أميركا وإسرائيل خططتا لـ«حكومة بديلة» بقيادة أحمدي نجاد بعد مقتل خامنئي

کان الهدف الأولي للحرب تنصيبه... غارة استهدفت منزله وقتلت فریق حمایته بهدف تحريره

الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد (أ.ف.ب)
الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد (أ.ف.ب)
TT

أميركا وإسرائيل خططتا لـ«حكومة بديلة» بقيادة أحمدي نجاد بعد مقتل خامنئي

الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد (أ.ف.ب)
الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد (أ.ف.ب)

بعد أيام من الغارات الإسرائيلية التي قتلت المرشد الإيراني علي خامنئي ومسؤولين كباراً آخرين في الضربات الافتتاحية للحرب، قال الرئيس دونالد ترمب علناً إن الأفضل أن يتولى «شخص من الداخل» زمام الأمور وإدارة البلاد.

وتبيّن أن الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا النزاع وهما تفكران في شخص محدد ومفاجئ للغاية: محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق الذي عرف خلال فترة رئاسته بمواقفه المتشددة والمعادية لإسرائيل والولايات المتحدة.

لكن الخطة الجريئة، التي وضعها الإسرائيليون وجرت استشارة أحمدي نجاد بشأنها، سرعان ما انحرفت عن مسارها، وفق مسؤولين أميركيين أُطلعوا عليها.

وقال المسؤولون الأميركيون وأحد المقربين من أحمدي نجاد إن أحمدي نجاد أُصيب في اليوم الأول من الحرب جراء ضربة إسرائيلية استهدفت منزله في طهران، وكانت تهدف إلى تحريره من الإقامة الجبرية. وأضافوا أنه نجا من الضربة، لكنه أصيب، بعد المحاولة الفاشلة، بخيبة أمل من خطة تغيير النظام.

ولم يظهر علناً منذ ذلك الحين، ولا يُعرف مكانه الحالي ولا حالته.

والقول إن أحمدي نجاد كان خياراً غير عادي هو تقليل كبير من شأن الأمر. ففي حين كان قد دخل في صدام متزايد مع قادة النظام، ووضعته السلطات الإيرانية تحت مراقبة مشددة، كان معروفاً خلال رئاسته، من 2005 إلى 2013، بدعواته إلى «محو إسرائيل من الخريطة». وكان مؤيداً قوياً لبرنامج إيران النووي، وناقداً شرساً للولايات المتحدة، ومعروفاً بقمعه العنيف للمعارضة الداخلية.

ولا يزال مجهولاً كيف جرى تجنيد أحمدي نجاد للمشاركة في هذه العملية.

وكان وجود هذا المسعى، الذي لم يُكشف عنه سابقاً، جزءاً من خطة متعددة المراحل وضعتها إسرائيل لإسقاط المؤسسة الثيوقراطية في إيران. وهو يوضح كيف دخل ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحرب ليس فقط وهما يسيئان تقدير السرعة التي يمكن أن يحققا بها أهدافهما، بل أيضاً وهما يراهنان إلى حد ما على خطة محفوفة بالمخاطر لتغيير القيادة في إيران، حتى إن بعض مساعدي ترمب وجدوا الخطة غير معقولة. وكان بعض المسؤولين الأميركيين متشككين خصوصاً في جدوى إعادة أحمدي نجاد إلى السلطة.

في هذا الصدد، قالت آنا كيلي، المتحدثة باسم البيت الأبيض، رداً على طلب للتعليق بشأن خطة تغيير النظام وأحمدي نجاد: «منذ البداية، كان الرئيس ترمب واضحاً بشأن أهدافه من عملية الغضب الملحمي: تدمير صواريخ إيران الباليستية، وتفكيك منشآت إنتاجها، وإغراق بحريتها، وإضعاف وكلائها. لقد حقق الجيش الأميركي كل أهدافه أو تجاوزها، والآن يعمل مفاوضونا على إبرام اتفاق من شأنه إنهاء قدرات إيران النووية إلى الأبد».

ورفض متحدث باسم «الموساد»، وكالة الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية، التعليق.

وتحدث مسؤولون أميركيون، في الأيام الأولى من الحرب، عن خطط وُضعت مع إسرائيل لتحديد شخصية براغماتية يمكن أن تتولى إدارة البلاد. وأصر المسؤولون على وجود معلومات استخباراتية تفيد بأن بعض الأشخاص داخل النظام الإيراني سيكونون مستعدين للعمل مع الولايات المتحدة، حتى لو لم يكن بالإمكان وصف هؤلاء الأشخاص بأنهم «معتدلون».

وكان ترمب يستمتع بنجاح الغارة التي نفذتها القوات الأميركية للقبض على زعيم فنزويلا نيكولاس مادورو، واستعداد بديلته المؤقتة للعمل مع البيت الأبيض، وهو نموذج بدا أن ترمب يعتقد بإمكان تكراره في أماكن أخرى.

الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد يعرض وثيقة هويته لدى وصوله إلى وزارة الداخلية لتسجيل ترشحه للانتخابات الرئاسية في طهران 2 يونيو 2024 (أ.ب)

رهان الرجل المثير للجدل

وفي السنوات الأخيرة، دخل أحمدي نجاد في صدام مع قادة النظام، متهماً إياهم بالفساد، وانتشرت شائعات بشأن ولاءاته. واستُبعد من انتخابات رئاسية عديدة، واعتُقل مساعدوه، وازدادت القيود على تحركاته لتقتصر على منزله في منطقة نارمك بشرق طهران.

