إيران تحذر واشنطن من استمرار الحصار البحري

خامنئي: مرحلة جديدة تتشكل في الخليج ومضيق هرمز

جنود من الجيش الإيراني يقفون أمام صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مسيرة حكومية في طهران (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الإيراني يقفون أمام صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مسيرة حكومية في طهران (أ.ف.ب)
TT

إيران تحذر واشنطن من استمرار الحصار البحري

جنود من الجيش الإيراني يقفون أمام صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مسيرة حكومية في طهران (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الإيراني يقفون أمام صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مسيرة حكومية في طهران (أ.ف.ب)

حذّرت إيران الولايات المتحدة، الخميس، من أن حصارها البحري «محكوم بالفشل»، في وقت قال المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي إن «فصلاً جديداً» للخليج العربي ومضيق هرمز بدأ يتشكل منذ اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، في 28 فبراير (شباط).

وجاء التصعيد الإيراني بعد تلويح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإمكان استمرار الحصار على الموانئ الإيرانية أشهراً، وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 2022، وسط تعثر مسار التفاوض، وغياب اختراق في الوساطة التي تقودها باكستان.

يتصدر مضيق هرمز مسار التصعيد بين واشنطن وطهران، بعدما حدّت إيران إلى حد كبير من عبور السفن غير التابعة لها من الخليج العربي عبر الممر الضيق منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط). وفي المقابل، بدأت الولايات المتحدة هذا الشهر فرض حصار على السفن الإيرانية، في محاولة لزيادة الضغط على صادرات النفط والاقتصاد الإيراني.

وقال خامنئي، في رسالة مكتوبة تليت عبر التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي في المنطقة يمثل «أهم عامل لانعدام الأمن»، معتبراً أن التطورات الأخيرة «أثبتت ذلك للرأي العام، وشعوب المنطقة، والحكومات، على حد سواء».

وخاطب الإيرانيين قائلاً إن طهران ستعمل على تأمين منطقة الخليج، والقضاء على «انتهاكات العدو للممر المائي» عبر إدارة جديدة لمضيق هرمز.

ووصف خامنئي الخليج بأنه «جزء من الهوية، والحضارة» و«مسار حيوي للاقتصاد العالمي» عبر مضيق هرمز، وبحر عُمان، مشيراً إلى ما عدّه تاريخاً من «التدخلات، والاعتداءات» الأوروبية والأميركية في المنطقة.

وقال خامنئي إن إيران وجيرانها في الخليج العربي وبحر عُمان «أصحاب مصير مشترك»، وإن «المستقبل المشرق» للمنطقة سيكون «بلا أميركا»، مضيفاً أن الأطراف الأجنبية القادمة من آلاف الكيلومترات «لا مكان لها» في هذه المياه إلا «في قاعها».

معادلة المضيق

تطرق بيان خامنئي إلى مضيق هرمز، قائلاً إن إيران ستعمل على «إدارة» هذا الممر المائي بما يضمن أمن المنطقة، وإن «القواعد القانونية والإدارة الجديدة» للمضيق ستخدم شعوب المنطقة، وتُنهي ما وصفه بـ«إساءات الأعداء لاستخدام الممر المائي».

وأكد خامنئي أن ما تحقق، بعد شهرين من الحرب، يمثل «طليعة نظام جديد» في المنطقة، والعالم، مشيراً إلى أن القوات البحرية التابعة للجيش والوحدة الموازية لها في بحرية «الحرس الثوري» أظهرت، خلال الفترة الماضية، «قدرة على فرض معادلة جديدة» في الخليج العربي.

زورق تابع لـ«الحرس الثوري» يشارك في عملية لاعتراض السفن التي تحاول عبور مضيق هرمز 21 أبريل (أ.ف.ب)

وجاء هذا الموقف في وقت يتصاعد فيه التوتر البحري بين واشنطن وطهران، مع استمرار الحصار الأميركي على السفن الإيرانية، وطرح مسؤولين إيرانيين أفكاراً لفرض قواعد عبور جديدة في مضيق هرمز.

