ملايين السودانيين يستقبلون العيد بين النزوح والفقر والجوع والخوف

عيد الأضحى يفقد ملامحه مع دخول الحرب عامها الرابع

خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
TT

ملايين السودانيين يستقبلون العيد بين النزوح والفقر والجوع والخوف

خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)

يدخل السودانيون عيد الأضحى هذا العام فيما تدخل الحرب عامها الرابع، وسط واقع إنساني واقتصادي قاس غيّر ملامح العيد، وأفقده كثيراً من معانيه الاجتماعية التي ظلت راسخة لعقود طويلة.

وفي بلد ارتبطت فيه الأعياد بالتجمعات العائلية والزيارات و«عزومات شواء الأضاحي»، يستقبل ملايين السودانيين العيد هذا العام بين النزوح والفقر والجوع والخوف، بينما تحولت الأولويات من شراء الأضحية وملابس الأطفال إلى البحث عن الغذاء والدواء ومياه الشرب.

واعتاد السودانيون خلال عيد الأضحى، وهم في ملابسهم ناصعة البياض، على تبادل الزيارات والدعوات مع الجيران والأصدقاء والأهل، وتناول شواء الأضاحي في المنازل والأحياء والساحات المفتوحة، باعتبارها واحدة من أبرز الطقوس الاجتماعية المرتبطة بالمناسبة، إلى جانب تبادل اللحوم والزيارات العائلية.

سودانيون ينتظرون دورهم للحصول على مياه صالحة للشرب (أ.ب)

لكن الحرب والانهيار الاقتصادي أضعفا تلك المظاهر بصورة كبيرة، بعد أن أصبحت أعداد واسعة من الأسر عاجزة عن شراء الأضاحي أو حتى توفير الاحتياجات الأساسية.

ويبدو اللاجئون والنازحون الأكثر معاناة خلال الأعياد، بعد أن فقد كثير منهم منازلهم ومصادر دخلهم واستقروا في معسكرات ومراكز إيواء تفتقر إلى الخدمات الأساسية، فيما يواجه المقيمون في المدن والبلدات الأخرى واقعاً اقتصادياً حانقاً يلتهم دخولهم المحدودة.

وفي مراكز النزوح داخل السودان، يمر العيد وسط خيام مكتظة ودرجات حرارة مرتفعة، مع نقص في الغذاء والمياه والرعاية الصحية، بينما تنتشر أمراض مثل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك في المناطق المتأثرة بالحرب.

وتقول أمونة إسماعيل، وهي نازحة من شمال دارفور تقيم في مركز إيواء بمدينة الدبة لـ«الشرق الأوسط»: «الأطفال لم يعودوا يسألون عن الملابس أو الألعاب، بل عن الطعام، كثيرون منهم لا يشعرون أصلاً أن هناك عيداً».

أما في معسكرات اللاجئين بدول الجوار، فتبدو الأوضاع أكثر تعقيداً، مع اعتماد أعداد كبيرة من السودانيين بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية، وتقول اللاجئة بأحد المعسكرات في أوغندا «م. ن» لـ«الشرق الأوسط»، إنها لم تشعر بطعم أي عيد منذ لجوئها، وتضيف: «لكن ماذا نفعل؟ ننتظر أن تتوقف الحرب ونعود لبلادنا»، وتتابع: «لم أكن أشتري خرافاً للضحية، فقد كنت أربيها في بيتي».

أما أم أحمد، وهي نازحة من كردفان إلى القضارف، فتقول: «في السابق كان العيد مناسبة للفرح والتواصل، الآن الناس تخجل لأنها لا تستطيع فعل شيء لأطفالها أو جيرانها النازحين».

لكن حتى خارج مناطق النزوح واللجوء، تبدو الحياة صعبة بالنسبة لكثير من السودانيين الذين بقوا في مدنهم وقراهم، مع الارتفاع الحاد في الأسعار وتراجع الدخول وانقطاع الخدمات الأساسية.

ويقول هاشم موسى، وهو معلم بالمرحلة الثانوية، إن راتبه البالغ 140 ألف جنيه لم يعد يساوي حتى ثمن جوال سكر واحد، بعدما تجاوز سعره 200 ألف جنيه سوداني.

