انقسام لبناني بخلفية طائفية حول قانون العفو العام

جلسات نيابية مكثفة لإقراره... وترحيله يهدد بانفجار داخل السجون

جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

انقسام لبناني بخلفية طائفية حول قانون العفو العام

جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

يتصدّر قانون العفو العام الاهتمام السياسي في لبنان، بوصفه واحداً من أكثر الملفات تعقيداً، ليس فقط من زاوية تشريعية، بل أيضاً من حيث أبعاده السياسية، والطائفية. وفيما يُفترض أن يشكّل هذا القانون مدخلاً لمعالجة أزمة إنسانية مرتبطة باكتظاظ السجون، ورفع الظلم اللاحق بآلاف السجناء، تحوّل إلى ساحة تجاذب حاد بين الكتل النيابية، ما يضع البرلمان أمام اختبار دقيق في قدرته على إنتاج تسوية متوازنة.

تتعدّد مشاريع واقتراحات قوانين العفو المطروحة، وتتباين مقارباتها بشكل يعكس الانقسام السياسي اللبناني العميق، كل فريق سياسي ينظر إلى القانون من زاوية مصالحه، وحساباته، ما يجعل الوصول إلى صيغة جامعة أمراً بالغ الصعوبة.

ومع غياب الإطار الوطني الشامل المُفترض أن يحكم قانوناً بهذا الحجم من الحساسية، ينتظر آلاف السجناء هذا القانون بفارغ الصبر، في ظل أوضاع مأساوية داخل السجون اللبنانية التي باتت أقرب إلى «قنبلة موقوتة»، لا سيما أن الاكتظاظ بلغ مستويات خطيرة، وتفاقم الظروف الصحية والإنسانية المتدهورة من صعوبتها، والتي تنذر بانفجار إنساني، واجتماعي، خصوصاً مع محدودية الإمكانات الرسمية. وعليه، لا يُنظر إلى العفو العام على أنه خيار سياسي فقط، بل إنه حاجة ملحّة لتخفيف الضغط عن نظام سجني عاجز عن الاستيعاب.

نقاشات عاصفة في جلسات مناقشة القانون

والانقسام في مقاربة الموضوع يظهر جلياً في جلسات اللجان النيابية المكثفة التي تعقد في الأسابيع الأخيرة، مع تسجيل «نقاشات عاصفة بين النواب تعكس الخلاف حول مضامين القانون، وما هي الجرائم المشمولة به، والمستثناة منه». وهذه الخلافات أدت إلى عدم انعقاد جلسة اللجان التي كانت مقررة الأربعاء لمناقشة «استثناءات العفو العام»، وقال نائب رئيس البرلمان إلياس بو صعب إنه تم رفع الجلسة بسبب «التشنّج».

كما أشارت المعلومات إلى أن نقطة الخلاف التي فجّرت الجلسة تمثّلت في اتهامات بالطائفية طالت الجيش اللبنانيّ، حيث أتى قرار تأجيل الجلسة بالتنسيق مع رئيس البرلمان نبيه بري قبل نحو نصف ساعة من انعقادها.

نائب رئيس البرلمان إلياس بوصعب (الوكالة الوطنية - أرشيفية)

وفيما لفت بوصعب إلى أنه سيتم الانتهاء من البحث في القانون في الجلسة التي دعا إليها رئيس البرلمان يوم الاثنين، لفت إلى أن هناك نقطتين تحتاجان إلى نقاش «وارتأينا اليوم أن نشكل لجنة صغيرة تمثل معظم القوى السياسية لمناقشة المواضيع المتبقية».

وأتى ذلك بعدما شهد الاجتماع قبل الأخير للجان مشادة كلامية بين نواب ووزير الدفاع الوطني ميشال منسّى، بسبب اعتراض الأخير على استفادة الموقوفين الإسلاميين من هذا العفو، بسبب «الاتهامات المنسوبة إلى بعض منهم بالتورط بقتل جنود من الجيش اللبناني»، ما أدى إلى مغادرة الوزير الجلسة، لكن ما لبث أن عاد للمشاركة في الجلسة.

