«قوارب الموت» في ليبيا... إخفاق أمني أمام تمدُّد «شبكات التهريب»

إنقاذ 68 «مهاجراً» من الغرق قبالة طبرق في آخر عملية

مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)
مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)
TT

«قوارب الموت» في ليبيا... إخفاق أمني أمام تمدُّد «شبكات التهريب»

مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)
مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)

يزداد بشكل ملحوظ إبلاغ أُسَر من دول عربية وأفريقية عدة عن فقد أبنائها خلال تنفيذ عمليات هجرة غير نظامية من ليبيا إلى أوروبا، في وقت تعلن فيه الأجهزة الأمنية بشرق البلاد وغربها عن إنقاذ عشرات الأشخاص من الغرق في البحر المتوسط.

وأحصت «المنظمة الدولية للهجرة» غرق أكثر من ألف شخص في «المتوسط» منذ بداية العام الجاري، بعد انطلاقهم من ليبيا عبر قوارب متهالكة باتجاه السواحل الأوروبية.

وأمام تدفق مئات المهاجرين غير النظاميين على ليبيا، بقصد الهروب عبر البحر، تزداد التساؤلات عن أسباب إخفاق الإجراءات الأمنية في الحد من هذه العمليات، رغم تأكيدات رسمية على مواجهة هذه الظاهرة.

وتدفع عصابات الاتجار في البشر مئات الأشخاص إلى رحلات هجرة غير نظامية إلى أوروبا، عبر ما تعرف بـ«قوارب الموت».

«جمعية الهلال الأحمر» في طبرق تقدِّم مساعدات لعدد من المهاجرين تم إنقاذهم من الغرق مساء الأحد (الجمعية)

وفي أحدث عملية إنقاذ، أعلنت الأجهزة الأمنية في مدينة طبرق (شرق ليبيا) عن إنقاذ مركب كان يقل 68 مهاجراً غير نظامي، ينتمون لجنسيات أفريقية وعربية: «بعد رحلة بحرية خطيرة واجهوا خلالها ظروفاً إنسانية صعبة في عرض البحر».

وقالت «جمعية الهلال الأحمر» (فرع طبرق) مساء الأحد، إنها تلقَّت بلاغاً من أمن السواحل في طبرق التابع للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، بإعادة مركب هجرة غير نظامية إلى الشاطئ يحمل 68 مهاجراً من جنسيات مختلفة، بعد إنقاذهم.

وأوضحت «الجمعية» أنه عقب وصول المهاجرين إلى نقطة الإنزال في طبرق، تحركت فرقها لتقديم الإسعافات الأولية والمساعدات الإنسانية: «ضمن مشروع الشراكة مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين».

ونوَّهت «الجمعية» إلى أنه «رغم تكرار هذه المشاهد المؤلمة، تبقى كل عملية إنقاذ رسالة بأن البحر لا يزال يحمل كثيراً من المآسي، وأن الهجرة غير النظامية طريق محفوف بالخطر والمعاناة».

«وجود ثغرات»

ويقول حقوقي ليبي مهتم بملف المهاجرين واللاجئين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك ثغرات كثيرة تسمح لعصابات الاتجار بالبشر بمواصلة أنشطة قذرة عبر الأراضي الليبية»، متهماً «أجهزة أمنية (شبه رسمية) بتسهيل عمل هذه العصابات، من أجل تحصيل الأموال».

وقال الحقوقي الذي رفض ذكر اسمه لدواعٍ أمنية: «إن كثيراً من المهاجرين الذين تتم إعادتهم من البحر يتم إدخالهم إلى مقار إيواء غير معتمدة، بعيداً عن أعين السلطات».

وفي مارس (آذار) 2025، تعهد عصام أبو زريبة، وزير الداخلية بالحكومة المكلَّفة من مجلس النواب، بكشف أسماء المتورطين في «الاتجار بالبشر» في كل ليبيا، خلال 10 أيام، ولكن المهلة انتهت دون الإعلان عن ذلك حتى الآن.

