ارتفاع حاد لتضخم الجملة الياباني على وقع صدمة الطاقة

دعوات متصاعدة لرفع الفائدة «في أقرب وقت ممكن»

طوابير أمام متجر «سواتش» في ضاحية تجارية بالعاصمة اليابانية طوكيو ترقباً لأحدث إصداراتها من الساعات (إ.ب.أ)
طوابير أمام متجر «سواتش» في ضاحية تجارية بالعاصمة اليابانية طوكيو ترقباً لأحدث إصداراتها من الساعات (إ.ب.أ)
TT

ارتفاع حاد لتضخم الجملة الياباني على وقع صدمة الطاقة

طوابير أمام متجر «سواتش» في ضاحية تجارية بالعاصمة اليابانية طوكيو ترقباً لأحدث إصداراتها من الساعات (إ.ب.أ)
طوابير أمام متجر «سواتش» في ضاحية تجارية بالعاصمة اليابانية طوكيو ترقباً لأحدث إصداراتها من الساعات (إ.ب.أ)

أظهرت بيانات صدرت يوم الجمعة أن معدل التضخم بالجملة في اليابان تسارع في أبريل (نيسان) الماضي بأسرع وتيرة له في ثلاث سنوات، حيث أدت الحرب مع إيران إلى ارتفاع أسعار النفط والكيماويات، مما يعزز احتمالية قيام البنك المركزي برفع أسعار الفائدة في أقرب وقت ممكن في يونيو (حزيران).

وجاءت هذه البيانات متزامنة مع دعوة أحد صانعي السياسات في بنك اليابان لرفع أسعار الفائدة «في أقرب وقت ممكن»، حيث أدى ارتفاع أسعار الوقود نتيجة حرب الشرق الأوسط إلى تفاقم ضغوط الأسعار.

ويُهدد تباطؤ البنك المركزي وحزمة التحفيز المالي الوشيكة بتضارب في السياسات، مما يُبقي ضغوط التضخم وقلق السوق في حالة تصاعد لفترة أطول. وقد أدت هذه المخاوف إلى موجة بيع مكثفة للسندات، دفعت عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له في 29 عاماً، مسجلاً 2.665 في المائة يوم الجمعة.

وقالت ناعومي موغوروما، كبيرة استراتيجيي السندات في شركة «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي» للأوراق المالية: «كانت بيانات التضخم اليوم أقوى من المتوقع، لذا فقد استوعبت الأسواق إلى حد كبير توقعات رفع أسعار الفائدة في يونيو».

وأضافت: «لكن رفع أسعار الفائدة في يونيو لن يوقف موجة بيع السندات. وتشتبه الأسواق في أن بنك اليابان متأخر في التعامل مع التضخم، ولديها شكوك حول قدرته على مكافحته، في ظل معارضة الحكومة الواضحة لمزيد من رفع أسعار الفائدة».

وأظهرت بيانات بنك اليابان ارتفاع مؤشر أسعار السلع للشركات، الذي يقيس أسعار السلع والخدمات التي تتقاضاها الشركات فيما بينها، بنسبة 4.9 في المائة في أبريل مقارنةً بالعام الماضي، مسجلاً بذلك أسرع زيادة سنوية منذ مايو (أيار) 2023. وتجاوز المؤشر توقعات السوق المتوسطة التي كانت تشير إلى ارتفاع بنسبة 3.0 في المائة، وتسارع بشكل حاد من زيادة بلغت 2.9 في المائة في مارس (آذار). كما ارتفع مؤشر أسعار الواردات بالين الياباني بنسبة 17.5 في المائة في أبريل مقارنةً بالعام الماضي، مسجلاً أسرع ارتفاع منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022، مما يشير إلى أن انخفاض قيمة العملة اليابانية يُفاقم صدمة الطاقة، ويضغط على هوامش أرباح الشركات من خلال ارتفاع التكاليف.

وعلى أساس شهري، ارتفعت أسعار الجملة بنسبة 2.3 في المائة في أبريل بعد ارتفاعها بنسبة 1.0 في المائة في مارس. وأظهرت البيانات الضغط الناجم عن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، والذي يقطع إمدادات النفط عن اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الواردات من الشرق الأوسط.

