قطار التطبيع يتسارع بين باريس والجزائر بملفات الأمن والقضاء

فرنسا تفتح ملفات الأموال المنهوبة و«المعارضين» في منعرج حاسم بعلاقاتها مع مستعمرتها السابقة

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

قطار التطبيع يتسارع بين باريس والجزائر بملفات الأمن والقضاء

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

بدأت السحب تتلاشى ببطء، لكن بثبات... ينطبق هذا الوصف على الديناميكية التي تشهدها حالياً العلاقات الجزائرية الفرنسية؛ فبين زيارة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان المرتقبة إلى الجزائر، الاثنين، لطرح ملفات قضائية ثقيلة، والإعلان عن الوصول الوشيك لوزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود إلى باريس لإعادة تفعيل التعاون الأمني، يبدو جلياً أن البراغماتية السياسية قد بدأت تستعيد زمام المبادرة.

وأعلن وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، في مقابلة مع صحيفة «لا تريبيون ديمونش» نشرتها، السبت، أن وزير الداخلية الجزائري سيتوجه إلى باريس في غضون «أيام قليلة»، في خطوة تشكّل محطة جديدة في مسار التحسن التدريجي الذي تشهده العلاقات بين البلدين، بعد فترة «أعاصير» مرت بها منذ صيف 2024.

وشدد وزير الداخلية الفرنسي على القول: «إن التعاون الأمني يعود تدريجياً بين البلدين».

الحوار حتمي

وصرح نونيز، مؤكداً على هذه الخطوة الإيجابية: «سأستقبل نظيري الجزائري هنا خلال أيام قليلة. هذه إشارة إيجابية للغاية»، وكان الوزير الفرنسي قد زار الجزائر العاصمة منتصف فبراير (شباط) الماضي بدعوة من سعيود، في خطوة حملت مؤشرات الانفراج الأولى بين البلدين.

وزير الداخلية الفرنسي السابق (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وفي سياق هذا التقارب، يبرز مؤشر آخر يتمثل في الزيارة المرتقبة لوزير العدل الفرنسي، دارمانان، إلى الجزائر في محاولة لـ «إعادة تفعيل العلاقات القضائية» بين البلدين، وبحث «ملف الصحافي كريستوف غليز» المسجون في الجزائر بتهمة «الإرهاب».

وأوضح نونيز، في مقابلته، أن هناك «عملية تبادل للمعلومات تجب إعادتها مع نظيره الجزائري بشأن مهربي المخدرات، والتعاون يسير في كلا الاتجاهين». ورداً على سؤال حول سياسة «ميزان القوى» مع الجزائر، والتي كان ينادي بها سلفه برونو ريتايو الرئيس الحالي لحزب «الجمهوريون» اليميني، أجاب: «في الشقين الأمني والمتعلق بالهجرة، نحن مضطرون للحوار مع الجزائر».

وتابع مفصّلاً: «إنها دولة كبرى، وتمتلك خبرة معينة في مجالات الاستخبارات والأمن، وتبادل الخبرات معها أمر ضروري». ومشيراً إلى وجود «عدة ملايين من الأشخاص على ضفتي المتوسط معنيين بالعلاقات الفرنسية الجزائرية، ويعيشونها بشكل مباشر»، كما تساءل: «ما الفائدة من الدخول في صراع قوى في ظل هذه الظروف؟». وأضاف بنبرة فيها حسم: «أولئك الذين لا يسعون إلا لاستفزاز الجزائر لا يفكرون في مصالح فرنسا، بل في مصالحهم الانتخابية». في إشارة ضمناً إلى ريتايو الذي أعلن ترشحه لانتخابات الرئاسة المقررة، العام المقبل، والذي تصدَر الأزمة شهوراً طويلة.

وزيرا الداخلية الجزائري والفرنسي في 16 فبراير 2026 (حساب وزير الداخلية الفرنسي)

وفي سؤال حول إمكانية الإفراج عن الصحافي الرياضي كريستوف غليز قبل بطولة كأس العالم لكرة القدم التي ستنطلق، الشهر المقبل، أبدى لوران نونيز حذراً كبيراً، وقال: «لا أعلم شيئاً عن ذلك، ولا أريد الحديث في الموضوع، لكننا نحتفظ بالأمل».

