مصر تدعو لتجفيف منابع تمويل الإرهاب بأفريقيا

أكدت رفض الاعتداءات التي تنال من أمن الدول

منظر عام للمباني والأهرامات الكبرى في العاصمة القاهرة (رويترز)
منظر عام للمباني والأهرامات الكبرى في العاصمة القاهرة (رويترز)
TT

مصر تدعو لتجفيف منابع تمويل الإرهاب بأفريقيا

منظر عام للمباني والأهرامات الكبرى في العاصمة القاهرة (رويترز)
منظر عام للمباني والأهرامات الكبرى في العاصمة القاهرة (رويترز)

دعت مصر إلى تضافر الجهود الإقليمية والدولية لتجفيف منابع تمويل الإرهاب، وشددت على «رفض الاعتداءات كافة التي تنال من أمن واستقرار الدول». تأكيدات القاهرة جاءت خلال اتصال هاتفي تلقاه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، من نظيره المالي، عبد الله ديوب، حيث بحثا جهود مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل.

واستعرض ديوب مستجدات الأوضاع الأمنية في بلاده، والجهود الجارية لمكافحة الإرهاب والتطرف بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار، متناولاً الأحداث المتسارعة في بلاده.

وأدانت مصر، الاثنين الماضي، الهجمات الإرهابية التي شهدتها مالي، وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا وسقوط عدد من الضحايا. ودعت حينها مواطنيها إلى الالتزام بتعليمات السلطات المحلية، وتوخي الحيطة والحذر حفاظاً على سلامتهم.

وكان حي سينو، الذي يقع فيه المطار ومواقع عسكرية حساسة بمدينة باماكو، مسرحاً لمواجهات عنيفة، السبت الماضي، بين الجيش المالي وعناصر «جماعة النصرة» الموالية لتنظيم «القاعدة» الإرهابي، والمتحالفين مع متمردين من الطوارق في إطار «جبهة تحرير أزواد».

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، السبت، تبادل الوزيران الرؤى حول سبل إرساء الاستقرار والأمن والسلام، وتحقيق التنمية في القارة الأفريقية. واتفق الجانبان على تعزيز التنسيق في الإطارين الثنائي ومتعدد الأطراف، والبناء على الزخم السياسي والتنموي القائم بما يخدم المصالح المشتركة، ويسهم في دعم الاستقرار والتنمية في القارة الأفريقية.

مواطنوان بالعاصمة باماكو عقب الاشتباكات بين الجيش و«تحالف المتمردين الطوارق» في 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

وأشاد عبد العاطي خلال الاتصال مع ديوب بالعلاقات الوطيدة بين البلدين، مؤكداً «تضامن بلاده الكامل مع مالي في مواجهة الأعمال الإرهابية». وشدد على موقف بلاده الثابت والرافض لجميع أشكال الإرهاب والتطرف، مشيراً إلى «أهمية التصدي للفكر المتطرف الذي يغذي الإرهاب، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الساحل والقارة الأفريقية، في إطار (مقاربة شاملة) تربط بين الأمن والتنمية».

وفي فبراير (شباط) الماضي، دعت مصر إلى ضرورة تبنِّي «مقاربة شاملة» لتعزيز الوضع الأمني في أفريقيا، وقال عبد العاطي أمام الدورة العادية لقمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا أن هذه «المقاربة» للتعامل مع مختلف التحديات المتشابكة وفي مقدمتها «الإرهاب» والتدخلات الخارجية التي تمس سيادة الدول.

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، رامي زهدي، أن تأكيد مصر المتكرر خلال اللقاءات والفعاليات الرسمية على «المقاربة الشاملة» في أفريقيا يعكس تحولاً نوعياً في فهم طبيعة التهديدات التي تواجه القارة، و«يعيد التأكيد على أن الأمن في أفريقيا لم يعد مسألة عسكرية؛ بل منظومة مترابطة تشمل الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمائي».

ويوضح زهدي لـ«الشرق الأوسط» أن «المقاربة» تُعيد الاعتبار لمفهوم الملكية الأفريقية للحلول؛ حتى لا تبقى القارة ساحة لتجارب أمنية خارجية؛ بل تصبح فاعلاً رئيسياً في صياغة استراتيجياتها الأمنية.