ويضيف أن المعلمين لم يتسلموا الرواتب أو العلاوات، كما لم تُصرف مستحقات مراقبة الامتحانات، متسائلاً: «كيف يستطيع المعلم إدخال الفرحة على أطفاله أو شراء الملابس والطعام في ظل هذه الظروف؟».

ويقول عبد الله محمد يوسف (52 عاماً) إن الحرب استنزفت مدخرات الأسر وأضعفت العائد من الزراعة والعمل، مشيراً إلى أن عمله سائقاً لجرار زراعي «تراكتور»، لم يعد يوفر دخلاً يكفي لتغطية تكاليف المعيشة أو شراء خروف الأضحية.

أما خالد التهامي، الذي يعمل حداداً، فيقول إن الانقطاع المتكرر للكهرباء أثر بشكل مباشر على عمله ودخله، بينما أصبحت الزراعة أقل جدوى بسبب شح المياه وارتفاع تكاليف الوقود والتقاوي والآفات الموسمية، ما جعل شراء الأضحية هذا العام أمراً بالغ الصعوبة.

وقال الدكتور صلاح جلال، المتحدث باسم «المجموعة السودانية لمناصرة اللاجئين» لـ«الشرق الأوسط»، إن منظمات ومبادرات إغاثية عملت على تقديم الأضاحي في معسكرات اللاجئين السودانيين بشرق تشاد، خاصة في مناطق «أدري» و«مجي» و«أبو تنقي»، إضافة إلى معسكرات اللاجئين في جنوب السودان، ومعسكر «دويلي» ومدينة كمبالا في أوغندا.

وأضاف أن تلك المبادرات تستهدف التخفيف من معاناة الأسر التي فقدت كل شيء تقريباً بسبب الحرب، خصوصاً خلال الأعياد التي يشعر فيها اللاجئون والنازحون بالعزلة والفقد.

وأشار إلى أن منظمة الصليب الأحمر التركي قدمت 100 ثور أضحية لصالح اللاجئين السودانيين في معسكر «كرياندنقو» في أوغندا.

وخلال السنوات الأخيرة، لم تعد الأضحية مجرد شعيرة دينية فقط، بل أصبحت أيضاً مظهراً اجتماعياً يعكس القدرة المادية والاستقرار الأسري، خاصة في المدن الكبرى، لكن الحرب والانهيار الاقتصادي دفعا كثيراً من الأسر إلى التخلي عن تلك الطقوس للمرة الأولى.

وتأثرت أسواق المواشي بالحرب بصورة مباشرة، بعد خروج مناطق واسعة في كردفان ودارفور، المعروفة بإنتاج الضأن، عن نشاطها الطبيعي بسبب القتال وانعدام الأمن وصعوبة نقل المواشي.

ويقول متعاملون في تجارة الماشية إن حركة نقل الضأن من دارفور وكردفان إلى ولايات الوسط والشمال تراجعت بشكل حاد بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف النقل والقيود المفروضة على حركة المواشي، ما تسبب في ارتفاع الأسعار في المدن الرئيسية.

وتتراوح أسعار الخراف في ولايات الوسط والشمال بين 700 ألف ومليون و500 ألف جنيه سوداني، أي نحو 150 إلى 300 دولار أميركي، وهي مبالغ تفوق قدرة معظم الأسر التي استنزفتها الحرب والتضخم وفقدان مصادر الدخل.

أطفال في أم درمان ينتظرون بلهفة وصول خروف العيد (د.ب.أ)

في المقابل، تراوحت الأسعار داخل دارفور وكردفان بين 250 و300 ألف جنيه سوداني بسبب الركود وضعف القوة الشرائية وصعوبة نقل الماشية إلى بقية أنحاء البلاد.

ومع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية، يبدو أن ملايين السودانيين يستقبلون عيداً آخر مثقلاً بالفقد، حيث لم تعد المناسبة مرتبطة بالفرح بقدر ما أصبحت تذكيراً يومياً بحجم التحولات التي فرضتها الحرب على حياة الناس ومجتمعهم.

وفي مؤشر آخر على التحولات التي فرضتها الحرب على الحياة الاجتماعية، اتجهت بعض الولايات السودانية إلى إقامة صلاة عيد الأضحى داخل المساجد بدلاً من الساحات العامة التي اعتاد السودانيون أداء الصلاة فيها لعقود.

