تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

من مشروعٍ صغيرٍ إلى كيانٍ يتغلغل في تفاصيل حياة مئات الملايين

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ
TT

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

بعد نصف قرنٍ على ولادة «أبل» في مرآبٍ صغيرٍ بوادي السيليكون، يبدو الاحتفاء بها أقرب إلى تأملٍ في سيرة عصرٍ كاملٍ تشكّل على وقع الشاشة، واللمس، والصورة، والسرعة، والرغبة الدائمة في امتلاك الأحدث. الحكاية التي بدأت تجربة تقنية محدودة، اتسعت لتغدو إحدى أكثر العلامات حضوراً في الوعي اليومي للإنسان المعاصر. عبر خمسة عقود تحولت «أبل» من مشروعٍ صغيرٍ إلى كيانٍ ينسج صلته بتفاصيل حياة مئات الملايين من البشر: في العمل، والتواصل، والذاكرة، والذائقة، وتمثيل الذات أمام الآخرين. تبدو هذه الرحلة أبعد من قصة صعودٍ مالي، وأعمق من سجل ابتكاراتٍ ناجحة؛ إنها درسٌ في قدرة التكنولوجيا على التحول إلى ثقافة، وقدرة المنتج على اكتساب معنى رمزيّ يتجاوز وظيفته المباشرة. لذلك يمنح اليوبيل الذهبي لـ«أبل» مناسبةً لتفكيك الشيفرة التي جعلت «التفاحة المقضومة» علامةً على الحداثة، والتميز، والانتماء إلى زمنٍ يرى العالم فيه نفسه من خلال شاشات مضيئة.

قبل أن تبلغ «أبل» منزلة الأيقونة الثقافية المعولمة، وجب عليها استيعاب درسٍ تأسيسيٍ: الجودة ثقافة قبل أن تكون تقنية. درس تمتد جذوره إلى اليابان الخارجة من الحرب العالمية الثانية، حين أرسل الجنرال دوغلاس ماك آرثر الفيزيائي هومر ساراسون للمساهمة في إعادة بناء قطاع الاتصالات الياباني، حيث وجد أن جوهر الأزمة يتصل بالعقلية المؤسسية: خوفٌ من مساءلة السلطة، وترددٌ في اتخاذ القرار، وانعدام المبادرة. كان الخلل في تصور العمل ذاته: العلاقة بين العامل والنظام، والفرد والمسؤولية، والمنتج ومعناه الأخلاقي.

علّم ساراسون اليابانيين أن الجودة تبدأ من طريقة التفكير، والثقافة التي تحيط بالإنتاج، والقدرة على تحويل كل تفصيلٍ صغيرٍ إلى جزءٍ من منظومةٍ واعية. غادر اليابان عام 1950، وبقيت أفكاره طازجة في فضاء الصناعة اليابانية حتى صارت فلسفةً شاملةً تحكم أداء كبرى الشركات. وبحلول أواخر السبعينات، كانت المنتجات اليابانية قد رسخت سمعةً عالميةً في الدقة والإتقان. أما «أبل»، التي تأسست عام 1976، فاحتاجت زمناً أطول كي تجعل هذا الدرس جزءاً من بنيتها الداخلية.

عندما أسس ستيف جوبز شركة «نيكست» بعد خروجه من «أبل»، تصوّر أن جمع العقول اللامعة تحت ضغطٍ عالٍ يكفي لإنتاج أشياء عظيمة. لكن تجربته كشفت سريعاً أن العبقرية الفردية تحتاج إلى هندسةٍ ثقافيةٍ تنظّمها، والطاقة الخلاقة تبلغ أثرها حين تتحول إلى عمليةٍ قابلةٍ للتكرار والتحسين. وقد أيقن أن الموهبة الخام تحتاج إلى نظام، والإلهام يحتاج إلى بنية، والمنتج العظيم يولد من عقلٍ جمعي يقيس، ويصحح، ويعيد البناء.

في تلك المرحلة استنار جوبز بأفكار الثمانيني جوزيف غوران، أحد كبار مهندسي الجودة في الولايات المتحدة، الذي دعا إلى النظر في كل شيء بوصفه عملية متكررة، وأن القياس طريق السيطرة على الجودة. انجذب جوبز إلى هذه الرؤية، التي منحت الحدس الإبداعي جسداً قابلاً للإدارة. لكن التحول جاء متأخراً بالنسبة إلى «نيكست»، التي توقفت عن التصنيع عام 1993. انتقل هذا الإدراك مع جوبز إلى تجاربه التالية، وتحول إلى ذخيرةٍ فكريةٍ ستظهر آثارها لاحقاً.