وظل خامنئي بعيداً عن الأضواء منذ ​توليه منصب والده المرشد السابق علي خامنئي الذي قتل في ‌غارات أميركية-إسرائيلية في بداية الحرب التي اندلعت في 28 فبراير.

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الاثنين الماضي إن الولايات المتحدة «لديها مؤشرات» على أن خامنئي لا يزال على قيد الحياة، رغم أنه أشار إلى أنه من غير الواضح مدى المصداقية التي يتمتع بها المرشد الأعلى الجديد في إيران.

الحصار البحري

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية «يتعارض» مع مصالح دول المنطقة، وسيكون «محكوماً بالفشل». وأضاف أن أمن الخليج لا يكتسب معناه إلا عبر التعاون الجماعي، واحترام سيادة الدول الساحلية.

وأضاف بزشكيان أن «أي محاولة لفرض حصار وقيود بحرية» تتعارض مع القوانين الدولية، وتضر بمصالح شعوب المنطقة، والسلام، والاستقرار العالمي. وقال إن هذه الإجراءات لن تعزز الأمن الإقليمي، بل ستكون مصدراً للتوتر، وإخلالاً بالاستقرار الدائم.

وفي وقت لاحق، كتب بزشكيان أن العالم شهد ما وصفه بـ«تسامح إيران ومساعيها للتسوية»، معتبراً أن ما يجري تحت عنوان الحصار البحري «امتداد للعمليات العسكرية ضد دولة تدفع ثمن مقاومتها واستقلالها»، رغم وقف إطلاق النار بين الجانبين. وقال إن استمرار هذا «النهج القمعي لم يعد محتملاً».

وجاء موقف بزشكيان عبر حسابه على منصة «إكس» المحظورة في إيران، في وقت لا تزال فيه القيود المفروضة على الإنترنت داخل البلاد مستمرة منذ بداية الحرب.

وتفرض الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل (نيسان)، بعد أيام من سريان وقف إطلاق النار. في المقابل، تُبقي القوات المسلحة الإيرانية على إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز منذ اندلاع الحرب، وهددت بالرد إذا استمر الحصار الأميركي.

من جانبه، ادعى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن سيطرة بلاده على مضيق هرمز «ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي في المنطقة».

مروحية أميركية تهبط على متن سفينة الشحن الإيرانية توسكا في بحر العرب (سنتكوم)

وقال قاليباف في منشور على منصة «إكس» «اليوم، من خلال إدارة مضيق هرمز، ستوفر إيران لنفسها ولجيرانها نعمة ثمينة تتمثل في مستقبل خالٍ من الوجود والتدخل الأميركي».

وفي وقت سابق، قال قاليباف إن ترمب يحاول إجبار إيران على «الاستسلام» عبر الضغط الاقتصادي، واستغلال الانقسامات الداخلية. ونقلت وسائل إعلام إيرانية عنه أن واشنطن تسعى إلى إضعاف البلاد من الداخل عبر «الحصار، والتلاعب الإعلامي».

وقال قاليباف إن «العدو» كان يسعى منذ اليوم الأول إلى إنهاء وضع النظام خلال ثلاثة أيام عبر اغتيال المرشد، وقادة عسكريين، لكنه «فشل». وأضاف أن محاولات دفع إيران إلى سيناريو «فنزويلا» داخلية، أو إدخال قوات إلى البلاد، أو تفعيل جماعات انفصالية في غربها فشلت أيضاً.

وأضاف أن «العدو دخل مرحلة جديدة»، هدفها الجمع بين الحصار البحري والحملات الإعلامية، لإثارة الضغط الاقتصادي، والخلافات الداخلية. وقال إن مواجهة هذه المرحلة لا تكون إلا عبر «حفظ الانسجام»، مضيفاً أن المسؤولين العسكريين والسياسيين يعملون «بوحدة كاملة» حول أوامر المرشد.

