هانيبال القذافي يثير استياء الزنتان بعد حديثه عن «الغدر» بسيف الإسلام

انتقد طريقة تعامل النيابة مع قضية شقيقه بعد 100 يوم من اغتياله

هانيبال القذافي خلال احتفال بالذكرى الـ40 لـ«الثورة الليبية» في 2 سبتمبر 2009 (أ.ف.ب)
هانيبال القذافي خلال احتفال بالذكرى الـ40 لـ«الثورة الليبية» في 2 سبتمبر 2009 (أ.ف.ب)
TT

هانيبال القذافي يثير استياء الزنتان بعد حديثه عن «الغدر» بسيف الإسلام

هانيبال القذافي خلال احتفال بالذكرى الـ40 لـ«الثورة الليبية» في 2 سبتمبر 2009 (أ.ف.ب)
هانيبال القذافي خلال احتفال بالذكرى الـ40 لـ«الثورة الليبية» في 2 سبتمبر 2009 (أ.ف.ب)

خرج هانيبال القذافي، ابن الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، عن صمته، وتحدث عن جريمة اغتيال شقيقه سيف الإسلام، ووجه اللوم إلى مدينة الزنتان، منتقداً طريقة تعامل النيابة العامة مع قضيته بعد مرور أكثر من 3 أشهر على مقتله.

وقُتل سيف الإسلام القذافي بمقر إقامته في الزنتان خلال 3 فبراير (شباط) الماضي، الأمر الذي وضع المدينة الواقعة على بُعد 160 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس في مواجهة اتهامات بـ«التفريط» في حمايته.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها هانيبال بعد خروجه من السجن في لبنان، وقال إن قضية اغتيال شقيقه «لا تزال تراوح مكانها وسط غياب كامل للعدالة، ودون كشف للحقيقة أو إنصاف لعائلة الفقيد وذويه».

سيف الإسلام القذافي (حسابات موثوقة على مواقع التواصل من الموالين له)

وقال هانيبال في تسجيل صوتي، نقله أحد أبناء عمومته مساء يوم الاثنين، إن «الجريمة النكراء التي استهدفت شهيد الوطن مضى عليها 100 يوم ولا يزال الجناة خارج أسوار العدالة، والقضية لا تزال تراوح مكانها دون كشف للحقيقة».

ووجه هانيبال حديثه إلى قبيلة الزنتان، وقال إن «قيم المجتمع الليبي وأعراف العرب ترفض الغدر أو المساس بالضيف، فكيف برجل أقام بينكم خمسة عشر عاماً». وأضاف: «نحن هنا لا نذكّر أحداً بواجباته الأخلاقية والاجتماعية؛ إذا سقطت منه فهذا شأنه... وجريمة الغدر وقعت في منطقة الزنتان وبين أهلها، ومع ذلك لم يصدر موقف اجتماعي رسمي واضح من المدينة يستنكر أو يرفض ما حدث، والمواقف تبقى شاهدة على أصحابها».

وأثار حديث هانيبال استياءً واسعاً في الزنتان، التي سبق أن دافعت عن نفسها في مواجهة اتهامات بـ«التقصير». ودوّن العديد من شباب الزنتان، عبر حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، تعليقات رافضة تحميل مدينتهم المسؤولية عمّا وقع لسيف.

وقال الليبي محمد خليفة الكو إن مدينة الزنتان «حافظت على بقاء سيف الإسلام بها في سرية تامة، وظل في أمان عندما كان يلتزم بأوامر الحماية، لكنه طلب أن يستقل بنفسه وسمح بالزيارات، واستقبال الضيوف والتقاط الصور، مما أدى إلى كشف مكانه دون قصد». ورفض خليفة «أي اتهامات أو عبارات سباب أو تخوين تُوجَّه إلى الزنتان، أو تحميلها مسؤولية قضية ليست طرفاً فيها».