توقيف 10 مهاجرين غير نظاميين من الجنسية الصومالية غرب مصراتة يوم 27 أبريل الماضي (جهاز مكافحة الهجرة)

وقصص الغرق لا تقتصر على سواحل شرق ليبيا، فبيانات «المنظمة الدولية للهجرة» تسجِّل حوادث مماثلة لقوارب عدة انطلقت من مدن بغرب ليبيا، بينها تاجوراء.

وسبق أن رصدت المنظمة الدولية في أبريل (نيسان) الماضي انقلاب قارب في «المتوسط» بعد مغادرته تاجوراء، وكان يقل 120 مهاجراً، تم إنقاذ 32 منهم، وجرى انتشال جثتين، بينما لا يزال الباقون في عداد المفقودين.

تكرار هذه المشاهد يعكس حجم المعاناة التي يعيشها المهاجرون في رحلات محفوفة بالمخاطر؛ حيث يتحول السعي وراء «الفردوس الأوروبي» إلى تجربة إنسانية قاسية، تختلط فيها الهجرة بالألم والموت المحتمل.

بين محطات هذه الرحلة القاسية، قد ينجح بعض المهاجرين في الوصول إلى «الشاطئ الثاني»، بينما تتم إعادة البعض الآخر إلى ليبيا وإدخالهم إلى مقار الاحتجاز، وما بين هذا وذاك يغرق عشرات المهاجرين في «المتوسط»، أو يظلون في عداد المفقودين.

صورة ضوئية من جواز سفر المواطن المصري مؤمن عبد الكريم وهو أحد المفقودين في ليبيا (الشرق الأوسط)

على الجانب الآخر، تظل أنظار أُسر وذوي هؤلاء المهاجرين عالقة باتجاه ليبيا، تتلمَّس أخبارهم بعد انقطاع الاتصال بهم. من بين هؤلاء المصري مؤمن عبد الكريم سعيد، الذي ينتمي إلى محافظة أسيوط بصعيد مصر.

وقالت أسرة مؤمن لـ«الشرق الأوسط» إنه أخبرها في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، باستقلال قارب من مدينة الخُمس (135 كيلومتراً شرق طرابلس) للتوجه إلى أوروبا، ولكن وصلت إلى الأسرة أنباء بأن المركب قد غرق في «المتوسط».

وتتبع مصر، وفق ما تشير إكرام زيادة، الباحثة في المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب «سياسة ممنهجة في تعاملها مع ملف الهجرة غير النظامية، عبر إجراءات أمنية وتشريعات للتصدي لعصابات التهريب؛ بالإضافة إلى تعاون عابر للحدود بين القاهرة والمؤسسات الدولية ودول الاتحاد الأوروبي».

وبشأن قوارب انطلقت من ليبيا وكانت تقل مهاجرين، من بينهم مصريون، قالت «الخارجية المصرية» الأحد، إنه جرى نقل 94 جثماناً خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أبريل الماضيين، بالإضافة إلى رفات 5 أشخاص أمكن التعرف عليهم عبر تحليل البصمة الوراثية، بعد العثور على الرفات أمام السواحل التونسية.

ودائماً ما تحضُّ السلطات المصرية مواطنيها على «عدم الانسياق وراء عصابات تهريب البشر»، بينما تواصل استقبال أُسَر المواطنين المتغيبين لبحث مشكلاتهم. وكانت وزارة الخارجية قد أعلنت، الأحد، عن استعادة 1379 مهاجراً كانوا محتجزين في طرابلس وبنغازي، لتورطهم في قضايا الهجرة غير النظامية.

من عملية إنقاذ مهاجرين من الغرق قبالة شرق طبرق في مارس الماضي (الهلال الأحمر الليبي)

وأفادت «جمعية الهلال الأحمر الليبي» ومصادر أمنية، في نهاية أبريل الماضي، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة لمهاجرين، وفقدان 9، بينما تم إنقاذ 7 بعد تعطل قاربهم وانقطاع السبل بهم وسط البحر مدة 8 أيام.

