حذّرت إيران الولايات المتحدة، الخميس، من أن حصارها البحري «محكوم بالفشل»، في وقت قال المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي إن «فصلاً جديداً» للخليج العربي ومضيق هرمز بدأ يتشكل منذ اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، في 28 فبراير (شباط).
وجاء التصعيد الإيراني بعد تلويح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإمكان استمرار الحصار على الموانئ الإيرانية أشهراً، وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 2022، وسط تعثر مسار التفاوض، وغياب اختراق في الوساطة التي تقودها باكستان.
يتصدر مضيق هرمز مسار التصعيد بين واشنطن وطهران، بعدما حدّت إيران إلى حد كبير من عبور السفن غير التابعة لها من الخليج العربي عبر الممر الضيق منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط). وفي المقابل، بدأت الولايات المتحدة هذا الشهر فرض حصار على السفن الإيرانية، في محاولة لزيادة الضغط على صادرات النفط والاقتصاد الإيراني.
وقال خامنئي، في رسالة مكتوبة تليت عبر التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي في المنطقة يمثل «أهم عامل لانعدام الأمن»، معتبراً أن التطورات الأخيرة «أثبتت ذلك للرأي العام، وشعوب المنطقة، والحكومات، على حد سواء».
وخاطب الإيرانيين قائلاً إن طهران ستعمل على تأمين منطقة الخليج، والقضاء على «انتهاكات العدو للممر المائي» عبر إدارة جديدة لمضيق هرمز.
ووصف خامنئي الخليج بأنه «جزء من الهوية، والحضارة» و«مسار حيوي للاقتصاد العالمي» عبر مضيق هرمز، وبحر عُمان، مشيراً إلى ما عدّه تاريخاً من «التدخلات، والاعتداءات» الأوروبية والأميركية في المنطقة.
وقال خامنئي إن إيران وجيرانها في الخليج العربي وبحر عُمان «أصحاب مصير مشترك»، وإن «المستقبل المشرق» للمنطقة سيكون «بلا أميركا»، مضيفاً أن الأطراف الأجنبية القادمة من آلاف الكيلومترات «لا مكان لها» في هذه المياه إلا «في قاعها».
معادلة المضيق
تطرق بيان خامنئي إلى مضيق هرمز، قائلاً إن إيران ستعمل على «إدارة» هذا الممر المائي بما يضمن أمن المنطقة، وإن «القواعد القانونية والإدارة الجديدة» للمضيق ستخدم شعوب المنطقة، وتُنهي ما وصفه بـ«إساءات الأعداء لاستخدام الممر المائي».
وأكد خامنئي أن ما تحقق، بعد شهرين من الحرب، يمثل «طليعة نظام جديد» في المنطقة، والعالم، مشيراً إلى أن القوات البحرية التابعة للجيش والوحدة الموازية لها في بحرية «الحرس الثوري» أظهرت، خلال الفترة الماضية، «قدرة على فرض معادلة جديدة» في الخليج العربي.

وجاء هذا الموقف في وقت يتصاعد فيه التوتر البحري بين واشنطن وطهران، مع استمرار الحصار الأميركي على السفن الإيرانية، وطرح مسؤولين إيرانيين أفكاراً لفرض قواعد عبور جديدة في مضيق هرمز.
وظل خامنئي بعيداً عن الأضواء منذ توليه منصب والده المرشد السابق علي خامنئي الذي قتل في غارات أميركية-إسرائيلية في بداية الحرب التي اندلعت في 28 فبراير.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الاثنين الماضي إن الولايات المتحدة «لديها مؤشرات» على أن خامنئي لا يزال على قيد الحياة، رغم أنه أشار إلى أنه من غير الواضح مدى المصداقية التي يتمتع بها المرشد الأعلى الجديد في إيران.
الحصار البحري
قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية «يتعارض» مع مصالح دول المنطقة، وسيكون «محكوماً بالفشل». وأضاف أن أمن الخليج لا يكتسب معناه إلا عبر التعاون الجماعي، واحترام سيادة الدول الساحلية.
