الدولة اللبنانية أمام امتحان إقفال جمعية «القرض الحسن»

«الداخلية» لم تمنحها الإفادة السنوية هذا العام

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
TT

الدولة اللبنانية أمام امتحان إقفال جمعية «القرض الحسن»

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

يتجدد السجال حول ملفّ جمعية «القرض الحسن» التي يملكها «حزب الله»، جرّاء ارتفاع الأصوات التي تطالب وزارة الداخلية اللبنانية بسحب العلم والخبر (الترخيص) الممنوح لها منذ عام 1987 بوصفها جمعية خيرية، التي حوّلها الحزب في السنوات الأخيرة إلى مؤسسة مالية تعمل من خارج النظام المصرفي، وبما يخالف قانون النقد والتسليف.

ويرجّح أن تؤدي هذه الخطوة إلى تعميق الخلاف ما بين الدولة و«حزب الله» بالنظر إلى الدور الذي تؤديه هذه الجمعية داخل البيئة الحاضنة للحزب. ورأى مصدر رسمي مطلع أنه «على الرغم من أن الجمعيات تحصل على العلم والخبر من وزارة الداخلية، فإنه ولطبيعة عمل جمعية القرض الحسن المالي فإن وزارة الداخلية لم تتلقَ حتى تاريخه أي مستند من مصرف لبنان أو من أي جهة قضائية أو مالية مختصة لتبني عليه».

مواطن يتفقد موقع «القرض الحسن» في صور بعد استهدافه بغارة إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن المديرية العامة للشؤون السياسية واللاجئين في وزارة الداخلية «لم تمنح الجمعية الإفادة السنوية المطلوبة عن عام 2026، وهي التي تفيد بأن وضعها سليم». لكن اللافت في كلام المصدر الرسمي المطلع، إشارته إلى أن «النظام الداخلي لجمعية القرض الحسن الذي حصلت على العلم والخبر على أساسه من وزارة الداخلية في عام 1987 يتيح لها إعطاء قروض من دون فوائد».

مصرف خاص بـ«حزب الله»

وتحوّلت جمعية «القرض الحسن» منذ عقدين إلى مصرف مالي خاص بـ«حزب الله»، تتولى تقديم خدمات الإيداع والقروض والتحويلات ضمن البيئة خاصة به، بعيداً عن رقابة مصرف لبنان والأنظمة المصرفية التقليدية، وذلك للتملّص من العقوبات التي تفرضها وزارة الخزانة الأميركية على الحزب ومسؤوليه، وكلّ المؤسسات التجارية والأثرياء الذين يشتبه بأنهم يمولون الحزب ونشاطاته.

والتزم مصرف لبنان المركزي بتطبيق مقتضيات العقوبات الأميركية المفروضة على «القرض الحسن»، ومنع المصارف التجارية وكل المؤسسات المالية بمن فيهم الصرافون من التعامل مع هذه المؤسسة تفادياً لأي عقوبات تطالها.

مصرف لبنان المركزي (رويترز)

وأوضح مصدر مسؤول في مصرف لبنان لـ«الشرق الأوسط» أن البنك المركزي «ليس لديه سلطة على جمعية (القرض الحسن) لأنها لا تعمل تحت رقابة البنك المركزي، بخلاف كل المصارف التجارية والمؤسسات المالية التي تخضع لقانون النقد والتسليف»، مشيراً أن حاكم مصرف لبنان «سبق وأرسل تعاميم إلى المصارف اللبنانية وكل المؤسسات المالية المرخصة، حذّرهم فيها من التعامل مع هذه المؤسسة لأنها تعمل في إطار مالي غير مرخص». وكشف المصدر عن أن المصرف «أرسل سابقاً كتاباً إلى وزارة الداخلية طلب منها اتخاذ الإجراءات المناسبة بحق جمعية (القرض الحسن) لأنها تمارس أعمالاً مالية مخالفة للتصريح الذي حصلت عليه».

تداعيات سياسية وأمنية

ويخشى متابعون لهذا الملفّ من أن يسفر سحب الترخيص من الجمعية عن تداعيات سياسية ومالية واجتماعية وحتى أمنية، نظراً لارتباط هذا الملف مباشرة بالبنية المالية والاجتماعية للحزب، الذي ينظر إلى الضغوط المتزايدة على هذه المؤسسة، على أنها امتداد لمسار العقوبات والحصار المالي المفروض عليه وعلى بيئته منذ سنوات، فيما تطالب جهات سياسية على خصومة مع الحزب الدولة بـ«تطبيق القوانين على جميع المؤسسات من دون استثناء».

أحد مباني «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

ويضع هؤلاء علامات استفهام حول تجاهل نشاط مالي بهذا الحجم تمارسه «القرض الحسن» خارج المنظومة المصرفية الرسمية، ويعتبرون أن استمرار هذا الواقع يضعف سلطة المؤسسات الشرعية ويؤسس لاقتصاد موازٍ يتجاوز القوانين والرقابة المالية المعمول بها.

