بينهم مصريون... أوكار لتعذيب «المهاجرين» و«التخلص من جثثهم» في أجدابيا الليبية

الشرطة تعثر على جوازات سفر 9 ضحايا وتضبط ورشة لتصنيع قوارب التهريب

عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)
عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)
TT

بينهم مصريون... أوكار لتعذيب «المهاجرين» و«التخلص من جثثهم» في أجدابيا الليبية

عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)
عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)

كشف العثور على ثلاث جثث ملقاة على شاطئ البحر بمنطقة قريبة من مدينة أجدابيا، الواقعة شرق ليبيا، مأساة جديدة يتعرض لها المهاجرون غير النظاميين، تتمثل في احتجازهم داخل أوكار، وإخضاعهم للتعذيب والتجويع قبيل تهريبهم إلى أوروبا عبر البحر، أو «التخلص منهم».

قارب خشبي قيد التجهيز داخل مصنع عثر عليه في أجدابيا (مديرية أمن أجدابيا)

وبدأت القصة بحسب رواية مديرية أمن أجدابيا، مساء الاثنين، بتلقي بلاغ من «اللواء 166 مشاة» التابع لـ«الجيش الوطني»، حول وجود ثلاث جثث ملقاة على شاطئ البحر بمنطقة بشر القريبة من أجدابيا، بجوار قارب قذفه البحر على الشاطئ. وقالت المديرية إن اللواء امبارك بوحرارة، مدير المديرية، كلّف قوة أمنية انتقلت إلى مكان الواقعة، «ليعثروا بالفعل على ثلاث جثث لأشخاص فارقوا الحياة في ظروف مأساوية، إضافة إلى قارب مرمي على الشاطئ؛ وبتفتيشه عُثر بداخله على 9 جوازات سفر، أربعة منها تعود لأشخاص من بنغلاديش، وخمسة لمواطنين مصريين».

وأمام هذه المعلومات، كلّفت مديرية الأمن قسم التحريات العامة بها بتسلم ملف القضية، والتعاون مع مركز شرطة منطقة بشر لكشف ملابسات الواقعة، وتحديد المسؤولين عن «هذه الجريمة البشعة».

احتجاز وتعذيب

تقول المديرية إنه مع بداية عمليات التحري وتفعيل الدوريات الأمنية، «تم الاشتباه في شخص يتجول بمنطقة بشر، وقد بدا مرهقاً، فتم توقيفه واقتياده إلى مقر المركز، وبالاستدلال معه تبين أنه مصري الجنسية، تمكن من الهروب من أحد أوكار احتجاز المهاجرين غير الشرعيين بمنطقة بشر».

وذهبت المديرية إلى أن المواطن المصري «أدلى بإفادات صادمة»، تبين منها أنه «كان محتجزاً مع عدد من المصريين، وآخرين من جنسيات أخرى مختلفة داخل وكر يُستخدم لتعذيب المهاجرين وابتزاز ذويهم من أجل الحصول على الأموال».

وعادة ما يتعرض المهاجرون الراغبون في الهجرة إلى أوروبا للخطف في ليبيا، والتعذيب على يد عصابات الاتجار بالبشر، ومساومة أسرهم على الأموال مقابل إطلاق سراحهم، أو القتل في حال عدم حصولهم على «الفدية» المطلوبة.

ورصدت الأمم المتحدة في تقرير نشرته في 17 فبراير (شباط) الماضي، إخضاع المهاجرين واللاجئين، وطالبي اللجوء في ليبيا «لانتهاكات وتجاوزات ممنهجة وقاسية لحقوق الإنسان، تشمل القتل والتعذيب والعنف الجنسي والاتجار بالبشر».

ثلاث جثث

بعض ما رصدته الأمم المتحدة تجسّد في الأوكار التي كُشف عنها في أجدابيا؛ حيث قالت المديرية إن المواطن المصري نجح في التعرف على هوية الجثث الثلاث، مؤكداً أن «اثنين منهم من الجنسية البنغلاديشية والثالث مصري»، وأنهم كانوا ضمن المجموعة ذاتها المحتجزة داخل الوكر الإجرامي، كما تعرف أيضاً على جوازات السفر التي عُثر عليها في القارب.

