ملايين السودانيين يستقبلون العيد بين النزوح والفقر والجوع والخوف

عيد الأضحى يفقد ملامحه مع دخول الحرب عامها الرابع

خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
TT

ملايين السودانيين يستقبلون العيد بين النزوح والفقر والجوع والخوف

خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)

يدخل السودانيون عيد الأضحى هذا العام فيما تدخل الحرب عامها الرابع، وسط واقع إنساني واقتصادي قاس غيّر ملامح العيد، وأفقده كثيراً من معانيه الاجتماعية التي ظلت راسخة لعقود طويلة.

وفي بلد ارتبطت فيه الأعياد بالتجمعات العائلية والزيارات و«عزومات شواء الأضاحي»، يستقبل ملايين السودانيين العيد هذا العام بين النزوح والفقر والجوع والخوف، بينما تحولت الأولويات من شراء الأضحية وملابس الأطفال إلى البحث عن الغذاء والدواء ومياه الشرب.

واعتاد السودانيون خلال عيد الأضحى، وهم في ملابسهم ناصعة البياض، على تبادل الزيارات والدعوات مع الجيران والأصدقاء والأهل، وتناول شواء الأضاحي في المنازل والأحياء والساحات المفتوحة، باعتبارها واحدة من أبرز الطقوس الاجتماعية المرتبطة بالمناسبة، إلى جانب تبادل اللحوم والزيارات العائلية.

سودانيون ينتظرون دورهم للحصول على مياه صالحة للشرب (أ.ب)

لكن الحرب والانهيار الاقتصادي أضعفا تلك المظاهر بصورة كبيرة، بعد أن أصبحت أعداد واسعة من الأسر عاجزة عن شراء الأضاحي أو حتى توفير الاحتياجات الأساسية.

ويبدو اللاجئون والنازحون الأكثر معاناة خلال الأعياد، بعد أن فقد كثير منهم منازلهم ومصادر دخلهم واستقروا في معسكرات ومراكز إيواء تفتقر إلى الخدمات الأساسية، فيما يواجه المقيمون في المدن والبلدات الأخرى واقعاً اقتصادياً حانقاً يلتهم دخولهم المحدودة.

وفي مراكز النزوح داخل السودان، يمر العيد وسط خيام مكتظة ودرجات حرارة مرتفعة، مع نقص في الغذاء والمياه والرعاية الصحية، بينما تنتشر أمراض مثل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك في المناطق المتأثرة بالحرب.

وتقول أمونة إسماعيل، وهي نازحة من شمال دارفور تقيم في مركز إيواء بمدينة الدبة لـ«الشرق الأوسط»: «الأطفال لم يعودوا يسألون عن الملابس أو الألعاب، بل عن الطعام، كثيرون منهم لا يشعرون أصلاً أن هناك عيداً».

أما في معسكرات اللاجئين بدول الجوار، فتبدو الأوضاع أكثر تعقيداً، مع اعتماد أعداد كبيرة من السودانيين بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية، وتقول اللاجئة بأحد المعسكرات في أوغندا «م. ن» لـ«الشرق الأوسط»، إنها لم تشعر بطعم أي عيد منذ لجوئها، وتضيف: «لكن ماذا نفعل؟ ننتظر أن تتوقف الحرب ونعود لبلادنا»، وتتابع: «لم أكن أشتري خرافاً للضحية، فقد كنت أربيها في بيتي».

أما أم أحمد، وهي نازحة من كردفان إلى القضارف، فتقول: «في السابق كان العيد مناسبة للفرح والتواصل، الآن الناس تخجل لأنها لا تستطيع فعل شيء لأطفالها أو جيرانها النازحين».

لكن حتى خارج مناطق النزوح واللجوء، تبدو الحياة صعبة بالنسبة لكثير من السودانيين الذين بقوا في مدنهم وقراهم، مع الارتفاع الحاد في الأسعار وتراجع الدخول وانقطاع الخدمات الأساسية.

ويقول هاشم موسى، وهو معلم بالمرحلة الثانوية، إن راتبه البالغ 140 ألف جنيه لم يعد يساوي حتى ثمن جوال سكر واحد، بعدما تجاوز سعره 200 ألف جنيه سوداني.