رسائل الردع

وجدد محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني، التحذير من استمرار الحصار، قائلاً للتلفزيون الرسمي: «لن نتحمل الحصار البحري. وإن استمر، فإن إيران سترد». وأضاف أن الحصار لم يحقق شيئاً جوهرياً، وأن إيران قادرة على العبور من طرق بديلة.

وحذر رضائي من جولة جديدة من القتال بين الولايات المتحدة وإيران، مشيراً إلى أنها قد تشهد إغراق سفن أميركية، ومقتل «جنود». وأضاف: «إذا بدأت الولايات المتحدة حرباً جديدة، فعليها أن تتوقع أن نأسر عدداً كبيراً منهم».

وقال قائد بحرية الجيش الإيراني شهرام إيراني إن بلاده ستنشر أسلحة بحرية طورتها حديثاً «في المستقبل القريب جداً». كما قال وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد إن الولايات المتحدة «لن تجني أي نتائج» من حصارها، رافضاً المخاوف المتعلقة بإمدادات النفط، وتوزيعه.

وفي تصعيد موازٍ، قال مسؤول رفيع في «الحرس الثوري» إن أي هجوم أميركي على إيران، حتى لو كان محدوداً، سيؤدي إلى «ضربات طويلة، ومؤلمة» على المواقع الأميركية في المنطقة.

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» بجوار سفينة احتجزت أثناء عبورها من مضيق هرمز (أ.ف.ب)

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن قائد الوحدة الصاروخية مجيد موسوي قوله: «رأينا ما حدث لقواعدكم الإقليمية، وسنرى الأمر نفسه يحدث لسفنكم الحربية».

مأزق التفاوض

في المقابل، قال مصدر باكستاني لـ«رويترز» إن إسلام آباد، التي تضطلع بدور الوساطة، تحاول تجنب التصعيد، بينما يتبادل الجانبان رسائل بشأن اتفاق محتمل. وأضاف أن الولايات المتحدة أبدت «ملاحظات» على المقترح الإيراني، وأن الأمر متروك الآن لإيران للرد.

ويقضي أحدث عرض إيراني لإنهاء الحرب، المتوقفة منذ 8 أبريل بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، بتنحية مناقشة البرنامج النووي جانباً إلى حين إنهاء الصراع رسمياً، وحل قضايا الملاحة البحرية. ولم يلبِّ ذلك مطلب ترمب معالجة الملف النووي منذ البداية. وقال المصدر الباكستاني إن الإيرانيين «طلبوا مهلة حتى نهاية الأسبوع».

وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن على طهران التوقف عن المماطلة، فيما قالت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إنها تحدثت مع بزشكيان لضمان المرور الآمن لسفينة مرتبطة باليابان، وجميع السفن الأخرى عبر المضيق.

وقال بزشكيان لتاكايتشي إن طهران ستستأنف مسار الدبلوماسية عندما تغير واشنطن نهجها.

ونقلت وكالة ‌«مهر» الحکومیة عن بزشکیان قوله ⁠إن «​انعدام ⁠الأمن ⁠في ‌الخليج ‌سببه ​أمیركا ‌وإسرائيل» ‌ويجب ‌إيقاف «القرصنة الأمیريكية» ‌ ⁠ضد ⁠السفن ​الإيرانية ​والتنديد ​بها.

ضغط أميركي

ناقش ترمب مع مسؤولين في قطاع النفط احتمال استمرار الحصار على الموانئ الإيرانية أشهراً، فيما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» أنه أبلغ إدارته الاستعداد لحصار طويل، أملاً في إلزام طهران بتعليق تخصيب اليورانيوم 20 عاماً، والقبول بقيود صارمة بعد ذلك.