ويرى الناشط السياسي المحامي مجد حرب أن «جمعية القرض الحسن» فقدت دورها والمهمة التي أُنشئت من أجلها هي العمل الخيري. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «تقدم بأربع ادعاءات أمام النيابة العامة المالية يُبلّغ فيها عن نشاطات القرض الحسن المالية غير المشروعة لكنها لم تحرّك ساكناً، ولم تتخذ أي إجراء بحقها».

ويتهم حرب القضاء بـ«التقصير الجدّي حيال الملاحقات التي يُفترض أن تبدأ بحق هذه الجمعية، وهو ما يضع القضاء أمام موقف حرج». ويؤكد أن «قانون الجمعيات واضح، إذ يلزم وزارة الداخلية بإقفال أي جمعية أو مؤسسة، تقوم بأعمال تخالف الترخيص الممنوح لها وهذا ما ينطبق على (القرض الحسن)، الذي تحول إلى مصرف مالي يعمل بخلاف القانون».

وعمّا كشف عنه المصدر الرسمي لجهة أن العلم والخبر الممنوح للمؤسسة يجيز لها إعطاء قروض من دون فائدة، اعتبر حرب أن هذا الكلام «مستغرب يكرّس ازدواجية داخل الدولة»، داعياً القضاء إلى «ممارسة مسؤولياته كاملة وإجراء تحقيق قانوني وشفّاف لتبيان ما إذا كانت المؤسسة قد ارتكبت مخالفات تستوجب الملاحقة أم لا».


مقالات ذات صلة

المنطقة التجريبية تختبر التزام «حزب الله» بالتراجع من جنوب الليطاني

المشرق العربي جنود إسرائيليون على متن آلية مدرعة في منطقة المطلة على الحدود مع لبنان (أرشيفية - رويترز)

المنطقة التجريبية تختبر التزام «حزب الله» بالتراجع من جنوب الليطاني

استقر مقترح تحديد المنطقة التجريبية في جنوب لبنان على ست قرى، تخضع أطراف إحداها لاحتلال إسرائيلي والأخرى في جنوب الليطاني

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مقر السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ب)

مفاوضات روما تتقدم نحو التنفيذ... وعون يتمسك بـ«اتفاق الإطار»

اختُتمت الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة في روما، الأربعاء، على وقع مؤشرات إلى إحراز تقدم.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي وصول موكب سيارات إلى السفارة الأميركية في روما باليوم الأول من محادثات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي 14 يوليو الحالي (أ.ف.ب) p-circle

اتفاق بين لبنان وإسرائيل على بدء تطبيق المناطق التجريبية خلال أيام

اتفق لبنان وإسرائيل، خلال جولة محادثات جديدة في روما اختتمت الأربعاء، على استكمال هيكلية مناطق تجريبية والبدء بتنفيذها خلال أيام.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية بالتزامن مع فعاليات تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في إيران (إ.ب.أ)

هل يطلق «حزب الله» اللبناني حرب إسناد جديدة لإيران؟

يخشى اللبنانيون مع تدهور الأوضاع في المنطقة وترنح التفاهمات الأميركية - الإيرانية أن يلجأ حزب الله مجدداً لإعلان جولة حرب جديدة

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي خلال وصول أحد الوفود إلى مقر السفارة الأميركية في روما حيث تعقد المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ف.ب)

أولويات الانسحابات من جنوب لبنان تُعقّد مفاوضات روما

تعقدت المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في يومها الأول في روما، بعدما برز خلاف حول أولويات تنفيذ الانسحابات من جنوب لبنان ضمن آلية «المناطق التجريبية».

كارولين عاكوم (بيروت) يوسف دياب (بيروت)

مفاوضات «مثمرة» بين لبنان وإسرائيل

جنود إسرائيليون يقفون أمام أحد المنازل المتضررة في جنوب لبنان (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون أمام أحد المنازل المتضررة في جنوب لبنان (رويترز)
TT

مفاوضات «مثمرة» بين لبنان وإسرائيل

جنود إسرائيليون يقفون أمام أحد المنازل المتضررة في جنوب لبنان (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون أمام أحد المنازل المتضررة في جنوب لبنان (رويترز)

اختتمت الجولة السادسة من مفاوضات لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في العاصمة الإيطالية روما، بنتائج مثمرة، تمثلت في مناقشة آليات تنفيذ «اتفاق الإطار»، لا سيما ما يتعلق بالمرحلة الأولى والانسحاب الإسرائيلي من «المناطق التجريبية»، وسط توقعات بأن يبدأ التنفيذ خلال أيام.