ويضيف أن المعلمين لم يتسلموا الرواتب أو العلاوات، كما لم تُصرف مستحقات مراقبة الامتحانات، متسائلاً: «كيف يستطيع المعلم إدخال الفرحة على أطفاله أو شراء الملابس والطعام في ظل هذه الظروف؟».

ويقول عبد الله محمد يوسف (52 عاماً) إن الحرب استنزفت مدخرات الأسر وأضعفت العائد من الزراعة والعمل، مشيراً إلى أن عمله سائقاً لجرار زراعي «تراكتور»، لم يعد يوفر دخلاً يكفي لتغطية تكاليف المعيشة أو شراء خروف الأضحية.

أما خالد التهامي، الذي يعمل حداداً، فيقول إن الانقطاع المتكرر للكهرباء أثر بشكل مباشر على عمله ودخله، بينما أصبحت الزراعة أقل جدوى بسبب شح المياه وارتفاع تكاليف الوقود والتقاوي والآفات الموسمية، ما جعل شراء الأضحية هذا العام أمراً بالغ الصعوبة.

وقال الدكتور صلاح جلال، المتحدث باسم «المجموعة السودانية لمناصرة اللاجئين» لـ«الشرق الأوسط»، إن منظمات ومبادرات إغاثية عملت على تقديم الأضاحي في معسكرات اللاجئين السودانيين بشرق تشاد، خاصة في مناطق «أدري» و«مجي» و«أبو تنقي»، إضافة إلى معسكرات اللاجئين في جنوب السودان، ومعسكر «دويلي» ومدينة كمبالا في أوغندا.

وأضاف أن تلك المبادرات تستهدف التخفيف من معاناة الأسر التي فقدت كل شيء تقريباً بسبب الحرب، خصوصاً خلال الأعياد التي يشعر فيها اللاجئون والنازحون بالعزلة والفقد.

وأشار إلى أن منظمة الصليب الأحمر التركي قدمت 100 ثور أضحية لصالح اللاجئين السودانيين في معسكر «كرياندنقو» في أوغندا.

وخلال السنوات الأخيرة، لم تعد الأضحية مجرد شعيرة دينية فقط، بل أصبحت أيضاً مظهراً اجتماعياً يعكس القدرة المادية والاستقرار الأسري، خاصة في المدن الكبرى، لكن الحرب والانهيار الاقتصادي دفعا كثيراً من الأسر إلى التخلي عن تلك الطقوس للمرة الأولى.

وتأثرت أسواق المواشي بالحرب بصورة مباشرة، بعد خروج مناطق واسعة في كردفان ودارفور، المعروفة بإنتاج الضأن، عن نشاطها الطبيعي بسبب القتال وانعدام الأمن وصعوبة نقل المواشي.

ويقول متعاملون في تجارة الماشية إن حركة نقل الضأن من دارفور وكردفان إلى ولايات الوسط والشمال تراجعت بشكل حاد بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف النقل والقيود المفروضة على حركة المواشي، ما تسبب في ارتفاع الأسعار في المدن الرئيسية.

وتتراوح أسعار الخراف في ولايات الوسط والشمال بين 700 ألف ومليون و500 ألف جنيه سوداني، أي نحو 150 إلى 300 دولار أميركي، وهي مبالغ تفوق قدرة معظم الأسر التي استنزفتها الحرب والتضخم وفقدان مصادر الدخل.

أطفال في أم درمان ينتظرون بلهفة وصول خروف العيد (د.ب.أ)

في المقابل، تراوحت الأسعار داخل دارفور وكردفان بين 250 و300 ألف جنيه سوداني بسبب الركود وضعف القوة الشرائية وصعوبة نقل الماشية إلى بقية أنحاء البلاد.

ومع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية، يبدو أن ملايين السودانيين يستقبلون عيداً آخر مثقلاً بالفقد، حيث لم تعد المناسبة مرتبطة بالفرح بقدر ما أصبحت تذكيراً يومياً بحجم التحولات التي فرضتها الحرب على حياة الناس ومجتمعهم.

وفي مؤشر آخر على التحولات التي فرضتها الحرب على الحياة الاجتماعية، اتجهت بعض الولايات السودانية إلى إقامة صلاة عيد الأضحى داخل المساجد بدلاً من الساحات العامة التي اعتاد السودانيون أداء الصلاة فيها لعقود.