وقال ترمب لموقع «أكسيوس» إنه يرفض اقتراح إيران إعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار الأميركي، وهي خطة من شأنها تأجيل المحادثات حول البرنامج النووي الإيراني. وأضاف أن الحصار «أكثر فاعلية قليلاً من القصف»، وأنه لا يريد رفعه قبل معالجة الملف النووي.

ووصفت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» الحصار بأنه «فعال للغاية»، قائلة إنها اعترضت حتى الآن 42 سفينة، وإن 41 ناقلة لا تستطيع مغادرة إيران. وذكرت تقارير أميركية أن ترمب سيتلقى إحاطة بشأن خطط لضربات جديدة محتملة على إيران، وأخرى تتضمن السيطرة على جزء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة.

يثير الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز والحصار الأميركي المضاد قلقين كبيرين في أسواق الطاقة، والمال، إذ يمر خُمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز المسال عبر هذا المضيق الاستراتيجي. وارتفع خام برنت إلى أكثر من 126 دولاراً للبرميل، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى نحو 113 دولاراً.

وحذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مكالمة مع ترمب، من «العواقب الضارة» لأي عمل عسكري جديد ضد إيران على العالم كله. كما تدرس وكالات الاستخبارات الأميركية، بتكليف من كبار مسؤولي الإدارة، كيفية رد إيران إذا أعلن ترمب انتصاراً من جانب واحد.

وأجرت فرنسا وبريطانيا ودول أخرى محادثات حول الإسهام في تحالف بحري لفتح المضيق، لكنها قالت إنها ستكون مستعدة للمساعدة فقط بعد توقف الأعمال القتالية. وتقول واشنطن إن مثل هذا التحالف سيكون خطوة أولى نحو بنية أمنية بحرية في الشرق الأوسط بعد الصراع.


مقالات ذات صلة

أميركا وإيران تقتربان من اتفاق وسط غموض التوقيت

شؤون إقليمية مروحية من طراز «إم إتش-60 سي هوك» تقلع من سطح المدمرة الأميركية «يو إس إس ديلبرت دي بلاك» خلال عبور السفينة بحر العرب (سنتكوم)

أميركا وإيران تقتربان من اتفاق وسط غموض التوقيت

اقتربت الولايات المتحدة وإيران، الأحد، من توقيع اتفاق إطاري لإنهاء الحرب التي دخلت شهرها الرابع، لكن الغموض بقي مسيطراً على توقيت التوقيع وشروطه النهائية.

«الشرق الأوسط» (لندن_واشنطن_طهران)
أوروبا أفراد من قوات الكوماندوز البحرية الملكية البريطانية يشاركون في عملية اعتراض بحري على متن السفينة «سميرتوس» قبالة الساحل الجنوبي لإنجلترا... في 14 يونيو 2026 (رويترز)

بريطانيا تعترض ناقلة نفط تابعة لأسطول الظل الروسي في المانش

اعترضت القوات البريطانية الأحد ناقلة نفط خاضعة لعقوبات وتابعة لأسطول الظلّ الروسي في المانش، حسبما أعلنت وزارة الدفاع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية امرأة تمر أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على جدار السفارة الأميركية السابقة في طهران (أ.ب)

مفاوضون قطريون في طهران في إطار جهود إبرام اتفاق السلام

قال مصدر مطلع لوكالة (رويترز) إن مفاوضين قطريين توجهوا إلى طهران صباح اليوم في إطار الجهود الرامية إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (طهران)
الاقتصاد رجل يقف أمام «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

«بنك اليابان» نحو أعلى فائدة منذ 31 عاماً... و«إنجلترا» يلوذ بالصمت المؤقت

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى عاصمة القرار المالي الأميركي، تعيش البنوك المركزية الكبرى خارج واشنطن حالة استنفار قصوى لإعادة ضبط سياساتها النقدية.