الخلفية الطائفية... عقبة أساسية

وتكمن العقبة الأساسية في الطابع الطائفي الذي يطغى على مقاربة القانون. إذ يبدي الشارع السني تخوّفاً من أن يستثني القانون الموقوفين الإسلاميين، استجابة لرغبة كتل نيابية بذريعة أن بعض هؤلاء متورطون في مواجهات مع المؤسسة العسكرية، ومتهمون بقتل جنود من الجيش اللبناني، ما يجعل شمولهم بالعفو مسألة حساسة، الأمر الذي يعكس انعدام الثقة بين الكتل النيابية، ويعيد إنتاج الانقسامات بينها.

في المقلب الآخر، يطالب المكوّن الشيعي بأن يشمل القانون الموقوفين، والملاحقين غيابياً في قضايا تتصل بزراعة وتصنيع وتجارة المخدرات، باعتبار أن هذه الملفات تحمل أبعاداً اجتماعية واقتصادية تتجاوز الطابع الجرمي البحت. ما يطرح إشكالية تتعلق بحدود العفو، وإمكانية شموله جرائم يُنظر إليها على أنها خطيرة، وتتخطّى الجغرافيا اللبنانية، إلى حدّ التأثير على علاقات لبنان بدول عربية، خصوصاً الدول الخليجية التي كانت تصدّر إليها شحنات الكبتاغون.

«سجن رومية المركزي» حيث ينتظر مئات الموقوفين محاكماتهم (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)

أما القوى المسيحية فتضع في صلب أولوياتها أن يتضمن القانون معالجة أوضاع اللبنانيين الذين فرّوا إلى إسرائيل بعد تحرير الجنوب عام 2000، وتعتبر أن تسوية هذا الملف باتت ضرورة إنسانية ووطنية بعد مرور 26 عاماً على تلك المرحلة، غير أن هذا الطرح يواجه بدوره اعتراضات من قوى أخرى، ما يزيد من تعقيد المشهد.

اقتراب التوافق على صيغة تشمل كل الجرائم

ويعتبر النائب أشرف ريفي، الذي يشارك في جلسات النقاش حول قانون العفو، والذي قدّم مع زملاء له من النواب المستقلين اقتراح قانون قال إنه «يضيّق مساحة الخلافات» ما بين هذه القوى، أنه «لا مفرّ من تحقيق إقرار قانون عفو ينهي أزمة السجون، ويحقق العدالة، والمساواة، خصوصاً المطالب المحقّة للموقوفين الإسلاميين، والتصدّي لكل محاولات عرقلة شمولهم بقانون العفو». وتحدّث لـ«الشرق الأوسط» عن «تعديلات أُدخلت على القانون»، مشيراً إلى أن «الكتل النيابية اقتربت من التوافق على صيغة شبه نهائية تشمل كل الجرائم، وتقضي بأن تُحدَّد عقوبة الإعدام والمؤبد بعشرين سنة، وأن تكون السنة السجنية ستة أشهر، ولمرة واحدة». ورداً على سؤال مقاربة القانون من بعد طائفي، ومذهبي، لم يخفِ ريفي أن «كل المكونات الثلاثة في البلد، أي الشيعة، والسنة، والمسيحيون يفعلون». وقال «لا شك أن المسيحيين لديهم رغبة بأن يشمل القانون المبعدين إلى إسرائيل، فيما تدفع الطائفة الشيعية باتجاه شمول المتهمين بقضايا المخدرات، والملفات الجنائية، مثل الخطف، والسطو، والسرقة، إضافة إلى المكوّن السني الذي يصرّ على ضرورة أن يشمل العفو الموقوفين الإسلاميين». وأضاف: «هناك كباش قبل الجولة النهائية، لكن القانون سيُقرّ في نهاية المطاف، لما فيه مصلحة للجميع».