ففي ولاية سنار، أجازت لجنة الأمن بالولاية خطة تأمينية خاصة بالعيد، تضمنت توجيهات بإقامة الصلاة داخل المساجد، بحسب «وكالة السودان للأنباء» الرسمية.

ويقول سودانيون إن غياب مشهد «صلاة الساحات» هذا العام يعكس حجم التغيرات التي فرضتها الحرب على تفاصيل الحياة اليومية وطقوس المناسبات العامة، بعدما كانت ساحات العيد تمثل مساحة مفتوحة للتلاقي الاجتماعي وتبادل التهاني صباح العيد.


مقالات ذات صلة

من واشنطن إلى العالم... 5 حقائق عن جذور عيد الأب

يوميات الشرق إليكم أبرز الحقائق التاريخية المرتبطة بعيد الأب (بكسلز)

من واشنطن إلى العالم... 5 حقائق عن جذور عيد الأب

في 21 يونيو من كل عام يحتفي الملايين بـ«عيد الأب».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)

السعودية: الأطباق العصرية تنافس الوجبات التقليدية في صباح الأضحى

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد موائد الإفطار في الأعياد مقتصرة على الأطباق الشعبية المتوارثة، بل دخلت إليها خيارات حديثة تُقدَّم بأساليب مبتكرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق يحتفل السعوديون بعيد الأضحى المبارك وسط أجواء إيمانية وفرحة متجددة (واس)

عيد الأضحى في السعودية... طقوس متوارثة وفرح متجدد

يحتفل السعوديون الأربعاء بعيد الأضحى المبارك، بينما يواصل حجاج بيت الله الحرام استكمال مناسكهم في المشاعر المقدسة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
شمال افريقيا من شرق ليبيا إلى غربها تتفاوت أسعار الخراف في ظل ارتفاع أسعارها عن العام الماضي (إ.ب.أ)

غلاء الأضاحي هاجس يؤرق الطبقة الوسطى في ليبيا

بين ارتفاع الأسعار ومحدودية الرواتب، تجد الطبقة الوسطى نفسها في ليبيا محاصرة بين الاستدانة من الأقارب أو الاقتراض المصرفي للقيام بشعيرة الأضحية.

جاكلين زاهر (القاهرة)
يوميات الشرق قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

يحتفل المصريون بعيد شم النسيم من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد «شم النسيم» وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة.

محمد الكفراوي (القاهرة )

هل ينجح الحراك البرلماني في تغيير رئاسة «النواب» الليبي؟

صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)
صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)
TT

هل ينجح الحراك البرلماني في تغيير رئاسة «النواب» الليبي؟

صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)
صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)

فرض الحراك البرلماني في ليبيا، المُطالب بتعديل اللائحة الداخلية وتفعيل مبدأ تداول السلطة داخل المجلس الذي يتخذ من بنغازي مقراً له، ويترأسه عقيلة صالح منذ نحو 12 عاماً، أسئلةً بشأن مدى استمراره وقدرته على إحداث تغيير.

ولا تقتصر التساؤلات المثارة حول هذا الحراك على توقيت هذه «الاستفاقة المتأخرة» لكتلة مناهضة لـ«تفرد صالح بالقرار»، بل تمتد إلى مدى ارتباط تحركها باتفاق «4+4» وفرص تطبيقه، بوصفه أحد المخارج المحتملة لإنهاء الانقسام، عبر تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تقود البلاد نحو الانتخابات خلال عامين.

وتباينت الآراء في مآلات الحراك؛ إذ تؤكد الكتلة المناوئة لصالح استمرارها في السعي «لإصلاح المجلس وتغيير هيئة رئاسته»، رغم منعها من عقد جلسة مخصصة لذلك منتصف الأسبوع الماضي، بإغلاق مقر المجلس ببنغازي بتعليمات من رئاسته، وفق بيانها.

وقال النائب عصام الجهاني، أحد أبرز أصوات تلك الكتلة، إن الأعضاء البالغ عددهم 86 نائباً قد يجتمعون في أي مدينة ليبية يتيسر فيها أداء مهامهم. وشدد على أن الأمر «ليس مؤامرة أو محاولة لوراثة مقعد صالح»، بل رغبة في «الإصلاح ردّاً على تفرده بالقرارات، وتشبثه بموقعه».