ونشرت الصحيفة الإلكترونية «كل شيء عن الجزائر»، تعليقاً على تصريحات نونيز جاء فيه: «نبرة الوزير الفرنسي في مقابلته الصحافية تحمل دلالات قوية؛ فحين يصف الجزائر بأنها دولة كبرى لا يمكن تجاوزها في مجال الاستخبارات، وينتقد بشدة أولئك الذين يسعون وراء صراع القوى لأغراض انتخابية، فإنه يضع بذلك أسس الحوار الأكثر هدوءاً وواقعية».

وأضافت الصحيفة الإلكترونية، التي تابعت بكثافة الأزمة بين البلدين: «رغم أن الخلافات التاريخية والسياسية لا تزال عميقة، فإن دبلوماسية الخطوات الصغيرة والتعاون الفني في مجالات الأمن، ومكافحة المخدرات، والقضاء، تبدو كفيلة بالفعل بتبديد السحب الكثيفة التي خيمت على العلاقات طيلة الأشهر الماضية».

ملف المطلوبين

وتتقاطع زيارة سعيود المرتقبة إلى فرنسا، مع ديناميكية جديدة في العلاقات الثنائية؛ حيث يُنتظر وصول وزير العدل الفرنسي إلى الجزائر برفقة قضاة مكافحة الفساد، بعد موافقة باريس - لأول مرة - على فتح ملفات الأصول غير المشروعة، والأموال المنهوبة الخاصة بمسؤولين جزائريين سابقين هاربين في فرنسا، ومن بينهم وزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب، الذي رفض القضاء الفرنسي تسليمه للجزائر، بدعوى «عدم توفر ضمانات محاكمة عادلة».

وزير الصناعة الجزائري السابق عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

كما تفيد مصادر صحافية بأن السلطات الفرنسية وافقت على فتح «ملف المعارضين الجزائريين» الذين تطالب السلطات بتسليم البعض منهم، وفي مقدَّمتهم اليوتيوبر أمير بوخرص الشهير بـ«أمير دي زاد»، الذي كان وراء سجن موظف قنصلي جزائري لدى فرنسا، العام الماضي، بتهمة خطفه واحتجازه، وهي حادثة وقعت في ضواحي باريس عام 2024، ولا يزال الغموض يلفها إلى اليوم.

كما يضم ملف المعارضين اللاجئ السياسي بفرنسا، ضابط المخابرات السابق هشام عبود.

ضابط المخابرات السابق هشام عبود (حسابه الخاص)

وفي قراءتها للحركية التي دخلت فيها العلاقات، أوضحت مصادر سياسية جزائرية لـ«الشرق الأوسط»، أن البلدين يقفان اليوم على أرضية مواتية ومفيدة، مشيرة إلى أن «الجزائر لم تكن تبحث منذ أمد بعيد إلا عن النزاهة والحكمة والانفتاح الصادق بعيداً عن الاستعلاء والضربات الدنيئة». وأضافت المصادر نفسها، أن وجود وزير داخلية فرنسي يتبنى مقاربة عقلانية يسهم في بناء تفاهم حقيقي ومصالحة صادقة بين الشعبين، بعيداً عن سياسة ريتايو المهينة وغير المقبولة.


مقالات ذات صلة

الجزائر تقرّ خطة عاجلة لكبح التضخم واحتواء مخاوف الاحتقان الاجتماعي

شمال افريقيا الرئيس تبون يقر خطة لمواجهة الغلاء في مجلس الوزراء (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر تقرّ خطة عاجلة لكبح التضخم واحتواء مخاوف الاحتقان الاجتماعي

أطلق الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، خطة تدابير عاجلة لمواجهة الارتفاع القياسي للأسعار؛ وذلك بهدف حماية القدرة الشرائية للمواطنين وتفادي أي توترات اجتماعية...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية اتحاد العاصمة الجزائري إلى مجموعات الكونفيدرالية (نادي اتحاد العاصمة)