ففي ولاية سنار، أجازت لجنة الأمن بالولاية خطة تأمينية خاصة بالعيد، تضمنت توجيهات بإقامة الصلاة داخل المساجد، بحسب «وكالة السودان للأنباء» الرسمية.

ويقول سودانيون إن غياب مشهد «صلاة الساحات» هذا العام يعكس حجم التغيرات التي فرضتها الحرب على تفاصيل الحياة اليومية وطقوس المناسبات العامة، بعدما كانت ساحات العيد تمثل مساحة مفتوحة للتلاقي الاجتماعي وتبادل التهاني صباح العيد.


مقالات ذات صلة

من واشنطن إلى العالم... 5 حقائق عن جذور عيد الأب

يوميات الشرق إليكم أبرز الحقائق التاريخية المرتبطة بعيد الأب (بكسلز)

من واشنطن إلى العالم... 5 حقائق عن جذور عيد الأب

في 21 يونيو من كل عام يحتفي الملايين بـ«عيد الأب».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)

السعودية: الأطباق العصرية تنافس الوجبات التقليدية في صباح الأضحى

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد موائد الإفطار في الأعياد مقتصرة على الأطباق الشعبية المتوارثة، بل دخلت إليها خيارات حديثة تُقدَّم بأساليب مبتكرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق يحتفل السعوديون بعيد الأضحى المبارك وسط أجواء إيمانية وفرحة متجددة (واس)

عيد الأضحى في السعودية... طقوس متوارثة وفرح متجدد

يحتفل السعوديون الأربعاء بعيد الأضحى المبارك، بينما يواصل حجاج بيت الله الحرام استكمال مناسكهم في المشاعر المقدسة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
شمال افريقيا من شرق ليبيا إلى غربها تتفاوت أسعار الخراف في ظل ارتفاع أسعارها عن العام الماضي (إ.ب.أ)

غلاء الأضاحي هاجس يؤرق الطبقة الوسطى في ليبيا

بين ارتفاع الأسعار ومحدودية الرواتب، تجد الطبقة الوسطى نفسها في ليبيا محاصرة بين الاستدانة من الأقارب أو الاقتراض المصرفي للقيام بشعيرة الأضحية.

جاكلين زاهر (القاهرة)
يوميات الشرق قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

يحتفل المصريون بعيد شم النسيم من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد «شم النسيم» وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة.

محمد الكفراوي (القاهرة )

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

يرى باحثون أن موجة الهجرة إلى جيب سبتة، الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، قبل نحو أسبوعين، لا تنبع فقط من عوز وبطالة كدافعين تقليديين لدى الطبقات الأكثر فقراً، ولا سيما في ظل التنمية الاقتصادية في المغرب، بل تنطلق من تراجع للثقة بالمستقبل لدى طبقات أخرى، في ظل صورة جذابة عن أوروبا تلازم الأذهان.

وخلال يومين من أواخر يوليو (تموز) الماضي، توافد عشرات الآلاف من المغاربة، بينهم الكثير من القاصرين، بعد شائعات عن فتح الحدود مع جيب سبتة، ونجح نحو 72 ألفاً منهم في الدخول قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وأودى ذلك بحياة العشرات وفق السلطات ومنظمات. لكن هذه الموجة من الهجرة جاءت فيما سجّل المغرب نمواً اقتصادياً لافتاً، بلغ 5 في المائة عام 2025، وسط تفاؤل باستمرار النمو ارتباطاً على الخصوص بإطلاق عدة استثمارات في البنى التحتية وقطاع الخدمات، في أفق التحضير للتنظيم المشترك لكأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال.

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

وإذا كانت البطالة دافعاً تقليدياً للهجرة فإن الفئات، التي شاركت في هذه الموجة الأخيرة «تبدو أكثر تنوعاً وبينها أشخاص يُفترض (...) أنهم في أوضاع اجتماعية واقتصادية مقبولة نسبياً»، وفق رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان محمد بنعيسى، وهو إحدى الجمعيات التي تابعت الأحداث.

رحلة لآفاق أرحب

في مشهد غير معتاد مقارنة مع حوادث هجرة غير نظامية سابقة، جاء سعيد طريبق (38 عاماً) إلى المعبر الحدودي في سيارته برفقة طفليه، بعدما سمع أن الحدود ستكون مفتوحة. سعيد يعمل حرفياً في طنجة، ثاني قطب اقتصادي بالمغرب، في وضع «لا بأس به» كما يصفه. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية لدى عودته من سبتة: «ظننت أنني سأربح أكثر إن بذلت هناك الجهد نفسه الذي أبذله هنا... وفكرت أيضاً في أن العمل في إسبانيا سيؤمن مستقبلاً أفضل لأطفالي».