إقراره أو انفجار في السجون

ويرتفع منسوب القلق في الشارع اللبناني من إسقاط قانون العفو، أو ترحيله مجدداً، ما يعني ضياع فرصة ثمينة لمعالجة أزمة السجون المتفاقمة، الأمر الذي سيترجم بتحركات واسعة في الشارع. ورأى عضو كتلة «الجمهورية القوية»، النائب غياث يزبك، أن قانون العفو العام «سيُقرّ لا محالة، لأن البديل عنه انفجار كبير في السجون»، مؤكداً أن «أزمة السجون لا يمكن حلّها إلا بالعفو العام». وعبر يزبك في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، عن أسفه «لتسييس هذا القانون من قبل مختلف الأطراف السياسية»، لافتاً إلى وجود آلاف الموقوفين من دون محاكمة. وكشف أن «هناك نحو 1800 موقوف في المخافر والنظارات لم يخضعوا حتى للتحقيقات الأولية، وهذا يعكس عمق الأزمة الإنسانية المتعلقة بالسجناء».

سجن رومية المركزي في لبنان (أرشيفية - غيتي)

وبانتظار تسوية عادلة لهذه القضية الإنسانية، وإخراجها من أتون التجاذبات السياسية، اعتبر النائب غياث يزبك أن «إصدار قانون العفو وإطلاق السجناء لا يكفي، بل المطلوب إقامة نظام قضائي عادل بحيث لا تكون التوقيفات اعتيادية، وأن تُدرس الملفات من قبل النيابات العامة قبل اتخاذ قرار التوقيف، وإلا فإن السجون ستمتلئ مجدداً، وفي غضون شهرين». وشدد على ضرورة «معالجة هذا الملف بطريقة قضائية، وأمنية، وإنسانية»، وداعياً إلى «وضع السجون تحت سلطة مؤسسات مدنية متخصصة بإدارتها، كما هو معمول به في دول العالم»، وداعياً إلى توفير «توافق سياسي شامل، وإصدار قانون عادل ينصف الجميع».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تعلن تطهير أنفاق «حزب الله» في مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان

شؤون إقليمية دخان يتصاعد بعد تفجير إسرائيلي في أرنون غير بعيد عن تلة علي طاهر الاستراتيجية في جنوب لبنان (د.ب.أ)

إسرائيل تعلن تطهير أنفاق «حزب الله» في مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي عمله على استكمال تطهير بنى تحتية تحت الأرض تابعة لـ«حزب الله» في منطقة مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي علم إسرائيلي مرسوم على جدار بجوار مبنى مدمر في قرية لبنانية على الحدود (أ.ف.ب)

إسرائيل تفرج عن خمسة أسرى مدنيين لبنانيين... خطوة لإبقاء مفاوضات روما على المسار

أعلنت إسرائيل، الخميس، الإفراج عن خمسة أسرى لبنانيين مدنيين، في خطوة تأتي قبل تحديد موعد جديد لجولة المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في روما.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي اعتقال عنصر تابع لخلايا «حزب الله» في منطقة السيدة زينب قرب دمشق (أرشيفية-«الداخلية السورية»)

الأجهزة اللبنانية تتوسع بتحقيقاتها مع شبكة «حزب الله» وفلول الأسد

وسعت دائرة التحقيقات مع الشبكة السورية اللبنانية التي فككتها الأجهزة الأمنية اللبنانية خلال الأيام الماضية، مع ظهور معطيات جديدة حول طبيعة نشاطها ومصادر تمويلها

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد إثر غارات إسرائيلية على منطقة المنصوري جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل توسّع عملياتها في جنوب لبنان... اعتقالات وتوغلات وتفجيرات في بلدات حدودية

وسّعت إسرائيل، الخميس، عملياتها في جنوب لبنان، بين التوغلات والاعتقالات والتفجيرات والقصف المدفعي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الولايات المتحدة تعيد إلى لبنان قطعاً أثرية قديمة

الولايات المتحدة تعيد إلى لبنان قطعاً أثرية قديمة نُهبت من مدينة صور

أعلنت الولايات المتحدة، الخميس، أنها أعادت إلى لبنان قطعاً من توابيت رصاصية تعود إلى العصر الروماني، أُخرجت بشكل غير قانوني من مدينة صور الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الكونغو الديمقراطية ستنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
TT

الكونغو الديمقراطية ستنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)

أعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية، الخميس، أنها ستنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس، لتنضم إلى دول منها الولايات المتحدة، اتخذت هذه الخطوة الرمزية الداعمة للسيادة الإسرائيلية على المدينة المتنازع عليها.