«الكونفيدرالية الأفريقية»: اتحاد العاصمة يتأهل إلى دور المجموعات بعد انسحاب بانثرز

تأهل اتحاد العاصمة الجزائري إلى دور المجموعات من كأس الكونفيدرالية الأفريقية، بعدما تأكد انسحاب منافسه بانثرز ممثل غينيا الاستوائية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رجال إطفاء يواجهون حرائق شرق الجزائر في يوليو 2026 (الحماية المدنية)

الجزائر توجّه اتهامات غير مسبوقة لباريس بشأن «حملات الاستقطاب»

تبدو تصريحات من موقوفَين جزائريين كأنها اتهامات رسمية جديدة موجهة إلى فرنسا، بخصوص «توظيف عملاء بهدف ضرب استقرار البلاد»...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا «مجازر 17 أكتوبر 1961» تعيد فتح الجراح العالقة بين الجزائر وباريس (الرئاسة الجزائرية)

«مجازر 17 أكتوبر 1961»... ذكرى تعيد فتح الجراح العالقة بين الجزائر وباريس

أعلنت الجزائر التحضير لمشروع قانون يخص «الذاكرة الوطنية»، فيما طالب نحو 30 رئيس بلدية بفرنسا بالاعتراف بتلك الأحداث «جريمة دولة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حرائق دمرت منطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)

الجزائر تتهم معارضاً في الخارج بإشعال حرائق الغابات

اتهمت السلطات الجزائرية رسمياً وبشكل مباشر اليوتيوبر المعارض اللاجئ في فرنسا، أمير بوخرص، بدفع أموال لشخصين مقابل إشعال الحرائق التي ضربت شرق البلاد...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

خطة نتنياهو لإنشاء «مناطق عازلة»... هل تنتهك اتفاقية السلام مع مصر؟

جانب من الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
جانب من الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
TT

خطة نتنياهو لإنشاء «مناطق عازلة»... هل تنتهك اتفاقية السلام مع مصر؟

جانب من الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
جانب من الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

قبيل انتخابات إسرائيلية مصيرية، استبق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المشهد متحدثاً عن خطة محتملة لإنشاء مناطق عازلة في دول عدة، بينها مصر التي تجمعه معها اتفاقية سلام وُقّعت عام 1979، لا تتضمن إمكانية تدشين تلك المناطق.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن «بناء حواجز أو مناطق عازلة انتهاك لاتفاقية السلام حال مس حدود مصر»، وأشاروا إلى أن ما أعلنه نتنياهو «ضمن مسار التصعيد بهدف انتخابي».

ووقّعت مصر وإسرائيل في مارس (آذار) 1979 معاهدة سلام برعاية أميركية، غير أن العلاقات الثنائية لا تزال محصورة في الجوانب الرسمية، سواء دبلوماسياً أو أمنياً، قبل أن تشهد منذ «حرب غزة» في 2023 توتراً متواصلاً مع تعنت إسرائيلي في إنهاء الحرب بالقطاع، كما ترغب القاهرة التي تقود دور الوساطة مع قطر وتركيا والولايات المتحدة.

وأوضح نتنياهو عبر تصريحات له، الأحد، أن «إسرائيل تعمل على إقامة مناطق عازلة وحواجز أمنية على حدودها مع دول بينها مصر، بعد نشر وثيقة بشأن الأمن القومي».

وتنص الوثيقة التي نقلتها «القناة الـ14» على «ضرورة أن تستعد إسرائيل لوقف أي عمليات توغل عند حدودها، والحفاظ على مناطق عازلة حسب الحاجة، وحماية الجبهة الداخلية من الهجمات التي قد تنطلق من داخل البلاد أو خارجها».

وتأتي هذه التصريحات بعد أن أعلن نتنياهو خلال زيارة إلى الحدود الأردنية في 15 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي أن «إسرائيل تقيم حاجزاً حدودياً جديداً، وتعمل على تعزيز قدراتها لمواجهة تهديدات الطائرات المُسيَّرة ومخاطر التسلل».

جاء ذلك قبل نحو أسبوع من انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر الحالي.