وكانت المنظمة الدولية قد أحصت وجود 928 ألف مهاجر في ليبيا خلال عام 2025، بينما قال وزير الهجرة اليوناني ثانوس بليفريس، إن هناك أكثر من نصف مليون مهاجر ولاجئ ينتظرون في ليبيا حالياً، من أجل توفُّر فرصة للوصول إلى أوروبا، وفق تصريحات للتلفزيون اليوناني نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» الأحد.

إزالة أوكار في سبها

وقالت رئاسة جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة، الاثنين، إنها عملت على «إزالة أوكار المهاجرين والعشوائيات، بمدينة سبها في جنوب ليبيا».

وغادر العاصمة (طرابلس) 105 مهاجرين من الجنسية النيجيرية، يوم الاثنين، عبر مطار معيتيقة الدولي، إلى بلدهم، وفق برنامج «العودة الطوعية» الذي ترعاه المنظمة الدولية للهجرة.


مقالات ذات صلة

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

شمال افريقيا أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أعلنت جهات الإنقاذ البحري الليبية مساء الجمعة العثور على 16 جثة وإنقاذ 10 مهاجرين أحياء عقب غرق قارب هجرة غير نظامية كان يقل 61 شخصا قبالة الساحل الشرقي للبلاد.

«الشرق الأوسط» ( طبرق (ليبيا))
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ) p-circle

فرنسا تعارض إنشاء «مراكز عودة» للمهاجرين في دول ثالثة

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الجمعة)، إن باريس لا تؤيد إنشاء ما تُسمى «مراكز العودة» للمهاجرين في دول ثالثة، وشكّك في فاعليتها.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شمال افريقيا ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا (أ.ف.ب)

ليبيا: «خطاب الكراهية» يضع «المهاجرين» في دائرة الاستهداف

يتخوف حقوقيون ليبيون من تصاعد «خطاب الكراهية»، وانعكاسه على فئات من المهاجرين غير النظاميين في البلاد، بالتوازي مع احتجاجات مناهضة ضد «التوطين».

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من المظاهرة الرافضة لتوطين الأجانب في ليبيا (أ.ف.ب)

حراك شعبي ضد «توطين المهاجرين» يثير غضب «طوارق ليبيا»

انتابت أوساط الطوارق في ليبيا موجة غضب واسعة عقب رفع شعارات خلال حراك شعبي مناهض لـ«توطين المهاجرين غير النظاميين»، ربطت بين هذا الملف وقضية «الأرقام الإدارية»

علاء حموده (القاهرة)
الولايات المتحدة​ طالبو لجوء يصعدون إلى قارب مطاطي في بيرك عند سواحل فرنسا يونيو 2026 (د.ب.أ)

أوروبا تُقرّ «مراكز العودة» خارج حدودها لترحيل المهاجرين

منح النواب الأوروبيون موافقتهم النهائية على قوانين أكثر تشدداً بشأن الهجرة، ستمنح السلطات صلاحيات احتجاز أوسع بكثير، وتسمح بإنشاء مراكز ترحيل خارج التكتل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مجلس النواب الليبي يستنكر تصريحات نائب ترمب بشأن «فشل ليبيا»

جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح (المجلس)
جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح (المجلس)
TT

مجلس النواب الليبي يستنكر تصريحات نائب ترمب بشأن «فشل ليبيا»

جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح (المجلس)
جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح (المجلس)

تُبدي قطاعات واسعة من الليبيين حساسية وانزعاجاً واضحين من استدعاء بلادهم نموذجاً لـ«الدولة الفاشلة» كلما جرى الحديث عن بؤر الأزمات والصراعات، خصوصاً مع استمرار الانقسام السياسي والعسكري والأزمات الاقتصادية وتفشي الفساد، وهي عوامل جعلت ليبيا تُصنَّف في كثير من الأدبيات الدولية ضمن الدول الهشة.

وتجدد هذا الجدل عقب تصريحات نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، الذي استحضر ليبيا مستشهداً بها نموذجاً لـ«الدولة الفاشلة» خلال حديثه عن مستقبل إيران، السبت، مما أثار موجة من الصدمة والنقاش داخل الأوساط الليبية.

جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي في واشنطن في مارس الماضي (أ.ف.ب)

فبينما رأى البعض في التصريح إساءة لصورة ليبيا وتجاهلاً لمسؤولية القوى الدولية في أزمتها الممتدة، اعتبرها آخرون توصيفاً لواقع سياسي ومؤسسي مأزوم لا يمكن تجاهله.

ورغم أن فانس أشار إلى ليبيا عرضاً خلال رده على منتقدي الاتفاق الأميركي مع إيران داخل الحكومة الإسرائيلية، قائلاً إن هناك أطرافاً في المجتمع الإسرائيلي «تريد تدمير إيران بالكامل كما حدث مع ليبيا وتحويلها إلى دولة فاشلة»؛ فإن تصريحاته فتحت نقاشاً قديماً حول صورة البلاد في الخارج وحقيقة أوضاعها في الداخل.

وبدا الانزعاج البرلماني واضحاً في موقف لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الليبي، الأحد، التي عَدّت تصريحات فانس «إساءة غير مبررة وغير مقبولة إلى ليبيا وشعبها»، ورفضت اختزال البلاد في صور نمطية أو استخدامها مثالاً للفشل والاضطراب في الخطاب السياسي الدولي، معتبرة أن ذلك ينطوي على «تشويه للحقائق التاريخية والسياسية ومساس بمكانة دولة ذات سيادة وشعب عريق».

كما ألقت اللجنة بالمسؤولية على التدخل العسكري الدولي الذي أطاح بالنظام السابق عام 2011، معتبرة أنه تم من دون استكمال مسؤوليات المجتمع الدولي في دعم بناء مؤسسات الدولة والحفاظ على استقرارها.

ورغم أن تصريحات فانس أثارت صدمة لدى كثير من الليبيين، فإن توصيف بلادهم بـ«الدولة الفاشلة» ليس جديداً في أدبيات الصراع الليبي.

فقد سبق أن حذر المبعوث الأممي الأسبق، برناردينو ليون، عام 2015 من خطر تحول البلاد إلى دولة فاشلة، كما حذر المبعوث الأممي السابق، عبد الله باتيلي، قبل ثلاثة أعوام من انزلاقها نحو التفكك إذا لم يتوصل قادتها إلى حكومة موحدة، فضلاً عن ورود المصطلح في تقارير ودراسات دولية تناولت تداعيات الانقسام السياسي والأمني في البلاد.

غير أن موقف مجلس النواب تلاقى مع آراء قطاعات من الليبيين ترفض وصف ليبيا بأنها دولة فاشلة، وهو ما عكسته تدوينات وآراء عبر صفحات تواصل ليبية.

ومن الليبيين من يرى أن بلادهم ليست فاشلة على هذا النحو بقدر ما أن «إدارتها وسياساتها خلال السنوات الماضية كانت فاشلة». ويعبر عن هذا الرأي الناشط السياسي محمد المزوغي، فيما عَدّ المدون أسامة الغويل أن البلاد تزخر بشباب ومبتكرين يحققون نجاحات في مجالات التقنية والبرمجيات والذكاء الاصطناعي، معتبراً أن أفضل رد على هذه الصورة النمطية هو الإنتاج والنجاح.

وذهب المحامي محمد بن دردف إلى أن استخدام ليبيا مثالاً للفشل يتجاهل مسؤولية القوى الدولية التي تدخلت في البلاد عام 2011 وأسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إضعاف مؤسساتها وتعقيد مسارها السياسي.

كما رأى المستشار القانوني محمد الفيتوري أن الحديث عن ليبيا باعتبارها دولة فاشلة لا يستقيم من دون الإشارة إلى تنافس القوى الدولية والإقليمية على النفوذ داخلها بعد إسقاط نظام القذافي.

في المقابل، تبنى عديد من الدبلوماسيين والأكاديميين قراءة مختلفة لتصريحات فانس، واستحضار بلادهم مضرباً للأمثال للدولة الفاشلة.

وعَدَّ الدبلوماسي الليبي عادل عيسى الوصف «رسالة مؤلمة» و«جرس إنذار» يدفع إلى مراجعة الواقع بصدق ومسؤولية، معتبراً أن «الأهم ليس كيف يصف الليبيون أنفسهم، بل كيف يراهم العالم، وأن مكانة الدول تقاس بقوة مؤسساتها واستقرارها الداخلي وصورتها الخارجية».