وظل سيف الإسلام مقيماً في الزنتان تحت حراسة مشددة، ولم يظهر للعيان طوال 10 أعوام، إلى حين تقدمه بأوراق ترشحه للانتخابات التي كانت مقررة عام 2021؛ إذ آثر التنقل خفية بين الزنتان وبعض مدن الجنوب الليبي.

سيف الإسلام القذافي في مقر إقامته بالزنتان مع أحمد الزروق من أبناء عمومته (حساب الزروق على مواقع التواصل)

وسبق أن رد «أبناء مدينة الزنتان» على اتهامات مدينتهم بـ«التقصير»، وقالوا إنه «أقام لأكثر من 14 عاماً في كنف أهالي الزنتان وتحت حمايتهم، ولم يتعرض لأي أذى، لكن بعد صدور العفو العام عنه قام بتأمين نفسه بنفسه، ولم يعد للزنتان شأن في حمايته».

وتبرأ «أبناء مدينة الزنتان» في بيان من جريمة اغتيال سيف، لكنهم قالوا: «إن أي فعل إجرامي -إن ثبت صدوره عن أفراد- يمثّل مرتكبيه وحدهم، ولا يمكن تحميله لمدينة أو قبيلة، ونرفض بشكل قاطع محاولات الوصم الجماعي، أو تحميل المسؤولية على أساس مناطقي».

وانتقد هانيبال عدم كشف النيابة العامة عن قتلة شقيقه حتى الآن، قائلا: «استبشرنا خيراً بإعلانها المبكر عن التوصل إلى هوية بعض المشتبه بهم، رغم أنه جاء عبر منشور مقتضب، في وقت كنا ننتظر فيه بياناً رسمياً يليق بحجم القضية وخطورتها وهيبة النيابة العامة». وأضاف: «نحن نعي الوضع المتدهور الذي وصلت إليه ليبيا، وضعف أداء أجهزة الدولة وعلى رأسها الأجهزة الضبطية؛ وإذا كانت النيابة العامة تعتقد استحالة العمل في هذه الظروف، فعليها إبراء ذمتها صراحة أو وضع أسرة الشهيد في الصورة».

وذهب هانيبال إلى أن سيف الإسلام «ليس ابن عائلة بعينها ولا ابن قبيلة القذاذفة وحدها، إنما هو ابن هذا الوطن وأخ لليبيين، وابن لكل القبائل والمدن، ولذا على قبيلة الزنتان وعلى النائب العام وضع كل هذه الجماهير في الاعتبار جيداً».

واختتم هانيبال حديثه بالآية القرآنية: «وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون»، مما أثار مخاوف المنتمين إلى تيار سيف الإسلام من «طي القضية».

من جهتها، أعلنت «رابطة شباب غريان» تأييدها لحديث هانيبال، وما تضمنه من دعوة إلى كشف الملابسات كافّة المرتبطة بها. وأبدت الرابطة في بيان الثلاثاء «تمسكها بمتابعة القضية، بوصفها قضية رأي عام ذات أبعاد وطنية وإنسانية وقانونية، تمس جوهر العدالة ومبدأ سيادة القانون، ولا يجوز التعامل معها خارج الأطر القضائية الشفافة».

سيف الإسلام القذافي وقت القبض عليه عام 2011 (رويترز)

ودعت الرابطة الأطراف كافّة والجهات ذات الصلة في مدينة الزنتان إلى التعامل مع هذا الملف الحساس بروح المسؤولية الوطنية، وإعلاء مبدأ سيادة القانون، وتهيئة المناخ المناسب لكشف الحقيقة كاملة.

وطالبت النائب العام بتوضيح أسباب استمرار عدم البت في هذه القضية حتى الآن، رغم ما يتم تداوله من معلومات ومعطيات تستوجب -وفق القانون- الحسم والتحقيق العلني، بما يقطع الطريق أمام التأويلات ويعيد الثقة بمسار العدالة.