وحسب شهادات عدّة جمعها مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية، فقد ترك كثيرون، مثل سعيد، وظائفهم لركوب المغامرة المحفوفة بالمخاطر، على أمل تحسين أوضاعهم في أوروبا. ومن بين هؤلاء المهاجرين العائدين قاصرون على غرار أيوب الأبيض (16 عاماً)، الذي شعر بأن مستقبله كان سيكون أفضل في أوروبا، كما قال لوكالة الصحافة الفرنسية بعد عودته من سبتة. وأضاف: «أدرس في الثانية ثانوي ونتائجي جيدة، لكنني لست واثقاً بالحصول على عمل في مستوى طموحي».

محاولة العبور إلى سبتة سباحة تسببت في وفاة العشرات من المهاجرين (أ.ف.ب)

ويعتقد بنعيسى أن ما حصل «مؤشر أعمق يرتبط بأزمة الثقة بالمستقبل، وبقدرة المؤسسات على توفير الأمان الاجتماعي وتكافؤ الفرص والشعور بالاستقرار».

تأثير مواقع التواصل الاجتماعي

تنبه الباحثة في علم الاجتماع، سمية نعمان جسوس، إلى أن صورة «الفردوس الأوروبي لا تزال قوية جداً»؛ إذ «ترتبط أوروبا في أذهان الشباب بالنجاح والترقي الاجتماعي والحياة الأفضل». مشيرة أيضاً إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي «في تضخيم هذه الظاهرة».

في المقابل، تعتقد جسوس أن الشعور بعدم القدرة على التعبير «يمكن أن يكون طريقاً مهماً» لفهم هذه الظاهرة. وتوضح أنه عندما لا يجد شاب «فضاءات للتعبير عن تذمره، والدفاع عن حقوقه، والمشاركة في القرارات (...) يمكن أن يشعر بأنه غير فاعل في المجتمع، بل مجرد متفرج في بلد يبنى دونه».

شبان مغاربة يلتقطون صورة جماعية بعد تمكنهم من دخول سبتة (أ.ف.ب)

منذ نحو عقد أصبحت الحركات الاجتماعية في المغرب عفوية، بينما تعجز الأحزاب السياسية والنقابات عن تعبئة الشارع. وبالموازاة مع ذلك، يتزايد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها خرجت آخر حركة اجتماعية واسعة في خريف العام الماضي، تحت اسم «جيل زد 212»، التي عبرت عن مطالب متظاهرين شباب بتحسين مستوى الصحة والتعليم، وتخللتها أعمال عنف في بعض المدن.

ويشير بنعيسى إلى أن دراسة ميدانية لمرصد الشمال لحقوق الإنسان، شملت 500 شاب وشابة في مدن قريبة من سبتة، أظهرت أن «74.2 في المائة يتابعون صفحات ومحتويات مرتبطة بالتخطيط للهجرة»، وأن «81 في المائة يرون أن هذه المحتويات تجعلهم يعتقدون أن الهجرة حل».

بعد الأزمة، ألقت السلطات باللوم على «الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ودور عصابات الاتجار بالبشر». لكن منظمات حقوقية وسياسيين ومعلقين تساءلوا عن سبب عدم منع المهاجرين من الوصول إلى مدينة الفنيدق المجاورة لسبتة، وطالبوا بالتحقيق في الموضوع.

والأربعاء، أعلنت وزارة الداخلية اتخاذ جميع التدابير الأمنية، بعد صدور دعوات جديدة للعبور إلى سبتة، السبت الفائت، وتوقيف مشتبه بهم.


تحرير رهينة أميركي من «داعش» يفجر جدلاً في ليبيا

المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)
المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)
TT

تحرير رهينة أميركي من «داعش» يفجر جدلاً في ليبيا

المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)
المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)

خلَّف الإفراج عن المبشر الأميركي كيفن رايدوت، الذي كان محتجزاً لدى جماعة تابعة لتنظيم «داعش» في منطقة الساحل بغرب أفريقيا، جدلاً حاداً في ليبيا، بعدما أُعلن عن مساعدة السلطات في شرق البلاد، الخاضعة لسيطرة قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، في تأمين إطلاق سراحه، وسط تضارب حول طبيعة الدور الذي لعبته قواته.

