«هرمز» يلتهم 25 مليار دولار من أرباح الشركات العالمية

وسط تصدع سلاسل التوريد... وأسوأ أزمة تشغيلية منذ 2008

ناقلة نفط ومواد كيميائية في ميناء الفجيرة (رويترز)
ناقلة نفط ومواد كيميائية في ميناء الفجيرة (رويترز)
TT

«هرمز» يلتهم 25 مليار دولار من أرباح الشركات العالمية

ناقلة نفط ومواد كيميائية في ميناء الفجيرة (رويترز)
ناقلة نفط ومواد كيميائية في ميناء الفجيرة (رويترز)

تكبدت الشركات العالمية خسائر مروعة لا تقل عن 25 مليار دولار - والفاتورة مرشحة للارتفاع بشكل متسارع - نتيجة تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وفقاً لتحليل موسَّع أجرته وكالة «رويترز».

ويقدم قطاع عريض من البيانات الرسمية الصادرة عن الشركات المدرجة في الولايات المتحدة، وأوروبا، وآسيا، نظرة قاتمة ومقلقة لمدى عمق الهزات الارتدادية للصراع؛ حيث تكافح قطاعات الأعمال لمواجهة قفزات أسعار الطاقة، وتصدع سلاسل التوريد، وانقطاع طرق التجارة البحرية الحيوية بفعل الإغلاق الإيراني الصارم لمضيق هرمز.

وأظهر التحليل أن ما لا يقل عن 279 شركة عالمية استندت إلى الحرب كمحرك رئيسي لاتخاذ إجراءات دفاعية حادة لتقليل الأثر المالي الداهم، شملت رفع أسعار المنتجات وخفض معدلات الإنتاج. وفي خطوة تعكس عمق التراجع، قامت شركات أخرى بتعليق توزيعات الأرباح أو برامج إعادة شراء الأسهم، ومنح الموظفين إجازات إجبارية غير مدفوعة، وفرض رسوم إضافية على الوقود، أو اللجوء لطلب حزم إنقاذ ومساعدات حكومية طارئة.

هبوط حاد لخطوط الإنتاج

تأتي هذه الاضطرابات الجيوسياسية لتشكل أحدث حلقة في سلسلة من الأحداث العالمية العاصفة التي أنهكت مجتمع الأعمال الدولي عقب جائحة «كورونا» والغزو الروسي لأوكرانيا، مما كبح جماح التوقعات المتفائلة للفترة المتبقية من العام، في ظل غياب أي أفق للتوصل إلى اتفاق سلام ينهي النزاع.

وفي هذا السياق، صرح مارك بيتزر، الرئيس التنفيذي لشركة «ويرلبول» الأميركية للأجهزة المنزلية، للمحللين قائلاً: «إن مستوى التراجع الحالي في قطاع الصناعة يماثل تماماً ما رصدناه خلال الأزمة المالية العالمية لعام 2008، بل إنه يتجاوز المستويات المسجلة في فترات الركود الأخرى».

وجاءت تصريحات بيتزر بعد أن اضطرت شركته إلى خفض توقعاتها لأرباح العام بأكمله إلى النصف، مع تعليق توزيعات الأرباح النقدية.

ويؤكد محللون اقتصاديون أنه مع تباطؤ معدلات النمو، ستضعف القدرة التسعيرية للشركات، وتصبح التكاليف الثابتة أكثر صعوبة في الاستيعاب، مما يهدد هوامش الأرباح الإجمالية خلال الربع الثاني وما بعده، فضلاً عن أن استمرار رفع الأسعار سيغذي التضخم ويقوض ثقة المستهلكين الهشة أساساً، حيث أشار بيتزر إلى أن «المستهلكين باتوا يفضلون إصلاح أجهزتهم القديمة بدلاً من استبدالها».