كما أظهرت البيانات ارتفاع أسعار النفط والفحم بنسبة 5.3 في المائة في أبريل مقارنةً بالعام الماضي، ما يعكس ارتفاع تكاليف النفط الخام ووقود الطائرات. وقفزت أسعار المواد الكيميائية بنسبة 9.2 في المائة الشهر الماضي، مسجلةً أسرع وتيرة ارتفاع منذ سبتمبر (أيلول) 2022، مع قفزة في سعر النفتا بنسبة 79.4 في المائة. كما ارتفعت أسعار الألومنيوم والنحاس وغيرها من المعادن غير الحديدية بنسبة 37.9 في المائة.

وقال ماساتو كويكي، كبير الاقتصاديين في معهد سومبو بلس: «من المرجح أن يستمر التضخم في أسعار الجملة بالتسارع كاتجاه عام. إذا اقتصرت الزيادات السعرية على السلع المرتبطة بالنفط، فلن تكون هناك حاجة كبيرة إلى تدخل بنك اليابان. أما إذا امتدت لتشمل مجموعة واسعة من السلع، فمن المرجح أن يضطر بنك اليابان إلى رفع أسعار الفائدة».

مخاوف أعمق في السوق

وستكون بيانات التضخم على مستوى الجملة، وهو مؤشر رئيسي لاتجاهات أسعار المستهلك، أحد العوامل التي سيدقق فيها بنك اليابان المركزي في اجتماعه المقبل للسياسة النقدية يومي 15 و16 يونيو.

وأشار بنك اليابان المركزي في تقرير له، استناداً إلى استطلاع رأي شمل شركات إقليمية، إلى أن اليابان قد تواجه جولة أخرى من ارتفاع الأسعار على نطاق واسع خلال فصل الصيف نتيجة لتزايد التكاليف الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط. وقد دفعت سلسلة من الإشارات المتشددة الأخيرة الصادرة عن بنك اليابان المركزي الأسواق إلى توقع احتمال بنسبة 70 في المائة تقريباً لرفع سعر الفائدة في يونيو.

كما يتوقع ما يقرب من ثلثي الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم أن يرفع بنك اليابان المركزي أسعار الفائدة في يونيو. وحتى محافظ بنك اليابان المركزي السابق، هاروهيكو كورودا، الذي أطلق برنامج تحفيز ضخم في عام 2013، حذر من أن استمرار الحرب مع إيران لفترة طويلة قد يجبر البنك المركزي على تسريع وتيرة رفع أسعار الفائدة.

وقال في ندوة عُقدت يوم الأربعاء إن الوقت الحالي ليس مناسباً للحكومة لتوسيع الإنفاق المالي. ومع ذلك، تدرس حكومة رئيسة الوزراء التي تميل إلى التيسير، ساناي تاكايتشي، إعداد ميزانية إضافية للتخفيف من أثر ارتفاع أسعار الوقود على الأسر، وفقاً لمصادر مطلعة لوكالة «رويترز».

وقالت موغوروما، من «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي» للأوراق المالية، إن مزيج السياسة المالية التوسعية ورفع بنك اليابان لأسعار الفائدة بوتيرة بطيئة قد يدفع إلى مزيد من عمليات بيع الين وسندات الحكومة اليابانية. وأضافت: «لم يعد كافياً أن يصدر بنك اليابان تحذيرات علنية بشأن مخاطر التضخم. هناك قلق بالغ في الأسواق بشأن ما إذا كانت الحكومة تدرك حقاً مخاطر ترك التضخم دون رقابة».


مقالات ذات صلة

«فيتش» تُثبت تصنيف مصر الائتماني رغم تداعيات حرب إيران

الاقتصاد مراكب تمر في نهر النيل بمدينة الأقصر جنوب مصر (رويترز)

«فيتش» تُثبت تصنيف مصر الائتماني رغم تداعيات حرب إيران

ثبتت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني تصنيف مصر السيادي عند مستوى «بي» مع نظرة مستقبلية مستقرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحيي مودعيه قبل مغادرة العاصمة الصينية عقب انتهاء القمة الأميركية - الصينية الجمعة (رويترز)

الحصاد الاقتصادي لقمة ترمب وشي... ضجيج بلا طحن

اختتم الرئيس الأميركي قمة بكين بإعلان ما وصفه بـ«صفقات تجارية رائعة»، لكن رد فعل الأسواق كشفت عن أن الحصيلة الاقتصادية لم ترق إلى التوقعات

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ناقلتا نفط في المياه الدولية قبالة سواحل ماليزيا (أ.ب)

النفط يرتفع 3 % على وقع أصداء قمة ترمب وشي

ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 3 بالمائة بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه والرئيس الصيني شي جينبينغ يتفقان على عدم امتلاك إيران أسلحة نووية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