مصر دعت أمام قمة الاتحاد الأفريقي في فبراير الماضي إلى تبنِّي «مقاربة شاملة» في أفريقيا (الخارجية المصرية)

واتهم رئيس الوزراء المالي، عبد الله مايغا، الثلاثاء الماضي، «جهات خارجية» دون تسميتها بدعم الإرهابيين في الهجوم الكبير الذي استهدف العاصمة باماكو ومدناً عدّة في وقت متزامن، كما عدَّ أن «هذه الهجمات كانت تهدف إلى زرع الرعب، وزعزعة التماسك الوطني، وإضعاف مؤسسات الفترة الانتقالية».

ويشار إلى أن وزير الأمن والحماية المدنية المالي، داود علي محمدين، قد اختتم زيارة رسمية إلى مصر، الأسبوع الماضي، بدعوة من وزير الداخلية المصري، محمود توفيق. وناقش الجانبان «سبل تعزيز التعاون الأمني بين البلدين في ظل التحديات المشتركة، خصوصاً في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. كذا تطوير برامج تدريب الكوادر الأمنية، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية»، وفق إفادة رسمية.

وأكد توفيق حينها «استعداد بلاده لدعم جهود مالي في تطوير قدراتها الأمنية، لا سيما في مجالات التكوين والتدريب، مع الدفع نحو شراكة استراتيجية متقدمة».


مقالات ذات صلة

«قفزة قياسية» في سعر الدولار تُربك السوق المصرية

شمال افريقيا مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

«قفزة قياسية» في سعر الدولار تُربك السوق المصرية

تترقب الأسواق في مصر ما ستؤول إليه أسعار الجنيه أمام الدولار في أعقاب تراجع العملة المحلية بنحو 2 في المائة خلال أسبوع لتسجل أدنى مستوى معدل لها في غضون 5 شهور.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا وزارة الداخلية المصرية تكثف الحملات المرورية على مختلف الطرق السريعة (وزارة النقل المصرية)

مصر: مقتل 13 شخصاً وإصابة 34 آخرين في حادث سير جديد

أودى حادث سير جديد في محافظة أسيوط (صعيد مصر) بحياة ما لا يقل عن 13 شخصاً، وأدى إلى إصابة 34 آخرين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا سيارات تابعة لهيئة الإسعاف في مصر (هيئة الإسعاف المصرية)

مصرع 12 شخصاً وإصابة 30 في حادثة تصادم جنوب القاهرة

حادثة تصادم وقعت صباح اليوم، بين حافلة ركاب كبيرة وسيارة نقل، على طريق سريع جنوب العاصمة القاهرة، أودت بحياة 12 شخصاً وأصابت آخرين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (أ.ش.أ)

البرلمان المصري يمد مناقشات دعم السعودية عسكرياً إلى الأسبوع المقبل

قرر مجلس النواب المصري (البرلمان)، مد المناقشات بشأن تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي في دعم المملكة العربية السعودية عسكرياً إلى الأسبوع المقبل.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

خطة نتنياهو لإنشاء «مناطق عازلة»... هل تنتهك اتفاقية السلام مع مصر؟

استبق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المشهد متحدثاً عن خطة محتملة لإنشاء مناطق عازلة في دول عدة، بينها مصر التي تجمعه معها اتفاقية سلام وقعت عام 1979.

محمد محمود (القاهرة)

«قفزة قياسية» في سعر الدولار تُربك السوق المصرية

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)
TT

«قفزة قياسية» في سعر الدولار تُربك السوق المصرية

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

تترقب الأسواق في مصر ما ستؤول إليه أسعار الجنيه أمام الدولار عقب تراجع العملة المحلية بنحو 2 في المائة خلال أسبوع، لتسجل أدنى مستوى معدّل لها في غضون 5 شهور، وتقترب من «قفزة قياسية» بلغت 55 جنيهاً مقابل الدولار الواحد، وسط مخاوف عبّر عنها اقتصاديون من تأثيرات كبيرة جراء الاضطرابات والصراعات المستمرة في المنطقة.