16 مصرياً بينهم طفل قبيل ترحيلهم من شرق طرابلس اليوم الثلاثاء (جهاز مكافحة الهجرة)

وقال مصدر أمني في شرق ليبيا لـ«الشرق الأوسط» إن «كثيراً من مافيا الاتجار بالبشر تتخلص من ضحاياها، بعد تعذيبهم وتجويعهم إذا لم تحصل على الأموال المطلوبة من أسرهم»، مشيراً إلى أن «عديداً من التشكيلات الإجرامية سبق وتطورت في جرائم من هذه النوعية».

وكانت الأجهزة الأمنية قد فككت، العام الماضي، لغز العثور على 19 جثة كانت مدفونة في «3 مقابر جماعية» داخل مزرعة بمنطقة إجخرة، الواقعة جنوب شرقي ليبيا، والخاضعة لنفوذ بعض مهربي البشر، وتبين حينها أن المزرعة كانت تستعملها شبكة للاتجار بالبشر.

وعلى إثر فاجعة أجدابيا، قالت المديرية إنه تم تشكيل فريق عمل للتحري وجمع المعلومات حول هذه الواقعة، والأماكن المستخدمة في احتجاز المهاجرين غير النظاميين، مشيرة إلى أن «التحريات كشفت عن وجود تشكيل عصابي إجرامي خطير، يضم عناصر من ذوي السوابق في قضايا الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر».

«تحرير 120 مهاجراً»

وأوضحت المديرية أنه بعد عمل متواصل استمر قرابة أسبوعين، تمكنت الفرق الأمنية من «تحرير 120 مهاجراً غير نظامي من جنسيات مختلفة، رجالاً ونساءً، كانوا محتجزين في أماكن ومواقع مختلفة». كما تم «تحديد مواقع عدة تُستخدم كأوكار لإيواء وتعذيب المهاجرين؛ إلى جانب مواقع لتصنيع القوارب المستخدمة في عمليات التهريب»، منوهة إلى أنها ضبطت 6 قوارب تستخدم في تهريب المهاجرين عبر البحر المتوسط، منها 3 تحت التصنيع. كما لفتت إلى أن المداهمات «كشفت عن وجود مصنع متكامل داخل وكر إجرامي في مدينة أجدابيا، يُستخدم في تصنيع قوارب التهريب، مجهز بآلات النجارة والمعدات والمواد الخام اللازمة لبناء القوارب محلية الصنع».

جوازات سفر لمواطنين من مصر وبنغلاديش تم العثور عليها في قارب قذفته الأمواج إلى الشاطئ قرب أجدابيا (مديرية أمن أجدابيا)

ويعتبر التقرير الأممي أن المهاجرين «يتعرضون لانتهاكات وتجاوزات مروعة بشكل روتيني في ليبيا؛ بما في ذلك الاستعباد والتعذيب والتشغيل القسري، والإجبار على ممارسة الدعارة، وغيرها من أشكال العنف الجنسي، والابتزاز مقابل فدية. فضلاً عن مصادرة ممتلكاتهم ووثائقهم الثبوتية وإعادة بيعها».

وأمام هذه الجرائم التي توصّلت إليها مديرية أمن أجدابيا، أصدرت أوامر ضبط وإحضار بحق عناصر التشكيل العصابي الفارين، وترحيل من تم ضبطهم، وعرض الجثث على الطبيب الشرعي.

لكن بين محطات رحلة الهروب إلى ليبيا بهدف الوصول إلى أوروبا يسقط أشخاص في قبضة عصابات، ويفلت آخرون، بينما يظل هناك مفقودون بالمئات، تظل أسرهم تبحث عنهم ويقعون هم الآخرين ضحايا عمليات ابتزاز من «أطراف مجهولة».