أما أستاذ القانون الليبي مجدي الشبعاني فرأى أن فانس «لم يكن يستهدف ليبيا بقدر ما كان يستحضرها نموذجاً لإخفاق سياسات تغيير الأنظمة من دون تصور واضح لمرحلة ما بعد الصراع».

وأوضح أن مفهوم «الدولة الفاشلة» لا يعني اختفاء الدولة، بل عجز مؤسساتها عن أداء وظائفها الأساسية، مشيراً إلى أن استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي جعل هذا الوصف حاضراً في كثير من الدراسات الدولية المتعلقة بليبيا.

ويتفق الباحث السياسي محمد الأمين مع هذا الطرح، مبرزاً أن المشكلة لا تكمن في التصريح بحد ذاته، بل في الظروف التي جعلت ليبيا مثالاً يُستدعى عند الحديث عن تعثر بناء الدولة بعد الصراعات، مؤكداً أن معالجة أسباب الانقسام وضعف المؤسسات هي الرد الأجدى على مثل هذه التصريحات.

وبحسب رؤية سيف الله الحطاب، خبير التنمية المستدامة الليبي، فإن حالة الصدمة التي أثارتها تصريحات فانس تبدو مفهومة بالنظر إلى حساسية توصيف ليبيا بوصفها دولة فاشلة، مشيراً إلى أن الإقرار بهشاشة مؤسسات الدولة لا يعني التسليم بها بمثابة مصير دائم.

وأضاف الحطاب لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الواقع يعكس إرثاً ممتداً لعقود وتفاقماً بعد عام 2011 مع الانقسامات السياسية والمؤسسية، موضحاً أن الليبيين ينقسمون بين من يعزو الأزمة إلى التدخل الدولي، ومن يرى أن اختلالات الدولة العميقة تستوجب المعالجة والإصلاح.

وانتهى إلى القول إن «الجدل الدائر يعكس خلافاً أوسع بشأن تشخيص الأزمة الليبية وأسبابها وطرق العبور للمستقبل، أكثر مما يعكس خلافاً حول التصريحات ذاتها».


شطب الجزائر من «القائمة الرمادية» يتوج 20 شهراً من الإصلاحات البنكية العميقة

اجتماع لموثقين جزائريين لبحث إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)
اجتماع لموثقين جزائريين لبحث إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)
TT

شطب الجزائر من «القائمة الرمادية» يتوج 20 شهراً من الإصلاحات البنكية العميقة

اجتماع لموثقين جزائريين لبحث إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)
اجتماع لموثقين جزائريين لبحث إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)

استعادت الجزائر، بعد 20 شهراً من الإصلاحات، مكانة من شأنها تسهيل المعاملات الدولية وتعزيز ثقة المستثمرين، بعد أن تقرر رسمياً سحب اسمها من «القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي»، في تطور يرى مختصون في مكافحة الفساد المالي أنه يثبت نجاح البلاد في إصلاح إطارها القانوني والمصرفي ليتوافق مع معايير الشفافية الدولية.

ويخص هذا التصنيف الدول الخاضعة لمراقبة مشددة في ملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وجاء القرار خلال اجتماع «مجموعة العمل المالي»، الجمعة، بمقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس، في حدث يمثل خطوة إيجابية للغاية؛ كون صناديق الاستثمار العالمية تراجع بدقة تقييمات المجموعة قبل الاستقرار في أي بلد؛ ومن ثمّ فإن خروج الجزائر من هذه القائمة يمنحها «أماناً قانونياً ومالياً» يطمئن المستثمرين الأجانب.