وسجل سعر الدولار في مصر مقابل الجنيه ارتفاعاً جديداً، الثلاثاء، إذ وصل إلى 54 جنيهاً و50 قرشاً في بعض البنوك، وذلك في ظل ارتفاع سعر الدولار عالمياً، وتخارج الأموال الساخنة من أدوات الدين المصرية. وقد انعكس ذلك مباشرة على حركة الأسعار في الأسواق، إذ ارتفعت سلع رئيسية مثل الزيت والمعكرونة والأرز، والفول والدقيق والبيض واللحوم والدواجن، وفق بيانات «بوابة أسعار السلع المحلية والعالمية»، التابعة لمركز معلومات مجلس الوزراء، الثلاثاء.

وتأتي هزات الجنيه أمام الدولار وانعكاسه على الأسواق، بالرغم من ارتفاع صافي الاحتياطات الأجنبية لتسجل مستوى قياسياً جديداً عند 57.35 مليار دولار خلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، وارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال أول 8 أشهر من العام الحالي، لتسجل تدفقات قياسية بلغت نحو 33.9 مليار دولار.

في هذا السياق، يرى رئيس شعبة المحمول والاتصالات بالغرفة التجارية في القاهرة، محمد طلعت، أن هناك عوامل عديدة تساهم في ارتفاع أسعار الهواتف المحمولة مثلاً، بينها ارتفاع أسعار الدولار مقابل الجنيه، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار مكونات الهواتف التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والتي تشهد طفرة عالمية في الأسعار، وغيرها من عناصر الإنتاج، وهو ما يقود للإعلان عن قوائم جديدة لأسعار الهواتف كل أسبوعين تقريباً.

وقال طلعت لـ«الشرق الأوسط»، إن شركات المحمول «ما زالت تعتمد على أسعار قديمة للجنيه أمام الدولار، والآن تبدأ الشركات في إعادة تسعير الهواتف وفقاً للأسعار الجديدة المُعلنة من جانب البنوك المصرية»، لافتاً إلى أن الهواتف المصنّعة في مصر «سوف تشهد ارتفاعات أيضاً جراء الاعتماد على مدخلات إنتاج مستوردة من الخارج».

وتوقع طلعت أن تشهد الأجهزة الكهربائية ارتفاعات مماثلة، في حال استمرار تراجع الجنيه، لكنه أشار إلى أنها حتى الآن لم تشهد زيادات كبيرة بخلاف الهواتف المحمولة.

البنك المركزي المصري (الصفحة الرسمية)

وقبل أيام كشف رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية باتحاد الغرف التجارية، جورج زكريا، في تصريحات لصحف محلية، عن تراجع حاد في مبيعات الأجهزة الكهربائية بالسوق المصرية، تجاوز 60 في المائة منذ النصف الثاني من أغسطس (آب) الماضي، مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار، وازدياد الأعباء المعيشية، أثرا بشكل ملحوظ على حركة الشراء، وأديا إلى حالة من الركود داخل القطاع.

كما أعلنت رابطة «تجار السيارات في مصر» عن ارتفاع طال أيضاً السيارات، بنسبة تتراوح ما بين 5 في المائة إلى 10 في المائة منذ بداية أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نتيجة تحركات سعر الدولار وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وذلك بالتزامن مع عودة ظاهرة «الأوفر برايس» لقطاع واسع من العلامات التجارية.

وترى الخبيرة الاقتصادية الدكتورة سمر عادل، أن الأسواق في مصر والعالم تعاني حالة من الاضطراب، نتيجة الصراعات المتزايدة وأزمات مرور سلاسل الإمداد في البحر الأحمر، مشيرة إلى ما أن تعانيه الأسواق في مصر الآن بدأت تداعياته منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية قبل أربع سنوات، مشيرة إلى أن استمرار التوترات سيقود لمزيد من تراجع الجنيه أمام الدولار، وبالتالي مزيد من الارتفاعات في الأسعار جراء ارتفاع تكاليف الإنتاج المستوردة من الخارج.

وأوضحت سمر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الرقابة الداخلية من جانب الحكومة على الأسواق تكتسب أهمية كبيرة في هذا التوقيت، نتيجة اتجاه التجار لرفع الأسعار، مع ضرورة التحكم في الزيادات بما لا يضاعف الأعباء على المواطنين، إلى جانب تبني خطط ترويجية للسياحة لجذب العملة الصعبة، بما يلبي الاحتياجات المحلية.