وتباينت الروايات التي نقلتها وكالة «رويترز» بشأن الدور الليبي في العملية، لتتحول القضية سريعاً إلى سجال بين مؤيدي حفتر ومعارضيه، في بلد يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ أكثر من عقد بين شرق البلاد وغربها.

وتمسك معسكر المؤيدين للجيش الوطني برواية «رويترز»، التي نقلت عن مصدر عسكري، أن «قوة نخبة من الجيش الوطني نفذت مداهمة داخل الأراضي المالية، قبل نقل رايدوت جواً إلى بنغازي».

ورغم أن الوكالة لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من تفاصيل الرواية، فإن الإعلام الموالي للقيادة العامة ركز عليها، باعتبارها مؤشراً على قدرة قوات حفتر على تنفيذ عمليات تتجاوز الحدود الليبية.

وقال الناشط السياسي عمر بوسعيدة، المقرب من القيادة العامة، إن الإفراج عن الرهينة يجعل المواطن الليبي «يفتخر بجيشه»، في تعبير عن الاحتفاء بالرواية التي نسبت العملية إلى قوات حفتر.

القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)

في المقابل، تمسكت أوساط معارضة للجيش الوطني بروايات أخرى، نقلتها «رويترز»، بينها أن الجهود الأخيرة لتأمين الإفراج عن رايدوت قادها شريف ولد طاهر، وهو رجل أعمال مالي من أصول عربية، تربطه صلات بجماعات مسلحة وشبكات تهريب في المنطقة. وقالت إحدى الروايات إن «الجانب الليبي دفع فدية مقابل إطلاق سراحه، بينما لم يتضح ما إذا كان قد جرى تبادل أموال، أو أي مقابل آخر».

وشكك الناشط فيصل الشريف، أحد معارضي القيادة العامة، في رواية تدخل قوات خاصة تابعة لحفتر، مستبعداً أن تكون قوة ليبية «تخطت النيجر وحررت رهينة أميركياً في مالي». وهكذا لم تعد قضية رايدوت مجرد عملية لتحرير رهينة، بل تحولت إلى اختبار لروايات متنافسة حول مدى نفوذ حفتر وقدرته على التحرك خارج الحدود.

وبينما تصاعد السجال، التزمت المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا الحذر. وامتنع مسؤول عسكري بارز في الجيش الوطني عن التعليق لـ«الشرق الأوسط» على قضية الإفراج عن المبشر الأميركي، متحفظاً على الخوض في ملابساتها.

وقد يكون هذا الصمت من جانب «الجيش الوطني» مقصوداً أكثر مما يبدو، وفق محللين، رأوا أنه إذا كانت العملية تفاوضية، فإن كشف تفاصيلها قد يضر بشبكات الوساطة، التي أتاحت الوصول إلى الخاطفين. أما إذا كانت عسكرية بالفعل، فإن تأكيد تنفيذ قوة ليبية عملية داخل الأراضي المالية يفتح أسئلة سياسية وقانونية وعسكرية، تتجاوز قضية الرهينة نفسها.

وينظر إلى أهمية القضية بالنسبة إلى حفتر في علاقته بواشنطن. فهو يسعى منذ سنوات إلى تقديم قواته باعتبارها شريكاً محتملاً في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، وقد أصبح، بحسب رواية «رويترز»، طرفاً في تحرير مواطن أميركي، كانت إدارة الرئيس دونالد ترمب تعدُّ استعادته أولوية أمنية.

وإذا تأكد الدور العسكري، فإن العملية ستعني، حسب مراقبين، أن القدرات الأمنية والعسكرية وشبكات العلاقات، التي بناها حفتر في جنوب ليبيا ومنطقة الساحل، تجاوزت نطاق الصراع الليبي الداخلي إلى ملف ذي صلة مباشرة بالأمن القومي الأميركي. أما إذا كان الإفراج قد تم عبر وسطاء، فإن ذلك يكشف بدوره عن شبكة علاقات غير رسمية، يمكن أن تمنح حفتر نفوذاً يتجاوز الأدوات العسكرية التقليدية.