ولدى شرائه شركة «بيكسار»، واجه معضلة ثقافية مغايرة، إذ ضم الاستوديو نخبةً مبدعةً قادرةً على إنتاج فيلمٍ ناجح، ثم تخرج منهكةً عقب كل مشروع، وكأن النجاح يستنزف شروط استمراره. طبق جوبز فلسفة العملية المنظمة: بناء نظامٍ يسمح بانتقال العمل، وتراكم المعرفة، واستكمال المشروع من أي نقطة. وبهذا المعنى، تحولت «بيكسار» من ورشةٍ إبداعيةٍ عميقة الموهبة إلى مؤسسةٍ قادرةٍ على الاستدامة، ومن حالةٍ فنيةٍ استثنائيةٍ إلى بنيةٍ تنتج الخيال بانتظام.

عاد جوبز إلى «أبل» في 1997، وكانت الشركة على حافة الانهيار وجلب معه خبراء تشربوا دروس الجودة من «هيوليت باكارد» و«موتورولا»، ومزج خبراتهم بما تعلمه في «بيكسار» و«نيكست» ليقدم بهم منجزه الأكثر تأثيراً: المنتج الأيقوني ثمرة منظومةٍ كاملة، والجمال الصناعي نتاج ثقافةٍ مصنعية تجعل الجودة قابلةً للتوسع على نطاقٍ هائل. ومع جهاز «iPod nano» عام 2005، بدأت العناصر المتفرقة تتجمع في صيغةٍ واحدة: تصميمٌ رشيق، تصنيعٌ دقيق، تجربة مستخدمٍ سلسة، ورغبةٌ قادرةٌ على تحويل الجهاز الصغير إلى علامةٍ على زمنٍ جديد.

تجاوز مشروع «أبل» مسألة التصنيع إلى طرح ثقافيٍّ أعمق: تحويل الحرفة إلى خوارزمية، واللمسة الإنسانية إلى إجراءٍ قابلٍ للتكرار. لقد تعاونت الشركة مع حرفيين في اليابان لتطوير عملياتٍ دقيقة، من بينها صناعة الهيكل الفولاذي العاكس. سُجلت أدق التفاصيل: زاوية المعصم، ومقدار الضغط، والسرعة، وإيقاع الحركة، وحتى صوت التلميع. تحولت الحرفة، التي كانت تنتقل بالتوارث والخبرة اليدوية، إلى كودٍ رياضي، ثم نُقلت إلى الصين كي تُعاد على نطاقٍ صناعيٍّ شاسع. عند تلك اللحظة أبرق نجم «أبل»: الجمع بين روح الفن ومنطق المصنع، وبين أثر اليد وصرامة الآلة، وبين الهالة الجمالية ومتطلبات الإنتاج الضخم.

خارج المصانع، بنت «أبل» لنفسها موضعاً خاصاً في المخيلة العالمية. فمنذ ظهوره، تجاوز الآيفون وظيفة الاتصال، وصار حاملاً لمعانٍ اجتماعيةٍ وثقافية، ومرآةً لطريقة حضور الفرد في العالم. الهاتف هنا وسيلةٌ للحديث، وكاميرا للذاكرة، ومحفظة للهوية، ومسرحٌ صغيرٌ يمارس عليه الإنسان صورته اليومية. هكذا غدا اقتناء الجهاز إشارةً إلى موقعٍ رمزي، وانضماماً إلى جماعةٍ متخيلةٍ ترى نفسها أقرب إلى الإبداع، والأناقة، والتميز.

روّجت «أبل» لنفسها عبر فكرة «التفكير بشكل مختلف»، فشيدت حول منتجاتها وعداً ثقافياً: من يختارها يقترب من عالمٍ أكثر صفاءً وجرأةً وقدرةً على تحويل العمل إلى أسلوب حياة. بهذا الوعد تشكل ولاءٌ استثنائيٌّ، حيث ارتبطت الأجهزة بصورة الذات الحديثة: ذات أنيقة، خفيفة، خلاقة، واثقة من أدواتها. وتظهر إعلانات «أبل»، في معظمها، كدعوةٍ إلى نمط عيشٍ مرغوب، أكثر من كونها شرحاً لمواصفاتٍ تقنية. الشاشة اللامعة نافذةٌ على هوية، والجهاز امتدادٌ للجسد، والواجهة البيضاء لغةٌ بصريةٌ توحي بالنقاء والسيطرة والانسجام.