وانتهت الرابطة إلى أن «إطالة أمد التقاضي أو تعطيل الوصول إلى الحقيقة الكاملة من شأنهما تعميق حالة الاحتقان في الرأي العام، كما أن استمرار الغموض حول هذا الملف لن يخدم الاستقرار».

وكانت النيابة العامة قد أعلنت في 5 مارس (آذار) الماضي تحديد هوية 3 متهمين بالضلوع في الاغتيال دون أن تعلن أسماءهم، لكنها قالت إن «مرتكبي جريمة قتل سيف الإسلام ترقّبوه في محل إقامته إلى أن ظفروا به في فناء مسكنه».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

كيف أصبحت مدن ليبية «تتحكّم» في صناعة القرار السياسي؟

شمال افريقيا تقف مدينة الزاوية بتشكيلاتها المسلحة وقواها المتنافرة كـ«حجر عثرة» أمام أي سلطة تستقر في سدة الحكم (صفحات معبرة عن الزاوية)

كيف أصبحت مدن ليبية «تتحكّم» في صناعة القرار السياسي؟

في ظل استمرار الانقسام المؤسسي، تعاظم دور بعض المدن الليبية وتأثيرها في صناعة القرار السياسي، مدعومة بما تمتلكه من تشكيلات مسلحة ومقربين من دوائر السلطة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا سيف الإسلام القذافي وقت القبض عليه عام 2011 (رويترز)

«عائلة القذافي» تصعّد ضغوطها لكشف قتلة سيف الإسلام

للمرة الثانية، انتقدت عائشة القذافي شقيقة سيف الإسلام «التباطؤ» في قضيته وعدم كشف هوية القتلة حتى الآن، وقالت: «إن كل يوم يمضي على الجريمة يزيدها وضوحاً».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المحمودي في أحد المؤتمرات قبل عام 2011 (حسابات موثوقة على مواقع التواصل)

البغدادي المحمودي يدعو الليبيين لـ«فتح صفحة جديدة وطي سنوات الألم»

حضّ البغدادي المحمودي، آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، على اتّباع مسار «المصالحة الوطنية»، وقال: «لقد أنهكت الانقسامات وطننا».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من جنازة سيف الإسلام القذافي في مدينة بني وليد غرب ليبيا (متداولة)

حديث «الجنائية الدولية» عن عدم وجود «شهادة وفاة» لسيف الإسلام يفجِّر جدلاً حاداً في ليبيا

بعد أكثر من 110 أيام على مقتل سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، عاد اسمه ليتصدر المشهد الليبي مجدداً، ولكن من بوابة «الجنائية الدولية».

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا سيف الإسلام القذافي أثناء القبض عليه عام 2011 وإلى يساره العجمي العتيري (رويترز)

ليبيا: براءة السنوسي من «قمع متظاهري فبراير» وإسقاط التهمة عن سيف القذافي

برأت محكمة استئناف طرابلس عبد الله السنوسي رئيس جهاز الاستخبارات السابق في عهد القذافي من تهمة قمع متظاهري (ثورة 17 فبراير) كما أسقطت الجريمة عن سيف الإسلام.

جمال جوهر (القاهرة)

مصر لمراجعة أوضاع الإعلام عبر اجتماع سنوي

مدبولي أكد الأحد حرص حكومته على تنفيذ تكليفات الرئيس السيسي بشأن الإعلام (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
مدبولي أكد الأحد حرص حكومته على تنفيذ تكليفات الرئيس السيسي بشأن الإعلام (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
TT

مصر لمراجعة أوضاع الإعلام عبر اجتماع سنوي

مدبولي أكد الأحد حرص حكومته على تنفيذ تكليفات الرئيس السيسي بشأن الإعلام (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
مدبولي أكد الأحد حرص حكومته على تنفيذ تكليفات الرئيس السيسي بشأن الإعلام (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

تتجه مصر لمراجعة أوضاع الإعلام عبر اجتماع سنوي، استناداً لتوجيهات رئاسية بفتح نقاش مستمر بشأن هذا الملف.