الخبير في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية، اللواء سمير فرج، يرى أن الأنباء المتداولة بشأن قيام تل أبيب بتنفيذ خطة لإنشاء مناطق عازلة وحواجز أمنية متطورة على الحدود مع مصر والدول المجاورة «لا تمس ولا تنتهك اتفاقية السلام المبرمة بين الجانبين ما دامت لم تمس حدودها».

اتفاقيات صارمة

ويؤكد أن «الحدود المصرية والترتيبات الأمنية في شبه جزيرة سيناء خاضعة لاتفاقيات دولية صارمة بضمانة ورعاية أميركية، ولا يمكن الخروج عليها أو التلاعب ببنودها، ولو خالف نتنياهو ذلك سيُرَد عليه بالمثل، بخلاف الإجراءات المتبعة حسب ما تنص عليها الاتفاقية بالرجوع للجنة بخصوص أي خروق».

ويوضح فرج أن «هذه الأحاديث والتحركات تأتي في إطار المزايدات والاستهلاك الإعلامي الموجه للداخل والشارع الإسرائيلي لأغراض انتخابية؛ بهدف إعطاء إيحاءات أمنية وهمية للحماية والتأمين».

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

من جانبه، يعتقد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، الأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، أن هذا التوجه الإسرائيلي «يمثل انتهاكاً صارخاً بكل تأكيد إذا تضمن دخول أسلحة ثقيلة كالمدفعية والدبابات، ويمس اتفاقية السلام مع مصر».

أجواء عدائية

ويؤكد أن «هذه السياسات التي تتغذى على تصريحات متطرفة كاشفة عن توجهات توسعية، تعكس أجواء عدائية ومحاولات لكسب تأييد قبيل الانتخابات».

وتأتي هذه التوجيهات الإسرائيلية رغم تعليق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال ندوة للقوات المسلحة المصرية، الأربعاء الماضي، على تصريحات وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عن سيناء، والتي زعم فيها أن «مصر لا تهاجم إسرائيل خوفاً من عودة احتلال سيناء»، قائلاً إنه «سمع وتابع تصريحات الوزير الإسرائيلي عن سيناء».

وأكد السيسي أن «الهدف الأول والأخير لمصر هو الحفاظ على أمنها واستقرارها وصون مقدرات شعبها»، لافتاً إلى أن «الدولة المصرية لا تحمل أي أجندات خفية»، وأن «أولويتها الأساسية تتمثل في الحفاظ على حدودها وأمنها القومي في إطار من السلام والاستقرار».

وأضاف الرئيس المصري أن «معاهدة السلام» الموقَّعة بين مصر وإسرائيل عام 1979 تمثل إطاراً حاكماً للعلاقات بين الجانبين، موضحاً أنه «لا توجد لمصر أي مطامع تجاه أحد».

صورة للحدود بين مصر وإسرائيل (رويترز)

كما قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في حوار تلفزيوني، نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 إن العلاقة مع إسرائيل «شهدت احتقاناً شديداً بسبب حرب غزة، وترك ذلك انعكاسات على التواصل»، مشدداً على «وجود فارق بين إدارة العلاقات ومستواها وتبادلها، ومعاهدة السلام». وقال إن «المعاهدة قائمة وملزِمة للبلدين، والبلدان يحترمان التزاماتهما طبقاً للمعاهدة».

أجواء استفزازية

حول الخيارات المصرية للتعامل مع هذه المخططات حال تنفيذها، يوضح أنور أن «القاهرة تضع السيناريوهات كافة في الحسبان لمواجهة حكومة إسرائيلية متطرفة، من الردع لحماية السلام لتكثيف التواصل مع القوى الإقليمية والدولية لشرح الموقف المصري وتوضيحه أمام المجتمع الدولي»، وفق قوله.

ويحذّر من أن «هذه التحركات الإسرائيلية تفاقم التوتر مع مصر وتخلق أجواء تصعيدية واستفزازية وتبعد المنطقة عن مفهوم السلام».

