مصر لتسريع الربط بين البحرين الأحمر والمتوسط عبر «القطار الكهربائي»

نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية بمصر يستعرض مع وزير النقل موقف مشروع شبكة القطار الكهربائي السريع (مجلس الوزراء المصري)
نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية بمصر يستعرض مع وزير النقل موقف مشروع شبكة القطار الكهربائي السريع (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر لتسريع الربط بين البحرين الأحمر والمتوسط عبر «القطار الكهربائي»

نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية بمصر يستعرض مع وزير النقل موقف مشروع شبكة القطار الكهربائي السريع (مجلس الوزراء المصري)
نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية بمصر يستعرض مع وزير النقل موقف مشروع شبكة القطار الكهربائي السريع (مجلس الوزراء المصري)

يستحوذ الربط البري بين البحرين الأحمر والمتوسط عبر القطار الكهربائي أجندة أولويات مصر، مع اضطرابات عالمية طالت الإمدادات اللوجستية والملاحية جراء اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي وتداعياتها على قطاعات عدة منها النقل.

تلك الخطوة المصرية يراها أكاديمي وخبير متخصص في قطاع النقل، تحدث لـ«الشرق الأوسط» تحمل فوائد جمة لمصر، منها زيادة معدلات التنمية في سيناء، سواء في شمالها أو جنوبها، وسيكون أداة فاعلة لتعزيز التجارة البينية بين مصر ودول الجوار.

وعانى النقل البحري منذ حرب إيران تداعيات خطيرة أثرت في إمدادات الطاقة والغذاء عالمياً، ولجأت دول في المنطقة إلى الممرات البرية لتلافي الأزمة جزئياً.

وكانت مصر قد وقّعت في 2021 عقداً بقيمة 3.75 مليار يورو مع تحالف شركات من بينها مجموعة «سيمنز» الألمانية؛ لتنفيذ خط القطار الذي يمتد من العين السخنة على البحر الأحمر شرقاً إلى مرسى مطروح على البحر المتوسط غرباً، مروراً بالعاصمة الإدارية الجديدة (شرق القاهرة)، ومدينة 6 أكتوبر (جنوب القاهرة) التي تضم الميناء الجاف الوحيد في مصر.

ويمتد خط القطار فائق السرعة الذي شرعت مصر في إنشائه بطول 660 كيلومتراً، عبر الصحراء لربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، وسينقل القطار، للمرة الأولى، الركاب والبضائع بين الساحلين الشمالي والشرقي لمصر بسرعة تصل إلى 230 كيلومتراً في الساعة، وهو ما وصفه وزير النقل، كامل الوزير، بأنه «قناة سويس جديدة على قضبان» في تصريحات العام الماضي.

جهود مصرية متوالية

عقد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، الدكتور حسين عيسى، اجتماعاً بمقر الحكومة بالعاصمة الجديدة، لاستعراض الموقف التنفيذي لمشروع شبكة القطار الكهربائي السريع، وذلك بحضور الفريق مهندس كامل الوزير، وزير النقل، والدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، ومسؤولي الوزارات المعنية، وفق بيان لمجلس الوزراء، السبت.

ونقل البيان عن وزير النقل قوله إن «مشروع شبكة القطار الكهربائي السريع يمثل أحد أهم المشروعات الاستراتيجية التي تنفذها الدولة المصرية حالياً، لما له من دور محوري في دعم جهود التنمية الشاملة، وتعزيز مكانة مصر بوصفها مركزاً لوجستياً إقليمياً وعالمياً».

وأوضح الوزير أن «شبكة القطار الكهربائي السريع تُسهم في إنشاء محور لوجستي متكامل يربط بين البحرين الأحمر والمتوسط، بما يُعزز حركة التجارة الدولية، ويدعم اندماج مصر في الممرات الاقتصادية العالمية».