ناقلة نفط ومواد كيميائية في ميناء الفجيرة (رويترز)

الخطوط الحيوية تنقطع

لم تكن «ويرلبول» وحيدة في هذا المضمار؛ إذ انضمت إليها مجموعات عملاقة مثل «بروكتير آند غامبل»، وشركة «كاريكس» الماليزية، ومجموعة «تويوتا» اليابانية، في إطلاق تحذيرات حادة من الفاتورة المتصاعدة مع دخول الصراع شهره الثالث.

وتسبب الحصار الإيراني المفروض على مضيق هرمز - الذي يصنف كأكثر الممرات المائية حيوية لقطاع الطاقة في العالم - في دفع أسعار النفط الخام لتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، بارتفاع زاد عن 50 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. وأدى هذا الإغلاق الملاحي إلى قفزة جنونية في تكاليف الشحن البحري، وشح إمدادات المواد الخام، وانقطاع شرايين التجارة الدولية للسلع؛ حيث تأثرت بشدة إمدادات الأسمدة الزراعية، والغازات الصناعية مثل الهيليوم، والألمنيوم، والبولي إيثيلين، وغيرها من المدخلات الأساسية.

وأفادت خمس الشركات المشمولة في المراجعة - والتي تتنوع أنشطتها من مستحضرات التجميل والإطارات والمنظفات إلى خطوط الطيران والرحلات البحرية - بتعرضها لضربة مالية مباشرة. وتركزت غالبية هذه الشركات في المملكة المتحدة وأوروبا، حيث كانت تكاليف الطاقة مرتفعة بالفعل هناك، في حين مثلت الشركات الآسيوية نحو ثلث القائمة، وهو ما يعكس الاعتماد العميق لتلك المناطق على النفط ومشتقات الوقود القادمة من الشرق الأوسط.

شركات الطيران والسيارات تتلقى الصدمة الأكبر

لوضع هذه الأرقام في سياقها الاقتصادي، فإن التكلفة البالغة 25 مليار دولار تقترب سريعاً من الفاتورة التي سجلتها مئات الشركات بحلول أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي جراء الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 2025، والتي تجاوزت حينها 35 مليار دولار. واستحوذت شركات الطيران على الحصة الأكبر من الخسائر المحددة المرتبطة بالحرب بنحو 15 مليار دولار، نتيجة تضاعف أسعار وقود الطائرات تقريباً.

ومع استمرار الاختناقات، بدأت قطاعات صناعية أخرى في إطلاق صفارات الإنذار؛ حيث حذرت شركة «تويوتا» اليابانية من ضرر مالي يقدر بنحو 4.3 مليار دولار، في حين توقعت «بروكتير آند غامبل» تراجعاً في صافي أرباحها بعد الضريبة بقيمة مليار دولار.

ومن جانبها، أعلنت سلسلة مطاعم الوجبات السريعة العالمية «ماكدونالدز» أن استمرار اضطرابات سلاسل التوريد سيدفع تكاليف التشغيل طويلة الأجل للتضخم، وهو نوع من التحذيرات التقييمية التي كانت تقتصر حتى وقت قريب على تقارير الشركات الصناعية الثقيلة. وأوضح الرئيس التنفيذي لـ«ماكدونالدز» كريس كيمبشينسكي، أن القفزة الكبيرة في أسعار الوقود أضرت بمستويات الطلب لدى المستهلكين من ذوي الدخل المنخفض، مؤكداً أن «ارتفاع أسعار البنزين هو التحدي الجوهري الذي نواجهه في الوقت الحالي».

ضغوط تسعيرية قادمة

أعلن ما يقرب من 40 شركة تعمل في مجالات الصناعات الثقيلة، والكيميائيات، والمواد الأساسية، أنها ستضطر لرفع أسعار منتجاتها قريباً نظراً لانكشافها المباشر على إمدادات البتروكيميائيات في الشرق الأوسط. وصرح مارك إيرسيدغ، المدير المالي لشركة «نيويل براندز»، بأن كل ارتفاع بقيمة 5 دولارات في سعر برميل النفط يضيف نحو 5 ملايين دولار إلى التكاليف التشغيلية للشركة.