وجرائم خطف المهاجرين وتعذيبهم وطلب «الفدية» لا تختلف في غرب ليبيا عن شرقها، فقد قال جهاز المباحث الجنائية إنه «فكك شبكة إجرامية لتهريب المهاجرين عبر البحر، والاتجار بالبشر في العاصمة الليبية طرابلس».

وأوضح الجهاز، مساء الاثنين، أنه «تمكن عقب تنفيذ عملية أمنية دقيقة استهدفت أوكار عناصر الشبكة داخل نطاق مدينة طرابلس»، لافتاً إلى أن ذلك يأتي في إطار التعاون الأمني المشترك، والتنسيق المستمر بين الإدارة العامة للدعم المركزي ومديرية أمن طرابلس.

وتعمل ليبيا على التوسع في ترحيل المهاجرين غير النظاميين عبر برنامج «العودة الطوعية» الذي ترعاه المنظمة الدولية للهجرة. وفي هذا الإطار، قال جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية بشرق طرابلس، الثلاثاء، إنه رحّل 16 مهاجراً من الجنسية المصرية، كانوا من ضمن نزلاء مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين شرق طرابلس، وذلك عبر مطار معيتيقة الدولي.


مقالات ذات صلة

منصة «هاتف الإنذار» تبلغ عن فقدان 244 مهاجراً في البحر المتوسط

أوروبا خفر السواحل التونسي يحاول إيقاف بعض المهاجرين في البحر أثناء محاولتهم العبور إلى إيطاليا (أرشيفية - رويترز)

منصة «هاتف الإنذار» تبلغ عن فقدان 244 مهاجراً في البحر المتوسط

أبلغت منصة «هاتف الإنذار» عن فقدان 244 مهاجراً في البحر الأبيض المتوسط خلال 24 ساعة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة في يوليو الماضي (إ.ب.أ)

البرلمان الأوروبي يحض إسبانيا والمغرب على تسريع ترحيل مهاجري سبتة

أقرّ البرلمان الأوروبي، اليوم الخميس، نصّاً تقدّمت به قوى اليمين بدعم من اليمين المتطرف، يدعو إسبانيا والمغرب إلى تسريع إجراءات ترحيل المهاجرين الذين دخلوا سبتة

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ (فرنسا))
أوروبا الشرطة البحرية الفرنسية تساعد في إنقاذ مهاجرين غرق قاربهم أثناء محاولته عبور المانش (الشرطة البحرية الفرنسية - أ.ف.ب)

منظمة: تراجع الهجرة بحراً إلى أوروبا لكنها أصبحت أكثر إزهاقاً للأرواح

قالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة اليوم الخميس إن أعداد المهاجرين واللاجئين الوافدين إلى أوروبا عن طريق البحر انخفضت بأكثر من الثلث.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا مهاجرون أفارقة يتلقون الإسعافات من خفر السواحل الليبي (خفر السواحل الليبي)

المهاجرون الإريتريون في سجون ليبيا... تعذيب وتجويع واغتصاب

وجد مهاجرون إريتريون كانوا يأملون في الوصول إلى أوروبا، أنفسهم محتجزين في سجن بشرق ليبيا تحت رحمة سجّانين يطالبون عائلاتهم بدفع مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهم.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا مهاجرون اضطروا لدفع 30 يورو يومياً مقابل النوم على الأرض في مرائب «تفتقر إلى الظروف الملائمة» (رويترز)

إسبانيا توقف شخصين يشتبه في استغلالهما مهاجرين في سبتة

أعلنت الشرطة الإسبانية، اليوم الأربعاء، توقيف شخصين يُشتبه في استغلالهما مهاجرين في جيب سبتة شمال المغرب.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

قطاع الصحة في السودان للنهوض من تحت الأنقاض


العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)
العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الصحة في السودان للنهوض من تحت الأنقاض


العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)
العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)

بدأت مستشفيات كبرى في الخرطوم تستعيد نشاطها تدريجياً مع عودة السكان وانحسار المعارك عن أجزاء واسعة من العاصمة السودانية، فيما لا تزال الصورة أكثر قتامة في دارفور وكردفان ومناطق أخرى. وبينما يسعى قطاع الصحة للنهوض بصعوبة من تحت الأنقاض، لا يزال القتال ونقص التمويل وصعوبة الوصول للمرافق الصحية تحرم قطاعات واسعة من السكان من الرعاية الطبية الأساسية.