عن موقف القاهرة، يشدد فرج على أن «إسرائيل تدرك تماماً طبيعة ونوعية رد الفعل المصري حال ارتكاب أي مخالفة، وهناك لجنة مراقبة وتفتيش أميركية موجودة بالفعل، ويتم إبلاغها فوراً بأي تجاوزات لمنعها»، كما يشير إلى أن «سيادة الدولة المصرية على حدودها وسيناء كاملة وغير قابلة للمساس تحت أي ذريعة».


الجزائر تقرّ خطة عاجلة لكبح التضخم واحتواء مخاوف الاحتقان الاجتماعي

الرئيس تبون يقر خطة لمواجهة الغلاء في مجلس الوزراء (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس تبون يقر خطة لمواجهة الغلاء في مجلس الوزراء (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر تقرّ خطة عاجلة لكبح التضخم واحتواء مخاوف الاحتقان الاجتماعي

الرئيس تبون يقر خطة لمواجهة الغلاء في مجلس الوزراء (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس تبون يقر خطة لمواجهة الغلاء في مجلس الوزراء (الرئاسة الجزائرية)

أطلق الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، خطة تدابير عاجلة لمواجهة الارتفاع القياسي للأسعار؛ وذلك بهدف حماية القدرة الشرائية للمواطنين وتفادي أي توترات اجتماعية.

وتشمل الخطوات الرئاسية إعداد مشروع قانون صارم ينظم مسالك التوزيع ويضبط نشاط الوسطاء بين المنتج والمستهلك، فضلاً عن تكليف الوزير الأول، سيفي غريب، فتح تحقيق فوري في التجاوزات الصادرة عن بعض مستوردي اللحوم، والوقوف على ممارسات الاحتكار والدور السلبي الذي أدى إلى التهاب أسعارها في الأسواق الوطنية.

وكشف تبون، خلال جلسة لمجلس الوزراء، عُقدت الأحد، عن خطة تتضمن 7 تدابير رئيسية لمكافحة ارتفاع الأسعار وضبط سوق المواد واسعة الاستهلاك، لا سيما المنتجات الزراعية.

وقد شهدت أسعار اللحوم وبعض الخضراوات، مثل البطاطا والطماطم، إلى جانب الفواكه، مثل الموز والتفاح، ارتفاعاً كبيراً خلال الأشهر الأخيرة، وفق تقرير إخباري.

تشديد الرقابة على الأسواق

وسجّلت أسعار المنتجات الطازجة ارتفاعاً ملحوظاً خلال شهر أغسطس (آب) الماضي، حيث بلغت نسبة الزيادة 4.7 في المائة؛ نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار بعض المنتجات، خصوصاً لحم الدجاج الذي قفز سعره بنسبة 40.5 في المائة، والفواكه التي ارتفعت أسعارها 22.8 في المائة، وفق آخر نشرة لـ«الديوان الوطني للإحصائيات».

ووفق أحدث بيانات «الديوان الوطني للإحصائيات»، فقد بلغ معدل التضخم السنوي لأسعار الاستهلاك 8.3 في المائة خلال أغسطس 2026، وذلك على أساس سنوي مقارنة بأغسطس 2025.

أما معدل التضخم السنوي، خلال الفترة الممتدة من سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أغسطس 2026، مقارنة بالفترة الممتدة من سبتمبر 2024 إلى أغسطس 2025، فقد بلغ 3.9 في المائة.

وتتمثل التدابير الـ7 التي أقرها مجلس الوزراء في إعداد مشروع نص قانوني يهدف إلى تنظيم نشاط الوسطاء بين المنتجين والمواطنين بشكل صارم.

كما كلّف الرئيس وزيره الأول، سيفي غريب، فتح «تحقيق فوري»، وفق ما تضمنه بيان مجلس الوزراء، بشأن «الدور السلبي الذي يؤديه بعض المستوردين في احتكار اللحوم المستوردة والمساهمة في رفع أسعارها، فضلاً عن التحقيق في بيعها لدى بعض محلات الجزارة بأسعار اللحوم المحلية نفسها، وكذلك في الفوارق المسجلة في أسعار اللحوم بين محلات الجزارة في مختلف ولايات الوطن، بل وحتى بين الأحياء داخل الولاية الواحدة».