«الشرق الأوسط» (لندن - طوكيو)
الاقتصاد ترمب يلقي كلمةً خلال مراسم أداء اليمين الدستورية لوارش بالبيت الأبيض في واشنطن (رويترز)

في أول اجتماع له... كيفين وارش يواجه «شتاء التضخم» وضغوط ترمب

يواجه رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد، كيفين وارش، اختباراً ناريّاً، الأسبوع المقبل، في أول اجتماع رسمي للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة منذ توليه منصبه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أميركا وإيران تقتربان من اتفاق وسط غموض التوقيت

مروحية من طراز «إم إتش-60 سي هوك» تقلع من سطح المدمرة الأميركية «يو إس إس ديلبرت دي بلاك» خلال عبور السفينة بحر العرب (سنتكوم)
مروحية من طراز «إم إتش-60 سي هوك» تقلع من سطح المدمرة الأميركية «يو إس إس ديلبرت دي بلاك» خلال عبور السفينة بحر العرب (سنتكوم)
TT

أميركا وإيران تقتربان من اتفاق وسط غموض التوقيت

مروحية من طراز «إم إتش-60 سي هوك» تقلع من سطح المدمرة الأميركية «يو إس إس ديلبرت دي بلاك» خلال عبور السفينة بحر العرب (سنتكوم)
مروحية من طراز «إم إتش-60 سي هوك» تقلع من سطح المدمرة الأميركية «يو إس إس ديلبرت دي بلاك» خلال عبور السفينة بحر العرب (سنتكوم)

اقتربت الولايات المتحدة وإيران، الأحد، من توقيع اتفاق إطاري لإنهاء الحرب التي دخلت شهرها الرابع، لكن الغموض بقي مسيطراً على توقيت التوقيع وشروطه النهائية، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف توقعهما إنجاز الاتفاق اليوم، بينما شددت طهران على أن النص لم يحسم بعد، وأن التوقيع قد يحدث خلال الأيام المقبلة لا خلال ساعات.

وقال شريف السبت إن باكستان، التي تقود وساطة استمرت شهوراً بين واشنطن وطهران، تستعد لتوقيع إلكتروني فوري، تعقبه محادثات فنية في الأيام المقبلة. ونشر ترمب على منصاته رسالة تؤكد أن الاتفاق سيوقع الأحد، مضيفاً أن مضيق هرمز سيفتح فوراً أمام الملاحة.

لكن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قال إن التوقيع «لن يكون غداً»، وإن الموعد الدقيق يتطلب الانتظار، رغم عدم استبعاد حصوله قريباً.

وتزامن ذلك مع توجه مفاوضين قطريين إلى طهران لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق، وفق مسؤولين إقليميين تحدثا إلى «أسوشيتد برس».

وأبدى المسؤولان تفاؤلاً حذراً بأن الاتفاق قد يوقف الأعمال القتالية التي أودت بآلاف الأشخاص، ويعيد فتح مضيق هرمز الذي أدى إغلاقه إلى اضطراب الأسواق العالمية، لكنهما أكدا أن الصيغة لا تزال تحتاج إلى حسم سياسي وفني.

وتقول مصادر باكستانية وإقليمية إن الوساطة احتاجت، خلال الأشهر الماضية، إلى تدخلات متكررة لمنع انهيار المسار، بعدما كان كل طرف يقترب من مغادرة الطاولة عند نقاط الخلاف الأساسية. وبحسب هذه المصادر، فإن الصيغة الحالية لا تنهي الخلافات، لكنها تمنح الجانبين إطاراً يتيح وقف القتال أولاً، ثم نقل القضايا الأصعب إلى مفاوضات لاحقة تحت ضغط زمني واضح.

تفاهم مؤجل

وقالت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن طهران لم تتخذ قراراً نهائياً بشأن الاتفاق الإطاري، وإن مراجعته لا تزال جارية من النواحي السياسية والقانونية والفنية على مستوى الخبراء وصناع القرار.

وأشارت الوكالة إلى أن تزامن الأحد مع عيد ميلاد ترمب قد يكون أحد أسباب عدم توقيع المذكرة في هذا اليوم، معتبرة أن مسؤولين إيرانيين لن يسمحوا بتحويل التوقيع إلى مناسبة رمزية أو دعائية للرئيس الأميركي.