وفي الحالتين، يرى مراقبون أن طريقة تحرير الرهينة تبدو أكثر حساسية من النتيجة نفسها. فعملية عسكرية داخل دولة أخرى تحمل دلالات قانونية وسياسية مختلفة تماماً عن اتفاق جرى عبر وسطاء محليين، كما أن كشف تفاصيل أي مسار تفاوضي قد يضر بقنوات الاتصال، التي أدت إلى إطلاق سراحه.

وكان رايدوت قد اختُطف في النيجر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في أثناء توجهه إلى مطار نيامي، قبل أن يُعتقد أنه نُقل إلى مالي، حيث تنشط جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمي «داعش» و«القاعدة».

وسبق أن وضعت إدارة ترمب استعادته بين أولوياتها في منطقة الساحل، واتخذت واشنطن خطوات لتسهيل عمليات البحث عنه، من بينها رفع عقوبات عن مسؤولين ماليين كبار، بهدف تأمين مرور الطائرات الأميركية في المجال الجوي المالي.

ولم تؤكد الولايات المتحدة دور حفتر في العملية، واكتفى ترمب بالإعراب عن تطلعه إلى الترحيب بعودة رايدوت إلى بلاده، بينما امتنعت وزارة الخارجية الأميركية عن التعليق، ولم يرد «البيت الأبيض» على طلب للتعليق بشأن مشاركة قوات حفتر، وفق ما أوردت «رويترز».

ولم يكن رايدوت مجرد مواطن أميركي وقع ضحية اختطاف عابر؛ فقد عاش في النيجر قرابة عقدين مع أسرته، وعمل طياراً لدى منظمة إنجيلية، ونقل فرقاً تبشيرية بين نيامي ومناطق أخرى، كما شارك مع زوجته في مشروعات إنسانية، شملت حفر الآبار وتوفير المياه، ومساعدة اللاجئين وبرامج محو الأمية.

وخطف ثلاثة مسلحين رايدوت من خارج منزله في نيامي، واقتادوه باتجاه منطقة تيلابيري غرب البلاد، قبل أن يُعتقد أنه نُقل إلى مالي، ووقع في أيدي جماعة مرتبطة بـ«داعش».


تصعيد جديد من المعارضة في الكونغو الديمقراطية لإحباط ترشح رئيس الدولة لولاية ثالثة

رئيس الكونغو الديمقراطية (صفحة الرئاسة على إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية (صفحة الرئاسة على إكس)
TT

تصعيد جديد من المعارضة في الكونغو الديمقراطية لإحباط ترشح رئيس الدولة لولاية ثالثة

رئيس الكونغو الديمقراطية (صفحة الرئاسة على إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية (صفحة الرئاسة على إكس)

فتحت مشاورات وتجمعات حاشدة للمعارضة في الكونغو الديمقراطية باب التصعيد لرفض مشروع قانون يسمح بتعديل الدستور والسماح بولاية ثالثة للرئيس فيليكس تشيسكيدي، في البلد الأفريقي الغارق منذ سنوات في مواجهات مسلحة مع متمردين شرقي البلاد، ويعاني منذ أشهر من تفشي وباء «الإيبولا».

واستبق تشيسكيدي تحركات المعارضة بطلب للبرلمان بإعادة المداولة بشأن القانون المثير للانتقادات بالبلاد، وهذه الخطوة يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مناورة سياسية لإحباط تنامي الاحتجاجات والتصعيد الجديد من المعارضة.

وبدأ تشيسكيدي (62 عاماً) ولايته الأولى في يناير (كانون الثاني) 2019، واستمرت حتى 2023، قبل انتخابه لولاية ثانية من 2024 إلى 2029، ويُفترض أن تنتهي، وفق الدستور في نهاية عام 2028.

ويُقيد الدستور الحالي، الصادر عام 2006، الرئاسة بفترتين فقط، مدة كل منهما 5 سنوات، ما يعني عدم قدرته على الترشح لولاية ثالثة إلا بعد تعديل دستوري يتطلب موافقة أغلبية البرلمان وإجراء استفتاء شعبي، تسعى له الموالاة، وقد قوبل هذا المسار برفض واسع من المعارضة على مدار الأشهر الماضية.

وبث المساعد السابق لرئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية وزعيم المعارضة جان مارك كابوند، السبت، لقطات عبر صفحته بـ«فيسبوك» وسط حشود، قبيل اجتماع لدراسة خيارات مواجهة عدم تحديد السلطة موعداً للحوار الوطني.