وتوقع تقرير أعدته وكالة «رويترز» تسارع وتيرة تضخم أسعار الغذاء عالمياً خلال الأشهر المقبلة، واستمرار الضغوط حتى عام 2027، في ظل اضطرابات حركة الشحن المرتبطة بالحرب، وارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة، ومخاوف تراجع الإنتاج الزراعي بفعل ظاهرة «إل نينيو» المناخية.

مخاوف في مصر من ارتفاعات جديدة في الأسعار مع تراجع الجنيه أمام الدولار (الشرق الأوسط)

وتأتي هذه التقارير والتوقعات بعد أن أنعش قرار الحكومة المصرية تثبيت أسعار الوقود، الأسبوع الماضي، آمال المواطنين في تهدئة الأسواق، إذ قررت «لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» تثبيت أسعار الوقود دون تغيير خلال اجتماعها، الخميس الماضي، لمراجعة المحددات الخاصة بآليات التسعير التلقائي.

وتواصل الحكومة ضخ كميات من السلع الأساسية بأسعار مخفّضة، عبر المنافذ الرسمية، ضمن مبادرة انطلقت في سبتمبر الماضي، وتستمر حتى مارس (آذار) 2027، بحسب بيان لوزارة التموين.

في المقابل ترى الخبيرة المصرفية، سهر الدماطي، «أن تراجع الجنيه أمام الدولار ليس بالكبير، ولن تكون له تأثيرات كبيرة على الأسواق»، مشيرة إلى أن المشكلات الجيوسياسية في مناطق عديدة حول العالم تترك تأثيرها على كثير من الدول، بما فيها مصر، خصوصاً مع التوترات الحالية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

وأوضحت الدماطي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن حالة عدم اليقين بشأن تهدئة الصراعات في المنطقة، وانعكاس ذلك على أسعار النفط عالمياً، «تجعل هناك تأثيرات على العملة المحلية في مصر، ومن الصعب التنبؤ بمستقبل الجنيه أمام الدولار».

ومؤخراً عدّل صندوق النقد الدولي توقعاته لمتوسط سعر الدولار أمام الجنيه المصري بالزيادة خلال الأعوام المالية اللاحقة، ليبلغ 55.96 جنيه في 2027 - 2028، و57.02 جنيه في 2028 - 2029، و57.76 جنيه في 2029 - 2030، و58.51 جنيه في 2030 - 2031.


15 عاماً على مقتل القذافي... تركة سياسية ثقيلة ما زالت تبحث عن «وريث»

الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)
الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)
TT

15 عاماً على مقتل القذافي... تركة سياسية ثقيلة ما زالت تبحث عن «وريث»

الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)
الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)

تحل اليوم الذكرى الخامسة عشرة لمقتل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، بينما لا يزال أنصار نظامه يبحثون عن شخصية تحمل إرثه السياسي، بعد اغتيال نجله سيف الإسلام في الزنتان في فبراير (شباط) الماضي، منهياً آمالاً عُلّقت عليه منذ ترشحه للانتخابات الرئاسية التي تعثرت أواخر عام 2021.

في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، وقع القذافي في قبضة مقاتلين معارضين بمدينة مصراتة، قبل أن يُقتل في ظروف رافقت نهاية نظام استمر أكثر من 4 عقود، وخلّف سقوطه فراغاً سياسياً وسط أنصار نظامه السابق، الذين رأوا في سيف الإسلام أبرز ممثلي هذا التيار.

صورة التُقطت لسيف الإسلام القذافي في 19 نوفمبر 2011 (رويترز)

وتعززت هذه الرهانات مع إعلان سيف الإسلام ترشحه للرئاسة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، لكن اغتياله أعاد فتح سؤال الخلافة داخل التيار، من دون أن تتبلور في الأفق شخصية تحظى بإجماع أنصاره.

ويعيش أنصار النظام رحلة بحث عن وريث سياسي، وفق المحلل السياسي حسام فنيش في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، خصوصاً مع تداول أسماء أبنائه عائشة والساعدي ومحمد، بينما تبدو حظوظ هانيبال الأقل، بعد مقتل شقيقيهما خميس وسيف العرب خلال انتفاضة 2011».