وعقب زيارة قام بها الرئيس فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي، أعلن الجانبان في بيان أنهما سيتخذان خطوات من أجل «نقل سفارة جمهورية الكونغو الديمقراطية من تل أبيب إلى القدس»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».


نصف سكان إسرائيل شربوا من مياه ملوثة بمجاري غزة

تستخدم نساء فلسطينيات نازحات طريقاً جافاً لنقل المياه إلى خيمتهن بعد هطول أمطار غزيرة شمال دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
تستخدم نساء فلسطينيات نازحات طريقاً جافاً لنقل المياه إلى خيمتهن بعد هطول أمطار غزيرة شمال دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

نصف سكان إسرائيل شربوا من مياه ملوثة بمجاري غزة

تستخدم نساء فلسطينيات نازحات طريقاً جافاً لنقل المياه إلى خيمتهن بعد هطول أمطار غزيرة شمال دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
تستخدم نساء فلسطينيات نازحات طريقاً جافاً لنقل المياه إلى خيمتهن بعد هطول أمطار غزيرة شمال دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

دخلت إسرائيل في أزمة مياه متفاقمة، نتيجة للتلوث، وقد ظهرت هذه الأزمة قبل أسبوعين، عندما كُشف عن أن مدينة عسقلان (أشكلون) الجنوبية ومنطقتها تشرب مياهاً ملوثة بمجاري قطاع غزة، من جراء تدمير البنى التحتية.

وتسبب قصف الجيش الإسرائيلي على الشوارع والمرافق الحيوية والبنى التحتية بغزة في خلق فوضى جعلت مياه المجاري تتدفق من القطاع بلا انضباط نحو البحر الأبيض المتوسط، ومن هناك نقلتها الأمواج شمالاً، وتسربت إلى محطات تحلية المياه الإسرائيلية.

لكن تحقيقات إسرائيلية أظهرت، قبل أيام، أن عسقلان ليس الوحيدة التي تشرب مياهاً ملوثة، بل إن نصف سكان إسرائيل تعرضوا للأمر نفسه.

ووفق إفادات محلية إسرائيلية، أدى التلوث البحري الاستثنائي إلى تعطيل شبه كامل لمنظومة تحلية المياه في إسرائيل، بعد ارتفاع حاد في عكارة مياه البحر. وتوقفت خمس محطات تحلية مياه ممتدة على طول ساحل البحر المتوسط عن العمل؛ أسدود، وشورك أ، وشورك بـوبلماحيم، وعسقلان، فيما واصلت محطة التحلية في الخضيرة وفي الجليل الغربي وفي إيلات عملها بصورة طبيعية، وفق المعطيات الواردة.

نازحون فلسطينيون يرفعون حاويات فارغة للتعبير عن النقص الحاد في المياه خلال مظاهرة بخان يونس جنوب غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

وأدى توقف معظم منشآت التحلية إلى نقص في كميات المياه المحلاة، التي يشربها 88 في المائة من سكان إسرائيل، الأمر الذي تسبب في اضطرابات في إمدادات المياه في مناطق مختلفة من البلاد، وإلى شح شديد في مياه الري.

وتبين أن نحو نصف السكان في إسرائيل الذين يعتمدون على تحلية المياه في المحطات الجنوبية يعانون من تلوث، وربما وصل الأمر إلى مواقع في الضفة الغربية والأردن، تشرب مياهاً محلاة من إسرائيل.

وأعلنت بلديات الجنوب في بئر السبع، وعسقلان وأسدود وغيرها عن أعطال في إمدادات المياه وانخفاض في ضغط المياه في عدد من الأحياء، ودعت السلطات السكان إلى التعامل مع الوضع وفق التعليمات الصادرة عن الجهات المختصة، في وقت تعمل فيه الجهات المسؤولة على ضمان استمرار إمدادات المياه للمنازل.