من اجتماعات مجموعة العمل المالي (المجموعة)

ويعني هذا التطور، حسب محللين ومختصين، أن النظام المصرفي الجزائري قد تجاوز مرحلة «المراقبة المشددة» التي كان يخضع لها بسبب ثغرات استراتيجية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ارتياح داخلي واسع

استقطب هذا التطور اللافت في علاقة الجزائر بأكبر الكيانات المالية والسياسية في العالم اهتمام المشاركين في حملة انتخابات البرلمان الجارية حالياً في الجزائر، حيث أكد عبد القادر بن قرينة، رئيس «حركة البناء الوطني»، أن سحب اسم الجزائر من القائمة الرمادية يترجم الجهود الوطنية المبذولة لتعزيز الشفافية المالية، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وفق المعايير الدولية، بعد استكمال خطة الإصلاحات والإجراءات الفنية المطلوبة.

وعدَّ بن قرينة، خلال كلمة في مؤتمر انتخابي، ذلك «مكسباً هاماً للدولة ومؤسساتها وأطرها، ورسالة ثقة قوية ومباشرة للمستثمرين والشركاء الدوليين، من شأنها تحسين مناخ الأعمال، وتسهيل المعاملات والاندماج في الأسواق المالية العالمية».

رئيس «حركة البناء الوطني» (إعلام حزبي)

وأضاف: «هذا المكسب يستدعي استدامة الإصلاحات، وترسيخ الحوكمة والرقابة لحماية الاقتصاد الوطني»، داعياً إلى «استثمار هذا التطور لدعم الإنتاج المحلي وتشجيع الاستثمار، وإحداث الثروة ومناصب الشغل بما ينعكس إيجاباً على الإطار المعيشي للمواطنين».

من جهته، قال كمال مولى، رئيس «مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري» (كبرى منظمات أرباب العمل في البلاد) لـ«وكالة الأنباء الجزائرية» إن قرار «مجموعة العمل المالي» يكرس جهود المبذولة لتعزيز الشفافية المالية، وتحسين الحوكمة، وتقريب النظام المالي الوطني من المعايير الدولية. كما أشار إلى أن الخطوة «تمثل عامل ثقة إضافياً للمتعاملين الاقتصاديين المحليين والشركاء الدوليين، وتسهم في تعزيز جاذبية الجزائر، وتسهيل المبادلات الاقتصادية، وتوفير بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار»، داعياً جميع الفاعلين الاقتصاديين إلى مواصلة الجهود لمواكبة التحول الاقتصادي وترسيخ نمو مستدام مبني على الثقة والتنافسية وخلق القيمة.

نواب جزائريون يبحثون مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

وأكد رياض فراح، الخبير في عصرنة البنى التحتية البنكية، أن مجموعة العمل المالي «لا تكتفي بطلب الإصلاحات فحسب، بل تشترط ديمومتها واستمراريتها بمرور الوقت». وأوضح أن الحفاظ على هذا الوضع ليس مكسباً ثابتاً يمنحه القرار، بل هو نتاج آليات عمل وهندسة رقابية تُبنى وتُطبق يومياً في المنظومة البنكية».

وأضاف في تصريحات صحافية أن خروج الجزائر من القائمة يكشف أن هذه الآليات «باتت تشغيلية وفعالة بشكل جوهري بناءً على زيارة تقييمية ميدانية»، مشيراً إلى أن هذا التقييم «ليس مجرد رضا وطني ذاتي، بل هو واقع أقرت به هيئة دولية».

لكنه حذر من أن هذا الإنجاز «لا يمثل مكسباً ثابتاً بشكل نهائي لأي دولة في العالم».

ورحب أستاذ الاقتصاد، سليمان ناصر، بالقرار مؤكداً أثره الإيجابي على مناخ الأعمال، وجذب الاستثمارات الأجنبية، لافتاً إلى أن خروج الجزائر من هذه القائمة سيرفع العقبات التي كان من الممكن أن تواجه المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين في الخارج.

مسوغات القرار

وذكرت وكالة الأنباء الرسمية أن جهود الجزائر بخصوص تحسين أدائها في مجال محاربة الأنشطة المالية غير المشروعة، ودعم التطرف «حظيت بإشادة وإجماع من قِبل أعضاء الجلسة العامة لمجموعة العمل المالي المنعقدة في باريس؛ حيث هنأت المجموعة الجزائر على قفزتها الإيجابية في مكافحة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب». وأفادت الوكالة بأن قرار شطب البلاد من قائمة «المراقبة المشددة» جاء ثمرة لزيارات ميدانية ناجحة، واستكمالاً لجميع محاور خطة العمل الجزائرية في الآجال المحددة، لترفع عنها بذلك التدابير الرقابية المكثفة.