وتعمل شبكة القطار الكهربائي السريع، بحسب كامل الوزير، على «ربط المناطق الصناعية بموانئ التصدير، إلى جانب ربط مناطق التنمية الزراعية الحديثة، مثل الدلتا الجديدة وغرب المنيا ومستقبل مصر وتوشكى، بمناطق الاستهلاك وموانئ التصدير، بما يسهم في تعظيم الاستفادة من المشروعات القومية، وزيادة الإنتاج».

وستدعم شبكة القطار السريع الربط الإقليمي مع دول الجوار، بما يعزز حركة التجارة والتكامل الاقتصادي، بحسب الوزير.

وزير النقل المصري كامل الوزير يشرح خطوات تنفيذ القطار الكهربائي السريع (مجلس الوزراء المصري)

وقال أستاذ هندسة النقل والطرق بجامعة عين شمس والخبير المتخصص في قطاع النقل، الدكتور حسن مهدي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحكومة تعمل حالياً على تدشين محاور لوجستية استراتيجية تهدف إلى الربط بين البحرين الأحمر والمتوسط، مشيراً إلى وجود محورين أساسيين؛ الأول هو المحور اللوجستي بئر العبد – العريش – طابا (في شبه جزيرة سيناء)، والثاني هو المحور اللوجستي الأخضر الذي يربط بين العين السخنة – الإسكندرية – العلمين – مطروح (بين البحرين الأحمر والمتوسط).

وأوضح مهدي أن الربط بين البحرين الأبيض والأحمر سيتم من خلال القطار الجاري تنفيذه حالياً في سيناء، والذي انطلق عليه المحور اللوجستي الفردان – بئر العبد – العريش – طابا، لافتاً إلى أن وزارة النقل تعمل حالياً على قدم وساق لإنهاء هذا المشروع الحيوي.

توسيع الشراكات

كان محور القطار الكهربائي الرابط بين البحرين الأحمر والمتوسط حاضراً في محادثات مصرية روسية قبل أيام، وفي 27 أبريل (نيسان) الماضي، التقى كامل الوزير، مع وفد روسي رفيع المستوى.

ومن أهم فوائد هذا المشروع، وفق مهدي، أنه سيربط ميناء العريش على البحر المتوسط بميناء طابا على البحر الأحمر؛ ما سيؤدي إلى زيادة معدلات التنمية في سيناء، سواء في شمالها أو جنوبها.

وأكد مهدي أن هذا القطار سيكون أداة فاعلة لتعزيز التجارة البينية بين مصر ودول الجوار الإقليمي، لافتاً إلى أنه سيسهم في تعزيز التجارة مع العراق والأردن، حيث توجد اتفاقية نقل متعدد الوسائط بين تلك البلدن، بخلاف دعم الدور الاستراتيجي لقناة السويس من خلال نقل البضائع من ميناء السخنة إلى موانئ الإسكندرية عبر السكك الحديدية.

ومن المتوقع أن ينقل القطار نحو 15 مليون طن من البضائع سنوياً، أي ما يعادل 3 في المائة من حجم البضائع التي عبرت قناة السويس عام 2024، وفق تصريحات أدلى بها رئيس الهيئة القومية المصرية للأنفاق طارق جويلي، أواخر 2025 لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».


مقالات ذات صلة

مشاكسات ودعوات و«تعاويذ» مصرية لإبطال مفعول ميسي

رياضة عربية مصريون يأملون في غياب ميسي خلال مباراتهم المقبلة في الدور الـ16 (أ.ف.ب)

مشاكسات ودعوات و«تعاويذ» مصرية لإبطال مفعول ميسي

بمجرد تداول أنباء عن تعرض النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي لإصابة أمام فريق الرأس الأخضر، تباينت مشاعر المصريين بين القلق والطمع في تغيبه عن المباراة.

منى أبو النصر (القاهرة)
الاقتصاد سلع غذائية مرصوصة على أرفف أحد منافذ البيع المصرية (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

«غضب» في مصر مع «غربلة» موسعة لقوائم مستحقي الدعم

قدمت عضو مجلس النواب، نشوى الشريف، طلب إحاطة لرئيس الوزراء ووزير التموين، الأحد، حول آلية حذف المواطنين من بطاقات التموين.