في المقابل، تحدّثت أصوات سياسية أخرى عن إمكانية «تشتت هذا الحراك وتراجعه تدريجياً»، مشيرة إلى أن «هدوءه أو ثورانه مرتبط بالتوازنات بين مراكز القوى الفاعلة في المنطقة الشرقية، وأيضاً بالضغوط الإقليمية».

جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المركز الصحافي لرئيس المجلس عقيلة صالح)

وتوقع عضو مجلس النواب الليبي، علي التكبالي، «تراجع الحراك الراهن بالمجلس»، مستنداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى ما حدث في مارس (آذار) الماضي، حين دعت كتلة من النواب أيضاً إلى جلسة لإصلاح اللائحة الداخلية، ثم اختفى حراكها.

ويرى التكبالي «صعوبة الحفاظ على نصاب لعقد جلسة يضمن إزاحة رئيس المجلس»، وقال إن النواب «قد يجتمعون اعتراضاً على موقف ما، لكن بعودة كل منهم إلى مدينته يصعب تجميعهم مجدداً، خصوصاً مع مراجعة بعضهم لموقفه لتعارضه مع مصالحه الخاصة أو انتمائه القبلي».

فيما حذّر عضو المجلس، منتصر الحاسي، من «انقسام البرلمان بسبب تصرفات بعض الأعضاء»، ورغم تمسكه بحق النواب في تعديل اللائحة، فإنه يُشدد على تحقيق ذلك من خلال «القنوات القانونية».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين؛ «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة أسامة حماد التي تدير الشرق وبعض مدن الجنوب، وهي مكلفة من البرلمان، ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.

ووفقاً لاتفاق «4+4»، الذي عُقد نهاية الشهر الماضي بين ممثلين لـ«الوحدة» و«الجيش الوطني» برعاية أممية، ستُشكَّل سلطة جديدة من مجلس رئاسي وحكومة موحدة، تمهد لانتخابات عامة خلال عامين.

ويشير مراقبون وأصوات سياسية إلى أن «دولاً إقليمية ترى في استمرار صالح ضمانة لتفادي تصدع المؤسسة التشريعية»، بوصفها المؤسسة الوحيدة الناجية من الانقسام المؤسسي.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (المكتب الإعلامي لعقيلة)

وربط المحلل، حسام فنيش، ما يحدث بتطورات اتفاق «4+4»، وحذّر من أن «أولوية كتلة الإصلاح بالمجلس لتغيير اللائحة قبل عقد الجلسات تؤجل تضمين الاتفاق بالإعلان الدستوري، ما يعرقل تطبيقه رغم أنه يمهّد لانتخابات وينهي الانقسام».

وأشار إلى أن «البعثة الأممية تفضل تضمين الاتفاق في تعديل دستوري، تمهيداً لإقراره من مجلس الأمن».

ولفت رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، إلى أن «ما يُتداول عن تفرد صالح بالقرار، وعدم اكتمال نصاب بعض الجلسات، مطروح منذ سنوات دون اعتراض النواب»، عادّاً ذلك «يُعزز الشكوك في أن الخلاف الراهن صراع كتل مدعومة من قوى نافذة، ولا يمهد لأي إصلاح حقيقي».

وتوقع الشبلي استمرار عقيلة لفترة ما إلى «حين دعوة البعثة الأممية لتشكيل مجلس تأسيسي بديل عن مجلسه و(الأعلى للدولة) للمضي في تطبيق اتفاق (4+4)، لرفضهما أي تغيير في المشهد السياسي».

ولم يبتعد المحلل السياسي محمد محفوظ عن الآراء السابقة، عادّاً أن ما يحدث في البرلمان «صراع مشروعات بين قوى نافذة، يحاول فيه كل طرف، سواء في شرق ليبيا أو غربها، إثبات جدارته وقدرته على التحكم بالمشهد أمام المجتمع الدولي».