وفي أوروبا، تتوقع شركة «كونتيننتال» الألمانية لصناعة الإطارات تكبد خسائر لا تقل عن 100 مليون يورو (117 مليون دولار) بدءاً من الربع الثاني، بسبب اشتعال أسعار النفط التي جعلت المواد الخام أكثر تكلفة. وأشار رولاند فيلزباشر، المسؤول التنفيذي في الشركة، إلى أن هذا التأثير يستغرق ما بين ثلاثة إلى أربعة أشهر قبل أن ينعكس بالكامل على الميزانية العمومية وقائمة الأرباح والخسائر، قائلاً: «الضربة ستبدأ في أواخر الربع الثاني، لتأتي بكامل قوتها الصادمة خلال النصف الثاني من العام».

الأثر الفعلي لم يظهر بعد

على الرغم من بزوغ هذه الأزمات، حافظت أرباح الشركات على مرونتها وانتعاشها خلال الربع الأول من العام الحالي، وهو ما يفسر نجاح المؤشرات الرئيسية مثل مؤشر «ستاندرد آند بورز» الأميركي في تسجيل مستويات قياسية جديدة، رغم ضغوط تكاليف الطاقة وصعود عوائد السندات بفعل هواجس التضخم.

ومع ذلك، بدأت التوقعات المستقبلية في الهبوط؛ فمنذ 31 مارس (آذار) الماضي، جرى خفض توقعات هامش صافي الأرباح للربع الثاني بمقدار 0.38 نقطة مئوية للشركات الصناعية المدرجة في مؤشر «مؤشر ستاندرد آند بورز» و0.14 نقطة مئوية لشركات السلع الاستهلاكية الكمالية، و0.08 نقطة مئوية لشركات السلع الاستهلاكية الأساسية، وفقاً لبيانات مؤسسة «فاكت ست».

وأكد محللون في بنك «غولدمان ساكس» أن الشركات المدرجة في مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي ستواجه ضغوطاً حادة على هوامش أرباحها مع بداية الربع الثاني، نظراً لصعوبة تمرير التكاليف الإضافية إلى المستهلكين النهائيين، وبسبب انتهاء صلاحية عقود التحوط من تقلبات الأسعار التي كانت تحميها.

وفي هذا الصدد، أشار جيري فاولر، رئيس استراتيجيات الأسهم الأوروبية في بنك «يو بي إس»، إلى أن القطاعات القريبة من المستهلكين، مثل السيارات والاتصالات والأدوات المنزلية، تشهد حالياً مراجعات سلبية لتوقعات أرباحها بنسبة تتجاوز 5 في المائة للأشهر الاثني عشر المقبلة.

وفي اليابان، قام المحللون بخفض تقديرات نمو أرباح الربع الثاني إلى النصف لتستقر عند 11.8 في المائة. واختتم رامي سرافا، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «قرطبة للاستشارات التشاركية»، هذا المشهد التحليلي بقوله: «إن الأثر الحقيقي والكامل للحرب على أرباح الشركات العالمية لم يتبلور بعد في معظم النتائج المعلنة، والأسوأ لا يزال في طريق الظهور».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: روسيا تحاول تصدير حبوب من القرم بمساعدة شركات أميركية

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في برلين 14 أبريل الماضي (د.ب.أ)

زيلينسكي: روسيا تحاول تصدير حبوب من القرم بمساعدة شركات أميركية

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الاثنين، إن كييف رصدت محاولات من جانب روسيا لتصدير الحبوب من منطقة القرم المحتلة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الاقتصاد متنزه «أكواريبيا» المائي في مشروع «القدية» السعودي (واس)