برز التطور الأهم في سبتمبر (أيلول) الماضي، مع ظهور اسم عائشة القذافي، في حملات لأنصار النظام السابق على منصات التواصل، سعياً إلى تقديمها كوجه محتمل للمرحلة المقبلة. واستند مروّجون لهذا الطرح إلى استطلاع إلكتروني مفتوح، أظهرت نتائجه المتداولة تقدمها بفارق تجاوز 30 ألف صوت عن أقرب منافسيها، من دون معلومات موثقة عن حجم العينة أو تمثيلها للرأي العام.

محمد القذافي نجل الزعيم الليبي الراحل (صفحته الشخصية على «فيسبوك»)

وأيّد عقيلة دلهوم، رئيس فريق الإعلام وحقوق الإنسان باللجنة الوطنية للحقيقة في قضية مقتل سيف الإسلام، طرح اسمها، معتبراً أن الاستطلاع يعكس رمزية عائلة القذافي لدى شريحة من الليبيين، واستياءً من الأزمات السياسية والاقتصادية والمعيشية.

وتقيم عائشة في سلطنة عُمان رفقة شقيقها محمد، بعيدة عن النشاط السياسي العلني بعد أن اتجهت إلى الفن التشكيلي، وعرضت أعمالاً تستحضر والدها وشقيقها المعتصم في متحف الدولة للفن الشرقي بموسكو عام 2024، قبل إقامة معرض في مسقط خلال العام الحالي.

لكن اثنين من أبرز رموز النظام السابق تحفّظا عن التعليق على دعوات ترشحها، وقال أحدهما لـ«الشرق الأوسط» إن الحديث عن الانتخابات الرئاسية لا يزال مبكراً، متسائلاً: «أين انتخابات الرئاسة حتى الآن في ظل تعثر العملية السياسية في ليبيا؟».

واستبعد اللواء ميلاد حسين الفقهي، المتحدث السابق ومدير التوجيه العام السابق في الجيش الليبي، اعتبار الحملات قراراً جماعياً داخل التيار. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الدعوات لا تزال مجرد تحركات فردية لبعض الأنصار، ولم تستقر على خيار يحظى بإجماعهم، مضيفاً أن عائشة «مواطنة ليبية لها حق الترشح مثل غيرها، وتحديد ممثل أنصار النظام السابق يبدأ بقرار العائلة، ثم التشاور داخل أوساط التيار، قبل أن يكون الفصل للناخبين».

عائشة القذافي أمام إحدى لوحاتها بمعرضها الفني السابق بسلطنة عمان (حسابات موالية لأسرة القذافي)

ولم يقتصر تداول الأسماء على عائشة؛ إذ ظهرت دعوات عبر صفحات لأنصار النظام السابق لتقديم الساعدي القذافي، المقيم في تركيا، خياراً محتملاً، غير أن الساعدي أعلن في منشور، عبر منصة «إكس» في يونيو (حزيران) الماضي، عدم رغبته في ممارسة العمل السياسي أو المشاركة في الانتخابات، أو دعم أي طرف، وقال إنه يكتفي بحياة عادية يتابع فيها طلب العلم، متمنياً التوفيق لمن يختاره الليبيون لقيادة البلاد.

وأُفرج عن الساعدي من سجون طرابلس عام 2021، بعد احتجازه منذ تسليمه من النيجر في مارس (آذار) 2014، على خلفية اتهامات تتعلق بقمع الانتفاضة.

أما محمد القذافي، الابن الأكبر لمعمر القذافي من زوجته الأولى، فتحية نوري خالد، فقد عاد إلى الظهور عبر منصات التواصل بعد مقتل شقيقه، مطالباً بكشف نتائج التحقيقات في الجريمة. وتحدث، الشهر الماضي، عن معلومات بشأن خلية تخريبية، ضُبطت في طرابلس واحتمال ارتباطها بالاغتيال، داعياً المنظمات الدولية المختصة إلى التحقيق، وكشف الملابسات.

وروجت صفحات محسوبة على النظام السابق لمحمد بوصفه شخصية محتملة للمرحلة المقبلة، ووصفته صفحة «القذافي يتكلم» بأنه رجل مرحلة يبحث فيها الليبيون عن دولة قوية ومستقلة، بينما أعلن المدون أحمد فراج تأييده له مستقبلاً.

لكن الناشطة رانيا القذافي وصفت الحديث عن تقدمه إلى الواجهة السياسية بأنه مجرد شائعات، مؤكدة أنه لا يرغب في خوض الانتخابات أو تولي منصب، وأن اهتمامه ينحصر في تمني عودة الأمن والاستقرار، ولمّ الشمل.

