من الوكلاء إلى «نسك»… كيف أعادت السعودية رسم خريطة شركات الحج

صحن المطاف (نسك)
صحن المطاف (نسك)
TT

من الوكلاء إلى «نسك»… كيف أعادت السعودية رسم خريطة شركات الحج

صحن المطاف (نسك)
صحن المطاف (نسك)

قبل سنوات قليلة، كانت رحلة الحاج تبدأ من مكتب صغير في إحدى العواصم، وتنتهي عبر شبكة طويلة من الوكلاء والوسطاء. اليوم، تُختصر هذه الرحلة في منصة واحدة، ضمن منظومة مركزية أعادت تشكيل سوق الحج العالمي بالكامل.

هذا التحول، الذي قادته وزارة الحج والعمرة، نقل القطاع من نموذج مفتوح متعدد الأطراف إلى نظام منظم تحكمه لوائح تشغيل دقيقة ومنصات رقمية، في واحدة من أوسع عمليات إعادة الهيكلة في تاريخ خدمات الحج.

قبل هذه الإصلاحات، كان تنظيم الحج يعتمد إلى حد كبير على وكلاء محليين في الدول المختلفة، يتولون التنسيق مع مقدمي خدمات داخل المملكة، مما أدى إلى تفاوت في جودة الخدمات واختلاف في الأسعار وصعوبة في الرقابة.

لكن مع تطبيق نظام مقدمي خدمة حجاج الخارج، دخل القطاع مرحلة جديدة تقوم على تقنين السوق ووضع إطار واضح للترخيص والتشغيل والتقييم، بهدف رفع جودة الخدمات، وفق الأدلة التنظيمية الصادرة عن وزارة الحج والعمرة.

2022... بداية التحول المتدرّج

مثّل عام 2022 نقطة الانطلاق الفعلية، مع تطبيق اللائحة التنفيذية للنظام وتوسيع الاعتماد على المنصات الرقمية، بالتوازي مع إطلاق نموذج الحجز المباشر عبر منصة «نسك»، مما قلّص دور الوكلاء التقليديين ونقل مركز اتخاذ القرار إلى داخل المملكة.

ولم يكن هذا التحول لحظياً، بل جاء عبر مسار متدرّج؛ بدأ بإعادة هيكلة السوق، ثم توسع في السنوات اللاحقة لتعزيز الاعتماد على الحلول الرقمية وتثبيت نموذج الشركات المرخصة، وصولاً إلى مرحلة أكثر نضجاً في المواسم الأخيرة، ركزت على تحسين تجربة الحاج ورفع جودة الخدمات.

ومن أبرز نتائج هذا التحول، تقليص عدد الجهات العاملة في السوق، حيث حُصر النشاط في شركات مرخصة محددة تخضع لمعايير تشغيلية ورقابية واضحة، وفق دليل التعليمات والإجراءات الصادر عن وزارة الحج والعمرة.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» مستشار اللجنة الوطنية للحج والعمرة سابقاً، سعد القرشي، إن هذا التحول يمثل «نقلة نوعية»، موضحاً أن الانتقال من نموذج الوكلاء إلى شركات منظمة أسهم في رفع مستوى الخدمات.

ويضيف: «جميع الخدمات المرتبطة بالحاج، من السكن والتفويج والاستقبال، أصبحت أكثر تنظيماً وجودة، مقارنةً بما كان عليه الوضع سابقاً».

دليل تشغيلي يعيد تعريف الخدمة

تَعزز هذا التحول بإصدار أدلة تشغيلية تفصيلية، تحدد بدقة نوعية الخدمات ومعايير الجودة وآليات التقييم، مما أدى إلى تفكيك تجربة الحاج إلى وحدات قابلة للقياس والمحاسبة، بدلاً من تقديمها بشكل عام.

ولم يخلُ التحول من تحديات، أبرزها تأهيل الكوادر البشرية للعمل وفق النماذج الجديدة.

ويشير سعد القرشي إلى أن هذه التحديات «تم تجاوزها إلى حد كبير»، مع ارتفاع مستوى الجاهزية لدى العاملين وتحسن كفاءة التشغيل، مؤكداً أن المنظومة الحالية «تعمل اليوم بكفاءة أعلى وتنظيم أفضل».