جني الأرباح يقود «نيكي» إلى خسارة أسبوعية

تراجع مؤشر نيكي الياباني للأسهم يوم الجمعة، مسجلاً خسارة أسبوعية، حيث جنى المتداولون أرباحهم من أسهم التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد «البنك المركزي التركي» (الموقع الرسمي)

تركيا: «المركزي» يعدل هدف التضخم بنهاية العام إلى 24 %

رفع «البنك المركزي التركي» توقعاته للتضخم بنهاية العام الحالي إلى 26 في المائة، كما رفع معدل التضخم المستهدف من 16 إلى 24 في المائة على خلفية تداعيات حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

عوائد سندات الخزانة الأميركية تقفز إلى أعلى مستوياتها منذ مايو 2025

لوحة «وول ستريت» تُرى خارج بورصة نيويورك في الحي المالي (رويترز)
لوحة «وول ستريت» تُرى خارج بورصة نيويورك في الحي المالي (رويترز)
TT

عوائد سندات الخزانة الأميركية تقفز إلى أعلى مستوياتها منذ مايو 2025

لوحة «وول ستريت» تُرى خارج بورصة نيويورك في الحي المالي (رويترز)
لوحة «وول ستريت» تُرى خارج بورصة نيويورك في الحي المالي (رويترز)

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل يوم الجمعة إلى أعلى مستوياتها منذ مايو (أيار) 2025، في ظل تصاعد أسعار النفط وتجدد المخاوف من أن يؤدي استمرار اضطرابات الطاقة في الشرق الأوسط إلى زيادة الضغوط التضخمية، بعد بيانات أظهرت بالفعل ارتفاعاً في التضخم خلال أبريل (نيسان).

كما قفزت أسعار النفط بنحو 3 في المائة عقب تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب أشار فيها إلى نفاد صبره تجاه إيران، ما عزز المخاوف من تعثر الجهود الرامية إلى تهدئة التوترات في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لإمدادات الطاقة، وفق «رويترز».

وكان المستثمرون قد تأثروا مسبقاً ببيانات تضخم قوية هذا الأسبوع، أظهرت أكبر ارتفاع سنوي في أسعار المستهلكين منذ ثلاث سنوات، إلى جانب تسجيل أسعار المنتجين أكبر زيادة لها منذ أربع سنوات، ما عزز التوقعات باستمرار الضغوط السعرية.

وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر ارتباطاً بتوقعات أسعار الفائدة، بمقدار 7 نقاط أساس ليصل إلى 4.062 في المائة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ مارس (آذار) 2025.

كما صعد عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 9.3 نقطة أساس إلى 4.552 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ مايو 2025، فيما ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً بمقدار 8.6 نقطة أساس إلى 5.099 في المائة، ليبلغ أيضاً أعلى مستوياته منذ مايو 2025.


اتساع العجز التجاري الهندي بضغط من قفزة واردات النفط نتيجة الحرب

سفينة الشحن «بيلوغا إيه» تقف في ميناء ديندايال في كاندلا بولاية غوجارات غرب الهند (رويترز)
سفينة الشحن «بيلوغا إيه» تقف في ميناء ديندايال في كاندلا بولاية غوجارات غرب الهند (رويترز)
TT

اتساع العجز التجاري الهندي بضغط من قفزة واردات النفط نتيجة الحرب

سفينة الشحن «بيلوغا إيه» تقف في ميناء ديندايال في كاندلا بولاية غوجارات غرب الهند (رويترز)
سفينة الشحن «بيلوغا إيه» تقف في ميناء ديندايال في كاندلا بولاية غوجارات غرب الهند (رويترز)

اتسع العجز التجاري الهندي في السلع إلى 28.38 مليار دولار في أبريل (نيسان)، مع ارتفاع واردات النفط الخام إلى أعلى مستوى في ستة أشهر، مدفوعاً باضطرابات الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الصراع في الشرق الأوسط.

وأثارت المخاوف من امتداد الصدمة الطاقية الناتجة عن الحرب الإيرانية المستمرة منذ أشهر تداعيات سلبية على النمو والتضخم وميزان المدفوعات الهندي، ما دفع صناع السياسات إلى سلسلة من التدخلات، في وقت تراجعت فيه الروبية إلى مستويات قياسية لتصبح الأسوأ أداءً بين العملات الآسيوية هذا العام.