وتشير بيانات «منظمة الصحة العالمية» إلى أن نحو 37 في المائة من المرافق الصحية في السودان خارج الخدمة، فيما يحتاج نحو 21 مليون شخص إلى خدمات طبية، وسط نقص الأدوية وارتفاع تكلفة الوصول إلى العلاج سواء من المُكمّلات الغذائية أو حتى أدوية الأمراض المزمنة كالسرطان.

ويبدو أنه أُعيد ترميم بعض المباني والأقسام في مشافٍ مرجعية في العاصمة، إلا أن ذلك لا يعني ضمان توفير الرعاية والخدمة الصحية.


26 قتيلاً في أعمال عنف عرقية في منطقة متنازع عليها بين السودان وجنوب السودان

مدينة أبيي الحدودية الغنية بالنفط بين السودان وجمهورية جنوب السودان (رويترز)
مدينة أبيي الحدودية الغنية بالنفط بين السودان وجمهورية جنوب السودان (رويترز)
TT

26 قتيلاً في أعمال عنف عرقية في منطقة متنازع عليها بين السودان وجنوب السودان

مدينة أبيي الحدودية الغنية بالنفط بين السودان وجمهورية جنوب السودان (رويترز)
مدينة أبيي الحدودية الغنية بالنفط بين السودان وجمهورية جنوب السودان (رويترز)

قُتل 26 شخصاً وجُرح 82 آخرون في أعمال عنف عرقية وقعت في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، وفق ما أفادت قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في المنطقة الخميس.

وغالباً ما تشهد أبيي اشتباكات مسلحة بين قوات سودانية وأخرى جنوب سودانية، علماً بأن المنطقة متنازع عليها منذ استقلال جنوب السودان في العام 2011.

وقالت قوة الأمم المتحدة الأمنية الموقتة لأبيي إن أعمال العنف التي وقعت الثلاثاء في سوق أمييت المشتركة، جاءت عقب مقتل رجل من قبيلة دينكا نقوك ورجل من قبيلة المسيرية في الشهر الجاري في واقعتين منفصلتين «ما أدى إلى تصاعد التوتر بين المجموعتين».

عناصر قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لمنطقة آبيي الحدودية (الأمم المتحدة)

وقال اللفتنانت جنرال في قوة الأمم المتحدة الأمنية الموقتة لأبيي غانيش كومار شريشتا: «نُجري اتصالات مكثّفة مع قادة المجموعتين الذين جدّدوا التزامهم الحوار والتوصل إلى تسوية سلمية للأعمال العدائية».

وأضاف: «تتمثل أولويتنا في منع سقوط مزيد من الضحايا. ونحضّ جميع قادة المجتمعات المحلية على تغليب الحوار وتعزيز التعايش السلمي». وأوضح البيان أن القوة الأممية عززت انتشارها في السوق ومحيطها.

وتتألف قوة الأمم المتحدة الأمنية الموقتة لأبيي من ثلاثة آلاف شرطي وجندي مكلّفين حماية المدنيين.


ما هي أجندة المؤتمر الوطني المصري المرتقب؟

جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
TT

ما هي أجندة المؤتمر الوطني المصري المرتقب؟

جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأسبوعي الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

في وقت أكد فيه رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بدء استعدادات الحكومة لتنظيم مؤتمر وطني، دعا إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي لمصارحة الرأي العام بإنجازات وتحديات الحكومة، توقعت دوائر قريبة من الحكومة المصرية في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن يكون الملف الاقتصادي على رأس أولويات المؤتمر، إلى جانب تقديم كشف حساب بما قدمته الحكومة في مجال تحسين الخدمات المختلفة.