تداعيات كبيرة في الزراعة

وبموجب تعليمات إدارة المياه في حالات الطوارئ، بدأت السلطات المحلية بتقليص كبير في ري المساحات الخضراء العامة والاستخدامات البلدية للمياه. وتتركز التداعيات الكبرى في القطاع الزراعي؛ إذ تلقى مزارعون في أنحاء البلاد، للمرة الأولى منذ سنوات، إخطاراً بشأن تقليص شامل في حصص المياه أو وقف الإمدادات بصورة كاملة. ومن المتوقع أن يؤدي تقليص المياه المخصصة للزراعة إلى أضرار كبيرة بالمحاصيل، في حال استمرار الأزمة لفترة طويلة.

وأكدت سلطة المياه أن الأولوية الأساسية في هذه المرحلة تتمثل في ضمان إمدادات المياه للمنازل، موضحة أن المشكلات الموضعية التي قد تظهر في مناطق مختلفة ستخضع لمعالجة سريعة بهدف إعادة الإمدادات إلى انتظامها.

وفي أعقاب المطالبة بإقالته، قال وزير الطاقة والبنية التحتية، إيلي كوهين، المسؤول عن سلطة المياه وكل شؤون الطاقة، إن ما يحدث «ظاهرة طبيعية لم نشهد مثلها خلال السنوات العشرين الماضية». وأضاف أن السلطات تعمل على زيادة وتيرة ضخ المياه من الآبار ومن بحيرة طبريا، كما صودق على تشغيل محطتي تحلية إضافيتين تحت مراقبة دقيقة.

وأوضح كوهين أن «أولوية الدرجة الأولى هي توفير المياه للسكان»، مشيراً إلى أن الجهات المختصة تدرس حلولاً تتيح إعادة إمدادات المياه إلى المزارعين في أقرب وقت ممكن.

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

وفي موازاة جهود معالجة الأزمة، حذرت منظمة «آدم طيفع ودين» من أن الوضع الحالي يكشف، بحسب رأيها، عن إخفاقات استراتيجية في التخطيط لإدارة مصادر المياه. وقال خبراء في المنظمة إن السياسة التي تعتمد بصورة شبه حصرية على تحلية مياه البحر «خطيرة وخاطئة»؛ لأنها لا تأخذ في الاعتبار مخاطر محتملة، من بينها تلوث مياه البحر وتعطل منشآت التحلية.

وأضافت المنظمة أن «مرونة منظومة المياه في إسرائيل هي أمنها»، مؤكدة أنه لا يمكن الاعتماد على مصدر واحد للمياه. وانتقدت ما وصفته بإهمال مخزونات الطوارئ الطبيعية، مشيرة إلى إغلاق آبار لمياه الشرب بسبب التلوث من دون إعادة تأهيلها.

وكانت وسائل الإعلام قد وضعت هذا الموضوع على رأس اهتماماتها، طيلة يومي الثلاثاء والأربعاء، فكشف عدة خبراء عن أن هناك غطرسة إسرائيلية تقليدية قادت إلى هذه الأزمة. فمنذ أن بدأت إسرائيل مشاريع تحلية مياه البحر وهي تعاني من ظاهرة تدفق الطحالب من مياه النيل في مصر، ولذلك لا يجوز لها أن تفشل في معالجة مياه المجاري من غزة.


إسرائيل تفرج عن خمسة أسرى مدنيين لبنانيين... خطوة لإبقاء مفاوضات روما على المسار

علم إسرائيلي مرسوم على جدار بجوار مبنى مدمر في قرية لبنانية على الحدود (أ.ف.ب)
علم إسرائيلي مرسوم على جدار بجوار مبنى مدمر في قرية لبنانية على الحدود (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تفرج عن خمسة أسرى مدنيين لبنانيين... خطوة لإبقاء مفاوضات روما على المسار

علم إسرائيلي مرسوم على جدار بجوار مبنى مدمر في قرية لبنانية على الحدود (أ.ف.ب)
علم إسرائيلي مرسوم على جدار بجوار مبنى مدمر في قرية لبنانية على الحدود (أ.ف.ب)

أعلنت إسرائيل، الخميس، بدء تسليم لبنان خمسة أسرى مدنيين اعتقلتهم قواتها في جنوب لبنان، وبدأت العملية بتسليم المواطن مالك كمال غازي (20 عاماً) في خطوة تأتي استباقاً لتحديد موعد جديد لجولة المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في روما، وبعد لقاء جمع السفير الأميركي ميشال عيسى برئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفي ظل مساعٍ لإبقاء المسار التفاوضي قائماً، فيما أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن إسرائيل لا تزال تنتهك «اتفاق الإطار» وأن الجيش اللبناني يقوم بواجبه كاملاً.