وكلّف تبون وزير الداخلية، إبراهيم مراد، بالتنسيق مع الولاة، وضعَ آلية تتيح شراء فائض المنتجات على المستوى المحلي وتخزينه، ثم ضخه في السوق فور ظهور أولى مؤشرات تقلب الأسعار؛ بهدف الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين.

كما كُلّفت وزارة التجارة الداخلية إعداد نظام لتحديد سقف الأسعار وضبط هوامش الربح الخاصة بالخضراوات والبقوليات والعجائن واللحوم، مع مراعاة مختلف مراحل الإنتاج والتسويق.

آلية إنذار مبكر

حاويات في مرفأ العاصمة الجزائرية خلال أغسطس الماضي (إ.ب.أ)

وتشمل التدابير أيضاً وضع نظام لامركزي يسمح لمديري التجارة، تحت مسؤولية الولاة، بمتابعة أسعار المواد واسعة الاستهلاك يومياً على المستوى المحلي.

كما تقرر تعزيز فرق مراقبة الأسعار التابعة لوزارة التجارة الداخلية، مع ضمان تنظيم خرجات ميدانية يومية طيلة السنة.

وتتمثل هذه الخطوة في تنسيق الجهود بين وزارة الداخلية ووزارة التجارة الداخلية و«المحافظة السامية للرقمنة»، من أجل إنشاء قاعدة بيانات رقمية تتيح مراقبة الأسعار بسرعة وفاعلية. وستكون هذه القاعدة بمثابة آلية للإنذار المبكر، تسمح للمصالح المعنية بالتدخل لإعادة التوازن إلى أسعار المنتجات في حال تسجيل ارتفاع غير طبيعي.

ويربط خبراء اقتصاديون الارتفاعات الكبيرة في الأسعار بتداعيات قرار اتخذته الحكومة قبل نحو 9 سنوات. ففي عام 2017، اعتمدت الجزائر ما عُرف بـ«التمويل غير التقليدي»، وحدّدت له رسمياً مدة أقصاها 5 سنوات. ورغم إعلان التخلي عن هذه الآلية في عام 2019، فإن الجدل بشأن استمرار آثارها وتداعياتها الاقتصادية لا يزال قائماً، وسط اتهامات باستمرار النهج ذاته بأشكال مختلفة، وإن تغيّرت تسمياته وواجهاته.

وبعد مرور نحو 10 سنوات، لا يزال «البنك المركزي» يموّل خزينة الدولة في ظل إنفاق يتجاوز بكثير قدرة الاقتصاد الوطني على الإنتاج. وهو اختلال حذّر «صندوق النقد الدولي» من تداعياته في تقرير عن أداء الاقتصاد الجزائري أصدره في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، في حين يتحمّل المواطن الجزائري جانباً من تكلفته عبر تآكل قدرته الشرائية.

وتعود جذور هذه السياسة إلى خريف 2017، حين تراجعت احتياطات الصرف الأجنبي من 194 مليار دولار في نهاية سنة 2013 إلى نحو 100 مليار دولار، بالتزامن مع اقتراب عجز الموازنة من 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2015.

وبدل الشروع في إصلاحات هيكلية لمعالجة الاختلالات العميقة للاقتصاد، اختارت الحكومة آنذاك برئاسة أحمد أويحيى (مسجون منذ 2019 بتهم فساد) اللجوء إلى الحل الأسهل، من خلال تعديل «قانون النقد والقرض»، بما أتاح لـ«بنك الجزائر» إقراض الخزينة العمومية مباشرة.

وجاء ذلك بموجب «المادة 45 مكرر» من القانون، تحت اسم بدا أقل حدّة هو «التمويل غير التقليدي»، بينما اختزل الشارع الجزائري الفكرة في تسمية أكبر مباشرة: «مطبعة النقود». وسرعان ما دخلت هذه الآلية حيّز التنفيذ بوتيرة مكثفة، لم تتجاوز مرحلتها الأشد نشاطاً سنة وبضعة أشهر.

