، كما جرت العادة في هجمات أخرى قبل ذلك وبعده. ونقل مسؤولون إيرانيون الرواية نفسها إلى الولايات المتحدة وبعض حلفائها الإقليميين في الساعات الأولى التي أعقبت الهجمات، محملين مسؤولية ما حدث لعناصر مارقة، وفقاً لمسؤولين أميركيين أطلعوا الصحافيين على التطورات في ذلك الوقت، وللمسؤولين الإيرانيين الثلاثة.

وأُوفد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى عُمان، التي تؤدي دوراً رئيسياً في الوساطة، في محاولة لتهدئة التوترات مع واشنطن.

وفي الوقت نفسه، كان المتشددون في الشوارع وعلى شاشات التلفزيون الرسمي الإيراني يهاجمون علناً فريق التفاوض واتفاق السلام الذي توصل إليه، فيما كانت الحشود، خلال التجمعات الليلية، تهتف للمطالبة بالعودة إلى الحرب.

* «خدمة نيويورك تايمز»