نتنياهو: ليسوا أعضاء في منظمة إرهابية

وأعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل قررت الإفراج عن خمسة مدنيين لبنانيين بعد استجوابهم، موضحاً في بيان أن «بعد الانتهاء من استجوابهم، تبيّن أنهم مدنيون ليسوا أعضاء في أي منظمة إرهابية، ولم يشاركوا في أعمال إرهابية، ولا يوجد سبب لمواصلة احتجازهم في إسرائيل»، فيما قالت مصادر مطلعة على العملية لـ«الشرق الأوسط» إنه سيتم تسليم الأربعة الآخرين صباح يوم الجمعة.

وأضاف بيان نتنياهو «أن القرار جاء في إطار مفاوضات مع لبنان لاستعادة رفات قادة للجالية اليهودية خُطفوا وقتلوا هناك ‌في منتصف ‌ثمانينات القرن الماضي. مشيراً إلى ‌أن ⁠إسرائيل ​ولبنان بذلا ⁠في الأشهر القليلة الماضية جهوداً لتحديد مكان الرفات، شملت عمليات على الأرض.

وكانت معلومات قد أشارت في وقت سابق إلى جهود أميركية للضغط على إسرائيل للقيام بخطوة إيجابية في ملف الأسرى قبل تحديد موعد جولة جديدة للمفاوضات في روما والتي كان يفترض أن تعقد الثلاثاء الماضي، ولا سيما أن قضية المعتقلين والمفقودين كانت من الملفات الأساسية التي بحثت في الجولة الأخيرة حيث جرى تبادل لوائح أولية بين الطرفين.

وحسب المعطيات اللبنانية، فإن مالك غازي، البالغ 20 عاماً، كان قد فقد الاتصال به في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أثناء وجوده في بلدة عين عطا في قضاء راشيا لممارسة رياضة المشي. وأكدت مصادر وزارية أن غازي لا ينتمي إلى «حزب الله»، وأن إسرائيل لم تكن قد أبلغت الدولة اللبنانية سابقاً بمعلومات عنه.

الأسير المحرر مالك غازي (الوكالة الوطنية للإعلام)

وقد تسلّم الجيش اللبناني غازي، ظهراً، من الصليب الأحمر بعد أن سلّمته إسرائيل عند معبر الناقورة، ونُقل إلى مكتب مخابرات الجيش في ثكنة بنوا بركات في صور لإجراء الفحوصات الطبية.

سلام: خطوة على طريق معالجة الملف

وأكد رئيس الحكومة نواف سلام أن «عودة أي لبناني محرر إلى وطنه سالماً تشكّل خطوة مهمة على طريق معالجة هذا الملف»، متوجهاً «بالشكر إلى الإدارة الأميركية، ولا سيما إلى السفير ميشال عيسى، على الجهود التي بُذلت في هذا المجال».

وأكد سلام «مواصلة العمل حتى الإفراج عن جميع أسرانا والكشف عن مصير المفقودين، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية»، مضيفاً: «مهما بدا المسار التفاوضي صعباً، سنستمر بحشد كل الجهود المطلوبة، لحفظ حقوق لبنان ومصالح اللبنانيين، ولا سيما أهلنا في الجنوب، وتأمين عودتهم الآمنة والكريمة إلى أرضهم وقراهم، وإعادة سيادة الدولة الكاملة على أراضيها».

مصادر مطلعة: ضغط أميركي لإبقاء مسار المفاوضات

وتقول مصادر مطلعة على العملية لـ«الشرق الأوسط» إن الإفراج عن الأسرى جاء نتيجة ضغط أميركي، ولا سيما بعد لقاء السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث كان الحث على تقديم أي خطوة إيجابية قبل موعد المفاوضات المقبل.