ورهن محفوظ في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، احتفاظ صالح بموقعه بعاملين؛ الأول قدرته مع حلفائه على امتصاص الغضب الراهن، مرجحاً «مساعدة بقية مكتب الرئاسة، خاصة نائبيه، كونهما قد يتعرضان مثله للتغيير». أما العامل الثاني، وفق محفوظ، فهو «دعم بعض الدول الإقليمية والغربية، بما يخفف الضغوط عنه».


من جدة إلى نيويورك... لماذا تفشل هدن السودان؟

أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
TT

من جدة إلى نيويورك... لماذا تفشل هدن السودان؟

أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)

احتاجت الطبيبة السودانية «س» إلى هدنة كي تتمكن من الخروج من مركز صحي حُوصرت فيه مع زملائها، خلال الأيام الأولى للحرب. وقطعت طريقاً طويلاً من شارع النيل، عبر جسرَي الفتيحاب والحلفايا، حتى وصلت إلى أسرتها في كوبر. تقول إنها وجدت جدران غرفتها مثقوبة بالرصاص، وإخوتها ينتظرونها ليغادروا معاً. نزحت الأسرة، وما زالت نازحة حتى اليوم.

أتاح توقف القتال لمدة قصيرة في مايو (أيار) 2023، لـ«س» النجاة، لكنه لم يدُم بما يكفي لتبقى أسرتها في منزلها. ومنذ تلك الهدنة القصيرة، توالت المبادرات والاتفاقات، في حين ظل السؤال الأصعب هو: كيف يمكن للوسطاء جمع طرفي الحرب على وقف للقتال يجري تنفيذه ويستمر؟

أعاد الاجتماع الأول لـ«الرباعية والخماسية» بنيويورك، في 23 سبتمبر (أيلول) الحالي، وبرئاسة مشتركة من الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، هذا السؤال مجدداً إلى الواجهة. ودعا المشاركون فيه إلى هدنة إنسانية ووقف للأعمال العدائية، واتفقوا على تنسيق الجهود لحماية المدنيين، والتحضير لمراقبة أي اتفاق والتحقق من تنفيذه. لكن بيان الاجتماع لم يعلن التوصل إلى اتفاق مع الجيش أو قوات «الدعم السريع»، ولم يحدد موعداً لمفاوضات تجمعهما.

الحرب تسببت في نزوح الملايين من السودانيين (أ.ب)

وتبدأ العقدة من شروط الهدنة نفسها. فوفق «رويترز»، قبلت الحكومة، التي يقودها الجيش، معظم بنود مقترح أميركي لهدنة مُدتها 90 يوماً، لكنها رفضت أن يقتصر انسحاب قوات «الدعم السريع» على مناطق محددة، وطالبت بانسحابها من جميع المدن التي سيطرت عليها. وأكدت وزارة الخارجية السودانية، هذا الأسبوع، رفضها أي عملية تفاوضية ترى أنها تمنح شرعية لواقع فرضته قوات «الدعم السريع» بالقوة. وفي المقابل، أعلن «الدعم السريع» ترحيبه بمقترح الهدنة، دون أن يفضي ذلك إلى توقف القتال. وحتى عندما وقّع الطرفان اتفاقاً، لم يضمن تنفيذه. ففي جدة بالسعودية، وقّع الجيش و«الدعم السريع» «إعلان الالتزام بحماية المدنيين» في 11 مايو 2023، ثم اتفاقاً لوقف قصير لإطلاق النار وترتيبات إنسانية في العشرين من الشهر نفسه.

لكن وقف القتال لم يصمد، وعلّق الجيش مشاركته في المحادثات خلال يونيو (حزيران)، متهماً قوات «الدعم السريع» بخرق الاتفاق.

آثار الدمار جراء الحرب في الخرطوم (أ.ف.ب)

وواجهت مسارات أخرى عَقبات مختلفة، فقد أعلنت هيئة «إيغاد»، التي ترعى السلام في القرن الأفريقي، في ديسمبر (كانون الأول) 2023، موافقة البرهان وحميدتي على لقاء مباشر برعايتها، ثم جددت، في يناير (كانون الثاني)، دعوتها إلى عقد اللقاء، لكنه لم ينعقد.