«القدية» السعودية و«غوغل كلاود» توسّعان شراكتهما لإنشاء البنية الرقمية

أعلنت شركة «القدية للاستثمار»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، عن توسّع كبير في تعاونها مع «غوغل كلاود» لإنشاء البنية الرقمية الأساسية لمشروع «القدية».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)

تراجع طفيف لسوق الأسهم السعودية في أولى جلسات الأسبوع

أنهى مؤشر سوق الأسهم السعودية تداولاته على تراجع طفيف، إذ انخفض بنسبة 0.25 في المائة ليغلق عند مستوى 10968 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها نحو 2.9 مليار ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص اجتماع سابق لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض (واس)

خاص مبادرة خليجية دولية لتقييم أثر الحرب على القطاع الخاص

علمت «الشرق الأوسط» بوجود مبادرة لتقييم سريع لأثر الحرب على القطاع الخاص وسوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي.

بندر مسلم (الرياض)
خاص موقع «سابك» للتصنيع في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)

خاص الأرباح التشغيلية تقود شركات البتروكيميائيات السعودية لقفزة تاريخية بـ111 %

حقق قطاع البتروكيميائيات المدرج في السوق المالية السعودية (تداول) قفزة نوعية في أدائه المالي خلال الربع الأول، حيث قفز صافي أرباحه بنسبة 111.75 في المائة.

محمد المطيري (الرياض)

تصدير الغذاء في مصر... خلاف مستمر بين توفير الدولار وكبح الغلاء

خضراوات في إحدى أسواق الجملة بمصر (الصفحة الرسمية لسوق العبور على فيسبوك)
خضراوات في إحدى أسواق الجملة بمصر (الصفحة الرسمية لسوق العبور على فيسبوك)
TT

تصدير الغذاء في مصر... خلاف مستمر بين توفير الدولار وكبح الغلاء

خضراوات في إحدى أسواق الجملة بمصر (الصفحة الرسمية لسوق العبور على فيسبوك)
خضراوات في إحدى أسواق الجملة بمصر (الصفحة الرسمية لسوق العبور على فيسبوك)

بفعل غلاء الطماطم «المجنونة»، وفق وصف المصريين لها بسبب «أسعارها المتقلبة»، يتواصل النقاش في البلاد حول ما إذا كان التصدير هو السبب المباشر في ارتفاع أسعار بعض المنتجات الغذائية داخل السوق المحلية.

وبينما يرى البعض أن خروج السلع إلى الأسواق الخارجية يقلص المعروض الداخلي؛ ما يؤدي إلى زيادة الأسعار على المستهلك المصري، يشير آخرون إلى أن التصدير ضرورة لتوفير العملة الأجنبية التي تحتاجها الدولة لتغطية وارداتها، وسداد التزاماتها الدولية.

وشهد شهر مارس (آذار) الماضي جدلاً عقب دعوات من اقتصاديين لوقف تصدير السلع الحيوية وتوجيهها للاستهلاك المحلي، ما لم يكن هناك فائض كبير في الإنتاج المحلي يغطي احتياجات السكان، إلا أن الدعوة قوبلت بانتقادات، كونها تهدد التدفقات الدولارية، ولتأثيرها السلبي المحتمل على الأسواق.

وعاد الجدل حالياً مع ارتفاع أسعار بعض السلع، كان أحدثها الطماطم (البندورة)، تلك السلعة الأساسية في المطبخ المصري، ووصول سعر الكيلوغرام منها إلى 50 جنيهاً (الدولار يساوي 53.30 جنيه).

وأرجع الأمين العام لشعبة المصدرين، أحمد زكي، ارتفاع أسعار الطماطم خلال الفترة الحالية إلى عدة عوامل، أبرزها زيادة الفاقد الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب ارتفاع معدلات التصدير؛ كما شدد في تصريحات متلفزة، مساء الأحد، على أن الصادرات تسهم في دعم العملة الصعبة، لكن تجب مراعاة الاحتياج المحلي خصوصاً في فترات الذروة.