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا مدبولي أكد الأحد حرص حكومته على تنفيذ تكليفات الرئيس السيسي بشأن الإعلام (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

مصر لمراجعة أوضاع الإعلام عبر اجتماع سنوي

تتجه مصر لمراجعة أوضاع الإعلام عبر اجتماع سنوي، استناداً لتوجيهات رئاسية بفتح نقاش مستمر بشأن هذا الملف.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
تحليل إخباري الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الإدارية يوم السبت (الرئاسة)

تحليل إخباري تنشيط الأحزاب وانتخابات محلية... كيف تنعكس توجيهات السيسي على الحياة السياسية بمصر؟

وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتنشيط الحياة الحزبية وتأهيل كوادرها والانتهاء من الاستعدادات اللازمة، لإجراء انتخابات المجالس المحلية الغائبة منذ 18 عاماً.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا طالبات داخل فصل دراسي بإحدى المدارس المصرية أبريل الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)

«الثانوية المصرية»... ملاحقات مستمرة لـ«مسرّبي الامتحانات»

تعهدات متكررة من وزارة التربية والتعليم المصرية بملاحقة «مسرّبي امتحانات» الثانوية العامة بالبلاد، لا يراها خبراء تربويون «كافية لمنع التسريب الإلكتروني».

وليد عبد الرحمن (القاهرة)

تقرير: باكستان تتوسط في جهود تحقيق الوحدة بليبيا

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (أ.ف.ب)
TT

تقرير: باكستان تتوسط في جهود تحقيق الوحدة بليبيا

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (أ.ف.ب)

قال مصدران باكستانيان لوكالة «رويترز» إن إسلام آباد بدأت التوسط بين الإدارتين المتنافستين في ليبيا، اللتين تتمركز إحداهما في الشرق والأخرى في الغرب.

ومن شأن هذا المسعى الذي لم ترد أنباء بشأنه من قبل أن يعزز، في حال نجاحه، مكانة باكستان الدبلوماسية.

ويأتي هذا الجهد الباكستاني بعد أن راقب متابعون على مدى أشهر مساعي تقودها الولايات المتحدة لإيجاد حل دبلوماسي في ليبيا التي انقسمت بين الإدارتين المتنافستين منذ اندلاع الحرب الأهلية في السنوات التي أعقبت الانتفاضة التي دعمها حلف شمال الأطلسي عام 2011 وأطاحت بمعمر القذافي. ولعبت باكستان دوراً محورياً آخر في وساطة بين الولايات المتحدة وإيران هذا العام، وهو ما أشادت به إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً.

وقال أحد المصدرين الباكستانيين إن الولايات المتحدة «على علم تام» بالجهود التي تبذلها إسلام آباد بشأن ليبيا.

وقال المصدران الباكستانيان إن الجهود بدأت أواخر العام الماضي، وإن الطرفين الليبيين طلبا مشاركة باكستان.


موريتانيا: مظاهرة للمعارضة تتهم الحكومة بالعجز عن محاربة الفساد

مظاهرة للمعارضة الموريتانية في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد مساء الأحد (إعلام محلي)
مظاهرة للمعارضة الموريتانية في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد مساء الأحد (إعلام محلي)
TT

موريتانيا: مظاهرة للمعارضة تتهم الحكومة بالعجز عن محاربة الفساد

مظاهرة للمعارضة الموريتانية في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد مساء الأحد (إعلام محلي)
مظاهرة للمعارضة الموريتانية في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد مساء الأحد (إعلام محلي)

انتقدت المعارضة الموريتانية، خلال مظاهرة مساء الأحد، سياسات الحكومة التي اتهمتها بـ«الفشل» و«العجز» عن مواجهة الفساد ما أدى إلى ارتفاع الأسعار واستمرار الأزمات والتضييق على الحريات.