وكان محمد، المولود عام 1970، قد تولى رئاسة اللجنة الأولمبية الليبية، كما ترأس مجلس إدارة الشركة العامة للبريد والاتصالات السلكية واللاسلكية.

الساعدي القذافي (صفحة شقيقه محمد عبر «فيسبوك»)

بعيداً عن ليبيا، وفي لبنان تحديداً، لا يزال هانيبال القذافي يمثل أحد فصول تركة العائلة تعقيداً، ويبدو حتى الآن خارج الحسابات، وفق فنيش، بعدما أمضى نحو 10 سنوات محتجزاً على خلفية قضية اختفاء رجل الدين والسياسي اللبناني، موسى الصدر ورفيقيه عام 1978، قبل الإفراج عنه.

هانيبال القذافي (رويترز)

وبين هذه الترشيحات، يرى بعض أنصار النظام السابق أن القذافي لم يترك تركة سياسية بالمعنى التقليدي، بل مجموعة من القيم والمبادئ الوطنية والقومية. ويعبّر الكاتب والباحث الليبي الموالي للنظام السابق، مصطفى الفيتوري عن هذه الرؤية بقوله لـ«الشرق الأوسط» إن «كل من يؤمن بتلك المبادئ يستطيع أن يكون وريثاً له، بما يتجاوز عائلته وأبناءه».


عشرات القتلى بقصف سوق في أبيي... وجوبا تحتج لدى الخرطوم

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز).
صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز).
TT

عشرات القتلى بقصف سوق في أبيي... وجوبا تحتج لدى الخرطوم

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز).
صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز).

قُتل عشرات المدنيين وأُصيب آخرون في هجوم بطائرة مسيَّرة استهدف سوقاً رئيسية في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، وسط تضارب في حصيلة الضحايا؛ ما دفع حكومة جنوب السودان إلى استدعاء السفير السوداني لدى جوبا للاحتجاج على الهجوم.

وتزامن ذلك مع تصاعد حرب المسيَّرات في عدد من الولايات السودانية، واستهداف منشآت كهربائية ومناطق سكنية في الخرطوم وكردفان، في حين أعلن الجيش السوداني صد هجوم جديد لـ«قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال» في إقليم النيل الأزرق.

وقالت سلطات منطقة أبيي إن الهجوم الذي وقع الاثنين استهدف سوق أميت، المعروفة في السودان باسم «سوق النعام»، وأسفر عن مقتل 53 شخصاً وإصابة 27 آخرين، وفق حصيلة أولية. لكن وزير الإعلام المكلف في أبيي، يوهانا أكول نغور، أبلغ وكالة «رويترز»، الثلاثاء، بأن عدد القتلى ارتفع إلى نحو 73 شخصاً، فضلاً عن إصابة 19 آخرين، مشيراً إلى أن الحرائق أعاقت انتشال الجثث.

صورتان بالأقمار الاصطناعية تُظهران سوق «أميت» في أبيي قبل الهجوم مارس 2025 (أعلى)، وبعده يوم الإثنين (رويترز).

واتهم المسؤول المحلي الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم، في حين لم يعلق الجيش على هذه الاتهامات حتى كتابة هذا التقرير.

ونقلت «رويترز» عن مصدر دبلوماسي وعامل إغاثة أن الضربة أصابت مستودعاً للوقود داخل السوق، قالا إن «قوات الدعم السريع» سبق أن استخدمته لإمداد قواتها. وأفادت منظمة «أطباء بلا حدود» باستقبال أكثر من عشرين مصاباً في مستشفى قريب، بينهم حالات حرجة ومصابون بحروق.

احتجاج دبلوماسي

وأعلنت وزارة خارجية جنوب السودان استدعاء السفير السوداني لدى جوبا، عصام محمد كرار، لإبلاغه احتجاج الحكومة وقلقها البالغ إزاء الهجوم وتداعياته على سلامة المدنيين واستقرار أبيي.

وقالت الوزارة إن القصف أصاب مواقع متعددة داخل السوق، وأوقع خسائر بشرية وأضراراً واسعة بالممتلكات، مطالبة الخرطوم بمنع تكرار مثل هذه الهجمات ومعالجة القضايا المتعلقة بالمنطقة عبر القنوات الدبلوماسية.