ووصفت السفارة الأميركية في بيروت، محادثات روما بـ«المثمرة والإيجابية»، معلنةً «أن المشاركين اتفقوا على هيكلية وإرشادات عمل المنطقة التجريبية، على أن تُستكمل الإجراءات النهائية ويبدأ تنفيذها خلال الأيام المقبلة». وأضافت أن «المرحلة المقبلة ستشهد انطلاق محادثات فنية موسعة تُركز على تنفيذ جميع بنود الإطار الثلاثي؛ بهدف التوصل إلى اتفاق شامل بين لبنان وإسرائيل». وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب: «سيكون جيداً أن تقوم إسرائيل بإعادة انتشار في لبنان للتركيز على القضية الكبرى وهي إيران».

ويختبر نجاح المنطقة التجريبية، التزام «حزب الله» تراجع مقاتليه من جنوب الليطاني إلى شماله؛ إذ تتضمن هذه المنطقة ست بلدات إحداها محتلة، والأخرى تخضع لسيطرة نارية إسرائيلية، وتقع أربع من تلك البلدات الست، في منطقة جنوب الليطاني.


العراق: سجال بشأن سؤال ترمب عن سليماني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض الثلاثاء (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض الثلاثاء (أ.ب)
TT

العراق: سجال بشأن سؤال ترمب عن سليماني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض الثلاثاء (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض الثلاثاء (أ.ب)

تفجر سجال في العراق، أمس (الأربعاء)، على خلفية سؤال وجهه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، خلال لقائهما في واشنطن، عن اغتيال قائد «فيلق القدس» الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس «الحشد الشعبي» السابق أبو مهدي المهندس.

وأشاد ترمب بالزيدي قبل أن يتباهى بالاغتيال، سائلاً إن كان قد أسدى إلى العراق معروفاً حين أمر بتنفيذ العملية في يناير (كانون الثاني) 2020، ليرد الزيدي بأنه لم يكن منخرطاً في السياسة حينها، وأن زيارته مخصصة للمستقبل.

وعدّ مراقبون الرد دبلوماسياً جنّبه الحرج مع أطراف عديدة، بينما انتقدت عائلة المهندس «محاولة هروب الزيدي من ماضي بلاده مع الولايات المتحدة»، محذرةً «ممّا يُطرح حول ضرورة تفكيك المقاومة وتسليم السلاح».

كما هاجم أمين «حركة النجباء»، أكرم الكعبي، تصريحات ترمب التي قال إنها «نالت من سليماني والمهندس»، واصفاً إياهما بـ«رمزَي المقاومة».


إسقاط مسيّرة ⁠قرب ⁠القنصلية الأميركية في أربيل بالعراق

مشهد عام لساحة في مدينة أربيل (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام لساحة في مدينة أربيل (أرشيفية - رويترز)
TT

إسقاط مسيّرة ⁠قرب ⁠القنصلية الأميركية في أربيل بالعراق

مشهد عام لساحة في مدينة أربيل (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام لساحة في مدينة أربيل (أرشيفية - رويترز)

​قالت مصادر أمنية ‌لوكالة «رويترز» للأنباء، ‌اليوم الأربعاء، ​إن ‌الدفاعات ⁠الجوية ​أسقطت طائرة ⁠مسيّرة ⁠محملة ‌بمتفجرات ‌فوق مدينة ​أربيل ‌بالعراق.

وأضافت المصادر ‌أن ‌الطائرة المسيَّرة سقطت ⁠قرب ⁠القنصلية الأميركية في المدينة.

بدورها، أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية» بسماع دوي انفجارات قرب القنصلية الأميركية في أربيل مركز إقليم كردستان في شمال العراق.

وأشارت الوكالة إلى تفعيل الدفاعات الجوية في محيط القنصلية التي سبق أن تعرضت لهجمات عدة بالصواريخ والطائرات المسيّرة خلال الحرب في الشرق الأوسط التي بدأت بهجوم أميركي - إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وشوهدت طائرات مسيّرة تحلق فوق أربيل قبل أن تصيبها الدفاعات الجوية، وسط دوي انفجارات وتصاعد الدخان.

ولم تعلن أي جهة على الفور مسؤوليتها عن هذه الهجمات التي تتزامن مع زيارة رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، إلى واشنطن، حيث التقى، الثلاثاء، الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وتعرض إقليم كردستان العراق، حيث تتمركز قوات أميركية، للاستهداف منذ بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران. وقد كانت فصائل مسلحة عراقية موالية لإيران مسؤولة عن معظم تلك الهجمات.

واستهدفت تلك الفصائل المنشآت الأميركية في العراق أكثر من 600 مرة. كما شنت إيران ضربات على متمردين أكراد إيرانيين يتمركزون في الإقليم، وذلك خلال فترة الصراع المفتوح وحتى بعد دخول وقف هش لإطلاق النار حيز التنفيذ في أبريل (نيسان).