اجتماع لقضاة جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (صورة أرشيفية)

وفي تفاصيل تقييمها، ركزت المجموعة، حسب الوكالة، على الطفرة التي شهدها قطاع الإشراف المالي في الجزائر، متمثلة في اعتماد معايير جديدة لقياس المخاطر، وإصدار أدلة رقابية، مع تنفيذ عمليات تدقيق ميدانية وفرض عقوبات رادعة.

كما ثمّنت المجموعة إيجاد منظومة تتسم بالفاعلية لجمع البيانات، وتتبع المستفيدين الحقيقيين، وتطوير قنوات التبليغ عن المعاملات المشبوهة، بالإضافة إلى تحصين الجبهة التشريعية والمؤسساتية بمنظومة عقوبات مالية دقيقة وموجهة.

وأشادت كذلك بآلية الرقابة الذكية والملاءمة التي فُرضت على المنظمات غير الهادفة للربح، والتي تضمن تجفيف منابع التمويل المشبوه دون المساس بأنشطتها المشروعة.


حصار الأُبيّض يهدد بسقوطها في يد «الدعم السريع»

ممثل الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم أحمد صالح يرحب باللاجئين السودانيين لدى وصوله إلى موقع أورا في إثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
ممثل الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم أحمد صالح يرحب باللاجئين السودانيين لدى وصوله إلى موقع أورا في إثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
TT

حصار الأُبيّض يهدد بسقوطها في يد «الدعم السريع»

ممثل الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم أحمد صالح يرحب باللاجئين السودانيين لدى وصوله إلى موقع أورا في إثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
ممثل الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم أحمد صالح يرحب باللاجئين السودانيين لدى وصوله إلى موقع أورا في إثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)

أظهرت تقارير حديثة رصدتها الأمم المتحدة تعزيزات عسكرية كبيرة لـ«قوات الدعم السريع»، قرب مدينة الأُبيض، كبرى مدن إقليم كردفان، ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك على المدينة الاستراتيجية بحكم موقعها الوسطي لربط غرب السودان مع وسطه وشرقه، فضلاً عن كونها مدينة تجارية مهمة.

كما أعلن تحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع» السيطرة على منطقة سركم في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد.

وبثت «قوات الدعم السريع» مقاطع مصورة تُظهر انتشار عناصرها داخل المنطقة، مضيفةً أنها «ألحقت خسائر فادحة في صفوف الجيش والقوات المساندة له، واستولت على معدات عسكرية كبيرة من الأسلحة والذخائر».

وشهدت الأشهر الماضية تصعيداً كبيراً من «قوات الدعم السريع» في استخدام الطائرات الاستراتيجية والانتحارية ضد المواقع العسكرية ومستودعات وقود مدينة كوستي الواقعة على مسافة نحو 320 كيلومتراً جنوب العاصمة الخرطوم.

وأفادت مصادر محلية بتجدد الهجمات بالمسّيرات، يوم الأحد، على مدينة الأُبَيِّض، التي هي أيضاً عاصمة ولاية شمال كردفان. ولم يصدر أي تعليق رسمي من الجيش السوداني أو «قوات الدعم السريع» على الهجمات التي استهدفت المدينة.

وفي السياق نفسه، دعت بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان «قوات الدعم السريع» إلى وقف هجومها على الأُبَيِّض فوراً. وقالت في بيان على موقعها في منصة «فيسبوك»: «يجب وقف قتل المدنيين والعنف العرقي ضد المجموعات المدنية، إضافة إلى وقف الهجمات على البنية التحتية». وحضت البعثة على ضرورة فتح ممرات آمنة للمدنيين، وتمكين الجهات الإنسانية من الوصول السريع والآمن دون عوائق، إلى المدينة.