وخلال افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الجديدة، السبت، وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بـ«فتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي، الذي يشمل الرأي والرأي الآخر، لإثراء النقاش، وبناء الوعي في إطار من الاحترام والتفاهم، وكذا التنسيق بين وزارة الدولة للإعلام والهيئات الإعلامية والصحافية لعقد مؤتمر سنوي لمراجعة أوضاع الإعلام المصري».

ولبحث آليات تنفيذ التكليفات الرئاسية، عقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعاً، الأحد، مع وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، بحسب بيان لـ«مجلس الوزراء».

وأكد مدبولي حرص الحكومة على تنفيذ التكليفات الرئاسية بشأن الإعلام «من خلال الاستمرار في إيلاء أهمية قصوى بالرأي العام وتبصرته بصفة مستمرة بالحقائق»، مشيراً إلى عقد مؤتمر صحافي أسبوعي عقب اجتماع مجلس الوزراء لتوضيح مختلف القرارات التي تتخذها الحكومة تجاه القضايا التي تشغل المواطنين.

وقال: «هناك تكليفات مستمرة للوزراء والمسؤولين بالتواصل المستمر مع وسائل الإعلام لشرح التوجهات والقرارات، والرد على مختلف التساؤلات».

وأشار رئيس الوزراء، بحسب البيان، إلى أنه يتابع مع وزير الدولة للإعلام ما يتم اتخاذه من خطوات وما يجري عقده من اجتماعات مع المجالس والهيئات الإعلامية والصحافية بشأن التنسيق المتبادل وتبادل الرؤى حيال آليات تطوير الإعلام المصري بمؤسساته وقنواته الحكومية والخاصة.

بدوره، أكد وزير الدولة للإعلام أنه «سيتم العمل على ترجمة تكليفات الرئيس إلى آليات واضحة، من خلال التنسيق مع مختلف المؤسسات الإعلامية»، كما لفت إلى أنه يجري تقييم أداء المكاتب الإعلامية بالوزارات المختلفة بهدف تطوير أدائها، وكذلك التنسيق مع الوزارات والجهات المعنية، بشأن العمل على سرعة إصدار قانون حرية تداول المعلومات.

في سياق متصل عقد مدبولي، الأحد، اجتماعاً لمتابعة ملف تسوية مديونية المؤسسات الصحافية القومية بهدف تعزيز دورها الوطني ورسالتها الإعلامية، وتمكينها من الاضطلاع بمهامها على الوجه الأمثل. ووجّه بإعداد دراسة متكاملة لكل مؤسسة صحافية تتضمن الآليات المقترحة لتحقيق الاستدامة المالية، على أن تتم مراجعة هذه الدراسات بالتنسيق مع نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، حسين عيسى، تمهيداً لعرضها خلال اجتماع لاحق لاعتمادها واتخاذ ما يلزم بشأنها.

اجتماع رئيس الوزراء المصري الأحد لبحث تطوير الإعلام (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

من جانبه، رحب نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، بدعوة الرئيس السيسي، وقال في بيان صحافي، الأحد، إنها «تأتي في توقيت دقيق لمراجعة مسار العمل الإعلامي في مصر».

وجدد النقيب مطالب سبق أن رفعتها نقابته لمختلف الجهات، وأقرها المؤتمر العام السادس للصحافيين في ديسمبر (كانون الأول) 2024، واعتمدتها «لجنة تطوير الإعلام» ورفعتها ضمن توصياتها، ومن بينها تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للصحافيين، وإصدار قانون حرية تداول المعلومات.

كما أعلنت «لجنة الثقافة والإعلام» بمجلس النواب عزمها عقد 6 اجتماعات لمناقشة عدد من الملفات المتعلقة بتطوير المنظومة الإعلامية، ودعم القطاع الثقافي، والحفاظ على التراث والآثار.