إن رؤية المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين لأحمدي نجاد قائداً محتملاً لحكومة جديدة في إيران تمثل دليلاً إضافياً على أن حرب فبراير (شباط) أُطلقت أملاً في تنصيب قيادة أكثر مرونة في طهران. وقال ترمب وأعضاء في حكومته إن أهداف الحرب كانت تركز بصورة ضيقة على تدمير قدرات إيران النووية والصاروخية والعسكرية.

عملية سرية

وهناك أسئلة كثيرة بلا إجابة بشأن الكيفية التي خططت بها إسرائيل والولايات المتحدة لوضع أحمدي نجاد في السلطة، والظروف المحيطة بالغارة الجوية التي أصابته. وقال مسؤولون أميركيون إن الضربة، التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي، كانت تهدف إلى قتل الحراس الذين كانوا يراقبون أحمدي نجاد، في إطار خطة لإطلاق سراحه من الإقامة الجبرية.

في اليوم الأول من الحرب، قتلت الضربات الإسرائيلية المرشد علي خامنئي. كما فجَّرت الضربة على مجمع خامنئي في وسط طهران اجتماعاً لمسؤولين إيرانيين، مما أسفر عن مقتل بعض المسؤولين الذين كان البيت الأبيض قد حددهم بوصفهم أكثر استعداداً من رؤسائهم للتفاوض بشأن تغيير في الحكومة.

وكانت هناك أيضاً تقارير أولية في ذلك الوقت في وسائل الإعلام الإيرانية تفيد بأن أحمدي نجاد قُتل في الضربة على منزله.

ولم تلحق الضربة أضراراً كبيرة بمنزل أحمدي نجاد الواقع في نهاية شارع مسدود. لكن نقطة الحراسة الأمنية عند مدخل الشارع تعرضت للقصف. وتُظهر صور الأقمار الاصطناعية أن ذلك المبنى دُمّر.

وفي الأيام التي تلت ذلك، أوضحت وكالات الأنباء الرسمية أنه نجا، لكن «حراسه الشخصيين» - وهم في الواقع عناصر من «الحرس الثوري» كانوا يحرسونه ويضعونه في الوقت نفسه قيد الإقامة الجبرية - قُتلوا.

وذكر مقال في مجلة «ذا أتلانتيك» في مارس (آذار)، نقلاً عن مقربين مجهولين من أحمدي نجاد، أن الرئيس السابق أُفرج عنه من احتجازه الحكومي بعد الضربة على منزله، التي وصفها المقال بأنها «في الواقع عملية هروب من السجن».

وبعد ذلك المقال، أكد أحد المقربين من أحمدي نجاد لـ«نيويورك تايمز» أن أحمدي نجاد رأى الضربة محاولة لتحريره. وقال المقرب إن الأميركيين نظروا إلى أحمدي نجاد بوصفه شخصاً يمكن أن يقود إيران، ولديه القدرة على إدارة «الوضع السياسي والاجتماعي والعسكري في إيران».

وقال المقرب إن أحمدي نجاد كان سيتمكن من «لعب دور مهم جداً» في إيران في المستقبل القريب، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة رأت فيه شخصاً شبيهاً بديلسي رودريغيز، التي تولت السلطة في فنزويلا بعد أن احتجزت القوات الأميركية مادورو، وعملت منذ ذلك الحين بشكل وثيق مع إدارة ترمب، وفق ذلك الشخص.

أحمدي نجاد يتحدث إلى حليفه سعيد جليلي مستشار المرشد الإيراني على هامش مراسم افتتاح مجلس خبراء القيادة في طهران (أرشيفية - إيلنا)

وخلال رئاسته، كان أحمدي نجاد معروفاً بسياساته المتشددة وتصريحاته الأصولية الغريبة غالباً، مثل إعلانه أنه لا يوجد شخص مثلي واحد في إيران، وإنكاره الهولوكوست. وتحدث في مؤتمر في طهران حمل عنوان «عالم بلا صهيونية».

سخر الساخرون الغربيون من هذه الآراء، وأصبح أحمدي نجاد نوعاً من ظاهرة ثقافة شعبية غير مقصودة، حتى إنه كان موضوعاً لمحاكاة ساخرة في برنامج «ساترداي نايت لايف».

كما تولى رئاسة البلاد في وقت كانت إيران تسرّع فيه تخصيب اليورانيوم الذي يمكن أن تستخدمه يوماً ما لصنع قنبلة نووية إذا اختارت تسليح برنامجها.

وخلص تقييم استخباراتي أميركي في عام 2007 إلى أن إيران كانت قد جمّدت، قبل سنوات، عملها على بناء جهاز نووي، لكنها كانت تواصل تخصيب الوقود النووي الذي يمكن أن تستخدمه لسلاح نووي إذا غيرت رأيها.

بعد أن ترك أحمدي نجاد منصبه، أصبح تدريجياً ناقداً علنياً للسلطة، أو على الأقل على خلاف مع خامنئي.