وتستورد الهند، ثالث أكبر مستورد ومستهلك للنفط في العالم، أكثر من 80 في المائة من احتياجاتها من النفط الخام ونحو 60 في المائة من غاز الطهي، مع اعتماد كبير على إمدادات الشرق الأوسط.

ووفقاً لبيانات حكومية صدرت يوم الجمعة، تجاوز العجز التوقعات البالغة 26.5 مليار دولار بحسب استطلاع لـ«رويترز»، مقارنة بـ20.67 مليار دولار في مارس (آذار).

وارتفعت الصادرات إلى 43.56 مليار دولار في أبريل، مقابل 38.92 مليار دولار في الشهر السابق، فيما قفزت الواردات إلى 71.94 مليار دولار، وهو أعلى مستوى لها في ستة أشهر، مقارنة بـ59.59 مليار دولار في مارس.

وقال وزير التجارة الفيدرالي راجيش أغراوال إن الصادرات سجلت أعلى مستوى لها في عقد، مدفوعة بشحنات الإلكترونيات والسلع الهندسية والمنتجات البترولية عالية القيمة، ما ساهم في الحد من اتساع العجز.

لكن ارتفاع الواردات جاء بشكل رئيسي نتيجة قفزة في شحنات النفط الخام بنسبة 53 في المائة إلى 18.63 مليار دولار، ما يعكس الضغوط المتزايدة على فاتورة الاستيراد، في ظل ارتفاع الأسعار العالمية إلى نحو 120 دولاراً للبرميل منذ اندلاع الحرب في نهاية فبراير (شباط).

كما ارتفعت واردات الذهب بنسبة 84 في المائة إلى 5.63 مليار دولار، رغم تراجع مشتريات البنوك، مع زيادة واردات المصافي من الذهب الخام.

وتوقعت أديتي ناير، كبيرة الاقتصاديين في وكالة «أكرا»، أن يظل العجز تحت ضغط رغم قوة الصادرات، مرجحة أن يبلغ عجز الحساب الجاري نحو 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية الحالية، أي أكثر من ضعف تقديرات العام السابق.

وعقب صدور البيانات، تراجعت الروبية الهندية إلى مستوى قياسي جديد متجاوزة 96 روبية للدولار.

ودعا رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى إجراءات احترازية تشمل ترشيد استهلاك الوقود، وتوسيع العمل من المنزل، وفرض قيود على السفر والواردات للحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي.

كما رفعت الحكومة رسوم استيراد الذهب والفضة إلى أكثر من الضعف، وشددت القواعد الخاصة بالذهب المعفى من الرسوم المستخدم في تصدير المجوهرات.

وفي السياق ذاته، رفعت شركات توزيع الوقود الحكومية أسعار البنزين والديزل بأكثر من 3 في المائة لأول مرة منذ أربع سنوات.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن صادرات الخدمات بلغت 37.24 مليار دولار في أبريل، مقابل واردات قدرها 16.66 مليار دولار، ما ساهم جزئياً في تخفيف ضغط العجز التجاري في السلع.


معضلة الدين تهدد طموحات وارش لإعادة رسم دور «الفيدرالي» في الأسواق

كيفن وارش خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ بواشنطن... 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
كيفن وارش خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ بواشنطن... 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

معضلة الدين تهدد طموحات وارش لإعادة رسم دور «الفيدرالي» في الأسواق

كيفن وارش خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ بواشنطن... 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
كيفن وارش خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ بواشنطن... 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قال محللون إن خطط الرئيس المقبل لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي كيفن وارش لتقليص «بصمة» البنك المركزي في الأسواق المالية قد تواجه قيوداً بسبب ارتفاع الدين الفيدرالي الأميركي واحتمال تراجع جاذبية سندات الخزانة الأميركية.

وكان مجلس الشيوخ الأميركي قد صادق يوم الأربعاء على تعيين وارش خلفاً لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول. وقد دعا وارش إلى تقليص دور البنك المركزي وخفض التدخل في الأسواق، في إطار العودة إلى نمط أكثر تقليدية للسياسة النقدية، يرى أنه يسمح بالتركيز بشكل أفضل على مكافحة التضخم وتجنب تشويه الأسواق، وفق «رويترز».

لكن هذا النهج، رغم جاذبيته النظرية، قد يكشف أيضاً عن فجوات في سوق سندات الخزانة الأميركية، ما قد يؤدي إما إلى ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل على حساب الشركات والأسر والحكومة نفسها، أو إلى زيادة الضغوط على «الفيدرالي» للتدخل والمساعدة في إبقاء تكاليف الاقتراض منخفضة، بحسب هانو لوستيغ، أستاذ التمويل في كلية الدراسات العليا للأعمال بجامعة ستانفورد.