وعدّت أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، ليلى عبد المجيد، تكليفات الرئيس «انعكاساً لاهتمام الدولة بالإعلام وتطويره»؛ وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الاتجاه يؤكد أن مصر مقبلة على مرحلة جديدة في مفهوم الأمن القومي وكل ما يمثله من سياسة واقتصاد ومشاركة الجماهير».

وأكدت أهمية أن يخضع الإعلام إلى مبادئ عامة مشتركة «تمزج الحرية بالمسؤولية، للتوفيق بين حرية التعبير عن الرأي والمسؤوليات الاجتماعية المنوطة بالإعلام».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أصدر رئيس الوزراء قراراً بتشكيل لجنة رئيسية لتطوير الإعلام، تنفيذاً لتوجيهات رئاسية بوضع «خريطة طريق شاملة لتطوير الإعلام». وعقدت اللجنة عدة اجتماعات، وسلمت تقريرها في فبراير (شباط) الماضي لمدبولي تمهيداً لعرضه على الرئيس.


تنشيط الأحزاب وانتخابات محلية... كيف تنعكس توجيهات السيسي على الحياة السياسية بمصر؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الإدارية يوم السبت (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الإدارية يوم السبت (الرئاسة)
TT

تنشيط الأحزاب وانتخابات محلية... كيف تنعكس توجيهات السيسي على الحياة السياسية بمصر؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الإدارية يوم السبت (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الإدارية يوم السبت (الرئاسة)

وجه الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بتنشيط الحياة الحزبية، وتأهيل كوادرها، والانتهاء من الاستعدادات اللازمة لإجراء انتخابات المجالس المحلية المتوقفة منذ 18 عاماً، في خطوة يرى فيها محللون وسياسيون انعكاساً إيجابياً على الحياة السياسية.

وخلال احتفالية افتتاح «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الجديدة شرق القاهرة، مساء السبت، قال إنه وجَّه الحكومة «بتوجيهات محددة في عدد من الأمور، منها العمل على تنشيط الحياة الحزبية، وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية»، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

وقال خبراء ومحللون إن هذه الخطوة ستسهم في تنشيط العمل الحزبي وستعيد إجراء انتخابات المجالس المحلية بعد سنوات من غيابها، وستمنح الأحزاب فرصة حقيقية للحضور وسط المواطنين من خلال برامج واقعية تتعلق بالخدمات والتنمية المحلية.

الحياة الحزبية

يوجد في مصر أكثر من 100 حزب سياسي مسجل رسمياً ومعتمد من لجنة شؤون الأحزاب السياسية. ورغم هذا العدد الكبير، لا يوجد حزب حاكم بالبلاد، بينما تتصدر المشهد أحزاب قليلة من الموالاة مثل «مستقبل وطن»، و«الجبهة الوطنية»، و«حماة الوطن»، و«الشعب الجمهوري»، وسط غياب أحزاب معارضة قوية.

السيسي يستقل عربة مكشوفة برفقة وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة (الرئاسة المصرية)

ويقول رئيس حزب «الجيل الديمقراطي» وعضو مجلس الشيوخ، ناجي الشهابي، إن الحياة السياسية لا يمكن أن تزدهر إلا بوجود أحزاب قوية تمتلك برامج ورؤى وكوادر مؤهلة، ولذلك فإن إشادة الرئيس بدور الأحزاب تحمل رسالة واضحة بأن الدولة تنظر إليها باعتبارها شريكاً أساسياً في صناعة المستقبل، وليست مجرد أداة للمنافسة الانتخابية.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح الحياة الحزبية يرتبط بوجود مناخ يسمح بالحوار الحر والمسؤول، ويتيح للأحزاب عرض برامجها أمام المواطنين، ويمنح الرأي والرأي الآخر مساحة للتعبير في إطار من احترام الدستور والقانون والثوابت الوطنية، وهو ما يسهم في رفع الوعي السياسي وتعزيز المشاركة الشعبية».