وأضاف بزشكيان أن «أي محاولة لفرض حصار وقيود بحرية» تتعارض مع القوانين الدولية، وتضر بمصالح شعوب المنطقة، والسلام، والاستقرار العالمي. وقال إن هذه الإجراءات لن تعزز الأمن الإقليمي، بل ستكون مصدراً للتوتر، وإخلالاً بالاستقرار الدائم.
وفي وقت لاحق، كتب بزشكيان أن العالم شهد ما وصفه بـ«تسامح إيران ومساعيها للتسوية»، معتبراً أن ما يجري تحت عنوان الحصار البحري «امتداد للعمليات العسكرية ضد دولة تدفع ثمن مقاومتها واستقلالها»، رغم وقف إطلاق النار بين الجانبين. وقال إن استمرار هذا «النهج القمعي لم يعد محتملاً».
The world has witnessed Iran’s tolerance and conciliation. What is being done under the guise of a naval blockade is an extension of military operations against a nation paying the price for its resistance and independence. Continuation of this oppressive approach is intolerable.
— Masoud Pezeshkian (@drpezeshkian) April 30, 2026
وجاء موقف بزشكيان عبر حسابه على منصة «إكس» المحظورة في إيران، في وقت لا تزال فيه القيود المفروضة على الإنترنت داخل البلاد مستمرة منذ بداية الحرب.
وتفرض الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل (نيسان)، بعد أيام من سريان وقف إطلاق النار. في المقابل، تُبقي القوات المسلحة الإيرانية على إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز منذ اندلاع الحرب، وهددت بالرد إذا استمر الحصار الأميركي.
من جانبه، ادعى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن سيطرة بلاده على مضيق هرمز «ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي في المنطقة».

وقال قاليباف في منشور على منصة «إكس» «اليوم، من خلال إدارة مضيق هرمز، ستوفر إيران لنفسها ولجيرانها نعمة ثمينة تتمثل في مستقبل خالٍ من الوجود والتدخل الأميركي».
وفي وقت سابق، قال قاليباف إن ترمب يحاول إجبار إيران على «الاستسلام» عبر الضغط الاقتصادي، واستغلال الانقسامات الداخلية. ونقلت وسائل إعلام إيرانية عنه أن واشنطن تسعى إلى إضعاف البلاد من الداخل عبر «الحصار، والتلاعب الإعلامي».
وقال قاليباف إن «العدو» كان يسعى منذ اليوم الأول إلى إنهاء وضع النظام خلال ثلاثة أيام عبر اغتيال المرشد، وقادة عسكريين، لكنه «فشل». وأضاف أن محاولات دفع إيران إلى سيناريو «فنزويلا» داخلية، أو إدخال قوات إلى البلاد، أو تفعيل جماعات انفصالية في غربها فشلت أيضاً.
وأضاف أن «العدو دخل مرحلة جديدة»، هدفها الجمع بين الحصار البحري والحملات الإعلامية، لإثارة الضغط الاقتصادي، والخلافات الداخلية. وقال إن مواجهة هذه المرحلة لا تكون إلا عبر «حفظ الانسجام»، مضيفاً أن المسؤولين العسكريين والسياسيين يعملون «بوحدة كاملة» حول أوامر المرشد.
رسائل الردع
وجدد محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني، التحذير من استمرار الحصار، قائلاً للتلفزيون الرسمي: «لن نتحمل الحصار البحري. وإن استمر، فإن إيران سترد». وأضاف أن الحصار لم يحقق شيئاً جوهرياً، وأن إيران قادرة على العبور من طرق بديلة.
وحذر رضائي من جولة جديدة من القتال بين الولايات المتحدة وإيران، مشيراً إلى أنها قد تشهد إغراق سفن أميركية، ومقتل «جنود». وأضاف: «إذا بدأت الولايات المتحدة حرباً جديدة، فعليها أن تتوقع أن نأسر عدداً كبيراً منهم».
وقال قائد بحرية الجيش الإيراني شهرام إيراني إن بلاده ستنشر أسلحة بحرية طورتها حديثاً «في المستقبل القريب جداً». كما قال وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد إن الولايات المتحدة «لن تجني أي نتائج» من حصارها، رافضاً المخاوف المتعلقة بإمدادات النفط، وتوزيعه.
