ابتداءً من 20 مايو (أيار) الحالي، يُطلق المسرح الوطني اللبناني في بيروت مهرجان «أسبوع سينما الصمّ»، مقدِّماً سلسلة عروض في «سينما كوليزيه» لأفلام أُعدَّت خصيصاً للصمّ بلغة الإشارة. واختارت الجهة المُنظّمة ملصقاً ترويجياً يعكس هوية الحدث، إذ يرمز تصميمه إلى شاشة السينما كما يتلقّاها الصمّ ويفهمونها.
ويتضمَّن البرنامج أفلاماً عربية وأجنبية تُعرض مساء كلّ أربعاء على مدى 3 أسابيع. ويؤكد مدير المسرح الوطني اللبناني ومؤسِّسه، قاسم إسطنبولي، أنّ هذه المبادرة تهدف إلى إتاحة الفنون لجميع الفئات، بمن فيهم الصمّ والمكفوفون وذوو الحاجات الخاصة.
ويقول إسطنبولي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «هذه هي النسخة الأولى من المهرجان في لبنان، وقد سبق أن نظّمنا تجربة مُشابهة للمكفوفين من خلال الفنون الدامجة التي تُمثّل الحلّ الحقيقي لإيصال الفنون إلى الجميع من دون تمييز، لأنها حقّ متاح لكل الناس، وتأخذ في الحسبان أصحاب الإعاقات المختلفة، بما يمدُّ جسور التواصل بينهم وبين السينما والمسرح والفنون التشكيلية وغيرها».

ويشير إلى أنّ نجاح مهرجان سابق للمكفوفين شكَّل حافزاً لإطلاق هذه المبادرة الجديدة، موضحاً: «تفاجأنا بإقبال كبير على العروض التي نظّمناها في المسرح الوطني اللبناني، والتي اعتمدت على الوصف الصوتي. واللافت أنّ أشخاصاً لا يعانون أيّ إعاقة حضروا أيضاً، وهو ما أتاح لهم التعرّف، من خلال هذا النوع من التجارب الفنّية، إلى لغة الإشارة والكتابة بطريقة برايل، ممّا يُسهم في بناء مجتمع أكثر اندماجاً وقدرة على استيعاب الجميع».
وتتمحور الأفلام المُشاركة حول التحدّيات التي يُواجهها الصمّ في التواصل مع الآخرين. فيتناول الفيلم الأول معاناة أشخاص لا يجدون من يفهم لغة الإشارة، في حين يروي الثاني يوميات طفلة صمّاء خلال يوم طويل في المدرسة، بدءاً من استعدادها صباحاً وصولاً إلى مشكلاتها مع زملائها. أما الفيلم الثالث فيحكي قصة رياضي أصمّ رفض الاستسلام وتمكّن من تحقيق حلمه بأن يصبح بطلاً رياضياً.
وجميع الأفلام قصيرة، وتتراوح مدتها بين 5 دقائق ونصف الساعة، وتتنوّع بين الروائي والوثائقي.
ويلفت إسطنبولي إلى أنّ هذا النوع من المهرجانات يفتح المجال أمام أصحاب المواهب التمثيلية من ذوي الحاجات الخاصة، مشيراً إلى أن أبطال الأفلام أنفسهم يعانون الصمم ويقدّمون نموذجاً ناجحاً للاندماج في القطاع الفنّي.
ويتابع: «نُخطط في المسرح الوطني اللبناني لإنتاج أفلام مُشابهة، وسنبدأ بتلك المخصَّصة للمكفوفين، مع الاستعانة بممثّلين مكفوفين للمُشاركة فيها. فالفنون الدامجة مساحة واسعة يمكن أن تشمل مبادرات كثيرة. ولدينا حالياً عرض مسرحي يتناول معاناة النازحين من غزة وجنوب لبنان. هؤلاء يروون قصصهم على الخشبة ويجسّدونها بأنفسهم، لأنّ المشاركة في الفنّ ومشاهدته حق إنساني للجميع».

ويُنظَّم هذا النوع من المهرجانات من خلال اتصالات مباشرة بين الجهة المنظِّمة والجمعيات التي تهتم بالصمّ والمكفوفين. ويقول إسطنبولي: «نحن لا نستثني منطقة لبنانية من فتح المجال أمام جمعياتها للمشاركة في هذه المهرجانات. كما نلجأ مرات كثيرة إلى وزارة الشؤون الاجتماعية المعنية مباشرة بتلك الجمعيات. ويجب ألا ننسى أنّ هذه المهرجانات تفتح أبوابها مجاناً أمام الجميع. ونأمل في المستقبل القريب أن تُعمّم الدولة اللبنانية هذه التجربة، فتُدرجها ضمن نشاطاتها الثقافية السنوية وتُخصِّص لها المساحة المطلوبة، فتصبح الفنون الدامجة عنصراً تثقيفياً تلجأ إليه وزارة الثقافة كما الوزارات الأخرى المعنية بهذه الفئات الاجتماعية».
وكان «مسرح مونو» قد أقام في مدّة سابقة تجربة مشابهة على الخشبة للمكفوفين أيضاً. ويُعلّق إسطنبولي: «نُشجّع على إقامة هذا النوع من التجارب الفنّية. وكان (مسرح مونو) السبّاق في التوجُّه بأعمال مسرحية إلى المكفوفين والصمّ والبكم، وقد ارتكز فيها على الترجمة بلغة الإشارة ضمن ديكورات تعرّفوا إليها باللمس أو بالصوت. ونحن نُنظّم بشكل مستمر ورشات فنية لذوي الحاجات الخاصة، ونُقدّم إليهم الفرصة للمشاركة في معارض رسم وأشغال يدوية. بدأنا هذه النشاطات في مدينة صور الجنوبية، ثم نقلناها إلى طرابلس شمال لبنان، ومع الوقت طوَّرنا التجربة فشملت العاصمة».
ويرى إسطنبولي أنّ المسرح يشكّل تجربة فنّية مهمّة، لكن مع الحرب التي يشهدها لبنان تحوّل بعضها إلى مراكز إيواء، فسجَّلت العروض المسرحية تراجعاً نسبياً، فيما حافظت الخشبة على مكانتها الإنسانية.
ويتابع: «نُعوّل كثيراً على العروض المسرحية، لأنها بقعة ضوء ومتنفس للبنانيين من مختلف الفئات والمجتمعات. فهي تبلسم الجراح، وتنشر الوعي، وتشكل وسيلة تلاقٍ وتفاعل بين الناس».