طلب متزايد... ضمن سقف تنظيمي

وعلى الرغم من الإقبال المتزايد، تظل أعداد الحجاج خاضعة لأطر تنظيمية محددة، مما يفرض سقفاً على الأعداد.

ويقول سعد القرشي إن «محدودية الحصص المخصصة لكل دولة تفرض سقفاً على الأعداد، رغم ارتفاع الطلب على الشركات المنظمة»، متوقعاً أن يشهد القطاع توسعاً أكبر مع زيادة الطاقة الاستيعابية في المستقبل.

كما أسهم التنظيم في ضبط الأسعار، بعد أن كانت خاضعة لاجتهادات الوكلاء، مما أدى إلى تقليل التفاوت ورفع مستوى الشفافية في التكاليف.

من الوكيل إلى المنصة

التحول الرقمي شكّل ركيزة أساسية في هذه المنظومة، إذ أصبحت عمليات التعاقد واختيار الخدمات مرتبطة بمنصات رقمية مثل «نسك»، وفق بيانات وزارة الحج والعمرة.

هذا التحول لم يختصر الوقت والجهد فحسب، بل أعاد توزيع الأدوار داخل السوق، لتصبح إدارة الرحلة أكثر مركزية وتنظيماً.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» المهندس عماد سامي قاري، عضو مجلس الإدارة واللجنة التنفيذية بشركة «السراة»، إن المنظومة شهدت انتقالاً من نماذج تشغيل تقليدية إلى منظومة رقمية متكاملة.

ويضيف أن هذا التحول «اعتمد على الربط الإلكتروني بين شركات الطيران ووزارة الحج والعمرة ومنصة (نسك) وشركات تقديم الخدمة، مما أسهم في تحسين كفاءة إدارة رحلة الحاج».

وأشار إلى أن استخدام تقنيات مثل «QR Code» وبطاقات «نسك» انعكس بشكل مباشر على تجربة الحاج، من خلال تقليل القلق وتسريع الإجراءات.

ويؤكد قاري أن التركيز لم يعد يقتصر على إدارة الحشود، بل امتد إلى تقديم تجربة متكاملة، لافتاً إلى مبادرات حديثة مثل «حاج بلا حقيبة»، التي تهدف إلى تسهيل تنقل الحجاج وتحسين رحلتهم.

ما حدث في قطاع الحج خلال السنوات الأخيرة يتجاوز مجرد تقليص عدد الشركات، ليصل إلى إعادة تشكيل سوق عالمية بالكامل.

فالحج اليوم لم يعد يعتمد على شبكات تقليدية، بل أصبح قطاعاً منظماً قائماً على الحوكمة ومدفوعاً بالتقنية، في تحول يعكس توجهاً أوسع نحو إدارة أكثر كفاءة لأحد أكبر التجمعات البشرية في العالم.


مقالات ذات صلة

السعودية تطلق «الباقة الشاملة» الإلكترونية لخدمة حجاج الخارج

الخليج إطلاق «الباقة الشاملة» يأتي ضمن الاستعدادات المبكرة لموسم الحج المقبل (واس)

السعودية تطلق «الباقة الشاملة» الإلكترونية لخدمة حجاج الخارج

أعلنت وزارة الحج والعمرة في السعودية، الاثنين، إطلاق «الباقة الشاملة» لحجاج الخارج لموسم (1448هـ).

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج يجمع المؤتمر القيادات وصناع القرار والمختصين لاستعراض الحلول والممارسات وتبادل الخبرات (واس)

خادم الحرمين يرعى «مؤتمر ومعرض الحج 6» نوفمبر المقبل في جدة

يرعى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، النسخة السادسة من «مؤتمر ومعرض الحج» الذي تستضيفه جدة خلال الفترة بين 8 و11 نوفمبر المقبل.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الأمير سعود بن مشعل مترئساً اجتماع اللجنة الدائمة للحج والعمرة (واس)

«لجنة الحج» السعودية تناقش المشروعات المستهدفة لخدمة ضيوف الرحمن

ناقشت «اللجنة الدائمة للحج والعمرة» السعودية، في اجتماع موسع، الثلاثاء، خطط وترتيبات الجهات لموسم حج هذا العام، والمشروعات والخدمات الجديدة المستهدف تنفيذها.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج تعزيز التكامل والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة بما يمكّن الحجاج من أداء مناسكهم بيسر وطمأنينة (واس)

السعودية تبدأ التحضير المبكر مع 75 دولة لموسم الحج المقبل

بدأت وزارة الحج والعمرة في السعودية عقد سلسلة من الاجتماعات التحضيرية مع مكاتب شؤون الحجاج في أكثر من 75 دولة حول العالم؛ استعداداً لموسم الحج المقبل (1448هـ).