ثلاث مرات - في 2017 و2021 و2024 - حاول أحمدي نجاد الترشح لمنصبه السابق، لكن مجلس صيانة الدستور الإيراني، وهو هيئة من حقوقيين مدنيين وإسلاميين، منع حملته الرئاسية في كل مرة. واتهم أحمدي نجاد مسؤولين إيرانيين كباراً بالفساد أو سوء الإدارة، وأصبح ناقداً للحكومة في طهران. ورغم أنه لم يكن معارضاً صريحاً قط، فإن النظام بدأ يعامله بوصفه عنصراً قد يزعزع الاستقرار.

أما صلات أحمدي نجاد بالغرب فهي أكثر غموضاً بكثير.

في مقابلة عام 2019 مع «التايمز»، أشاد أحمدي نجاد بترمب ودعا إلى تقارب بين إيران والولايات المتحدة.

وقال أحمدي نجاد: «السيد ترمب رجل فعل. إنه رجل أعمال، ولذلك فهو قادر على حساب الكلفة والفوائد واتخاذ قرار. نقول له: لِنحسب الكلفة والفائدة الطويلة الأمد لأمتينا، وألا نكن قصيري النظر».

اتُّهم أشخاص مقربون من أحمدي نجاد بإقامة صلات وثيقة جداً بالغرب، أو حتى بالتجسس لصالح إسرائيل. وقد حوكم إسفنديار رحيم مشائي، رئيس مكتب أحمدي نجاد السابق، عام 2018، وسأل القاضي في القضية علناً عن صلاته بأجهزة تجسس بريطانية وإسرائيلية، وهي تهمة نشرتها وسائل الإعلام الرسمية.

في السنوات القليلة الماضية، قام أحمدي نجاد برحلات خارج إيران غذّت التكهنات أكثر.

في عام 2023، سافر إلى غواتيمالا، وفي عامي 2024 و2025 ذهب إلى المجر، وهي رحلات فصلتها مجلة «نيو لاينز». ولدى البلدين علاقات وثيقة بإسرائيل.

وكان رئيس الوزراء المجري آنذاك، فيكتور أوربان، يتمتع بعلاقة وثيقة مع نتنياهو. وخلال رحلاته إلى المجر، تحدث أحمدي نجاد في جامعة مرتبطة بأوربان.

وعاد من بودابست قبل أيام فقط من بدء إسرائيل مهاجمة إيران في يونيو (حزيران) الماضي. وعندما اندلعت تلك الحرب، حافظ على حضور عام منخفض، ونشر فقط بضع بيانات على وسائل التواصل الاجتماعي. ولاحظ كثيرون على وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانية صمته النسبي بشأن حرب مع دولة طالما اعتبرها أحمدي نجاد العدو الرئيسي لإيران.

أحمدي نجاد يلوِّح بيديه لدى وصوله إلى مقر لجنة تسجيل مرشحي الانتخابات الرئاسية بوزارة الداخلية في يونيو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

حكومة لم تولد

وتزايد النقاش بشأن أحمدي نجاد على وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانية بعد تقارير عن وفاته، وفق تحليل أجرته «فيلتر لبس»، وهي شركة تتتبع الرأي العام. لكن النقاش تراجع في الأسابيع التالية، واقتصر في معظمه على الارتباك بشأن مكان وجوده.

في البداية، تصورت إسرائيل أن الحرب ستتطور على مراحل عدة، تبدأ بهجمات جوية من الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى قتل كبار القادة في إيران، وحشد الأحزاب الكردية المعارضة للقتال ضد القوات الإيرانية، وفق مسؤولين دفاعيين إسرائيليين مطلعين على التخطيط العملياتي.

ثم توقعت الخطة الإسرائيلية أن يؤدي مزيج من حملات التأثير التي تنفذها إسرائيل وتوغل للأحزاب الكردية إلى خلق عدم استقرار سياسي في إيران وإحساس بأن النظام يفقد السيطرة. وفي مرحلة ثالثة، كان النظام سينهار، تحت ضغط سياسي شديد وثقل الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية الرئيسية مثل الكهرباء، مما يسمح بإقامة ما كان الإسرائيليون يشيرون إليه باسم «حكومة بديلة».

وباستثناء الحملة الجوية وقتل المرشد، لم يتحقق من الخطة سوى القليل مما كان الإسرائيليون يأملونه، ويبدو كثير منها، عند النظر إلى الوراء، أنه أساء بعمق تقدير قدرة إيران على الصمود وقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على فرض إرادتهما.

لكن حتى بعد أن أصبح واضحاً أن الحكومة في إيران نجت من الأشهر الأولى للحرب، واصل بعض المسؤولين الإسرائيليين التعبير عن إيمانهم برؤيتهم لفرض تغيير النظام في طهران.