وكان قادة المعارضة يتحدثون أمام المئات من أنصارهم خلال مظاهرة في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد، وهي ثاني أهم مدينة في موريتانيا وتُعد عاصمتها الاقتصادية، حيث يتركز النشاط الصناعي وبخاصة صيد الأسماك وتصدير خامات الحديد.

المدينة المهددة

واختارت المعارضة مدينة نواذيبو، المطلة على المحيط الأطلسي ويقطنها قرابة 200 ألف نسمة، مكاناً للمظاهرة لأنها تعاني أزمة عطش حادة ظلت تؤرق الحكومات المتعاقبة منذ عقود دون الوصول إلى حل لها.

فالمدينة التي تعد شبه جزيرة داخل المحيط تعتمد منذ ستينيات القرن الماضي على المياه التي يجلبها القطار من على بعد مئات الكيلومترات، ولكن مع تزايد الضغط السكاني أصبحت تواجه خطر العطش الذي يهدد وجودها. وتتصاعد الأزمة مع ارتفاع درجات الحرارة في موسم الصيف من كل عام.

جانب من مظاهرة المعارضة في مدينة نواذيبو بشمال غرب موريتانيا مساء الأحد (إعلام محلي)

ووصف زعيم «مؤسسة المعارضة الديمقراطية» ورئيس حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، حمادي ولد سيدي المختار، سياسات الحكومة بأنها «فاشلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى»، وقال إن هذا هو «سبب عطش نواذيبو، وعدم استفادتها من ثروتها السمكية».

وأضاف أمام أنصار المعارضة: «الشعب الموريتاني مطحون بسبب سياسات الحكومة التي اختارت زيادة الأسعار وتسببت في تفاقم معاناة المواطنين»، وأكد أن المعارضة «قدمت حلولاً لأزمة الغلاء وارتفاع الأسعار، ولكن الحكومة تجاهلتها».

أزمة الفساد

نفس الرأي جاء على لسان الرئيس الدوري لـ«ائتلاف المعارضة الديمقراطية»، محمد ولد مولود، الذي قال إن ما تعانيه مدينة نواذيبو من أزمات «سببه الفساد»، مشيراً إلى أن «الدولة لا تعاني نقص الموارد ولا غياب الحلول، وإنما تعاني الفساد الذي يقف وراء استمرار الأزمات».

وحول أزمة العطش في ثاني أهم مدينة موريتانية، قال: «الحكومة أعلنت في السابق إنشاء مصنع لتحلية المياه، كما أطلقت مشروعاً آخر كلف خزينة الدولة أكثر من 80 مليون دولار، ولكن كل هذه المشاريع فشلت في حل مشكلة العطش».

ودعا إلى محاسبة المسؤولين عن «هدر الأموال»، وقال إن على المواطنين «توحيد جهودهم للدفاع عن حقوقهم ومعالجة المشاكل بأنفسهم»، وإن الدولة «عاجزة عن مواجهة الفساد».

تصعيد المعارضة

يأتي خطاب المعارضة التصعيدي بالتزامن مع تقارب كبير بين الأطراف السياسية للدخول في حوار وطني بعد أن وقَّعت الأطراف على وثيقة وُصفت بأنها «خريطة طريق» للحوار المرتقب.

وجاء التوقيع رغم تباين مواقف الأغلبية والمعارضة حول النقاط التي سيجري الحوار حولها، حيث اعترضت أحزاب الأغلبية على بعض فقرات «الدليل المرجعي» للحوار، في حين رحبت به المعارضة لأنه استجاب لمطلب الابتعاد عن أي نقاش حول تعديل الدستور، وخاصة ما يتعلق بالمواد المحصنة التي تنص على أن رئيس الجمهورية له الحق في ولايتين رئاسيتين فقط.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني خلال حملته الانتخابية السابقة (رويترز)

وكانت هذه النقطة محل خلاف كبير بين أطراف المشهد السياسي في موريتانيا؛ فالبلاد تستعد لتنظيم انتخابات رئاسية عام 2029 ستكون مفصلية وحاسمة؛ لأن الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني لا يمكنه الترشح لها بسبب قيود الدستور الحالي للبلاد. وتجد المعارضة في ذلك فرصة كبيرة لإحداث تغيير.