«هجوم وشيك»

وكانت الأمم المتحدة و29 دولة قد دعت، يوم الخميس، «قوات الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنّه على المدينة، محذّرةً من عواقب كارثية على السكان، مشيرة إلى أن المدينة غرقت في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيّرة، ضمن حلقات الهجمات التي تتعرض لها الأُبيّض منذ أيام، وأدت إلى مقتل العشرات.

وتزداد المخاوف من تكرار سيناريو الفاشر التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع»، العام الماضي، بعد أشهر من الحصار الذي دام 18 شهراً. وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «قلقه» إزاء التقارير عن نشر «قوات الدعم السريع» تعزيزات عسكرية كبيرة حول المدينة، «ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك»، وفق ما أفاد المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك.

وفي مارس (آذار) الماضي، سيطرت قوات «تأسيس»، التي تقودها «قوات الدعم السريع» مع مجموعات مسلحة أخرى، على مدينة الكرمك، وهي أول مدينة تسقط في يدها منذ انتقل الصراع على جبهات القتال من جنوب إقليم كردفان إلى إقليم النيل الأزرق.

وتسيطر حالياً «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها على معظم إقليم دارفور وأجزاء واسعة من إقليمي النيل الأزرق وكردفان على الحدود مع جمهورية جنوب السودان، بينما يواصل الجيش عملياته العسكرية لاستعادة السيطرة على تلك المناطق.

مدينة كوستي

استهداف منازل في مدينة الأبيض (متداولة على منصات التواصل الاجتماعي)

في غضون ذلك، قُتل شخص وأصيب 5 آخرون، يوم الأحد، إثر قصف بطائرة مسيّرة استهدفت محطة وقود في مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، جنوب السودان، وفقاً لمصادر طبية. وتحدّث شهود في المدينة لـ«الشرق الأوسط» عن سماع دوي انفجارات وتصاعد ألسنة النيران في محطة الوقود التي تقع بالقرب من أحياء سكنية.

واتهمت «شبكة أطباء السودان»، «قوات الدعم السريع»، بتنفيذ هجوم جوي على كوستي. وقالت في بيان على موقع «فيسبوك» إن مسيّرات تتبع لـ«الدعم السريع» هاجمت بالتزامن مدينتي أم روابة والرهد بولاية شمال إقليم كردفان، مشيرةً إلى أن تلك المناطق خالية من أي وجود عسكري.

وأضافت الشبكة: «أن استمرار استهداف المنشآت والأعيان المدنية يمثل انتهاكاً خطيراً، يزيد من معاناة المواطنيين في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تمر بها البلاد». ووفقاً لمصادر طبية، استقبل المستشفى هذا العام أكثر من 15 مصاباً بجروح متفاوتة، بعضها ناتج عن شظايا القذائف التي أطلقتها المسّيرة.

تدهور إنساني متسارع

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

تشهد مناطق واسعة من ولاية شمال كردفان بوسط السودان تدهوراً إنسانياً متسارعاً نتيجة القيود المفروضة على حركة السلع والمواد الغذائية والدوائية بين مناطق النزاع، وفق مجموعة حقوقية سودانية. وذكرت مجموعة «محامو الطوارئ»، في بيان، أن الجيش قام باعتقال ما لا يقل عن 280 شخصاً وصادر بضائع ومركبات كانت تنقل المواد الغذائية من مدينة الدبة ومدن أخرى في الولاية الشمالية ومدينة أم درمان باتجاه شمال إقليم كردفان.

وأضافت أن «قوات الدعم السريع» من جانبها تمنع مرور السلع، بما في ذلك المواد الغذائية والمواشي، من مناطق سيطرتها إلى المناطق الأخرى، الأمر الذي أدى إلى اضطراب حاد في الإمدادات وارتفاع كبير في أسعار السلع.

ووفق المجموعة، يعاني المدنيون في مجموعة من القرى في تلك المناطق من نقص شديد في الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، في ظل غياب المؤن الأساسية، واضطرار المدنيين إلى المخاطرة بحياتهم للحصول على متطلباتهم، مع تصاعد التهديدات الأمنية والهجمات بالطائرات المسيرة التي تستهدف الطرق والمركبات.