وقال ديفيد برنياع، رئيس «الموساد»، لشركائه في عدة مناقشات إنه لا يزال يعتقد أن خطة الجهاز، القائمة على عقود من جمع المعلومات الاستخباراتية والنشاط العملياتي في إيران، كانت تملك فرصة جيدة جداً للنجاح لو حصلت على الموافقة للمضي قدماً.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

النفط يقفز بعد تهديد ترمب بضربة قاسية لإيران والسيطرة على بنيتها التحتية

الاقتصاد مضخة تعمل بالقرب من احتياطي نفط خام في حقل نفط حوض بيرميان بالقرب من ميدلاند تكساس (رويترز)

النفط يقفز بعد تهديد ترمب بضربة قاسية لإيران والسيطرة على بنيتها التحتية

ارتفعت أسعار النفط العالمية يوم الخميس فور صدور تصريحات حادة عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أكد فيها أن الولايات المتحدة ستضرب إيران «بقوة شديدة الليلة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)

ضغوط التضخم تكبّل «المركزي التركي» وتدفعه لتثبيت الفائدة للمرة الثالثة

ثبت البنك المركزي التركي سعر الفائدة الرئيسي عند 37 في المائة للمرة الثالثة على التوالي مدفوعاً بمؤشرات التضخم وتقلبات أسعار الطاقة بسبب حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن... 10 يونيو 2026 (إ.ب.أ) p-circle

ترمب يلوّح بضربات جديدة على إيران والاستيلاء على جزيرة خرج

لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، بشن ضربات جديدة على إيران، والاتجاه لاحقاً إلى السيطرة على جزيرة خرج ومنشآت نفطية رئيسية.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الاقتصاد جناح منظمة «أوبك» في «مؤتمر الأطراف» الـ28 بدبي (أرشيفية - د.ب.أ)

«أوبك» تخفض توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط لعام 2026

خفضت «منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)»، الخميس، توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2026 إلى 970 ألف برميل يومياً...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع بمتجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يهوي لأدنى مستوى في 6 أشهر... ويتجه لأسوأ أداء فصلي منذ عقد

هبطت أسعار الذهب إلى أدنى مستوياتها في ستة أشهر خلال تعاملات يوم الخميس وسط استمرار الحرب وتصاعد توقعات رفع الفائدة الأميركية


الحكومة الإسرائيلية تصادق على ميزانية لإقامة 61 مستوطنة

آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة في 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)
آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة في 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)
TT

الحكومة الإسرائيلية تصادق على ميزانية لإقامة 61 مستوطنة

آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة في 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)
آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة في 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

بعد أن نفذت قوات الجيش الإسرائيلي أكبر عملية ترحيل للفلسطينيين من بيوتهم في الضفة الغربية منذ عام 1967، أقامت موقعاً عسكرياً ثابتاً بالقرب من مخيم جنين للاجئين، وهو المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية وفق اتفاقيات أوسلو. وفي الوقت نفسه، كُشف أن الحكومة رصدت أكثر من مليار شيقل (333 مليون دولار)، لتمويل عمليات تمهيد وبنى تحتية وإقامة 61 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية المحتلة.

وبحسب «القناة 12» للتلفزيون وموقع «أكسيوس» الأميركي، فإن هذه الخطة الحكومية تتضمن إقامة بنى سكنية ومبانٍ عامة وشبكات طرق وبنى تحتية في عشرات المستوطنات الجديدة، حتى قبل استكمال إجراءات التخطيط والمصادقة القانونية النهائية. وهي تُعد واحدة من أكبر خطوات التوسع الاستيطاني التي تدفع بها الحكومات الإسرائيلية خلال العقود الأخيرة؛ نظراً لحجمها وعدد المستوطنات التي تشملها. ويقود وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، المشروع الجديد.

نتنياهو وسموتريتش (رويترز)

وبحسب التقرير، لا تقتصر الخطة على منح اعتراف رسمي لمستوطنات جديدة، بل تشمل البدء الفعلي بتمويل البناء والخدمات والبنية التحتية لعشرات التجمعات الاستيطانية بصورة متزامنة، بما قد يؤدي إلى تغييرات واسعة في خريطة الضفة الغربية خلال السنوات المقبلة. وذكر التقرير أن عدداً كبيراً من المستوطنات المشمولة بالخطة يقع في مناطق حساسة استراتيجياً، بينها مناطق على امتداد «شارع 90» في الأغوار، وجنوب جبل الخليل، ومواقع تهدف إلى خلق تواصل جغرافي بين كتل استيطانية قائمة. وأوضح التقرير أن هذه الخطوة تهدف إلى تقويض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقبلية؛ إذ إنها تحرص على توسيع السيطرة الإسرائيلية على مساحات إضافية من الضفة الغربية، ومنع التواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية.

من جهة ثانية، كشفت صحيفة «هآرتس» العبرية، الخميس، أن الجيش الإسرائيلي يقيم موقعاً عسكرياً دائماً في منطقة الجابريات قرب مخيم جنين شمال الضفة الغربية المحتلة، في خطوة تعد الأولى من نوعها منذ توقيع اتفاق أوسلو داخل منطقة مصنفة «A»، وخاضعة، نظرياً، للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية.

وبحسب الوثائق المقدمة إلى المحكمة، أقر الجيش الإسرائيلي بأن قائد المنطقة الوسطى وقّع في 7 مايو (أيار) الماضي أمراً بمصادرة أراضٍ بغرض إقامة موقع عسكري دائم قرب مخيم جنين. وجاء هذا الإقرار ضمن رد قدمه الجيش على التماس رفعته جمعية حقوق المواطن في إسرائيل ضد استمرار تهجير عشرات آلاف الفلسطينيين من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، ومنعهم من العودة إلى منازلهم منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

وقال الجيش في رده على الدعوى إن الموقع العسكري الجديد «يهدف إلى استبدال مكوث القوات داخل منازل السكان في مخيم جنين، وتنظيم انتشار القوات في المنطقة برؤية طويلة الأمد، كجزء من توفير الظروف العملياتية اللازمة للخروج الآمن من المخيم»، إلا أن الصحيفة أكدت أن لديها مصادر مطلعة تقول إن القاعدة قد تكون مخصصة أيضاً لتوفير الحماية للمستوطنين الذين يُتوقع أن يعودوا للسكن في محيط جنين، في ظل الخطوات التي تدفع بها الحكومة الإسرائيلية لتعزيز الاستيطان شمال الضفة.

جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية غرب جنين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

وكانت بلدية جنين وسكان المنطقة قد حذروا من أن قرار المصادرة قد يكون مقدمة لإقامة موقع عسكري دائم يفرض واقعاً جديداً على المدينة ومحيط المخيم.

وفي ردّه على الالتماس، رفض الجيش الإسرائيلي طلب وقف تمديد أوامر الإغلاق التي تمنع السكان من العودة إلى مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس. وادعى أن قواته تحتاج إلى تنفيذ سلسلة من الإجراءات والبنى التحتية الأمنية التي تضمن «حرية العمل» داخل المخيمات، وتمنع إعادة بناء ما وصفها بـ«البنى التحتية الإرهابية» بعد انسحاب القوات. وأشار الجيش إلى أن منع الدخول إلى المنطقة التي تجري فيها أعمال البناء جاء «من أجل حماية القوات العاملة على إقامة الموقع»، في ظل استمرار ما وصفها بالأحداث الأمنية ضد قواته في محيط المخيم.

ويأتي المشروع العسكري الجديد بالتوازي مع خطوات حكومية إسرائيلية متسارعة لإعادة الاستيطان في شمال الضفة الغربية، خاصة في المستوطنات التي تم تفكيكها بموجب خطة فك الارتباط عن غزة عام 2005. ففي ديسمبر (كانون الأول) الماضي ومارس (آذار) من العام الحالي، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات لإعادة إقامة مستوطنات أُخليت في إطار خطة فك الارتباط، وذلك بعد إلغاء قانون فك الارتباط في شمال الضفة عام 2023. ويرى مراقبون أن إقامة قاعدة عسكرية دائمة في جنين قد تشكل جزءاً من البنية الأمنية التي تسبق أو ترافق هذه الخطوات الاستيطانية.

فلسطينيون يعاينون سيارة محترقة الأحد في أعقاب هجومٍ لمستوطنين إسرائيليين على قرية الفندقومية جنوب جنين بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

والمعروف أنه منذ أكثر من عام لا يزال 33 ألفاً من الفلسطينيين مهجّرين من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، في ظل العملية العسكرية الإسرائيلية المستمرة في شمال الضفة الغربية. وبحسب جمعية حقوق المواطن، فإن «هذه أكبر موجة تهجير في الضفة الغربية منذ عام 1967». وقالت الجمعية في التماسها إن استمرار منع العودة، بالتوازي مع تعزيز الوجود العسكري الإسرائيلي داخل المخيمات ومحيطها، يعني أن آلاف العائلات ما زالت تعيش خارج منازلها من دون أي أفق واضح للعودة. واعتبرت الجمعية أن هذه السياسة تشكل انتهاكاً لالتزامات إسرائيل تجاه السكان المدنيين بموجب القانون الدولي.


باريس تأسف لمنع إسرائيل صحافية فرنسية من دخول أراضيها

مبنى وزارة الخارجية الفرنسية في باريس (رويترز)
مبنى وزارة الخارجية الفرنسية في باريس (رويترز)
TT

باريس تأسف لمنع إسرائيل صحافية فرنسية من دخول أراضيها

مبنى وزارة الخارجية الفرنسية في باريس (رويترز)
مبنى وزارة الخارجية الفرنسية في باريس (رويترز)

أعربت فرنسا عن أسفها لقرار السلطات الإسرائيلية منع صحافية فرنسية، تغطي النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين لصالح إذاعة فرنسا وإذاعة فرنسا الدولية، من دخول إسرائيل، مؤكدة «دعمها حرية الصحافة وممارسة المهنة بحُرية وأمان».

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية: «نأسف لهذا القرار الذي يندرج ضمن سيادة السلطات الإسرائيلية، والتي نُحيلكم عليها». وأضاف باسكال كونفافرو، في مؤتمر صحافي: «فور علمنا بالوضع، تحركنا، بشكل كامل، في باريس وتل أبيب، لتقديم المساعدة لزميلتكم».


نتنياهو ورؤساء أميركا في 30 سنة: مَن رئيس الدولة العظمى هنا؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أمام الكونغرس يوليو 2024 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أمام الكونغرس يوليو 2024 (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو ورؤساء أميركا في 30 سنة: مَن رئيس الدولة العظمى هنا؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أمام الكونغرس يوليو 2024 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أمام الكونغرس يوليو 2024 (أ.ف.ب)

في يوليو (تموز) 1996، توجَّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى واشنطن لإجراء أول لقاء مع الرئيس الأميركي بيل كلينتون، كان الضيف القادم من تل أبيب مزهواً بنصر كبير حقَّقه لتوه على منافسه شيمون بيريز، ما مكَّنه أن يُصبح رئيساً للحكومة، وهو في منتصف الأربعينات (مواليد 1949) من عمره تقريباً.