وأعلن مدبولي خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة، الأربعاء، بدء استعدادات الحكومة لتنظيم المؤتمر الذي دعا إليه الرئيس، والمقرر عقده الشهر المقبل، مشيراً إلى أن فلسفة المؤتمر تتبلور في الرد على استفسارات وتساؤلات الرأي العام إزاء مختلف القضايا والملفات، وشرح ما تم إنجازه خلال الفترة الماضية.

وشدد مدبولي على أن حكومته سوف تسلط الضوء على التحديات التي تواجهها في المرحلة الحالية، مع توضيح الرؤية المستقبلية حيال مختلف القضايا والملفات، مؤكداً أن هدف الحكومة هو «إشراك الجميع في كل خطوة نخطوها من أجل بلدنا، ولصالح أبناء الوطن».

مدبولي يؤكد بدء الاستعداد لمؤتمر يهدف إلى مصارحة الرأي العام بشأن جهود الحكومة (مجلس الوزراء المصري)

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجّه، خلال احتفال بمناسبة «المولد النبوي» الشهر الماضي، الحكومة بإعداد تقرير شامل عن الإنجازات الفعلية، التي تحققت في مختلف قطاعات الدولة خلال السنوات الماضية، وعرضه على المواطنين خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وطالب السيسي بأن يتضمن التقرير حجم الجهود التي بذلتها الدولة، والأموال التي تم إنفاقها، والنتائج التي تحققت على أرض الواقع، ودعا إلى تناول مختلف الملفات والمشروعات والتحديات خلال مؤتمر موسع، بمشاركة الحكومة والمفكرين والمتخصصين، وأساتذة الجامعات والمهتمين بالشأن المصري.

في هذا السياق، كشف المتحدث باسم حزب «حماة الوطن» الدكتور عمرو سليمان، أنه من المتوقع أن يسلط المؤتمر الحكومي الضوء على الخطوات التنموية المهمة، ومشروعات البنية التحتية التي تم تنفيذها، وكذلك المشروعات التي هدفت إلى تحسين جودة الحياة، وفي مقدمتها مشروع «حياة كريمة» في الريف المصري، والإجابة عن تساؤل «كيف كنا؟ وأين أصبحنا؟» بشأن الإجراءات الحكومية في مجال التنمية.

وأوضح سليمان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة أقدمت على مشروعات مهمة، مثل «تحسين جودة الطرق، ومشروع إصلاح الترع الذي ساهم في مرور المياه بسلاسة إلى قرى ومناطق كانت تعاني شحاً في المياه»، مشيراً إلى أن بعض هذه المشاريع واجهت انتقادات، وأنه سيتوجب على الحكومة الرد عليها.

من جهته، يرى رئيس الهيئة البرلمانية لحزب «الجبهة الوطنية» النائب سليمان وهدان، أن الملف الاقتصادي وتداعياته على الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم، سيكون على رأس القضايا التي سوف تبرز فيها الحكومة جهودها، لكن سيكون عليها الإجابة أيضاً عن تساؤلات ترتبط بكيفية إدارة هذا الملف الذي ينعكس على حياة المواطن، من خلال الخدمات المقدمة له وجودتها في ظل شكاوى عديدة من تلك الخدمات.

وأوضح وهدان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن لدى الحكومة مشروعات في مجال الصحة مثلاً، وتظل أمام اختبار إنجاح منظومة «التأمين الصحي الشامل» الذي يبدأ تطبيقه لأول مرة في محافظة المنيا (جنوباً)، ذات الكثافة السكانية المرتفعة، إلى جانب جهود إحداث تحول في ملف التعليم، مع ربط المنظومة التعليمية بالتكنولوجيا.