وتقول المصادر إن «كل ما نص عليه الاتفاق قد توقف»، ولا سيما ما يتعلق بالمناطق النموذجية، ولذلك كان الضغط باتجاه القيام بأي خطوة في ملف الأسرى والحدود البرية، وهما الموضوعان اللذان جرى البحث فيهما خلال جلسة المفاوضات الأخيرة.

وتضيف أن لبنان كان قد قدم لائحة بأسماء الأسرى، وعددهم 32 أسيراً، من المدنيين وعناصر في «حزب الله»، مطالباً على الأقل بأن يلتقي بهم الصليب الأحمر، وهو ما رفضته إسرائيل، مشيرة إلى أن «الأميركي ضغط عليهم على الأقل كي يبقى مسار المفاوضات مستمراً»، كما أن لبنان لم يُبلّغ مسبقاً بتفاصيل العملية الحالية أو أسماء الأسرى الخمسة.

وكان الوفد اللبناني قد شدد خلال جولة روما الأخيرة على ضرورة التمييز بين الأسرى المدنيين وعناصر «حزب الله»، فيما قدم الوفد الإسرائيلي لائحة طالب فيها بتسلم رفات 12 شخصاً يهودياً قتلوا في لبنان خلال الحرب الأهلية، وهو أمر يصعب تحقيقه من الجانب اللبناني لعدم توافر معلومات عنهم.

وفيما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن جهد من جانب لبنان للبحث عن المفقـودين الـ12، مشيرة إلى أنه سلم خرائط وصوراً لمقابر ومواقع يحتمل أن تكون فيها أدلة أو رفات، قالت المصادر إن «الوفد اللبناني سلم الوفد الإسرائيلي خلال جولة المفاوضات الأخيرة صوراً لمقابر اليهود في لبنان لكن من دون تحديد رفات الأشخاص المطلوبين من قبل إسرائيل.

يحمل جنود إسرائيليون نعش الرائد هاريل بيرينستوك خلال مراسم جنازته يوم 6 أغسطس 2026 بعدما كان قد أعلن الجيش الإسرائيلي عن مقتل جنديين وإصابة 4 آخرين إثر انفجار عبوة ناسفة في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

وكان رئيس الجمهورية جوزيف عون قد أثار قضية الأسرى خلال زيارته الولايات المتحدة، حيث التقى رئيس الصليب الأحمر الدولي وسأله عن هذا الملف، فأبلغه بوجود أسرى لبنانيين لدى إسرائيل، لكن إسرائيل تمنع اللجنة من الوصول إليهم، حسب ما قالت المصادر الوزارية.

عون: إسرائيل تواصل انتهاك اتفاق الإطار

وفي موازاة الخطوة الإسرائيلية في ملف الأسرى، شدد الرئيس جوزيف عون على أن إسرائيل لا تزال تنتهك اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه في المفاوضات اللبنانية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية في واشنطن.

وجاء كلام عون خلال استقباله وزير التجارة الخارجية والتعاون الإنمائي الهولندي سجورد سجوردسما الذي التقى أيضاً رئيس الحكومة نواف سلام، قد بحث مسار العودة والتعافي وإعادة الإعمار في الجنوب، وجهود الحكومة في الإصلاح وتعزيز مؤسسات الدولة وقدراتها.

وقال عون إن «إسرائيل تواصل انتهاك اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه في المفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية في واشنطن من خلال استمرار القصف وتدمير القرى الجنوبية التي تحتلها وجرف المنازل والممتلكات»، لافتاً إلى أن «الجيش يقوم بواجبه كاملاً في المناطق النموذجية التي أعاد انتشاره فيها، وأن كل ما يقال غير ذلك يستهدف الإساءة إلى الجيش والتشكيك بدوره والتزامه قرارات السلطة السياسية».

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية على أطراف قرية راشيا الفخار اللبنانية يوم 11 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

وأكد أن «إعادة إعمار الجنوب مسؤولية الدولة اللبنانية، لكن ذلك لا يمكن أن يتم في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي»، مرحباً بأي «مساعدة دولية في هذا المجال لاسيما أن دولاً عدة وافقت على انعقاد مؤتمر دولي لتوفير الدعم اللازم لذلك».