أشخاص يسيرون قرب جدارية تُظهر المرشد المؤسس (الخميني) والمرشد السابق علي خامنئي، في أحد شوارع طهران(رويترز)

وبحسب مصادر إيرانية تحدثت إلى «رويترز»، تنص مسودة مذكرة التفاهم على أن طهران توافق على عدم إنتاج أو امتلاك أسلحة نووية، وعلى الحفاظ على الوضع النووي القائم إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي، بما يشمل عدم تخصيب اليورانيوم أو توسيع المنشآت النووية. وفي المقابل، توافق واشنطن على عدم فرض عقوبات جديدة على إيران قبل الاتفاق النهائي.

وقال مسؤول إيراني كبير إن الولايات المتحدة وافقت، بموجب المسودة، على أن تخفف إيران مخزون اليورانيوم عالي التخصيب داخل البلاد، على أن تبحث آلية ذلك خلال ستين يوماً. وتمثل هذه الصيغة نقطة تقاطع محدودة بين طرح ترمب، الذي تحدث عن «تخفيف وتدمير» اليورانيوم داخل إيران أو في الولايات المتحدة «عندما يهدأ الوضع»، وموقف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي قال إن التخفيف داخل إيران هو الخيار المقبول الوحيد.

وتملك إيران، وفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة، وهي نسبة تفصلها خطوة تقنية قصيرة عن مستوى 90 في المائة اللازم لصنع سلاح نووي.

وتؤكد طهران أن برنامجها سلمي، ولم تعلن استعدادها للتخلي عن المخزون الذي يعتقد أنه مدفون تحت ثلاثة مواقع نووية تضررت بشدة من الضربات الأميركية العام الماضي.

ومن المرجح، وفق مسؤولين مطلعين على مسار المحادثات، أن يتركز توقيع المذكرة على المبادئ العامة، لا على تفاصيل التنفيذ.

ويشمل ذلك وقف التصعيد، إعادة فتح المضيق، رفع الحصار، وقف فرض عقوبات جديدة، وبدء محادثات فنية بشأن النووي والأموال المجمدة. أما آليات التحقق، وجدول التنفيذ، وضمانات عدم الانسحاب، فستبقى على الأرجح جزءاً من المرحلة التالية.

الحصار البحري والأموال المجمدة

تركز المسودة الحالية، وفق مصادر من أطراف المحادثات، على إعادة فتح مضيق هرمز فوراً أمام جميع السفن التجارية، مقابل رفع الولايات المتحدة الحصار البحري المفروض على إيران. وقال ترمب إن المضيق، الذي كان يمر عبره نحو خمس شحنات النفط العالمية قبل الحرب، سيفتح «للجميع» فور توقيع الاتفاق.

وأكد مسؤول أميركي أن فتح المضيق شرط أساسي لرفع الحصار، مضيفاً أن الخطوة التالية ستكون إزالة الألغام من الممر المائي، مع احتمال مشاركة دول من مجموعة السبع في العملية. وواصلت القيادة المركزية الأميركية إعلانها أن الملاحة في هرمز مستمرة، وأن قواتها أسقطت في وقت مبكر السبت عدة مسيرات إيرانية هجومية كانت متجهة نحو المضيق، بينما قالت واشنطن إنها تواصل تنفيذ الحصار إلى حين اكتمال الاتفاق.

وفي المقابل، نقلت «فارس» عن بقائي أن الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة جزء لا يتجزأ من الاتفاق، وأن طهران ستضطر إلى فرض رسوم على الخدمات المقدمة في مضيق هرمز.