شكوى من غلاء أسعار الطماطم في مصر بعد تجاوز 50 جنيهاً للكيلوغرام (صفحة وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي على فيبسوك)

وبلغ حجم صادرات مصر الزراعية 9.5 مليون طن في 2025 بقيمة 11.5 مليار دولار، وفق تصريحات سابقة لوزير الزراعة.

وتعوّل الحكومة على نمو الصادرات بوصفها أحد أهم مصادر تدفقات النقد الأجنبي، إلى جانب إيرادات قناة السويس والسياحة وتحويلات المغتربين.

من جهة أخرى، لجأت الحكومة خلال السنوات الماضية لحظر تصدير بعض السلع الأساسية، مثل الأرز والسكر والبصل لمواجهة زيادة أسعارها، وضبط الأسواق.

ومن قبل الطماطم، أرجع متابعون ارتفاع أسعار الدواجن إلى فتح باب التصدير للخارج، إلا أن خبراء بالقطاع نفوا وجود علاقة بين التصدير وارتفاع الأسعار.

كما أثار إعلان «الهيئة القومية لسلامة الغذاء» إدراج مصر لأول مرة ضمن مصدري أسماك الاستزراع للاتحاد الأوروبي، جدالاً. وتوقع رئيس «شعبة الأسماك» السابق بغرفة الإسكندرية، أحمد قدورة، أن يتسبب التصدير في قفزة سعرية لا تقل عن 15 في المائة، فور بدء التصدير في الربع الثالث من 2026.

ويرى رئيس «جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة»، مستشار الاستثمارات الدولية وخبير التنمية الاقتصادية، يسري الشرقاوي، أن «قرارات التصدير يجب أن تُبنى على قراءة دقيقة لاحتياجات السوق المحلية، إلى جانب حسابات الدولة في توفير العملة الأجنبية»، مؤكداً أن التخطيط الأمثل للموارد هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين الأسواق الداخلية والطلب العالمي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تحقيق التوازن بين حماية المستهلك المحلي، وضمان تدفق الدولار يبدأ من التخطيط الجيد للاحتياجات، عبر قراءة دقيقة لحجم الطلب الداخلي، ومراعاة العوامل المؤثرة في وفرة الإنتاج، مثل التغيرات المناخية، وتبنِّي التكنولوجيا الحديثة لرفع إنتاجية المحاصيل الأساسية». ويؤكد أن الحوافز الاستثمارية ضرورية لتشجيع القطاع الخاص على زيادة إنتاج السلع ذات الطلب المرتفع محلياً وخارجياً.

صادرات مصر الزراعية بلغت 9.5 مليون طن في 2025 (صفحة وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي على فيبسوك)

وأشار إلى أن قرارات الحكومة بوقف تصدير بعض السلع عادة ما تكون مؤقتة بهدف تهدئة الأسعار داخلياً، مضيفاً: «التوازن الحقيقي يتحقق عبر السيطرة على الأسواق الوسيطة، والحد من حلقات التداول التي ترفع الأسعار، وتزيد الهدر، مع تعزيز وصول المنتج مباشرة من المزرعة إلى الأسواق الكبرى».

واستطرد قائلاً: «الطفرات السعرية لا ترتبط دائماً بوفرة المحصول أو بقرارات التصدير، بل قد تكون نتيجة ممارسات بعض التجار أو غياب آليات رقابية فعالة، وهو ما يجعل تفعيل البورصة السلعية أداة مهمة لضبط الأسعار».

وبحسب الخبير الاقتصادي ورئيس مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية»، عادل عامر، فإن المواطن «هو المتضرر الأول من معضلة توفير الدولار وكبح الغلاء»، قائلاً إنه يتحمل تكلفة ارتفاع الأسعار الناتجة عن محدودية المعروض المحلي.