أما أحزاب الأغلبية، أو على الأقل بعضها، فقد بدأت تعلن بشكل صريح دعمها لتعديل الدستور من أجل إزالة القيود المفروضة على عدد الولايات الرئاسية، وبالتالي السماح لولد الغزواني بالترشح لولاية رئاسية ثالثة «من أجل إكمال مشروعه التنموي»، على حد تعبيرها.


ما مصير الوجود الروسي في ليبيا حال تطبيق «المبادرة الأميركية»؟

القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر مستقبِلاً سفير روسيا لدى ليبيا إيدار أغانين في أبريل الماضي (القيادة العامة)
القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر مستقبِلاً سفير روسيا لدى ليبيا إيدار أغانين في أبريل الماضي (القيادة العامة)
TT

ما مصير الوجود الروسي في ليبيا حال تطبيق «المبادرة الأميركية»؟

القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر مستقبِلاً سفير روسيا لدى ليبيا إيدار أغانين في أبريل الماضي (القيادة العامة)
القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر مستقبِلاً سفير روسيا لدى ليبيا إيدار أغانين في أبريل الماضي (القيادة العامة)

أعاد الزخم المتواصل بشأن «المبادرة الأميركية» لحلحلة الأزمة الليبية طرح تساؤلات بشأن الوجود الروسي في البلاد، ولا سيما عناصر «المرتزقة»، وذلك في حال تطبيق هذه الخطة التي يدعمها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

واتفق سياسيون ومحللون على أن الولايات المتحدة تسعى من خلال المبادرة إلى «كبح» نفوذ روسيا في المنطقة، وإلى تحقيق مآرب تخدم مصالحها، مشيرين إلى أن تفاصيل الخطة يكتنفها الغموض.

وقال صالح المخزوم، نائب رئيس «المؤتمر الوطني العام» السابق، إن تطبيق المبادرة الأميركية «سيضع الوجود الروسي في ليبيا في مأزق حقيقي»، وتوقَّع في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن تعمل واشنطن على توظيفها «لترسيخ واقع جديد يخدم مصالحها وأهدافها الاستراتيجية، وفي مقدمتها كبح النفوذ الروسي في شمال أفريقيا، انطلاقاً من ليبيا، عبر التضييق لا الصدام المباشر».

وتعيش ليبيا حالة انقسام سياسي وعسكري، تتنازع فيه على السلطة حكومتان: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس بغرب البلاد، والأخرى مكلفة من مجلس النواب، وتدير الشرق وأجزاءً من الجنوب، وتحظى بدعم القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر.

وتهدف المبادرة -حسب تأكيد بولس- إلى توحيد المؤسسات والسلطة ودعم الانتخابات، ولكنها تلقى معارضة في غرب ليبيا؛ خصوصاً مع تداول مقترح يقضي بتولي صدَّام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، وبقاء الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

ووصف الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، المبادرة بأنها «غامضة وغير مكتملة الملامح»، في ظل عدم وجود موقف معلَن من حكومة «الوحدة»؛ مشيراً إلى أن «جوهر المبادرة هو تقليص الفجوة بين معسكرَي شرق ليبيا وغربها، وهذا يحمل أنباءً سيئة لروسيا»، مقدراً عدد القوات الروسية بأكثر من ألفَي عنصر.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المبادرة «تتقاطع مع حسابات دول وقوى إقليمية تسعى إلى تصعيد صدَّام حفتر إلى واجهة السلطة؛ وإذا ما طُبقت فسيتعزز نفوذ هؤلاء. وفي ظل تقارب روسيا معهم، قد تحتفظ الأخيرة بتموضعها داخل ليبيا».