وأشارت أبحاث حديثة أجراها لوستيغ إلى أن الاقتصادات المتقدمة الكبرى مثل الولايات المتحدة فقدت ما يُعرف بـ«عائد الملاءمة»، وهو انخفاض فعلي في تكلفة الاقتراض الحكومي للدول التي تتمتع بوضع خالٍ من المخاطر وبنوك مركزية مستقلة.

مبنى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

وقال لوستيغ، على هامش مؤتمر حديث في معهد هوفر بجامعة ستانفورد: «إذا أراد وارش ومسؤولو (الفيدرالي) الآخرون استباق هذا الأمر، فعليهم أن يكونوا شفافين عندما تستجيب العوائد للصدمات المالية، بدلاً من القول إن ما يحدث مجرد اضطراب مؤقت في سوق الخزانة»، في إشارة إلى تدخل «الفيدرالي» عبر شراء السندات لضمان استقرار السوق.

وأضاف: «لكي تكون هناك عملية حقيقية لاكتشاف الأسعار في سوق الخزانة، نحتاج إلى بنك مركزي لا يتدخل».

انتقادات قديمة لسياسات التيسير الكمي

وكان وارش قد انتقد، منذ فترة عمله محافظاً في «الاحتياطي الفيدرالي» قبل أكثر من عقد، الطريقة التي وسع بها البنك المركزي ميزانيته العمومية خلال الأزمات، وحتى خلال فترات الضغوط في أسواق تمويل البنوك، من دون إرشادات واضحة بشأن نوعية الأوراق المالية التي ينبغي شراؤها أو كمياتها أو خطة واضحة لتقليص الحيازات لاحقاً.

وبدلاً من ذلك، نمت حيازات «الفيدرالي» وتراجعت عبر مزيج من الأساليب المالية المعقدة، مثل اختبار مقدار السيولة التي يحتاجها النظام المصرفي قبل بدء ارتفاع الفائدة، وردود الفعل الواسعة على أحداث مثل جائحة كوفيد-19 أو أزمة الركود والأزمة المالية بين 2007 و2009.

ويحتفظ «الفيدرالي» حالياً بأصول تبلغ نحو 6.7 تريليون دولار، انخفاضاً من ذروة قاربت 9 تريليونات دولار في 2022، فيما يعاود الحجم الارتفاع ببطء للحفاظ على وفرة الاحتياطيات المصرفية.

ولا يزال هناك غياب لاتفاق واسع بشأن تأثير مشتريات «الفيدرالي» من السندات، المعروفة باسم «التيسير الكمي»، على الاقتصاد.

كيف يستخدم «الفيدرالي» ميزانيته العمومية؟

عادة ما يقتصر قرار السياسة النقدية للبنك المركزي الأميركي على رفع أو خفض سعر فائدة قصير الأجل يؤثر على تكاليف اقتراض المستهلكين والشركات. فارتفاع الفائدة يقلص الإنفاق عندما يرتفع التضخم، بينما يشجع خفضها الإنفاق في أوقات الضعف الاقتصادي.

لكن عندما يصل سعر الفائدة إلى الصفر ولا يعود بالإمكان خفضه أكثر، كما حدث خلال الصدمات الاقتصادية، يمكن لـ«الفيدرالي» استخدام ميزانيته العمومية غير المحدودة نظرياً، أي قدرته على خلق الأموال، للتدخل في الأسواق.

وتخرج الأصول التي يشتريها البنك من النظام المالي وتُستبدل بالسيولة النقدية، ما يساعد على خفض أسعار الفائدة طويلة الأجل بشكل أكبر لتحفيز الإنفاق ودعم النمو.

تعقيدات إضافية

ويتفق صانعو السياسات في «الفيدرالي» وآخرون عموماً على أن هذه الآلية فعالة، ولو بدرجة معينة. لكن إلين ميد، المستشارة السابقة البارزة في «الفيدرالي» وأستاذة الاقتصاد حالياً في جامعة ديوك، قالت: «لقد حان الوقت لنقاش حول كيفية استخدام الميزانية العمومية وفي أي ظروف».

وأضافت: «إنها عملية تستغرق من تسعة إلى اثني عشر شهراً، تشمل مذكرات وإحاطات من الموظفين، ونقاشات داخل اللجان، ثم التوصل إلى اتفاق».