وواصل حديثه قائلاً: «المرحلة المقبلة تتطلب أحزاباً تمارس السياسة باعتبارها مسؤولية وطنية، وتتنافس بالبرامج والحلول، وتسهم في إعداد كوادر قادرة على تحمل المسؤولية، لأن المواطن أصبح أكثر وعياً، ولم يعد يقبل الخطابات العامة أو المواقف التي تفتقر إلى الرؤية».

انتخابات المحليات

شملت توجيهات الرئيس «الانتهاء من الاستعدادات اللازمة لإجراء انتخابات المجالس المحلية بما يرسخ المشاركة الشعبية، ويعزز دورها في الإدارة المحلية».

وأجريت آخر انتخابات محلية في مصر عام 2008، وتم حل مجالسها بحكم قضائي بعد أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، ومن المتوقع أن تشهد انتخاب أكثر من 50 ألف عضو في المجالس الشعبية المحلية التي تلعب دوراً رئيسياً في مراقبة الأجهزة التنفيذية بالمحافظات والأحياء، وتعزيز تنفيذ الخدمات وتسهيل تقديمها للمواطنين.

وقال عضو لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، فيصل أبو عريضة، في بيان الأحد، إن انتخابات المحليات تمثل حجر الزاوية في استكمال مؤسسات الدولة؛ مشيراً إلى أن المجالس المحلية ستكون شريكاً أساسياً للحكومة والبرلمان في الرقابة ومتابعة تنفيذ المشروعات الخدمية بالقرى والمدن والمحافظات.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وقرينته خلال حفل افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية يوم السبت (الرئاسة)

ويعتقد الشهابي أن إجراء انتخابات المجالس المحلية «سيعيد الحيوية إلى الشارع السياسي، ويمنح الأحزاب فرصة حقيقية للحضور وسط المواطنين من خلال برامج واقعية تتعلق بالخدمات والتنمية المحلية، وهو ما يسهم في استعادة الثقة بين المواطن والعمل الحزبي».

وعن الموعد المحتمل للانتخابات المحلية، قال إن التوجيه الرئاسي يمثل دفعة سياسية قوية للإسراع في استكمال هذا الاستحقاق الدستوري، لكنه يرتبط أولاً بالانتهاء من مشروع قانون الإدارة المحلية في مجلس النواب، باعتباره من القوانين المكملة للدستور.

وأكد أن القانون يجب أن يحظى بحوار مجتمعي وتشريعي واسع تحت قبتي مجلسي الشيوخ والنواب، بمشاركة الأحزاب السياسية والمتخصصين وخبراء الإدارة المحلية «حتى يَصدر معبراً عن فلسفة الدستور، وقادراً على بناء نظام محلي حديث يقوم على اللامركزية والكفاءة والشفافية».

وأضاف: «عقب الانتهاء من قانون الإدارة المحلية، سيكون من الضروري إصدار قانون تقسيم دوائر انتخابات المجالس المحلية، ثم تبدأ الهيئة الوطنية للانتخابات في اتخاذ الإجراءات التنفيذية وإعلان الجدول الزمني للانتخابات»، متوقعاً أن تشهد مصر انتخابات المجالس المحلية في أقرب وقت ممكن بعد استكمال الإطار التشريعي.

الحوار والتعددية

وأكد الشهابي أن النخبة السياسية مطالبة بقراءة المتغيرات التي شهدتها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، والتخلي عن أساليب العمل التقليدية، والانتقال إلى مرحلة تقوم على الحوار، واحترام التعددية، وتقديم البدائل الواقعية، والاقتراب من هموم المواطنين بدلاً من الاكتفاء بالشعارات.

وأشاد الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، بتصريحات السيسي، قائلاً: «أؤيد وأدعم ما أكده الرئيس بشأن ضرورة تنشيط الحياة السياسية وإجراء انتخابات المجالس المحلية كخطوة أولى. فمصر تحتاج اليوم إلى إيقاظ نظامها السياسي، وإعادة الحيوية إلى أحزابها السياسية وتركها لتصبح ذات حضور وتأثير وقدرة على التعبير عن المواطنين وطرح البدائل وتقديم الكوادر».