وتواجه الحكومة المصرية انتقادات شعبية وبرلمانية بسبب السياسات الاقتصادية، التي يترتب عليها تراجع الدعم الحكومي المقدم للخدمات، وتبنّي سياسة يتم فيها تحرير الاقتصاد على نحو أكبر، كما تواجه انتقادات بشأن استمرار الغلاء، وضعف الرقابة على الأسواق، رغم المؤشرات التي تؤكد تراجع معدلات التضخم، الذي تباطأ في مدن مصر إلى 14.5 في المائة خلال أغسطس (آب) الماضي.

رئيس الوزراء المصري خلال متابعة تنفيذ بعض المشروعات التنموية (مجلس الوزراء المصري)

بدوره، أوضح النائب البرلماني والإعلامي مصطفى بكري، أن المؤتمر لن يكون مخصصاً للحديث عن الإنجازات، ولكن سوف يكون التركيز على «ماذا حدث؟ وكيف نتفادى الأخطاء؟»، وخاصة أن رئيس الوزراء اعترف بذلك مؤخراً. وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن المؤتمر «فرصة لتقييم حقيقي للإيجابيات والسلبيات، ليس من أجل الإدانة، ولكن لكي يكون هناك برنامج عمل صحيح يمكن خلاله تحسين الأوضاع ومحاسبة من أخطأ».

وكان مدبولي قد أكد خلال اجتماع حكومي عُقد في 3 سبتمبر (أيلول) الحالي، أن المؤتمر «لن يهدف للحديث عن أرقام، ولكن توثيق ما شهدته الدولة المصرية خلال الفترة الماضية، والرد على ما وُجّه من تحفظات أو انتقادات في كل المجالات خلال تلك الفترة».

في سياق ذلك، لمّح مدبولي إلى أخطاء في التقدير بشأن بعض المشروعات، قائلاً: «هناك بعض المشروعات والقضايا التي كان من الممكن تناولها بطريقة مختلفة»، بحسب تعبيره.

وبحسب عمرو سليمان، فإن الحكومة ستكون مطالبة بإعلام الرأي العام وإخباره كيف تعاملت مع التحديات، في وقت كان فيه الجميع يتفق على أن هناك أزمات تحدث في دول مجاورة للتأثير على مصر، وضرب مثالاً بما يجري في السودان وليبيا.

ولفت المتحدث باسم مجلس الوزراء المصري المستشار محمد عادل، في تصريحات متلفزة، مساء الأربعاء، إلى أن «الهدف من المؤتمر هو شرح كيفية اتخاذ الدولة القرارات، التي تم اتخاذها خلال السنوات الماضية، وما تم تحقيقه وإنجازه، والتحديات القائمة، ورؤية الحكومة للسنوات القادمة»، مشيراً إلى أن هناك قضايا ذات أولوية لدى الرأي العام، إلى جانب تساؤلات ترد إلى الحكومة من المواطنين والنواب، وكذلك ردود الفعل التي يتم رصدها في الشارع، ومؤكداً أن المؤتمر «سيكون المنصة الأساسية للحوار».

في المقابل، يخشى أستاذ العلوم السياسية في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الدكتور حسن سلامة، من أن يكون المؤتمر مثل «الحوار الوطني» الذي انتهى بمخرجات في ملفات عديدة، لكن جزءاً كبيراً منها لم يجد سبيلاً للتنفيذ، وقال إن «المواطنين ينتظرون الحديث عن أثر ملموس لما تقوم به الحكومة، وليس الاستماع لأرقام لن يفهموها».

وأضاف سلامة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كان هدف المؤتمر تقديم كشف حساب قبل رحيل الحكومة، فمن الصعب التعويل عليه، لكن إذا كان هدفه المصارحة والمكاشفة بهدف التطوير وتحسين الأداء، ففي هذه الحالة يمكن أن يحقق نتائج جيدة»، مشدداً على ضرورة إطلاع المواطنين بشكل مستمر على خطوات الإعداد للمؤتمر.