وتابع: «بينما يمثّل التصدير أحد أهم مصادر العملة الأجنبية، فإن ضعف الإنتاج مقارنة بالزيادة السكانية يجعل السوق الداخلية عرضة للضغط، وهو ما ينعكس على المستهلك في صورة غلاء متكرر».

مصري يمر أمام أحد مكاتب الصرافة بمصر (رويترز)

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مطالبات وقف التصدير ليست خياراً عملياً؛ لأن هذا يضر بقدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي»، ويلفت إلى أن «الحل الأمثل يكمن في زيادة الرقعة الإنتاجية لتلبية الطلب المحلي المتنامي؛ فكلما ارتفع حجم الإنتاج، تراجعت حدة الأزمة، وقلت الفجوة بين احتياجات السوق الداخلية ومتطلبات التصدير».

وأكد أن تحقيق التوازن بين مصالح الدولة وحقوق المواطنين مسؤولية المجموعة الاقتصادية بمجلس الوزراء، موضحاً: «هي مطالبة بوضع سياسات إنتاج ورقابة تضمن حماية المستهلك، مع استمرار تدفق الدولار عبر التصدير».

كما تحدث عن أهمية إنشاء بورصات سلعية لضبط الأسعار، إلى جانب تفعيل دور وزارة الزراعة في الإنتاج كما كان في السابق، بما يحقق توازناً بين القطاعين العام والخاص.

وقال: «هذه الآليات، إلى جانب التخطيط طويل المدى، يمكن أن تقلل من تقلبات الأسعار، وتخفف العبء عن المواطن، دون التضحية بمصادر النقد الأجنبي الحيوية للدولة».


توجه مصري لخفض الاعتماد على الوقود مع تصاعد أسعاره

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتعرف خلال اجتماع حكومي، الاثنين، على موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتعرف خلال اجتماع حكومي، الاثنين، على موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة (الرئاسة المصرية)
TT

توجه مصري لخفض الاعتماد على الوقود مع تصاعد أسعاره

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتعرف خلال اجتماع حكومي، الاثنين، على موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتعرف خلال اجتماع حكومي، الاثنين، على موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة (الرئاسة المصرية)

في إطار تخفيف تأثيرات الحرب الإيرانية وأزمة سلاسل إمداد الطاقة، تعزز مصر جهود خفض الاعتماد على الوقود مع تصاعد أسعاره؛ وطالب الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة بـ«التوسع المدروس» في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، وخفض الاعتماد على الوقود التقليدي، وعمل مزيج طاقة متوازن.

ومع سعي الدولة للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة الخضراء، اجتمع السيسي، الاثنين، مع رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت، ومستشار الرئيس للشؤون المالية أحمد الشاذلي، لمتابعة موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة.

وتحدث عصمت عن خطة الدولة لزيادة الاعتماد على الطاقات المتجددة، وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري لتحقيق التنمية المستدامة، ومتابعة تنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة خلال العامين المقبلين، وزيادة نسبة مساهمة الطاقة النظيفة إلى 45 في المائة بحلول عام 2028.

ووفق إفادة لمتحدث الرئاسة، محمد الشناوي، تابع السيسي مستجدات تنفيذ المرحلة الثانية لمشروع الطاقة الشمسية «أوبليسك» في نجع حمادي بصعيد البلاد بقدرة 500 ميغاواط، ومشروع «طاقة الرياح برأس شقير»، على الساحل الغربى لخليج السويس، بقدرة 900 ميغاواط، ومشروع «الطاقة الشمسية» بمحافظة المنيا بوسط البلاد بقدرة 1700 ميغاواط.

محطة توليد كهرباء «النوبارية» (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)

وأكد السيسي «ضرورة الإسراع في تنفيذ تلك المشروعات، وتذليل الصعوبات لإنهاء الأعمال، والربط على الشبكة القومية للكهرباء لضمان استقرار ومرونة الشبكة الكهربائية»، كما شدد على «ضرورة تعظيم الاستفادة من الإمكانات الطبيعية التي تمتلكها مصر في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح».