وفي المنامة، وُقّعت بالأحرف الأولى، في 20 يناير 2024، «وثيقة مبادئ وأسس الحل الشامل للأزمة السودانية»، باسم شمس الدين كباشي عن الجيش، وعبد الرحيم دقلو عن قوات «الدعم السريع»، وفق نص الوثيقة المنشور. لكن التوقيع الأوليّ لم يتبعه اتفاق نهائي أو مسار تفاوضي مستمر. واتهم دقلو كباشي بالتنصل من الوثيقة، في حين لم يصدر عن كباشي تعليق يوضح أسباب توقف المسار.

وفي أغسطس (آب) 2024، حال غيابُ أحد طرفي الحرب دون إجراء محادثات مباشرة لوقف إطلاق النار في سويسرا، فتحوَّل التركيز إلى تسهيل وصول المساعدات وحماية المدنيين.

وكتبت الباحثة في «تشاتام هاوس» روزاليند مارسدن، في تحليل نشره المعهد في 18 سبتمبر 2024، أن السبب الرئيسي لفشل محادثات وقف إطلاق النار في سويسرا (أغسطس 2024) كان استمرار سعي الجيش وقوات «الدعم السريع» إلى تحقيق نصر عسكري، وأن استمرار رهان الطرفين، آنذاك، على تحقيق مكاسب عسكرية كان سبباً رئيسياً لتعثر التفاوض، رغم إحراز تقدم محدود في إيصال المساعدات إلى دارفور.

ثم طرحت الرباعية، في سبتمبر 2025، خريطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تصل خلالها المساعدات إلى أنحاء السودان، يعقبها وقف دائم لإطلاق النار وانتقال سياسي.

لكن خريطة الرباعية بقيت مقترحاً من الوسطاء، ولم تتحول إلى اتفاق بين المتحاربين. ويُظهر الخلاف على الانسحاب في المقترح الأميركي الأحدث أن الطرفين لم يتوصلا بعدُ إلى شروط يمكن أن يبدأ على أساسها اختبار هدنة جديدة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (د.ب.أ)

ويرى الباحث أحمد سليمان أن تعدد مجموعات الوساطة وضعف التنسيق بينها يقتضيان ربط جهود وقف إطلاق النار بعملية سياسية سودانية تقودها قوى مدنية.

ويذهب الباحث في «تشاتام هاوس» هوبير كينكوه، في تحليل نشره المعهد في 13 فبراير (شباط) 2026، أن تعدد مسارات الوساطة بشأن السودان، وغياب قيادة واضحة وتنسيق فعّال بينها، أتاحا للجيش وقوات «الدعم السريع» مقاومة تقديم تنازلات جدية.

من هنا، قد يسهم اجتماع نيويورك في معالجة تشتت جهود الوسطاء، لكن قيمته الفعلية ستتضح إذا استطاع جمع المتحاربين على اتفاق واضح، ووضع آلية لمراقبة الالتزام به والتعامل مع خروقه.

وصلت «س» إلى أسرتها بفضل هدنة قصيرة، ثم اضطرت الأسرة لمغادرة منزلها. أما الهدنة التي ينتظرها النازحون واللاجئون، اليوم، فيريدونها فرصة لوصول المساعدات وبداية لوقف دائم للقتال، حتى تصبح العودة إلى البيوت والمناطق ممكنة وآمنة.


ملف الوساطة بين أميركا وإيران يتصدّر لقاءات مصر في الأمم المتحدة

عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
TT

ملف الوساطة بين أميركا وإيران يتصدّر لقاءات مصر في الأمم المتحدة

عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

تصدّر ملف الوساطة بين أميركا وإيران لقاءات مصرية على هامش اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وجاء الحديث عن الأزمة الإيرانية والوضع في مضيق هرمز خلال لقاءات لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في إيران وتركيا وسلطنة عُمان.

وناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الجهود المبذولة والمقترحات التي يجري طرحها من أجل التوصل لاتفاق يؤدي إلى احتواء التوتر وخفض التصعيد.

ووفق إفادة للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية نادر زكي، الجمعة، شدد الوزير عبد العاطي على «الأهمية البالغة لأن تضطلع كل دولة بمسؤولياتها لضمان حركة وحرية الملاحة الدولية، حتى يمكن احتواء التداعيات السلبية لهذه الأزمة على الاقتصاد العالمي التي أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد للطاقة والأسمدة وحركة التجارة الدولية بشكل كبير».