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
يوميات الشرق تهدف «البوابة» إلى تنظيم عمليات التكامل وتوحيد إجراءاتها ضمن إطار موحد (واس)

«الحج» السعودية تطلق «بوابة رقمية» للتكامل بين الجهات المحلية والدولية

أطلقت وزارة الحج والعمرة السعودية، الأربعاء، «بوابة التكاملات» لتكون حلاً رقمياً موحداً لإدارة وتنسيق التكامل مع الجهات الحكومية والخاصة محلياً ودولياً.

«الشرق الأوسط» (جدة)

محمد بن سلمان: لن نتردد في الرد بحزم

محمد بن سلمان: لن نتردد في الرد بحزم
TT

محمد بن سلمان: لن نتردد في الرد بحزم

محمد بن سلمان: لن نتردد في الرد بحزم

أكد الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، أن بلاده تعمل على تعزيز التعاون الدولي وخفض التصعيد ونزع فتيل التوترات، مشدداً على أنها لن تتردد في الرد الحازم على أي تهديد أو اعتداء يستهدف المساس بها.

وجاء ذلك خلال افتتاح ولي العهد، نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أعمال السنة الجديدة لمجلس الشورى، وإلقائه الخطاب الملكي السنوي بمقر المجلس، أمس (الأربعاء).

وأوضح الأمير محمد بن سلمان أن بلاده تدعم الحكومة اليمنية عبر «تحالف دعم الشرعية»، «لبسط سلطتها على كامل البلاد واستعادة الاستقرار، والتصدي لاعتداءات الميليشيات الحوثية الإرهابية، التي اختارت الفوضى والخراب، وتهديد الشعب اليمني والمنطقة، مسلكاً لها».

وأكد أن الاعتداءات التي استهدفت جميع دول الخليج تؤكد أن أمنها واستقرارها كل لا يتجزأ، مضيفاً: «نعمل مع إخوتنا على صون الأمن الخليجي، والسعي للتعاون الاستراتيجي والتكامل الاقتصادي».

وشدّد الأمير محمد بن سلمان على أن التزام السعودية بحق الشعب الفلسطيني يعدّ موقفاً راسخاً وجهداً مستمراً لن يتوقف إلى أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة.


تأكيد سعودي – بريطاني على دعم أمن المنطقة

الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)
الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)
TT

تأكيد سعودي – بريطاني على دعم أمن المنطقة

الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)
الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)

أكد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ونظيره البريطاني ويس ستريتينغ، دعم كل ما يسهم في تحقيق أمن المنطقة واستقرارها.

وبحث الجانبان، خلال اتصال هاتفي، الأربعاء، الجهود المشتركة تجاه تطورات الأوضاع الإقليمية، واستعرضا العلاقات الاستراتيجية بين البلدين في المجال الدفاعي.

وناقش الأمير خالد بن سلمان وستريتينغ المسائل ذات الاهتمام المشترك.


آل الشيخ: «الشورى» يستلهم الإنجاز والمبادرة من «رؤية السعودية 2030»

الدكتور عبد الله آل الشيخ يلقي كلمته في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى (واس)
الدكتور عبد الله آل الشيخ يلقي كلمته في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى (واس)
TT

آل الشيخ: «الشورى» يستلهم الإنجاز والمبادرة من «رؤية السعودية 2030»

الدكتور عبد الله آل الشيخ يلقي كلمته في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى (واس)
الدكتور عبد الله آل الشيخ يلقي كلمته في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى (واس)

أكد الدكتور عبد الله آل الشيخ، رئيس مجلس الشورى السعودي، أن المجلس حظي منذ تأسيسه بدعم واهتمام القيادة التي جعلت منه ركيزة من ركائز التنمية في البلاد، منوهاً بأنه يستلهم اليوم كل معاني الإنجاز والمبادرة من «رؤية السعودية 2030»، بعد مضي 10 سنوات على إطلاقها، حيث أسهمت في تحويل الطموحات إلى واقع مليء بإنجازات تشهد لها الأرقام والمؤشرات في جميع المجالات.