وحذَّرت إدارة أبيي من أن الهجوم دمَّر أجزاء واسعة من البنية التحتية للسوق، وأدى إلى نزوح ناجين نحو مدينة أبيي؛ ما فاقم الضغوط على الخدمات الإنسانية.

كوادر طبية تعالج مصابين بمستشفى «أميت بيك» عقب قصف سوق في أبيي 19 أكتوبر الحالي (رويترز)

وتكتسب سوق النعام أهمية اقتصادية واستراتيجية، بعدما تحولت منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل (نيسان) 2023 مركزاً رئيسياً لتجارة الوقود والمواد الغذائية والأدوية ومواد البناء القادمة من جنوب السودان إلى مناطق كردفان ودارفور.

وتظل أبيي من أبرز الملفات الحدودية العالقة بين البلدين منذ انفصال جنوب السودان عام 2011، وتخضع لترتيبات أمنية خاصة تنتشر بموجبها قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا).

معارك النيل الأزرق

وفي تطور ميداني منفصل، أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، إحباط هجوم شنته «قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال»، بقيادة عبد العزيز الحلو، على منطقة سالي الاستراتيجية في إقليم النيل الأزرق، قرب الحدود الإثيوبية.

وقالت قيادة الفرقة الرابعة مشاة إن قواتها استولت على 15 مركبة قتالية ودمرت خمساً أخرى، وأوقعت خسائر بشرية في صفوف المهاجمين، من دون تحديد عددها. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من نتائج المعركة. وجاء الهجوم بعد يوم من إعلان الجيش صد محاولة تقدم للقوات المتحالفة نفسها باتجاه منطقة «البركة»، في مؤشر إلى تجدد المعارك البرية بالإقليم بعد فترة من الهدوء النسبي.

وتقع سالي بمحلية الكرمك، على مسافة نحو 27 كيلومتراً من مدينة الكرمك، وتضم حامية عسكرية تشكل، إلى جانب منطقة دندرو، جزءاً من خطوط الدفاع عن الدمازين، عاصمة الإقليم. كما تكتسب أهمية اقتصادية لوجود أنشطة تعدين الذهب في محيطها.

استهداف الكهرباء والخرطوم

وفي ولاية النيل الأبيض، أفادت مصادر حكومية محلية بأن طائرة مسيّرة منسوبة إلى «الدعم السريع» استهدفت، صباح الثلاثاء، محطة كهرباء تندلتي التحويلية بصاروخين؛ ما أدى إلى اندلاع حريق وخروج المحطة عن الخدمة، وانقطاع التيار الكهربائي عن تندلتي ومدن أم روابة والرهد والأبيض في شمال كردفان، من دون الإبلاغ عن خسائر بشرية.

وفي الخرطوم، تصدت الدفاعات الأرضية للجيش، الاثنين، لموجات من المسيّرات الانتحارية استهدفت مناطق شرقي العاصمة ومحيط مطار الخرطوم الدولي. وأعلنت «هيئة محامو الطوارئ» مقتل ثلاثة أطفال إثر سقوط مسيّرة على منزل بحي امتداد ناصر، وحمّلت «الدعم السريع» مسؤولية الهجوم. وفي المقابل، أكد مدير مطار الخرطوم عدم تعرض منشآته لأضرار، واستمرار الرحلات المجدولة.

وامتدت الغارات خلال الأيام الماضية إلى مدينة نيالا بجنوب دارفور، الخاضعة لسيطرة «الدعم السريع»، وبلدات في غرب كردفان، بينها المجلد والدبب، وسط اتهامات للجيش بتنفيذ ضربات أوقعت ضحايا مدنيين.

كما تداولت منصات موالية للجيش أنباء عن استهداف سجن في مدينة الضعين بشرق دارفور وفرار سجناء منه، من دون توافر تأكيد مستقل لهذه الرواية.

ويعكس اتساع نطاق الضربات الجوية والهجمات بالمسيَّرات انتقال التصعيد إلى الأسواق والمنشآت الحيوية والمناطق السكنية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من امتداد تداعيات الحرب إلى المناطق الحدودية والعلاقات بين السودان وجنوب السودان.