وبحلول 31 يناير (كانون الثاني) 2019، كان «بنك الجزائر» قد ضخّ ما مجموعه 6556 مليار دينار (نحو 48.77 مليار دولار)؛ أي ما يعادل نحو ثلث الناتج الداخلي الإجمالي للبلاد. غير أن هذه السيولة الضخمة لم تقابلها زيادة مماثلة في الثروة والإنتاج، بل وُجّهت إلى تغطية نفقات الأجور والعجز المالي، وتسديد ديون شركات حكومية، فضلاً عن توفير السيولة اللازمة لإنقاذ صندوق التقاعد من الإفلاس.

وقد وفّرت هذه السياسة للدولة هامشاً مؤقتاً لتخفيف الضغوط المالية واحتواء التوترات الاجتماعية، لكنها أجّلت تكلفة الاختلالات بدل معالجتها، ونقلت أعباءها إلى المستقبل، وفق ما يقول منتقدون لهذه السياسة.


تجدد الجدل في ليبيا حول ملف دعم الوقود

عبد الحميد الدبيبة رئيس «الوحدة» وناجي عيسي محافظ مصرف ليبيا المركزي - 23 أغسطس الماضي (مكتب الدبيبة)
عبد الحميد الدبيبة رئيس «الوحدة» وناجي عيسي محافظ مصرف ليبيا المركزي - 23 أغسطس الماضي (مكتب الدبيبة)
TT

تجدد الجدل في ليبيا حول ملف دعم الوقود

عبد الحميد الدبيبة رئيس «الوحدة» وناجي عيسي محافظ مصرف ليبيا المركزي - 23 أغسطس الماضي (مكتب الدبيبة)
عبد الحميد الدبيبة رئيس «الوحدة» وناجي عيسي محافظ مصرف ليبيا المركزي - 23 أغسطس الماضي (مكتب الدبيبة)

عاد الجدل في ليبيا مرة ثانية حول دعم الوقود، إلى صدارة المشهد خلال الأيام الماضية، عقب الأرقام الضخمة التي أوردتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه، في إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي بشأن واردات المحروقات خلال أشهر معدودة، وما تستنزفه من الخزينة العامة، وتهريب نحو نصفها.

يأتي ذلك وسط تباين في البيانات بين المؤسسة الوطنية للنفط و«المصرف المركزي» بشأن المبالغ المحصلة خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عوائد النفط، التي كشفت عن فجوة بمئات الملايين من الدولارات، يُشتبه في أن جزءاً منها غطى تكلفة استيراد الوقود.

ووفقاً لتيتيه، استوردت ليبيا «نحو 8.15 مليون طن متري خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي بتكلفة 8.9 مليار دولار»، مقدرة أن ما بين 30 و50 في المائة منها ضاع بالتهريب، بخسائر قد تصل إلى 4.4 مليار دولار.

وربطت المبعوثة بين تلك الخسائر ونقص الوقود والكهرباء، خصوصاً في مدن جنوب البلاد، مقابل أرباح طائلة للمهربين مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً منذ منتصف عام 2026، لا سيما الديزل.

وانتقد وزير النفط الليبي السابق، محمد عون، مسارعة بعض الأصوات إلى «تفضيل الحل الأسهل، المتمثل في رفع الدعم، قبل توفير بديل يعوض محدودي ومتوسطي الدخل، خصوصاً مع اعتماد الجميع على السيارات بالنظر إلى اتساع المساحات وغياب شبكة للنقل العام».

وحذر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من اختزال الموضوع في سجال رفع الدعم فقط، دون التفكير في كيفية تدبير ميزانية البلاد، إذا هبط سعر البرميل إلى نحو 60 دولاراً، مع استمرار تصاعد فاتورتي المحروقات والرواتب، متسائلاً: «لماذا لا يكون الحل الرئيسي مكافحة الفساد والتهريب، خصوصاً مع تباهي السلطات في شرق البلاد وغربها بكثرة قواتها وترسانتها العسكرية؟».