تشير القراءات السيميائية إلى أن «أبل» بنت علامتها عبر ثلاثية: الاسم، والمنتج، والمزاج. الاسم/ الشعار «تفاحة»، يحمل خفةً ومرحاً وسهولةً في التحول إلى أيقونةٍ عابرةٍ للغات والثقافات. والمنتجات تمنح العلامة أرضيتها العملية عبر الأداء والجودة والتكامل. أما المزاج فقد تحرك عبر مراحل متوالية: روح التمرد في الثمانينات، طموح الريادة في التسعينات، ثم الراحة الواثقة في الألفية الجديدة. ومن هذا التداخل بين الاسم والشيء والإحساس، صارت «أبل» ظاهرةً تتجاوز حدود الشركة، ورمزاً ثقافياً معولماً لعصر الإنترنت بأكمله.

بحلول عام 2011، اعتلت «أبل» قمة القيمة السوقية العالمية. وبعد رحيل جوبز المبكر، قاد تيم كوك الشركة إلى طورٍ جديدٍ تضاعفت فيه أرباحها، واتسع فيه مفهومها لذاتها، إذ تحولت تدريجياً من شركةٍ تتمحور حول دورة الأجهزة الكبرى إلى منظومةٍ رقميةٍ واسعة، يشكل قطاع الخدمات فيها رافداً مركزياً من روافد الربح: عمولات متجر التطبيقات، واشتراكات التخزين، وصفقات البحث، ومجمل البنية التي تجعل المستخدم يعيش داخل فضاءٍ مغلقٍ ومريحٍ في آنٍ واحد. تجاوزت قاعدة المستخدمين ملياراً ونصف المليار إنسان، وتحولت هذه الكتلة إلى مجتمعٍ رقميٍّ هائل، وسوقٍ ثقافيةٍ يحرص صانعو التطبيقات والمحتوى والمنافسون على الوجود داخلها.

هذا التحول يعيد تعريف معنى شركة التكنولوجيا. صارت «أبل» صانعة أجهزة، وحارسة بوابة، ومنسقة نظامٍ بيئيٍّ كامل. المستخدمون داخل هذا العالم يصنعون المحتوى، ويستهلكونه، ويشترون التطبيقات، ويدفعون الاشتراكات، ويعيدون إنتاج الولاء نفسه عبر عاداتٍ يوميةٍ صغيرة. في هذا الكون، تبيع «أبل» الجهاز والتجربة، الراحة والانتماء، الأداء والإحساس، وتحوّل علاقة المستهلك بالمنتج إلى علاقةٍ طويلةٍ مع بيئةٍ كاملةٍ من الخدمات والرموز والإيماءات.

قصة «أبل»، بهذا المعنى، قصة انتقال معرفةٍ عبر القارات، وخطوط التجميع، وأنظمة الإدارة، وأشكال الخيال. إنها قصة تعلمت فيها الصناعة الأميركية من اليابان، ثم أعادت صياغة الدرس بين مختبرات كاليفورنيا ومصانع آسيا. وهي أيضاً قصة الصين التي راكمت خبرةً صناعيةً هائلةً من خلال إنتاج أجهزة صُممت لتبدو كأنها قادمةٌ من عالمٍ أملس، خفيف، ومثالي. وفي العمق، إنها قصة شركةٍ استطاعت أن تجعل من شعارٍ بسيطٍ حاملاً لمعاني التمرد، والإبداع، والتميز، والانتماء.

اليوم، تدخل «أبل» مرحلةً جديدةً مع صعود جيلٍ قياديٍّ وسط تحديات الذكاء الاصطناعي، والتحولات الجيوسياسية، وأسئلة سلسلة التوريد، والبحث عن الموجة التالية من الابتكار. لكن جوهر الحكاية يبقى في قدرة هذه الشركة على عكس تحولات عصرها وصناعتها في آنٍ واحد. «أبل» مرآةٌ للحداثة الرقمية: تصنع المنتجات، وتصوغ الرغبات، وتؤثر في الذائقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وأدواته. وبعد 50 عاماً، تبدو «التفاحة المقضومة» أكثر بكثير من علامةٍ تجارية؛ إنها استعارةٌ كبرى لعصرٍ كامل، وحلمٌ صناعيٌّ تحول إلى أسطورةٍ ثقافية، وتذكيرٌ بأن تفاحة المعرفة، منذ بدء التكوين، كانت دائماً بوابةً إلى عالمٍ آخر.


مقالات ذات صلة

فن «الكتابة عن الكتابة»

كتب فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها.

سوسن الأبطح
كتب تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون  رضا البهات

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون 
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

قصر الحلابات

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.