لكن إذا كان الهدف يتمثل في تقليص الحيازات مع إبقاء أسعار الفائدة منخفضة، فقد يتطلب ذلك تنسيقاً أوثق من المعتاد مع وزارة الخزانة الأميركية، التي يمكن لقراراتها بشأن إصدار الديون أن تؤثر على الفائدة مع تقليص «الفيدرالي» حيازاته.

وفي تحليل حديث، قال بيل نيلسون، الموظف السابق في «الفيدرالي» وكبير الاقتصاديين حالياً في معهد السياسات المصرفية، إن استخدام البنك المركزي لتغييرات تنظيمية وغيرها لتقليص ميزانيته بمقدار تريليوني دولار إضافيين، سيعتمد تأثيره على سعر الفائدة بدرجة كبيرة على كيفية تنفيذ ذلك، وعلى رد فعل وزارة الخزانة، إذ قد يتراوح الأثر بين خفض الفائدة بمقدار 0.84 نقطة مئوية أو حتى رفعها.

ولا يرى الجميع أن الميزانية العمومية الضخمة تمثل المشكلة التي يعتقد وارش أنها كذلك.

فقد قال محافظ «الفيدرالي» كريستوفر والر إن أحد الأسباب الرئيسية لضخامة حيازات البنك المركزي من الأصول هو توفير سيولة كافية للبنوك، مضيفاً أن المقترحات الرامية إلى تقليص تلك الحيازات إلى مستوى تضطر فيه المؤسسات المالية للتنافس على الاحتياطيات ستكون «غير فعالة للغاية».

وفي استطلاع حديث أجراه معهد «بروكينغز» لآراء كبار محللي «الفيدرالي» والاقتصاد، قال معظم المشاركين البالغ عددهم 29 إن حجم ميزانية «الاحتياطي الفيدرالي» «لا يشكل حالياً مشكلة للنمو أو الاستقرار المالي للاقتصاد الأميركي».

وبعيداً عن هذه القضايا، قد تجعل ديناميكيات الدين الأوسع المهمة أكثر صعوبة مع تولي وارش المنصب.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ويقدّر مكتب الموازنة في الكونغرس الأميركي عجزاً فيدرالياً يعادل 5.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للسنة المالية 2026، مقارنة بمتوسط يبلغ 3.8 في المائة خلال خمسين عاماً، مع مساهمة ارتفاع تكاليف الفائدة في زيادة العجز.

كما خلصت أبحاث صادرة عن «الاحتياطي الفيدرالي» في سانت لويس إلى أن سندات الخزانة الأميركية وسندات بعض الدول الأخرى «الخالية من المخاطر» بدأت تفقد ميزتها من حيث انخفاض العائد.

ووجدت الدراسة، التي أعدها الاقتصادي ييلي تشين ومستشار السياسات البارز في البنك الإقليمي، إلى جانب الباحث كيفن بلودوورث، أنه مع بدء «الفيدرالي» تقليص ميزانيته في 2022، انخفض «عائد الملاءمة» بنحو 40 نقطة أساس، ما يعني أن الولايات المتحدة اضطرت لدفع عوائد أعلى بهذا المقدار للمستثمرين مقابل اقتراضها.

وسيتعين على وارش إيجاد طريقة لمعادلة هذا التأثير إذا أراد تقليص الحيازات أكثر، أو تفسيره باعتباره تكلفة للعجز الكبير، وهو ما قد يضعه قريباً من نوع «توسع المهام» نحو الشؤون المالية العامة الذي سبق أن انتقده.

وقال جيفري لاكر، الذي أدار «الاحتياطي الفيدرالي» في ريتشموند خلال فترة عمل وارش محافظاً في «الفيدرالي»، إن تعليقات وارش بشأن الميزانية العمومية «تلقى صدى قوياً» لدى من يرغبون في نمط أكثر تحفظاً للبنوك المركزية، لكنه أشار إلى أن ذلك «سيتطلب انضباطاً يتجاوز مكاتب (الفيدرالي) نفسها».

وأضاف: «أعتقد أن تراجع (الفيدرالي) عن الأدوار التي تشبه إدارة الدين سيوضح توقعات المشاركين في السوق، وسيساعد في جعل سوق الخزانة أكثر مرونة».

وتابع أن ذلك سيساعد أيضاً «في العملية العامة التي تضطر فيها وزارة الخزانة في النهاية إلى مواجهة الواقع».