سفن حربية وأصول جوية تابعة للبحرية الأميركية تواصل دورياتها في المياه الإقليمية لفرض الحصار على إيران (سنتكوم)

كما قال إن وجود القواعد الأجنبية والوجود العسكري في المنطقة يجب أن ينتهي. وتقول مصادر إيرانية إن المسودة تنص على الإفراج عن 25 مليار دولار من الأصول المجمدة، عبر تحويلات نقدية مباشرة وتعاون بين دول المنطقة وخطوط ائتمان مالية، إضافة إلى رفع عقوبات النفط الإيراني لفترة محددة تسمح لطهران ببيع النفط وتلقي عائداته.

لكن واشنطن قدمت رواية أكثر تحفظاً بشأن الأموال. فقد أكد مسؤولون أميركيون أن الإفراج عن الأصول لن يتم بمجرد التوقيع أو حضور اجتماع، وأن أي خطوات مالية ستبقى مرتبطة بالتزام إيران شروط الاتفاق. ويعكس هذا التباين اتساع الفجوة بين رواية أميركية تقدم التفاهم بوصفه نتيجة ضغط عسكري، ورواية إيرانية تسعى إلى تصويره اعترافاً بفشل الحصار والضربات.

وقالت مصادر أميركية إن الاتفاق لا يمنح إيران تفويضاً مفتوحاً لإدارة هرمز أو فرض رسوم عبور، بل يربط أي ترتيبات مستقبلية بحرية الملاحة والقانون الدولي. في المقابل، تصر طهران على أن إدارة المضيق بعد الحرب لن تعود إلى ما كانت عليه، وأن الخدمات الأمنية والملاحية والإنقاذية التي تقدمها إيران وعمان يجب أن تكون جزءاً من التفاهم الجديد.

ويأتي ذلك فيما يستعد ترمب لطرح ملف إزالة الألغام من مضيق هرمز خلال قمة مجموعة السبع التي تبدأ الاثنين، في محاولة لإشراك حلفاء واشنطن في ترتيبات ما بعد فتح الممر البحري. ويعد المضيق محورياً لشحنات النفط والغاز والأسمدة، وأدى تعطله الفعلي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط على الأسواق العالمية.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إنه حتى 13 يونيو، أعادت قواتها توجيه 141 سفينة تجارية وعطلت 9 سفن أخرى لضمان الامتثال.

انقسام داخلي

لا يحل الاتفاق، بصيغته الحالية، القضايا الأكثر تعقيداً بين واشنطن وطهران، بما في ذلك البرنامج النووي، والأصول المجمدة، ودور إيران الإقليمي. لكنه يضع إطاراً زمنياً مدته 60 يوماً لإجراء مفاوضات فنية، في محاولة لمنع انهيار وقف إطلاق النار الهش القائم منذ 7 أبريل، بعد أسبوع شهد تبادلاً جديداً للنيران بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

وتصر طهران على إدراج لبنان في أي تفاهم لإنهاء الحرب، بينما تريد واشنطن وإسرائيل التعامل مع هذا الملف بصورة منفصلة. وقالت مصادر مطلعة إن إسرائيل، التي واصلت عملياتها ضد «حزب الله» في لبنان، تعد الاتفاق بصيغته الراهنة خيبة أمل كبيرة، لأنها همشت في مسار تفاوض قادته باكستان وشاركت فيه أطراف إقليمية أخرى.

وأثار الاتفاق المحتمل انقساماً داخل إيران. فقد خرجت مسيرات مؤيدة للحكومة مساء السبت، وعبّر معارضون متشددون عن رفضهم للتفاهم، وردد بعض المحتجين في مشهد هتافات ضد من يقدمون «تنازلات»، في إشارة واضحة إلى عراقجي.

وهاجم نواب محافظون الغموض المحيط بالنص، بينما رأت وكالة «فارس» أن توقيع الاتفاق في عيد ميلاد ترمب سيمنحه مكسباً دعائياً لا ينبغي لطهران السماح به.

ويبدو أن السلطة الإيرانية تسعى إلى تسويق التفاهم بوصفه تثبيتاً لما تصفه بـ«الانتصارات الميدانية»، لا تراجعاً تحت الضغط.