وأعرب آل الشيخ، في كلمته خلال افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة للمجلس، باسمه وباسم جميع مسؤوليه وأعضائه ومنسوبيه، الأربعاء، عن بالغ الشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، على الرعاية المتواصلة لأعمال «الشورى»، والجهود الكبيرة التي حققت للمملكة ومواطنيها قفزات تنموية ورفعة شاملة في شتى المجالات.

وقال إن تشريف الأمير محمد بن سلمان وإلقاءه الخطاب الملكي السنوي يجسد المكانة الرفيعة والدعم المستمر الذي يحظى به المجلس من قيادة البلاد، مضيفاً: «اليوم وبهذه الرعاية المباركة، يواصل (الشورى) مهمته الوطنية في دراسة الأنظمة والرقابة على الأداء».

تعاون مثمر وحضور فاعل

ولفت آل الشيخ إلى أن «الشورى» عقد خلال السنة الثانية من الدورة التاسعة 46 جلسة، وصدر عنه 555 قراراً تتعلق بالأنظمة واللوائح والاتفاقيات والمعاهدات ومذكرات التفاهم والتقارير السنوية للأجهزة الحكومية، التي أشاد بتعاونها المثمر في إنجاز الأعمال المتصلة باختصاصات المجلس.

وعلى الصعيد الخارجي، أوضح أن المجلس واصل، انطلاقاً مما تحظى به السعودية من ثقل سياسي واقتصادي على الساحتين الإقليمية والدولية، حضوره وفاعليته عبر عضويته في مختلف الاتحادات والمنظمات البرلمانية، وعلاقاته الممتدة مع برلمانات الدول الشقيقة والصديقة.

وفي تصريح صحافي عقب الافتتاح، ثمّن آل الشيخ مضامين الخطاب الملكي، وأكد أنه يمثل مناسبة وطنية مهمة، وتجسيداً جلياً لما توليه القيادة من عناية بالمجلس ودوره في مسيرة العمل الوطني، مضيفاً أن تشريف ولي العهد وإلقاءه إياه موضع اعتزاز وفخر للجميع.

مواكبة مسيرة التنمية

وبيّن أن الخطاب الملكي يشكّل خريطة طريق يستنير بها المجلس في أداء مسؤولياته الوطنية، ومرجعاً يستند إليه في مواكبة مسيرة التنمية واستشراف المستقبل، بما يلبي تطلعات الوطن والمواطن، ويحدد بوضوح توجهات البلاد وأولوياتها على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وأوضح رئيس مجلس الشورى أن المضامين التي جاءت في الخطاب الملكي وثَّقت مرحلة استثنائية من الإنجاز الوطني، وما حققته «رؤية 2030» من مستهدفاتها، وما شهدته السعودية من تنوُّع اقتصادي ونمو في الصادرات غير النفطية وتعاظم إسهام القطاع الخاص.

ونوَّه بما أكد عليه ولي العهد من مرونة الاقتصاد الوطني وقدرته على التعامل مع المتغيرات وتحويل التهديدات إلى فرص، ومواصلة الأولويات التنموية بكفاءة واستدامة، عبر تنمية القدرات الوطنية، وتمكين القطاعات الواعدة واستقطاب الاستثمارات، وما أشار إليه الخطاب من التقدم في كثير من المؤشرات الدولية.

قوة الأداء الوطني

وأكد آل الشيخ في تصريحه أن هذه النتائج تجسد قوة الأداء الوطني، وتحول مستهدفات «رؤية 2030» إلى منجزات ملموسة تعزز تنافسية الاقتصاد السعودي ومكانة المملكة عالمياً.

وأضاف أن الخطاب الملكي جسّد نهج السعودية في صون أمنها واستقرارها، وما أكد عليه من أن الأمن والاستقرار الخليجي كلٌ لا يتجزأ، إلى جانب مواصلة المملكة جهودها في تعزيز أمن الطاقة والأمن البحري، والعمل مع الشركاء على خفض التصعيد ونزع فتيل التوترات ودعم الحلول الدبلوماسية.

ولفت رئيس المجلس أيضاً إلى ما تضمنه الخطاب من مواقف راسخة تجاه مختلف القضايا، بما يعكس ثبات المواقف والسعي إلى تعزيز الأمن والاستقرار في العالم أجمع.