استقبل كلينتون نتنياهو في البيت الأبيض، في اجتماع سجَّل جانباً منه، آرون ديفيد ميللر، نائب رئيس الفريق الأميركي في البيت الأبيض، الذي كان يدير حينها مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، في كتابه «أرض ميعاد زائدة على الحد (The Much Too Promised Land)». ويقول: «إن كلينتون اشمأز من نتنياهو، الذي ألقى كلمةً في اللقاء بدت خطاباً، وحتى محاضرة وليست حواراً، حاول فيه تقديم درس في التاريخ والسياسة».

الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون مستقبلاً نتنياهو في البيت الأبيض أبريل 1997 (غيتي)

وخلص ميللر، إلى أنَّ نتنياهو ترك الانطباع بأنَّه مغرور ومتبجح ويعاني من ثقة زائدة بالنفس، ناقلاً أنَّ الرئيس الأميركي كلينتون شعر بالإحباط، وعندما غادر نتنياهو الغرفة وأغلق الباب، قال الرئيس بغضب: «بحق الرب، مَن هو رئيس الدولة العظمى هنا؟».

وطوال 30 سنة منذ وصول نتنياهو لمنصب رئيس الوزراء والتي تخللتها فترات انقطاع تولَّى فيها آخرون السلطة، شهدت العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية كثيراً من حالات التوتر التي فجَّرت أزمات. ولقد عرفت تل أبيب رؤساء حكومات كثيرين، اختلفوا مع واشنطن، لكن تاريخ هذه العلاقات لم يعرف رئيس وزراء إسرائيلياً يختلف ويتطاول على رئيس أميركي بقدر ما فعل نتنياهو، الذي أدار معارك على الأرض الأميركية، وفي قلب الكونغرس.

من التحدي... إلى الإهانة

لكن هذا الكلام لم يعد يصلح اليوم مع «أميركا ترمب»؛ ففي شخصية نتنياهو وتصرفاته أمام الرئيس الحالي، دونالد ترمب، يبدو رئيس الوزراء الإسرائيلي صاغراً، راضخاً بشكل لم يعرفه من قبل... فلماذا حصل هذا التحوُّل؟ وكيف يسهم في رسم مستقبل العلاقات بين البلدين؟ وكيف يتم تفسيره في الحوادث الأخير، التي بدأت بالإهانة العلنية التي قام بها ترمب في مكالمته مع نتنياهو، واحتوت بعض الشتائم، والإملاء العلني بألا يضرب إيران.

يمكن أن تكون واقعة لقاء كلينتون - نتنياهو قبل 30 عاماً مدخلاً ممكناً للإجابة عن بعض الأسئلة السابقة، فشخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي تقوم في جانب منها على فكرة رسخها منذ 3 عقود؛ فهو يتباهى بأنَّه «أكثر إسرائيلي في التاريخ يعرف أميركا من الداخل» بفضل عيشه فيها من سنوات طفولته وحتى التخرج في الجامعة، ويعدُّ نفسه ضالعاً عميقاً في خباياها السياسية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمته أمام الكونغرس الأميركي في 24 يوليو 2024 (أ.ب)

لقد سعى نتنياهو منذ دخوله لأول مرة البيت الأبيض بوصفه رئيساً للوزراء إلى تقديم تلك الصورة التي رسمها لنفسه، ولقد ظلَّ السؤال الاستنكاري الغاضب من كلينتون: «مَن هو رئيس الدولة العظمى هنا؟» محفوراً في ذهن السياسة والسياسيين الأميركيين وكذلك الإسرائيليين، كما لو أنَّه نقش على حجر، لا يمحوه الزمن ولا يبليه النسيان، يحرص المستشارون في البلدين على التذكير به حتى يتفادوا آثاره السلبية.

ومع ذلك، فإنَّ نتنياهو لم يتردد في تكرار هذا الأسلوب وبفظاظة أكبر أمام الرئيس التالي، باراك أوباما، وكذلك أمام الرئيس جو بايدن، وفي فترة حكم ترمب الأولى، حاول ذلك معه ولكن بشكل أخف، فللرئيس ترمب توجد شخصية ذات سطوة، يُقال في إسرائيل إنها «أخافت نتنياهو، وأحكمت على خناقه».

ولعل ذلك الخوف الكامن هو ما سعى نتنياهو لنفضه عندما هزم بايدن ترمب في انتخابات 2020، فسارع إلى تهنئته، في وقت لم يكن فيه الحزب الجمهوري قد قبل النتيجة، بل احتج عليها بشدة، واحتلَّ نشطاؤه الكونغرس بعنف، فغضب عليه ترمب بشدة، وعدّ تصرفه خيانة.

كلينتون يكبح... وأوباما يعاقب.. وترمب يدعم

بشكل عام، تعدُّ فترات حكم نتنياهو من 1996 وحتى 1999، ثم من 2009 وحتى 2021، ومن 2022 حتى اليوم، أسوأ فترة مرَّت فيها علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل، وقد اتخذت الخلافات طابعاً سياسياً وولجت في أحيان كثيرة إلى العلاقات الشخصية، وفي بعض الأحيان بلغت حدَّ المساس بالعلاقات الاستراتيجية.