حقل أبو الطفل النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

وذكّر عون بتحذيراته السابقة من «تضخم واردات المحروقات قياساً بعدد سكان لا يتجاوز 8 ملايين نسمة، دون نهضة صناعية تبرر ذلك»، ورأى وجوب «فرض عقوبات دولية على المهربين والدول المستقبلة للوقود المهرب، لأن الانقسام يعطل الملاحقة داخلياً». لكنه رجح أن «مصالح القوى الكبرى وعلاقاتها بالفاعلين الليبيين قد تحول دون ذلك».

ورغم امتلاكها ثاني أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، تعتمد ليبيا على استيراد الوقود المكرر ودعمه ليباع بأرخص سعر عالمي، عند 0.150 دينار، ما جعله مغرياً لشبكات التهريب، كما أن الدولار يساوي 6.41 دينار في السوق الرسمية، و10.26 في السوق الموازية.

وكان تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، والصادر في أبريل (نيسان) الماضي، قد تحدث عن تهريب نحو 992 ألف طن من الوقود المستورد.

وعرض أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، الدكتور عبد الحميد الفضيل، عبر إدراج نشره على حسابه عبر «فيسبوك»، جدولاً يظهر ارتفاع قيمة المحروقات من متوسط شهري بلغ 233 مليون دولار عام 2020، إلى مليار و40 مليون دولار مؤخراً.

بدوره، دعا عضو المجلس الأعلى للدولة، سعيد محمد ونيس، إلى «ضرورة فرض عقوبات دولية على مهربي الوقود».

وقال ونيس، لـ«الشرق الأوسط»، إن البعثة الأممية تتحدث اليوم عن فساد هذا الملف، «لكنها والمجتمع الدولي تباطآ في حل الأزمة السياسية، وبالتالي فهُما مسؤولان عن الأمر».

واتفق مع الآراء السابقة في أن «الحل ليس في رفع الدعم حالياً»، وإنما «بالإسراع في تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تنهي الانقسام، وتضع سياسات اقتصادية سليمة، وتضبط الحدود»، معتبراً أي علاجات أخرى «عبثية».

ودعا رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، إلى ملاحقة ومعاقبة مهربي الوقود، وتتبع حركة أموالهم، وربما تجميد الأرصدة، بهدف وقف نزيف الثروات الليبية.

وأشار بوزعكوك، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى السجال الأخير بين «المصرف المركزي» و«مؤسسة النفط»، محذراً من أن تداعياته «لم تقتصر على صدمة تضخم استنزاف الواردات للعملة الأجنبية، بل أرسلت مؤشرات سلبية للسوق بشأن احتمال شح هذه العملة، ما يدفع الناس إلى اكتنازها ملاذاً آمناً».

وشدد على ضرورة «تجاوز جدل رفع الدعم والاستعداد لفصل الشتاء المقبل، الذي يزداد فيه استهلاك المحروقات، خصوصاً الديزل، العنصر الأهم في المخابز والتدفئة ومحطات الكهرباء».

ودعا نائب رئيس «حزب الأمة» الليبي، أحمد دوغة، إلى «دراسات جادة لأفضل آليات استبدال دعم نقدي أو حصص عبر بطاقات شهرية أو سنوية، بالدعم العيني للوقود بشكل تدريجي، بما يضمن استفادة المواطن لا المهربين».

وقال دوغة لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجدل والتحذيرات بشأن تبدد الثروات يتجددان مع كل أزمة شح وقود أو تضخم للتهريب، ثم يتم تناسي الأمر تدريجياً، دون استعداد جدي لإيجاد بدائل علمية تناسب وضعية الانقسام في البلاد».

وأضاف: «أغلب الليبيين يدركون اتساع التهريب مع تزايد اصطفافهم بالساعات في طوابير أمام المحطات، ويتخوفون من أي حديث عن رفع الدعم»، واختتم بأن «الوقود هو آخر ملمح دعم يتمتعون به بوصفهم أبناء دولة نفطية، ولا ثقة لهم بوعود الحكومة، ويخشون ألا تستمر أي آلية بديلة تقرر لتعويضهم».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، وتدير الشرق وأجزاء من الجنوب بدعم من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.