تعهّد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الجمعة، بمواصلة مهامه على رأس الحكومة، بعدما تحمّل مسؤولية النتائج القاسية التي مُني بها حزب العمال في الانتخابات المحلية، والتي شهدت مكاسب كبيرة لليمين الشعبوي وسط ازدياد خيبة أمل البريطانيين من الأحزاب التقليدية.
وقال ستارمر: «لن أتنحى وأغرق البلاد في الفوضى»، وذلك بعدما خسر حزب العمال الحاكم مئات المقاعد في المجالس المحلية بإنجلترا، وأقرّ بهزيمته في ويلز، التي تُعد من أبرز معاقله التاريخية. وبينما تتواصل عمليات فرز الأصوات، يستعد الحزب لنتائج صعبة في البرلمان المحلي باسكوتلندا كذلك، حيث أعلن الحزب الوطني الاسكوتلندي المؤيد للاستقلال أنه في طريقه لتمديد بقائه في السلطة للعام التاسع عشر على التوالي.
نتائج «صعبة»
وقال ستارمر، البالغ 63 عاماً: «النتائج صعبة، صعبة جداً، ولا مجال لتجميلها». وأضاف، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية»: «لقد خسرنا ممثلين عماليين رائعين في أنحاء البلاد، أشخاصاً قدّموا الكثير لمجتمعاتهم ولحزبنا. وهذا مؤلم، ويجب أن يكون مؤلماً، وأنا أتحمل المسؤولية».
وتُعد هذه الانتخابات أكبر اختبار انتخابي لستارمر منذ أن أطاح حزب العمال بالمحافظين بعد 14 عاماً في الحكم، في فوز ساحق خلال انتخابات عام 2024.
وتشير النتائج المبكرة للانتخابات المحلّية إلى استمرار تفكّك نظام الحزبين التقليدي في بريطانيا، وتحوله إلى ديمقراطية متعددة الأحزاب، وهو أمر يصفه محللون بأنه أحد أكبر التحولات في السياسة البريطانية خلال القرن الماضي. وخسر حزبا العمال والمحافظين، اللذان كانا مهيمنين على المشهد السياسي في السابق، مئات الأصوات لصالح حزب الإصلاح على أقصى اليمين ولنقيضه السياسي حزب الخضر اليساري.
تعثرات سياسية وأزمة معيشية
ومنذ وصوله إلى السلطة، أخفق ستارمر في تحقيق وعده الأساسي بتحفيز النمو الاقتصادي، كما واجه سلسلة من التعثرات السياسية، في وقت لا يزال فيه البريطانيون يعانون من أزمة غلاء المعيشة؛ ما دفع كثيرين إلى دعم أحزاب احتجاجية صاعدة. وحقّق حزب «الإصلاح» المناهض للهجرة، بقيادة نايجل فاراج، مكاسب بلغت 900 مقعد على الأقل، بينما خسر حزب العمال 679 مقعداً عبر 86 مجلساً محلياً من أصل 136 أعلنت نتائجها بحلول مساء الجمعة.

كما سيطر الحزب على 3 مجالس محلية، هي مقاطعتا سوفولك وإسيكس في شرق إنجلترا، ومدينة نيوكاسل أندر لايم في وسط البلاد. وقال فاراج إن نتائج الانتخابات المحلية أظهرت «تحولاً تاريخياً حقيقياً في السياسة البريطانية»، مضيفاً أن حزب «الإصلاح» «جاء ليبقى».
من جانبه، قال خبير استطلاعات الرأي جون كيرتيس إن النتائج تعكس حالة جديدة من التشرذم السياسي في بريطانيا، حيث يتعرض حزب العمال لضغوط من اليمين عبر «الإصلاح»، ومن اليسار عبر حزب «الخضر» بقيادة زاك بولانسكي.

وأوضح أن مؤيدي «الإصلاح» هم «في الغالب أشخاص يتبنون توجهات اجتماعية محافظة نسبياً»، وقد «فقدوا الثقة بالأحزاب التقليدية»، ويتعاطفون مع مواقف الحزب بشأن قضايا مثل الهجرة و«بريكست». وشملت الانتخابات نحو 5 آلاف مقعد في المجالس المحلية من أصل 16 ألفاً في أنحاء إنجلترا.
وقال الموظف في القطاع المالي إيان تانر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه لا يحب «السياسات الكارثية» لستارمر، لكنه يخشى أن يكون أي بديل له «أكثر يسارية».
في المقابل، رأت دايو فوستر، وهي موظفة أخرى في القطاع المالي تبلغ 60 عاماً، أن حزب العمال «يقوم بكل الأمور الصحيحة»، وأن ستارمر يحتاج فقط إلى مزيد من الوقت، مضيفة: «لا أريده أن يستقيل، نحن بحاجة إلى بعض الاستقرار».
شائعات حول القيادة
وفي ويلز، أقرّ متحدث باسم حزب العمال بأن الحزب سيفقد السيطرة على الحكومة المحلية للمرة الأولى منذ تأسيس البرلمان الويلزي قبل 27 عاماً.
ومن المتوقع أن يصبح حزب «بلايد كامري» المؤيد لاستقلال ويلز القوة الكبرى هناك. أما في اسكوتلندا، فأعلن زعيم الحزب الوطني الاسكوتلندي جون سويني أن حزبه يتجه ليكون الأكبر، بينما أقرّ زعيم حزب العمال الاسكوتلندي أنس سروار بأن الحزب لم ينجح في «كسب المعركة السياسية».

وفي لندن، نجح حزب الخضر في جذب ناخبين عبر تبنّيه خطاباً مؤيداً لغزة. وأشاد بولانسكي بفوز زوي غاربيت بمنصب رئيسة بلدية حي هاكني شرق لندن، معتبراً أن «نظام الحزبين قد مات ودُفن».
في المقابل، خسر حزب المحافظين اليميني بقيادة كيمي بادينوك مئات المقاعد، كثير منها في معاقل تقليدية، رغم نجاحه في السيطرة على منطقة وستمنستر وسط لندن.
كما تسببت فضيحة بيتر ماندلسون، الذي أُقيل من منصبه سفيراً لدى واشنطن بسبب علاقاته بالمجرم الجنسي الأميركي جيفري إبستين، في تراجع شعبية ستارمر إلى مستويات متدنية للغاية.
وتداولت وسائل الإعلام البريطانية شائعات تفيد بإمكانية تحرك نائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر أو وزير الصحة ويس ستريتينغ للإطاحة بستارمر عقب هذه النتائج. إلا أن أياً منهما لا يحظى بإجماع داخل الحزب، كما أن إطلاق سباق على القيادة يتطلب دعم 20 في المائة من نواب حزب العمال.