وتقيم الحكومة عدداً من مشروعات الطاقة الشمسية، من بينها محطة الطاقة الشمسية في بنبان بأسوان، والتي تُصنّف الأكبر في أفريقيا والشرق الأوسط، إلى جانب محطة «أبيدوس 1» لإنتاج الطاقة الشمسية في أسوان التي تضم مليوناً و22 ألفاً و896 خلية شمسية، بحسب بيانات مجلس الوزراء.

استهدافات الدولة

يشير أستاذ هندسة البترول والطاقة، جمال القليوبي، إلى أن التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة يندرج ضمن خطة الدولة منذ عام 2017، لكنه أضاف أن هناك «توجهاً رئاسياً بالتقدم في مستويات تنفيذ هذه المشروعات، وفق جدول زمني للوصول إلى نسبة الطاقة المتجددة لنحو 45 في المائة من الاستهلاك اليومي».

وكانت وزارة الكهرباء قد أكدت في أبريل (نيسان) الماضي أن الحكومة تستهدف التوسع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء «للوصول إلى نسبة الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة لتصل إلى 45 في المائة عام 2028 بدلاً من 42 في المائة عام 2030».

وزير الكهرباء خلال زيارة محطة «محولات برج العرب» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)

وأرجع القليوبي تأخر الحكومة إلى الأحداث العالمية والإقليمية وفي مقدمتها جائحة كورونا، والحرب الأوكرانية - الروسية، ثم الحرب الإسرائيلية على غزة، والآن الحرب الإيرانية. ويلفت إلى أن هذه الأحداث أثرت اقتصادياً على معدلات الاستثمار الأجنبي لبعض المشروعات وتمويلها.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «باكورة الاستهداف الحكومي ما زالت موجودة؛ صحيح لم تحقق مصر الكفاءات المستهدفة في الوصول خلال 2027 و2028 أن يكون نصف إنتاج الكهرباء من مصادر بعيدة عن البترول والسلع الوقودية، لكن على الأقل وصلنا لقدرات تؤكد أن نحو 20 في المائة من الطاقة الكهربائية يتم إنتاجها من الطاقة المتجددة».

وأشار إلى أن الاجتماع الذي عقده الرئيس المصري ركز على مراجعة المشروعات الاستثمارية للطاقة المتجددة، وقال: «نتحدث عن نحو 2500 ميغاواط سوف يتم ضخها في الشبكة القومية لإنتاج الكهرباء في خلال الشهرين المقبلين».

كما لفت إلى وجود محطات تُنتج بالفعل، منها محطة «بنبان» في أسوان والتي بدأ تشغيلها نهاية 2019، ومحطة «كوم أمبو» للطاقة الشمسية بالمحافظة نفسها، وبدأت في 2021، فضلاً عن محطات تحت الإنشاء في خليج السويس، والبحر الأحمر، والمنيا، وقنا، والإسكندرية.

رئيس الوزراء خلال افتتاح محطة «أبيدوس للطاقة الشمسية» في ديسمبر 2024 (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

ومضى قائلاً: «خلال عام 2026 يدخل نحو 2500 ميغاواط، وخلال 2027 يكون لدينا 11000 ميغاواط، وفي 2028 نصل إلى 28000 ميغاواط من الرياح»، مرجحاً أن تستهدف مصر نحو 39000 ميغاواط من الشمس والرياح في 2030 قد يتم تعجيلها لتكون في 2028، حتى يُمكن توفير قدرات عالية جداً للشبكة، تستطيع توفير سلع وقودية وفاتورة غاز طبيعي».