في مطلع العلاقة مع كلينتون عام 1996 أوقفه الأميركيون عند حده وكبحوا انفلاته لدى التعامل مع البيت الأبيض، وأخذوا يُسمِعونه تهديدات بوقف المساعدات الأميركية لإسرائيل، لكنه في البداية تبجَّح وأعلن في خطاب علني أنَّه ينوي التنازل عن هذه المساعدات، وأن وضع إسرائيل الاقتصادي جيد ولا تحتاج إليها.

وسرعان ما ردَّ كلينتون عليه بإرسال وفد رفيع ليفاوض على إنهاء هذه المساعدات، ووصل الوفد فعلاً، فتراجع نتنياهو، ومع هذا أصرَّ الأميركيون على إلغاء المساعدات المالية، وتحوَّلت المساعدات إلى عسكرية.

وعاد نتنياهو وسار بتنفيذ قسم من «اتفاقات أوسلو 1993»، خصوصاً بعد «حرب النفق» تحت المسجد الأقصى، في سبتمبر (أيلول) 1997، التي استمرت 3 أيام، وقُتِل فيها 100 جندي فلسطيني و17 جندياً إسرائيلياً.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع اتفاق «أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

وحينذاك دعا كلينتون كلاً من نتنياهو والرئيس ياسر عرفات إلى واشنطن، بمشاركة الملك حسين، وجرى التوقيع على «اتفاقية الخليل» (انسحبت إسرائيل من مساحة 85 في المائة من مدينة الخليل)، ولاحقاً انسحبت من 13 في المائة من الضفة الغربية.

في عام 2010، تفجَّر خلاف جديد في عهد نتنياهو الجديد؛ إذ بدأ يخطط لشنِّ حرب على إيران، ووقفت واشنطن ضده، لكن نتنياهو خاض معركةً خاسرةً من البداية لأنَّ جميع قادة أجهزة الأمن الإسرائيلية عارضوه (الجيش والموساد وأمان والشاباك). واكتشف نتنياهو عندها وجود مفاوضات سرية بين واشنطن وطهران لتوقيع «الاتفاق النووي». وعندها راح يحارب «الاتفاق» سياسياً، ودخل في صدام مباشر مع الرئيس باراك أوباما، إلى درجة التدخل في انتخابات الرئاسة لمحاولة إسقاطه.

محمود عباس وياسر عبد ربه وبنيامين نتنياهو وإيهود باراك خلال توقيع اتفاق برعاية باراك أوباما في نيويورك عام 2009 (أ.ف.ب)

كذلك ألقى نتنياهو خطاباً ضد «الاتفاق النووي» في الكونغرس عام 2015 من دون ترتيب مع البيت الأبيض، وتعمَّق الخلاف لدرجة أنَّ أوباما عاقبه ولم يستخدم «الفيتو» في قرار مجلس الأمن الدولي ضد الاستيطان في عام 2016.

عندما فاز ترمب بالحكم للمرة الأولى عام 2016، ازدهرت العلاقات الثنائية مع نتنياهو الذي حقَّق إنجازات لسياسة اليمين، كالاعتراف بضم الجولان السوري لإسرائيل، وإعلان «صفقة القرن»، ومعاقبة رفض الفلسطينيين لها بالاعتراف بضم القدس لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وإغلاق القنصلية الأميركية التي تخدم الفلسطينيين، وإغلاق مكاتب «منظمة التحرير» في واشنطن.

دعم حرب غزة لم يشفع لبايدن

ومع سقوط ترمب، عادت العلاقات إلى التوتر؛ بسبب إجهاض نتنياهو كل المحاولات للعودة إلى المسار السياسي.

هذه المرة، وقف الرئيس جو بايدن ضد نتنياهو؛ بسبب خطته الانقلابية على منظومة الحكم، ورفض استقبال نتنياهو في البيت الأبيض، بل ودعم وساند علناً حملة الاحتجاج ضد الحكومة وخطتها الانقلابية على القضاء.

ويعتقد بعض قادة حملة الاحتجاج الإسرائيلية أن «معركة» إسقاط نتنياهو اقتربت من نهايتها وكادت تسقطه، لولا هجوم «حماس»، في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وعندها حاول بايدن إظهار الدعم المطلق لإسرائيل رغم خلافاته مع نتنياهو، قائلاً إنه يفرق بين حكومة إسرائيل وشعب إسرائيل، وحضر سريعاً إلى إسرائيل ليعلن مدى انتمائه إلى الصهيونية.

بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وظلَّ دعم «أميركا بايدن» مطلقاً، رغم أنَّ الردَّ الإسرائيلي على هجوم «حماس» كان مرعباً، واستُخدِمت فيه أدوات تدمير وقتل وحشية، غالبيتها من صنع أميركي، فنظم بايدن جسراً جوياً وآخر بحرياً شمل 130 شحنة أسلحة وذخيرة، وبينها أسلحة تُستخدَم للمرة الأولى، وقدَّم دعماً بقيمة 14.3 مليار دولار ليصبح مجموع ما قدَّمته واشنطن لإسرائيل منذ قيامها نحو 170 مليار دولار، بجانب منح إسرائيل غطاءً سياسياً وإعلامياً واستخبارياً وقضائياً.