في المقابل، ورغم إقراره بوجود «انزعاج روسي» من المبادرة، استبعد مدير المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية، اشريِّف عبد الله، حدوث تغيير جوهري في التموضع الروسي بليبيا. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القلق يدفع موسكو إلى نقل مزيد من العناصر والعتاد إلى قواعدها في ليبيا: «لكنه يُعد تعزيزاً استباقياً لا تحسباً لصدام».

وأشار أيضاً إلى قلق أوروبي من التمدد الروسي في جنوب المتوسط، وتعويل الأوروبيين على واشنطن لمكافحته، ويرى أن ذلك عامل آخر يدفع الولايات المتحدة إلى عدم إزاحة الوجود الروسي من ليبيا «لتستخدمه ورقة ضغط لضبط ميل بعض الدول الأوروبية إلى الخروج عن الطاعة الأميركية»، على حد قوله.

وتعمل القوات الروسية والعناصر التابعة لها إلى جانب «الجيش الوطني»، الذي يسيطر على شرق ليبيا وبعض مناطق الجنوب، بينما تعمل القوات التركية والعناصر الموالية لها لصالح سلطات غرب البلاد.

صدَّام حفتر خلال زيارة إلى العاصمة الروسية موسكو في مايو الماضي (القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي)

وفيما يتعلق بالقوات و«المرتزقة» التابعين لتركيا في ليبيا، يرى عبد الله أن عددهم يتناقص مقارنة بما كان عليه سابقاً؛ خصوصاً مع عودة كثير من عناصر الفصائل السورية إلى بلادهم بعد سقوط نظام بشار الأسد. أما المجموعات المسلحة من دول الجوار الأفريقي، فيشير إلى أن «أغلبهم عادوا إلى أوطانهم؛ سواء للانخراط في صراعات محلية -كما في السودان- أو نتيجة تفاهمات سياسية».

ويقول مدير معهد «صادق» للأبحاث، أنس القماطي، إن روسيا بعد فقدان قواعدها في سوريا نقلت ثقلها اللوجستي إلى ليبيا، لتصبح الأخيرة «عموداً فقرياً لشبكة إمداد (الفيلق الأفريقي)، وبالتالي لا تفاوض على الخروج منها».

أما الوجود التركي في غرب ليبيا فيستند -حسب القماطي- إلى اتفاقية التعاون الأمني الموقَّعة مع حكومة «الوفاق» السابقة نهاية عام 2019؛ مشيراً إلى أن تمركز القوات التركية في مناطق وقواعد، من بينها الوطية ومعيتيقة وطرابلس ومصراتة والخمس: «يعد ضمانة استراتيجية لمصالحها في الطاقة وممرات شرق المتوسط».

وتوقع أن يكون لأنقرة دور في تطبيق المبادرة الأميركية «بحكم علاقاتها الوثيقة حالياً بالقوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها».

أما الأكاديمي والباحث السياسي أعلية العلاني، فتوقع استمرار الوضع الراهن إلى حين تشكيل حكومة منتخبة تملك شرعية شعبية تخولها المطالبة برحيل القوات الأجنبية، معتبراً أن هذا مسار «قد تسلكه واشنطن لإفراغ الساحة لنفوذها الخاص».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن اهتمام واشنطن بليبيا تصاعد بعد أزمة الطاقة وإغلاق مضيق هرمز، معتقداً أنها «تريد تأمين استقرار تدفق النفط، وتهيئة المناخ لشركاتها العاملة في هذا القطاع، إضافة إلى الاستفادة من قرب موقع ليبيا من مسارات مكافحة الهجرة والتطرف وتجارة السلاح».

وانتهى العلاني إلى أن موسكو وأنقرة لديهما فرصة «تحويل حضورهما العسكري إلى شراكات متعددة، فضلاً عن احتمال صعود كتل برلمانية في المستقبل تدعم التنسيق مع روسيا».