وفي تصعيد موازٍ، قال مسؤول رفيع في «الحرس الثوري» إن أي هجوم أميركي على إيران، حتى لو كان محدوداً، سيؤدي إلى «ضربات طويلة، ومؤلمة» على المواقع الأميركية في المنطقة.

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن قائد الوحدة الصاروخية مجيد موسوي قوله: «رأينا ما حدث لقواعدكم الإقليمية، وسنرى الأمر نفسه يحدث لسفنكم الحربية».
مأزق التفاوض
في المقابل، قال مصدر باكستاني لـ«رويترز» إن إسلام آباد، التي تضطلع بدور الوساطة، تحاول تجنب التصعيد، بينما يتبادل الجانبان رسائل بشأن اتفاق محتمل. وأضاف أن الولايات المتحدة أبدت «ملاحظات» على المقترح الإيراني، وأن الأمر متروك الآن لإيران للرد.
ويقضي أحدث عرض إيراني لإنهاء الحرب، المتوقفة منذ 8 أبريل بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، بتنحية مناقشة البرنامج النووي جانباً إلى حين إنهاء الصراع رسمياً، وحل قضايا الملاحة البحرية. ولم يلبِّ ذلك مطلب ترمب معالجة الملف النووي منذ البداية. وقال المصدر الباكستاني إن الإيرانيين «طلبوا مهلة حتى نهاية الأسبوع».
وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن على طهران التوقف عن المماطلة، فيما قالت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إنها تحدثت مع بزشكيان لضمان المرور الآمن لسفينة مرتبطة باليابان، وجميع السفن الأخرى عبر المضيق.
وقال بزشكيان لتاكايتشي إن طهران ستستأنف مسار الدبلوماسية عندما تغير واشنطن نهجها.
ونقلت وكالة «مهر» الحکومیة عن بزشکیان قوله إن «انعدام الأمن في الخليج سببه أمیركا وإسرائيل» ويجب إيقاف «القرصنة الأمیريكية» ضد السفن الإيرانية والتنديد بها.
ضغط أميركي
ناقش ترمب مع مسؤولين في قطاع النفط احتمال استمرار الحصار على الموانئ الإيرانية أشهراً، فيما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» أنه أبلغ إدارته الاستعداد لحصار طويل، أملاً في إلزام طهران بتعليق تخصيب اليورانيوم 20 عاماً، والقبول بقيود صارمة بعد ذلك.
وقال ترمب لموقع «أكسيوس» إنه يرفض اقتراح إيران إعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار الأميركي، وهي خطة من شأنها تأجيل المحادثات حول البرنامج النووي الإيراني. وأضاف أن الحصار «أكثر فاعلية قليلاً من القصف»، وأنه لا يريد رفعه قبل معالجة الملف النووي.
ووصفت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» الحصار بأنه «فعال للغاية»، قائلة إنها اعترضت حتى الآن 42 سفينة، وإن 41 ناقلة لا تستطيع مغادرة إيران. وذكرت تقارير أميركية أن ترمب سيتلقى إحاطة بشأن خطط لضربات جديدة محتملة على إيران، وأخرى تتضمن السيطرة على جزء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة.
يثير الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز والحصار الأميركي المضاد قلقين كبيرين في أسواق الطاقة، والمال، إذ يمر خُمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز المسال عبر هذا المضيق الاستراتيجي. وارتفع خام برنت إلى أكثر من 126 دولاراً للبرميل، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى نحو 113 دولاراً.
وحذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مكالمة مع ترمب، من «العواقب الضارة» لأي عمل عسكري جديد ضد إيران على العالم كله. كما تدرس وكالات الاستخبارات الأميركية، بتكليف من كبار مسؤولي الإدارة، كيفية رد إيران إذا أعلن ترمب انتصاراً من جانب واحد.
وأجرت فرنسا وبريطانيا ودول أخرى محادثات حول الإسهام في تحالف بحري لفتح المضيق، لكنها قالت إنها ستكون مستعدة للمساعدة فقط بعد توقف الأعمال القتالية. وتقول واشنطن إن مثل هذا التحالف سيكون خطوة أولى نحو بنية أمنية بحرية في الشرق الأوسط بعد الصراع.