وقال عراقجي إن بلاده خرجت من الصراع أقوى، وإن أي اتفاق يجب أن يثبت نتائج الميدان. غير أن استمرار الاشتباكات في هرمز ولبنان، وتضارب الروايات حول الأموال واليورانيوم، يجعلان الاتفاق المرتقب أقرب إلى هدنة سياسية وعسكرية مؤقتة منه إلى تسوية نهائية شاملة.


إيران: القرار النهائي بشأن الاتفاق الإطاري مع أميركا «لا يزال قيد المراجعة»

امرأة تمر أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على جدار السفارة الأميركية السابقة في طهران (أ.ب)
امرأة تمر أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على جدار السفارة الأميركية السابقة في طهران (أ.ب)
TT

إيران: القرار النهائي بشأن الاتفاق الإطاري مع أميركا «لا يزال قيد المراجعة»

امرأة تمر أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على جدار السفارة الأميركية السابقة في طهران (أ.ب)
امرأة تمر أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على جدار السفارة الأميركية السابقة في طهران (أ.ب)

قال مصدر مطلع لوكالة «رويترز» للأنباء، إن مفاوضين قطريين توجهوا إلى طهران صباح اليوم (الأحد) في إطار الجهود الرامية إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

إلى ذك، قال مصدر إيراني إن قرار إيران النهائي بشأن الاتفاق الإطاري مع الولايات المتحدة «لا يزال قيد المراجعة».

ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن «مصدر مطلع قريب من فريق التفاوض الإيراني» أن «الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تتخذ بعد قرارها النهائي بشان بروتوكول الاتفاق المقترح خلال المفاوضات».

ويثير الاتفاق معارضة بعض التيارات المتشددة الرافضة تقديم تنازلات وخصوصاً في ما يتعلق بالسيطرة على مضيق هرمز.

وأوردت وكالة «إسنا» أن قطر أرسلت مستشارا لوزير خارجيتها إلى طهران، فيما ذكرت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، أن الزيارة تهدف إلى «بحث آخر التطورات المتعلقة بالعملية الدبلوماسية» الجارية.

وتوقع قادة الولايات المتحدة وباكستان توقيع اتفاق إطاري اليوم الأحد لإنهاء الحرب التي اندلعت قبل أكثر من ثلاثة أشهر، لكن طهران شككت في التوقيت في ظل معارضة محتجين من غلاة المحافظين في إيران.

 

 

 

 


«اتفاق إيران» الإلكتروني على الأبواب


صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
TT

«اتفاق إيران» الإلكتروني على الأبواب


صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب

أصبح التوقيع الإلكتروني على «اتفاق إيران» على الأبواب بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس ‌في ‌منشور على «تروث سوشيال»، أنه من المقرر ‌توقيع ‌الاتفاق اليوم (الأحد)، وأن ‌مضيق هرمز سيصبح «مفتوحاً للجميع» فور اكتمال التوقيع.

كما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أن واشنطن وطهران توصلتا إلى «نص نهائي لمذكرة التفاهم بينهما»، وقال في منشور على «إكس»، السبت: «أصبحنا أقرب إلى الاتفاق من أي وقت مضى، مع توقع إتمامه خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف أن باكستان تستعد الآن للتوقيع إلكترونياً على الاتفاق الإطاري الذي ستعقبه محادثات فنية خلال أسبوع.

لكن متحدثاً من «الخارجية الإيرانية»، قال: «علينا الانتظار لمعرفة الموعد المحدد للتوقيع الذي لن يكون غداً (الأحد)»، مرجحاً حصوله في الأيام المقبلة.

في الأثناء نقلت «رويترز» عن مسؤول في الإدارة الأميركية قوله إن واشنطن توصلت إلى «اتفاق قوي» مع إيران، وإنها ‌ستشارك في فتح مضيق هرمز عبر ‌إزالة الألغام بمجرد اكتمال التوقيع.