وأضاف في بيان: «الأحزاب القوية والحياة السياسية النشطة ليستا ترفاً، ولا يجب التخوف منهما، بل هما الضمانة الحقيقية لاستقرار الدولة، وتعزيز تماسك المجتمع، وحمايته من الفوضى أو الفراغ السياسي. الدول القوية تُبنى بمؤسساتها، وبحوارها الوطني الجاد، وبمشاركة مواطنيها في الشأن العام».


«الثانوية المصرية»... ملاحقات مستمرة لـ«مسرّبي الامتحانات»

طالبات داخل فصل دراسي بإحدى المدارس المصرية أبريل الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
طالبات داخل فصل دراسي بإحدى المدارس المصرية أبريل الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
TT

«الثانوية المصرية»... ملاحقات مستمرة لـ«مسرّبي الامتحانات»

طالبات داخل فصل دراسي بإحدى المدارس المصرية أبريل الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
طالبات داخل فصل دراسي بإحدى المدارس المصرية أبريل الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)

تعهدات متكررة من وزارة التربية والتعليم المصرية بملاحقة «مسرّبي امتحانات» الثانوية العامة بالبلاد لا يراها خبراء تربويون «كافية لمنع التسريب الإلكتروني»، في وقت تواصل «التعليم»، الأحد، التحقيق في تداول اختبار اللغة الإنجليزية.

وشدد وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف، خلال متابعته سير الامتحانات من داخل «غرفة العمليات المركزية» بالوزارة، على «ضرورة الالتزام الكامل بإجراءات تفتيش الطلاب بدقة وحزم، ومراجعة اللجان من الداخل قبل بدء الامتحان، والتأكد من خلوها تماماً من أي وسائل أو أدوات قد تُستخدم للإخلال بأعمال الامتحانات».

ووفقاً لإفادة صادرة عن «التعليم»، الأحد، تابع عبد اللطيف، عبر منظومة المراقبة بالكاميرات وشاشات المتابعة، إجراءات دخول الطلاب إلى اللجان، إلى جانب سير العملية الامتحانية.

وأدى طلاب الثانوية العامة (المرحلة المؤهلة للالتحاق بالجامعات) في الشعبتين الأدبية والعلمية، الأحد، امتحان اللغة الأجنبية الأولى (الإنجليزية). ووفقاً لوزارة التربية والتعليم، بلغ عدد المتقدمين للامتحان بالنظام الجديد 867 ألفاً و429 طالباً وطالبة، مقابل 3269 طالباً وطالبة بالنظام القديم، داخل 2032 لجنة امتحانية.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجّه، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بتشديد العقوبات الموقعة على كل من يثبت تورطه في أعمال الغش بامتحانات الثانوية العامة.

وتحدثت مصادر بـ«التعليم»، وفق ما أوردت مواقع محلية إخبارية، الأحد، عن «ضبط عدد من حالات الغش الإلكتروني داخل بعض لجان الامتحانات، وذلك في إطار تطبيق الإجراءات الصارمة لمنع محاولات الإخلال بسير الامتحانات».

وأوضحت المصادر أنه «جرى رصد محاولات استخدام أجهزة إلكترونية داخل اللجان، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال الطلاب المخالفين، وإحالتهم للتحقيق وفق القواعد المعمول بها في قانون مكافحة الغش الإلكتروني».

وزير التربية والتعليم المصري خلال متابعة سير امتحانات الثانوية من داخل غرفة العمليات المركزية بالوزارة (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)

الخبير التربوي، عاصم حجازي، قال إن «الإجراءات اللاحقة لـ(التعليم) بعد اكتشاف أي واقعة (غش) هي إجراءات جيدة لا يمكن الإضافة إليها؛ لأنها تُطبق القانون بحزم عند اكتشاف أي تسريب، لكن المشكلة تكمن في الإجراءات الاستباقية».