لكن ذلك الدعم الكبير لم يشفع لبايدن؛ فنتنياهو ووزراؤه من اليمين المتطرف لم يرضوا ولم يشبعوا، ولم يتردَّد بعضهم في اتهام بايدن وأركان فريقه بدعم وتشجيع «حماس» فقط عندما سعوا إلى هدن أو تخفيف حدة الهجمات على غزة، والتوجه نحو صفقة لتحرير الرهائن الإسرائيليين لدى «حماس».

وراح نتنياهو يدير حملة لتصوير إسرائيل «وحيدة بلا أصدقاء»، لكنه قادر على قيادتها في معركة الاعتماد على الذات، أي من دون واشنطن. وألقى نتنياهو، خطابه الرابع أمام الكونغرس، في مسعى للضغط على إدارة بايدن.

في صحبة ترمب: لا بد من ثمن

مع عودة ترمب إلى الحكم مجدداً في 2024 كان نتنياهو مختلفاً، مجروحاً وضعيفاً، وأصبح متهماً في 3 قضايا فساد، تُهدِّد بسقوطه عن الحكم.

وأمام الخطر في انتهاء المحكمة بإدانته والإلقاء به إلى السجن، راح يدير معركةً للانقلاب على منظومة الحكم والجهاز القضائي، ويقود إسرائيل في حروب على جبهات عدة لا يبدو أن لها نهاية؛ حيث يحارب بجيشه الضخم تنظيماً صغيراً مسلحاً مثل حركة «حماس»، أو «حزب الله»، لشهور طويلة «من دون حسم»، فوجد في البيت الأبيض رئيساً مستعداً لمناصرته بشكل غير مسبوق، وبلغ حدَّ التوجيه العلني للرئيس الإسرائيلي بإلغاء المحاكمة، ووعد نتنياهو بعمل كل شيء حتى يُنتخب من جديد رئيساً للحكومة.

ترمب ونتنياهو (صورة أرشيفية من رويترز)

كما ألغى ترمب كل القيود التي فرضها بايدن، وحرَّر الأسلحة التي طلبها نتنياهو، وشنَّ حرباً على محكمتَي لاهاي، وعاقب قضاتها؛ بسبب أمرهم باعتقال نتنياهو، ثم سمح لنتنياهو بضرب إيران في يونيو (حزيران) الماضي، وتَوَّج الحرب بضربة أميركية، ثم شنَّ حرباً أخرى على إيران، وهذه المرة بشراكة تامة بين الجيشين الإسرائيلي والأميركي.

وتعرف جيش نتنياهو على أسرار كثيرة لجيش ترمب، واستخدما معاً أسلحةً جديدةً. وباشرت الحكومتان محادثات للانتقال من «دعم من الأخ الأكبر للأخ الأصغر، إلى شراكة الند للند، في المجالات العسكرية والتكنولوجية والسياسية والاقتصادية».

وفي «أميركا ترمب»، كما أميركا غيره لا بد من ثمن يُدفع؛ والإسرائيليون لا يحبون ولا يسارعون إلى دفع الثمن.... وليس هذا فحسب، بل إن نتنياهو يطمح إلى أن يعزِّز ترمب مكانة إسرائيل بوصفها دولة عظمى إقليمياً، تتميَّز عن الدول الكبرى والقوية في الشرق الأوسط.

كما يريد نتنياهو أن يعفيه ترمب من مستلزمات قضية السلام التي يطرحها، رغم أنَّ مسؤولين أميركيين يحذِّرون من تملص نتنياهو من التزاماته بهذا الشأن.

وأدخلت هذه القضية إسرائيل إلى نقاشات داخلية حادة، اتُّهم فيها نتنياهو بتحويل الدولة العبرية إلى «دولة وصاية» ترضخ لـ«إملاءات» الرئيس الأميركي، وانفلتت أحزاب المعارضة ضد نتنياهو، وراحت تتحدَّث عن الولايات المتحدة، بوصفها دولةً أجنبيةً تدوس على استقلال إسرائيل.

طائرة «إف 15» إسرائيلية وقاذفة استراتيجية أميركية خلال أحد التدريبات المشتركة (موقع الجيش الإسرائيلي)

والرئيس ترمب مستاء جداً من هذا الوضع، هو أصلاً غاضب على يهود الولايات المتحدة، وسبق أن نعتهم بالغباء لأنهم لا يرون أنه الأفضل لليهود ولإسرائيل، ويهاجمهم لأنَّهم يمنحون غالبية أصواتهم للحزب الديمقراطي، كما فعلوا عند التصويت لعمدة نيويورك زهران ممداني.

والآن يرى الرئيس الأميركي أنَّ خصوم نتنياهو، يعدّون ولاءه لترمب عيباً، ويعدُّ ذلك نكراناً للجميل، ولا يكتفي من نتنياهو بذلك، فهو يشعر بأنه - أي نتنياهو - حتى من ناحية شخصية ضعيف؛ وهذا الضعف لا يساعد ترمب على تحقيق «أهدافه الكبيرة» لمنطقة الشرق الأوسط.

إنه - وفق تقييمات الإسرائيليين - يريد من نتنياهو أن ينتفض وينهض لسحق المعارضة، ويبني معه خطة لتقويته في الانتخابات، ويلوح له بزيارة لإسرائيل في سبتمبر المقبل لمناصرته في عز معركته الانتخابية، ويعلن معه النصر على الأعداء المشتركين.