وكان ائتلاف المعارضة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، المعروف باسم «الائتلاف 64» حدد أواخر يوليو (تموز) الماضي، مهلة تنتهي في 15 أغسطس (آب) 2026 كي يدعو تشيسكيدي رسمياً إلى حوار وطني شامل، حسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» وقتها.

وحذر الائتلاف من أنه «إذا لم ينعقد في الموعد المحدد، أو بقيت التعهدات دون ترجمة ملموسة، فإنه سيدعو الكونغوليين إلى استئناف التحركات المدنية السلمية». ودعا إلى تنظيم مظاهرة حاشدة في 15 أغسطس الحالي احتجاجاً على مشروع تعديل الدستور، بعد نحو شهرين من تصعيد مماثل في يونيو (حزيران) الماضي شهد فض المظاهرات بالقوة من الشرطة.

ويرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية صالح إسحاق عيسى، أن طلب تشيسكيدي إعادة المداولة في قانون تنظيم الاستفتاء، «لا يبدو في ضوء توقيته ومضمونه تراجعاً عن مسار إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية، بقدر ما يبدو تراجعاً تكتيكياً ومدروساً لتخفيف الضغط وإعادة ترتيب المسار».

وجاء الطلب قبل يوم فقط من انتهاء المهلة التي حددها ائتلاف المعارضة، وتلويحه بتعبئة الشارع إذا لم يتراجع الرئيس عن مشروع الإصلاح الدستوري ويفتح حواراً وطنياً شاملاً.

ولذا يعد عيسى ذلك «عدم تراجع، خاصة أنه لم يطلب سحب قانون الاستفتاء، بل إعادته إلى البرلمان لمداولة جديدة في ضوء ملاحظات المحكمة الدستورية. وهذا الفارق مهم؛ لأن المحكمة الدستورية أقرت القانون في 28 يوليو الماضي، مع إبداء تحفظات على عدد من مواده، ما يجعل إعادة المداولة أقرب عملياً إلى تصحيح النص وإعادة تحصينه قانونياً منها إلى التخلي عن فكرة الاستفتاء».

الرئيس تشيسكيدي خلال ترؤسه اجتماعاً للحكومة (صفحة الرئاسة على إكس)

ومن المقرر أن يعود الملف إلى البرلمان خلال دورة سبتمبر (أيلول) المقبل، وهذا يراه الخبير في الشؤون الأفريقية، «يمنح الرئاسة هامشاً زمنياً لاحتواء التوتر ومراقبة ردود فعل المعارضة والشارع، لذلك يمكن اعتباره تراجعاً أمام الضغوط، وجساً للنبض السياسي أو مناورة سياسية أكثر منها تغييراً في الاتجاه أو تراجعاً عن الهدف النهائي».

«وسيترقب تشيسكيدي نبض الشارع، فإذا هدأت الاحتجاجات يمكن استئناف المسار في سبتمبر المقبل من موقع أقوى، وإذا تصاعدت يمكن استخدام إعادة المداولة كبادرة حسن نية وفتح باب التفاوض، وإذا نجح في تعديل القانون بما يبدد التحفظات القانونية، فسيكون قد حافظ على أداة أساسية لإعادة تشكيل قواعد اللعبة»، وفق عيسى.

ويضيف: «ستكون الاحتجاجات المسار الأرجح في مواجهة ترشح فيليكس تشيسكيدي لولاية ثالثة»، ويشير إلى أنه في هذه الحالة، تتعدد السيناريوهات.

وتتمثل أبرز الاحتمالات، بحسب عيسى، «في تصاعد الاحتجاجات واتساع نطاقها، ورفع مستوى التوتر بين الشارع وقوات الأمن، وقد تتجه الأزمة كذلك إلى مواجهة سياسية ومؤسساتية، مع استمرار الأغلبية البرلمانية في دعم مسار التعديل مقابل رفض المعارضة، لينتقل الصراع إلى البرلمان والمحكمة الدستورية والمؤسسات الانتخابية... والسيناريو الثالث هو الحوار والتسوية السياسية، عبر تقديم السلطة ضمانات بشأن الانتخابات المقبلة وحدود الولايات الرئاسية لاحتواء الاحتقان».