ويتابع: «دائماً ما يكون هناك ما يُشبه (الحرب) بين الوزارة ومسرّبي الامتحانات، ومن ثم يسبق أصحاب (صفحات الغش) الوزارة دائماً بخطوة».

ويضيف حجازي لـ«الشرق الأوسط»: «حتى الآن لم تتمكن (التعليم) من المنع الكامل لتداول الأسئلة قبل حدوثه؛ لكن بالتأكيد تراجعت فرص التداول كثيراً مقارنة بالسنوات الماضية».

ووفقاً لما هو متداول على المواقع المحلية، الأحد، فإنه «جرى ضبط 27 سماعة إلكترونية تُستخدم للغش، و10 هواتف محمولة بحوزة طلاب قبل دخولهم لجان الامتحانات في محافظة قنا، جنوب البلاد».

وأرجع حجازي: «قلة وقائع التسريب الإلكتروني إلى تشديد الإجراءات على اللجان، وتطبيق نظام المجمعات الامتحانية». لكنه يرى أن «هذه الإجراءات لم تمنع الغش؛ لأن الوزارة تعمل على جانب واحد فقط في معالجة الأمر، وهو جانب العقوبات والتفتيش، وتهمل جوانب أخرى مثل القيمية والأخلاقية، وكذلك الجانب الخاص باكتشاف قدرات الطالب، ومدى قيام المدرسة بدورها».

طلاب في إحدى المدارس المصرية مارس الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)

ووفق رئيس الإدارة المركزية للامتحانات، رئيس عام امتحانات الثانوية، خالد عبد الحكم، الأحد، فإن «جميع مراحل العمل الخاصة بالامتحانات مؤمَّنة بالكامل، بدءاً من طباعة الأسئلة، مروراً بنقلها إلى مراكز توزيع كراسات الامتحان، ثم لجان السير، وصولاً إلى لجان النظام والمراقبة، بما يضمن سلامة الإجراءات وسرية الامتحانات».

وحول مدى تأثير الإعلان عن ملاحقة «مسرّبي الامتحانات» في الحد منها، يرى الخبير التربوي محمد كمال أن «إعلان وزارة التعليم في كل امتحان عن قيامها بملاحقة مسربي الامتحانات، وتوصلها إليهم، لم يؤدِّ إلى وقف التسريبات، بل على العكس، استمرت منذ أول يوم امتحانات وحتى الآن، ويبدو أنها ستستمر حتى نهايتها»، وفق قوله.

ويوضح كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «ولي الأمر لن يستفيد من معاقبة الشخص الذي سرّب الامتحان، وإنما يستفيد من منع التسريبات والغش بجميع صوره، ولا سيما الغش الإلكتروني واللجان التي يُسهَّل فيها ذلك».

ويتابع أن «الإعلان عن مسربي الامتحانات لن يفيد أيضاً الطالب المجتهد بعد أن تسببت التسريبات والغش الالكتروني والغش شبه الجماعي في ضياع حقه ومجهوده هو وأسرته».

وحسب كمال، فإن «المسؤولية مشتركة بين وزارتي (التعليم) و(الاتصالات) التي بادرت وأعلنت أنها لن تقطع الإنترنت في محيط لجان امتحانات الثانوية».

وزير التربية والتعليم خلال زيارته إحدى المدارس في أبريل الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)

فيما يشير حجازي إلى أن «الاعتماد على الملاحقات وحدها لن يُجدي نفعاً، ولا بد من القضاء على الأسباب التي تدعو الطالب للغش من المنبع».

وتواجه وزارة التعليم انتقادات متكررة نتيجة استمرار وقائع الغش، ولم تعلن الوزارة خلال امتحانات العام الماضي أعداد الطلاب الذين جرى ضبطهم بتهمة «التسريب»، غير أنها أعلنت في امتحانات الثانوية العامة عام 2024 «إحالة 425 طالباً إلى جهات التحقيق بسبب مخالفة قانون أعمال الامتحانات، بعد أن تم إجراء محاضر غش لهم».