وحول قدرة مشروعات الطاقة المتجددة على تخفيض الاعتماد على الوقود، قال القليوبي: «لدى مصر مشروعات سابقة أنتجت بالفعل مثل محطة (الزعفرانة)، وتنتج 545 ميغاواط، ومحطة (جبل الزيت)، وتنتج 580 ميغاواط، ومحطة (رأس غارب)، وتنتج 250 ميغاواط. وهناك محطات كثيرة من المستهدف أن تدخل الشبكة خلال الفترة المقبلة».

وأضاف: «نستهدف 2500 ميغاواط سوف توفر على الأقل نحو ثلث الغاز الطبيعي الذي يتم استيراده لمحطات الكهرباء».

الاستثمار في الطاقة

تم أيضاً خلال اجتماع الاثنين استعراض ما يتعلق بالشراكة مع القطاع الخاص في مجال الطاقة الجديدة والمتجددة، خصوصاً ما يتعلق بمجمع إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح بجبل الزيت، البالغ قدرته الإجمالية نحو 580 ميغاواط.

جانب من محطة تغذية كهربائية لمشروعات الدلتا الجديدة في نوفمبر الماضي (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)

ووجه الرئيس السيسي بتكثيف الجهود الحكومية لتعزيز فرص جذب الاستثمارات لقطاع الطاقة، بما يضمن تحقيق مُستهدفات القطاع، وتحقيق الاستفادة المثلى من دوره في جهود التنمية.

كما تم التأكيد خلال الاجتماع على ضرورة السعي لاستخدام الطاقة الجديدة والمتجددة في المصانع، عبر تنفيذ أنظمة خلايا شمسية لإنتاج الكهرباء داخلها، لتنويع مصادر الطاقة الكهربائية، وتخفيف الأحمال على الشبكة القومية للكهرباء، ودعم التوسع في استخدام الطاقة الشمسية على نطاق واسع.

وكانت وزارة الكهرباء قد أكدت في وقت سابق على «عدم وجود أي خطط لانقطاع التيار الكهربائي خلال صيف 2026، في ظل استعدادات مبكرة وتأمين احتياجات الشبكة من الوقود والطاقة».

ولجأت الحكومة خلال عامَي 2023 و2024 إلى خطة «تخفيف الأحمال» بالتناوب في غالبية المحافظات. وتراوحت فترات انقطاع الكهرباء حينها من ساعة إلى 3 ساعات يومياً مع استثناء المناطق السياحية، وهو الأمر الذي قوبل حينها بردود فعل سلبية.


الخزانة الأميركية تمدد إعفاء النفط الروسي المنتهي 30 يوماً

مصفاة نفط بجانب صهاريج تخزين في حقل نفط روسي (رويترز)
مصفاة نفط بجانب صهاريج تخزين في حقل نفط روسي (رويترز)
TT

الخزانة الأميركية تمدد إعفاء النفط الروسي المنتهي 30 يوماً

مصفاة نفط بجانب صهاريج تخزين في حقل نفط روسي (رويترز)
مصفاة نفط بجانب صهاريج تخزين في حقل نفط روسي (رويترز)

قررت وزارة الخزانة الأميركية تمديد العمل بالإعفاء من العقوبات المفروضة على النفط الروسي المحمول بحراً لمدة 30 يوماً إضافية، وذلك بعد انتهاء الصلاحية القانونية للإعفاء السابق يوم السبت الماضي.

ونقلت مصادر مطلعة على الخطة أن هذا القرار الاستثنائي جاء استجابة لطلبات عاجلة تقدمت بها عدة دول فقيرة ونامية، التمست فيها منحها مهلة زمنية إضافية لإتمام عمليات شراء وإمدادات النفط الروسي.

وأوضحت المصادر أن الخزانة الأميركية وافقت على هذا التمديد لتجنيب تلك الدول الضعيفة صدمات طاقة جديدة قد تهدد استقرارها الاقتصادي، ليتيح القرار استمرارية مؤقتة للشحنات البحرية الروسية وتخفيف الضغوط عن أسواق الطاقة في تلك البلدان.