وأكد «أهمية احترام الأمن والاستقرار لدول الخليج وجميع دول المنطقة»، مشدداً على «ضرورة العودة إلى الحوار واستئناف المسار الدبلوماسي عبر التفاوض والتوصل لتفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، باعتبار ذلك السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة الحالية، ووضع حد لحالة التصعيد التي تُلحق أضراراً بالغة بمصالح جميع دول المنطقة».

من لقاء عبد العاطي وعراقجي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

وبحث عبد العاطي مع وزير خارجية سلطنة عُمان بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي والمستجدات في البحر الأحمر و«باب المندب»، إذ أكد «أولوية وقف التصعيد والابتعاد عن أي خطوات من شأنها تأجيج التوتر وتهديد الأمن والاستقرار، وضرورة ضمان حرية حركة الملاحة، وفقاً لقواعد وأحكام القانون الدولي، وبما يُسهم في صون الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي». وشدد على «رفض مصر القاطع المساس بأمن المملكة العربية السعودية الشقيقة، وتضامن مصر الكامل معها لحفظ سيادتها واستقرارها»، مؤكداً «ضرورة إفساح المجال أمام الجهود الدبلوماسية باعتبارها المسار الأمثل لتجاوز أي تحديات».

وحسب المتحدث باسم الخارجية، الجمعة، «تم التطرق إلى الأزمة الإيرانية والوضع في (هرمز)، وجهود عُمان المقدرة بالتنسيق مع مصر والوسطاء، من أجل خفض التصعيد، كما تم التأكيد على ضرورة الحفاظ على أمن وسلامة حركة الملاحة، وضمان انسياب حركة التجارة وإمدادات الطاقة، بما يُسهم في الحد من تداعيات التوترات الراهنة وتعزيز الاستقرار الإقليمي».

كما التقى وزير الخارجية المصري مع نظيره التركي هاكان فيدان، وتبادل معه الرؤى حول الأزمة الإيرانية، إذ تم «التأكيد على أهمية مواصلة دعم جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، للعودة إلى مسار المفاوضات لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، مع التشديد على رفض المساس بأمن دول الخليج الشقيقة أو استخدام المضايق والممرات البحرية بوصفها أداة ضغط في تلك الأزمة».

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره التركي هاكان فيدان في نيويورك (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

ووفق بيان «الخارجية المصرية»، الجمعة، أكد الوزيران عبد العاطي وفيدان «أهمية تنفيذ استحقاقات (خطة الرئيس دونالد ترمب للسلام)، ودخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة دون عوائق، مع بدء تنفيذ إعادة الإعمار والتعافي المبكر». وشدد عبد العاطي على «رفض مصر أي مخططات لتهجير الفلسطينيين وإدانة عمليات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية».

وناقش الطرفان مستجدات الأوضاع في السودان، إذ أكد عبد العاطي «أهمية الحفاظ على وحدة وسيادة السودان وتعزيز مسار المفاوضات بما يلبي تطلعات الشعب السوداني الشقيق ويصون مؤسساته الوطنية».

كما تطرق اللقاء إلى الأوضاع في ليبيا وسبل تحقيق تقدم في العملية السياسية وإنهاء حالة الانقسام التي تشهدها البلاد. وأكد عبد العاطي أن «تحركات مصر تجاه الملف الليبي تستند إلى أولوية الحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها، إلى جانب دعم وحدة مؤسساتها الوطنية»، مشدداً على «أهمية تكامل الجهود الإقليمية والدولية الداعمة للمسار السياسي الليبي، بما يُسهم في مساعدة الأطراف الليبية على التوصل إلى تسوية مستدامة تعبّر عن إرادتهم، وتحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها».

أيضاً تناول عبد العاطي خلال لقاء مع نائب وزير خارجية الولايات المتحدة ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز، الجمعة، تطورات الأوضاع في إيران وأمن البحر الأحمر، إذ أكد وزير الخارجية المصري رؤية بلاده «القائمة على ضرورة خفض التوترات، وأهمية اللجوء إلى الحوار والوسائل الدبلوماسية لتسوية الخلافات، ‏مع ضمان حرية الملاحة البحرية في المضايق والممرات وكذلك حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد».