البنوك السعودية تحقق أرباحاً فصلية غير مسبوقة بـ6.4 مليار دولار مدعومة بـ«رؤية 2030»

محللون لـ«الشرق الأوسط»: القطاع المصرفي مرشح لتجاوز حاجز الـ26.6 مليار دولار في 2026

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
TT

البنوك السعودية تحقق أرباحاً فصلية غير مسبوقة بـ6.4 مليار دولار مدعومة بـ«رؤية 2030»

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)

أكد القطاع المصرفي السعودي مكانته بوصفه عموداً فقرياً للاقتصاد الوطني، مُسجِّلاً فصلاً تاريخياً جديداً غير مسبوق مع انطلاقة عام 2026. وللمرة الأولى في تاريخها، نجحت البنوك الـ10 المدرجة في اقتناص صافي أرباح بلغ 6.4 مليار دولار (23.95 مليار ريال) خلال الرُّبع الأول فقط، محققةً نمواً سنوياً بنسبة 7.6 في المائة، لتبرهن المصارف المحلية على قدرة فائقة في تحويل الزخم الاقتصادي الذي تولده «رؤية 2030» إلى مكاسب مالية مستدامة.

لم يكن هذا الأداء القياسي وليد الصدفة، بل جاء مدفوعاً بأداء استثنائي للمصارف الكبرى وهي: «البنك الأهلي السعودي»، ومصرف «الراجحي»، و«بنك الرياض»، و«البنك السعودي الأول»، و«البنك السعودي الفرنسي»، و«البنك العربي الوطني»، ومصرف «الإنماء»، و«بنك البلاد»، و«البنك السعودي للاستثمار»، و«بنك الجزيرة».

وقد تربع مصرف «الراجحي» على قمة الهرم الربحي بنمو قفز إلى 14.3 في المائة، مُحقِّقاً 6.75 مليار ريال. وهو ربح أرجعه المصرف إلى ارتفاع صافي الدخل من التمويل والاستثمار بنسبة 18.4 في المائة، وارتفاع إجمالي العوائد على التمويل والاستثمار، وإجمالي دخل العمليات بنسبة 14.4 في المائة، وارتفاع رسوم الخدمات المصرفية وتحويل العملات الأجنبية، وقابل ذلك انخفاض في مصروف الاستهلاك.

وفي المركز الثاني، جاء «البنك الأهلي السعودي» بصافي ربح بلغ 6.42 مليار ريال بنسبة نمو بلغت 6.66 في المائة. وأوضح البنك أن نمو صافي أرباحه يعود إلى ارتفاع الدخل من التمويل والاستثمارات بنسبة 3.1 في المائة ليصل إلى 14.8 مليار ريال؛ نتيجة ارتفاع الدخل من محفظة التمويل بنسبة 4.4 في المائة، وارتفاع دخل العمليات التشغيلية، وانخفاض مصاريف العمليات التشغيلية؛ نتيجة انخفاض في إيجارات ومصاريف المباني وصافي مخصص الانخفاض لخسائر الائتمان المتوقعة بالصافي.

أما «بنك الرياض»، فقد حافظ على مركزه الثالث بأرباح ناهزت 2.61 مليار ريال، وبنسبة نمو بلغت 5.1 في المائة. وردَّ البنك ذلك إلى ارتفاع دخل العمليات؛ نتيجة زيادة دخل المتاجرة، وصافي دخل العمولات الخاصة وانخفاض في خسائر بيع استثمارات مقتناه لغير أغراض المتاجرة، قابلها انخفاض في صافي دخل الأتعاب والعمولات، وإيرادات العمليات الأخرى، ودخل توزيعات الأرباح، وصافي دخل تحويل العملات الأجنبية، وقابل ذلك انخفاض مصاريف العمليات؛ نتيجة انخفاض صافي مخصص الانخفاض في خسائر الائتمان والأصول المالية الأخرى، وإيجارات ومصاريف المباني والعمليات الأخرى.

وعلى أساس ربعي، واصل القطاع المصرفي السعودي تحقيقه لأرقام قياسية جديدة في صافي الأرباح، حيث نمت الأرباح في الرُّبع الأول بنسبة 1.26 في المائة، مقارنةً بالرُّبع الرابع من 2025، الذي سجَّل فيه أرباحاً وصلت إلى 6.31 مليار دولار (23.66 مليار ريال).

أحد فروع بنك «الراجحي» في السعودية (البنك)

تحليل الأداء التاريخي

وأرجع محلل الأسواق المالية وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، هذا الأداء التاريخي إلى 4 أسباب رئيسية: استمرار ارتفاع أسعار الفائدة مما دعم صافي هامش الربح، ونمو الإقراض العقاري وتمويل الشركات المرتبط بالمشروعات الكبرى، وتحسُّن جودة الأصول وانخفاض المخصصات مقارنة بفترات سابقة، وقوة الإنفاق الحكومي والمشروعات المرتبطة بـ«رؤية 2030»، ما عزَّز النشاط الاقتصادي وخلق فرص تمويل جديدة.

وأشار إلى أنَّ نتائج الرُّبع الأول من 2026 تعكس متانة القطاع المصرفي السعودي، مدعوماً بنمو متوازن في معظم البنوك، وعلى رأسها مصرفي «الراجحي» و«البنك الأهلي السعودي». وقال: «هذا الأداء يؤكد قوة نموذج الأعمال المصرفي في المملكة، وقدرته على الاستفادة من البيئة الاقتصادية الإيجابية، مع استمرار الطلب على التمويل من الأفراد والشركات»، لافتاً إلى أنَّ القطاع المصرفي حقَّق خلال العام الماضي أرباحاً تجاوزت 95 مليار ريال بزيادة 16 في المائة عن العام الذي سبقه.

وتوقَّع الخالدي أن يحافظ القطاع المصرفي السعودي على أدائه القوي خلال 2026، لكن بوتيرة نمو أكثر اعتدالاً، موضحاً في الوقت نفسه أنَّ أي توجه لخفض أسعار الفائدة قد يضغط نسبياً على الهوامش، «إلا أنَّ ذلك قد يقابله تحسُّن في الطلب على التمويل، كما ستظل المشروعات الحكومية والإنفاق الرأسمالي محركاً رئيسياً للنمو».

وأشار الخالدي إلى أنَّ القطاع المصرفي مرشح للاستمرار في تحقيق أرباح جيدة، مع بقاء التنافسية مرتفعة، والتركيز على الكفاءة التشغيلية، وتنويع مصادر الدخل، مضيفاً: «نحن أمام قطاع قوي، لكن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة استقرار ونمو متزن أكثر من كونها قفزات استثنائية، إلا أنه سوف يتعدى أرباح العام الماضي 2025، ويصل إلى حاجز الـ100 مليار ريال (26.6 مليار دولار) وأكثر، ويكون تاريخياً هذا الإنجاز غير المسبوق».

البنوك... والزخم الاقتصادي

من جانبه، أكد المحلل الاقتصادي والرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد للدراسات»، محمد حمدي عمر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ الأرباح القياسية التي حقَّقتها المصارف السعودية تعكس الدور الجوهري للقطاع بوصفه أحد أبرز المستفيدين من زخم الاقتصاد المحلي. وأوضح أنَّ نمو الأرباح بنسبة 7.6 في المائة لم يكن نتيجة عوامل دورية عابرة، بل جاء مدفوعاً بمزيج من العوامل التشغيلية والهيكلية المستدامة، وفي مقدمتها استمرار نمو الائتمان بفضل تمويل المشروعات الكبرى المرتبطة بـ«رؤية 2030»، مثل «نيوم» ومشروعات البنية التحتية، فضلاً عن الانتعاش المستمر في التمويل العقاري وتمويل الأفراد، مما عزَّز حجم الأصول المدرة للدخل.

هامش الفائدة

كما أشار عمر إلى أنَّ البنوك استفادت من تحسُّن صافي هامش الفائدة، رغم بوادر التراجع في أسعار الفائدة عالمياً، وذلك بفضل قدرتها على إعادة تسعير الأصول بوتيرة أسرع من الخصوم خلال الفترات الماضية. وشدَّد على أهمية تنوع مصادر الدخل الذي لعب دوراً محورياً في تخفيف الاعتماد على دخل الفوائد، خصوصاً مع ارتفاع إيرادات الرسوم والخدمات في مجالات المدفوعات، وإدارة الأصول، والخدمات الرقمية، بالإضافة إلى الانضباط في التكاليف وتحسُّن جودة الأصول الذي انعكس في انخفاض نسب التعثر وتراجع مخصصات الائتمان. ولفت عمر إلى أنَّ النضج الرقمي بات يؤتي ثماره بشكل ملموس في رفع الكفاءة التشغيلية، لا سيما لدى البنوك الكبرى.

وفي قراءته للمستقبل، لاحظ عمر أنَّ التفاوت في نسب النمو بين البنوك يعكس اختلاف استراتيجيات المحافظ التمويلية وهياكل الودائع. وتوقَّع استمرار الأداء القوي للقطاع خلال عام 2026 مدعوماً بالطلب على التمويل والإنفاق الرأسمالي الحكومي، رغم الضغوط المحتملة على الهوامش في حال بدأت دورة خفض أسعار الفائدة وما قد يتبعها من تراجع تدريجي في هوامش الربح وإعادة تسعير الودائع.

واختتم عمر بالإشارة إلى أن تحسُّن بيئة الأعمال غير النفطية سيعزِّز جودة الأصول، مؤكداً أنَّ القطاع المصرفي يظلُّ في موقع قوة بفضل متانة الاقتصاد الكلي، وإن كانت المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً نحو نمو أكثر استدامة، وتوازناً يتطلب مراقبة دقيقة لمستويات السيولة وتطورات أسعار الفائدة.


مقالات ذات صلة

البنوك السعودية تحافظ على متانتها... ونمو الائتمان يعوّض ضغوط الفائدة

خاص مركز الملك عبد الله المالي (صندوق الاستثمارات العامة)

البنوك السعودية تحافظ على متانتها... ونمو الائتمان يعوّض ضغوط الفائدة

أثبت القطاع المصرفي السعودي مجدداً امتلاكه أساسيات مالية متينة وقدرة عالية على التكيف مع التحديات الجيوسياسية والتقلبات العالمية، مدعوماً بزخم قوي في التمويل.

هلا صغبيني (الرياض)
الاقتصاد شعار بنك «يو بي إس» أمام العلم السويسري على مبنى البرلمان (رويترز)

«المركزي السويسري»: «يو بي إس» يمتلك رأسمال كافياً لتلبية الإصلاحات المقترحة

أعلن البنك الوطني السويسري، يوم الخميس، أن مصرف «يو بي إس» يتمتع بمستوى رأس مال قوي يؤهله بالفعل لتلبية المتطلبات الصارمة المقترحة.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
خاص جلسة لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

خاص لبنان تحت ضغوط لتفكيك «الاقتصاد الموازي»... والخروج من اللائحة الرمادية

أنذر قرار مجموعة العمل المالي الدولية (فاتف) لبنان بقرب نفاد مهلة السماح، لاستكمال التدابير القانونية والاجرائية لتفكيك ظاهرة «الاقتصاد الموازي».

علي زين الدين (بيروت)
الاقتصاد أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)

البنك الأهلي السعودي يعلن استرداد صكوك من الفئة الأولى بـ1.25 مليار دولار

يعتزم البنك الأهلي السعودي استرداد صكوكه الإضافية من الفئة الأولى والمقومة بالدولار بالكامل، والتي تبلغ قيمتها الإجمالية 1.25 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

البنك المركزي الأوروبي يقلص تقارير البنوك ويخفف متطلبات الحوكمة

أعلن البنك المركزي الأوروبي يوم الجمعة عن خطة لتقليص حجم التقارير التي يطلبها من البنوك بنحو الثلث، إلى جانب تخفيف توقعاته المتعلقة بالحوكمة الرشيدة.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت )

«مكتب مسؤولية الموازنة»: بريطانيا تحتاج إلى تشديد مالي واسع لمواجهة مسار الدين

ساعة «بيغ بن» بساحة البرلمان في لندن (رويترز)
ساعة «بيغ بن» بساحة البرلمان في لندن (رويترز)
TT

«مكتب مسؤولية الموازنة»: بريطانيا تحتاج إلى تشديد مالي واسع لمواجهة مسار الدين

ساعة «بيغ بن» بساحة البرلمان في لندن (رويترز)
ساعة «بيغ بن» بساحة البرلمان في لندن (رويترز)

قال «مكتب مسؤولية الموازنة» البريطاني، الثلاثاء، إن المملكة المتحدة ستحتاج إلى زيادات ضريبية إضافية أو تخفيضات كبيرة في الإنفاق العام، تعادل نحو ميزانية التعليم بأكملها بحلول مطلع العقد المقبل، لتجنب دخول الدين الحكومي في مسار تصاعدي متسارع يتجاوز مستوياته الحالية.

وأظهر التقرير السنوي الصادر عن «الهيئة المستقلة لمراقبة الموازنة»، الذي يقيّم استدامة المالية العامة على المدى الطويل، أن الدين الحكومي البريطاني يتجه على الأرجح إلى مسار «غير مستدام ومتصاعد باستمرار» في معظم السيناريوهات التي وضعتها «الهيئة».

وكما في السنوات السابقة، عزا «المكتب» الضغوط المتصاعدة على المالية العامة بشكل رئيسي إلى شيخوخة السكان، والارتفاع السريع في الإنفاق على الرعاية الصحية، وهما عاملان يدفعان بالإنفاق الحكومي إلى مستويات تهدد استدامة الدين على المدى الطويل.

وتسلط هذه النتائج الضوء على القيود المالية التي يواجهها رئيس الوزراء المحتمل، أندي بيرنهام، الذي سعى إلى طمأنة المستثمرين عبر التعهد بالتزام القواعد المالية الحكومية الحالية.

وأوضح تقييم «مكتب مسؤولية الموازنة» أن خطط حكومة حزب «العمال» الحالية، حتى في حال تنفيذها بالكامل، لن تكون كافية لوقف الاتجاه التصاعدي للدين العام على المدى الطويل؛ مما يحد من قدرة بيرنهام على زيادة الإنفاق العام المرتبط ببرنامجه الحكومي.

وللحفاظ على الدين العام عند مستواه الحالي، البالغ نحو 95 في المائة من الناتج الاقتصادي، على المدى الطويل، قال «المكتب» إن الحكومة ستحتاج إلى تحسين رصيدها الأولي بشكل دائم - أي الفرق بين الإيرادات والنفقات باستثناء مدفوعات فوائد الدين - بنسبة 3.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية 2031 - 2032.

وأضاف «المكتب» أن «هذا يمثل تعديلاً يُنفَّذ على مدى عام واحد، وهو أكبر بنحو الثلث من إجمالي التشديد المالي الذي تخطط الحكومة لتنفيذه خلال السنوات الخمس المقبلة، كما يعادل نحو إجمالي إيرادات ضريبة الشركات المحلية أو الإنفاق الوزاري الحالي على التعليم في السنة المالية 2030 - 2031».

وأشار «المكتب» إلى أن هذا التقدير يعتمد على استمرار خطط الموازنة الحكومية الحالية حتى نهاية توقعاته متوسطة الأجل لعام 2030 - 2031، التي نُشرت في مارس (آذار) الماضي.

وحذر «مكتب مسؤولية الموازنة» بأن «الدين سيتجه إلى مسار غير مستدام في وقت أقرب بكثير إذا جاء العجز الأولي في عام 2030 - 2031 عند مستوى أقل ملاءمة مما هو متوقع».

كما حذر بأن تأجيل الإجراءات التصحيحية سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة إعادة المالية العامة إلى مسار مستدام. وأوضح أن تأجيل التدخل حتى خمسينات القرن الحالي سيستلزم تحسين الرصيد الأولي بنسبة 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعادل نحو موازنة قطاع الصحة كاملة.

* النمو الأسرع قد يخفف الضغوط

وأشار التقرير إلى أن تحقيق نمو اقتصادي أسرع، وهو هدف يعوّل عليه بيرنهام، قد يخفف من حدة الضغوط على المالية العامة.

وفي حال عودة نمو الإنتاجية إلى مستويات ما قبل الأزمة المالية العالمية، فإن «مكتب مسؤولية الموازنة» توقع أن ينخفض الدين العام بنحو 120 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي بحلول منتصف سبعينات القرن الحالي، مقارنة بارتفاعه إلى نحو 300 في المائة ضمن السيناريو الأساسي.

كما أشار إلى أن الحاجة إلى التشديد المالي ستتراجع في هذه الحالة إلى نحو 1.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.


طوكيو تؤكد أنها لا تضغط على بنك اليابان لتثبيت الفائدة

عضو بنك اليابان المركزي آنيو ساتو في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
عضو بنك اليابان المركزي آنيو ساتو في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

طوكيو تؤكد أنها لا تضغط على بنك اليابان لتثبيت الفائدة

عضو بنك اليابان المركزي آنيو ساتو في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
عضو بنك اليابان المركزي آنيو ساتو في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)

ردت الحكومة اليابانية، يوم الثلاثاء، على آراء السوق التي تزعم أنها تخفف من التزامها بالإصلاح المالي، وتضغط على البنك المركزي لإبقاء أسعار الفائدة منخفضة، في ظل المخاوف بشأن سياستها التوسعية التي تدفع عوائد السندات إلى أعلى مستوياتها منذ عقود. وفي مسودة خطة اقتصادية صدرت الشهر الماضي، دعت الحكومة بنك اليابان المركزي إلى مواءمة السياسة النقدية مع جهود الحكومة لتعزيز النمو، وحذفت بنوداً تتعهد بتحسين الوضع المالي لليابان. وارتفع عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له في 30 عاماً، مسجلاً 2.83 في المائة يوم الاثنين، حيث أثار مشروع الخطة مخاوف من أن تؤدي خطط الإنفاق الضخمة التي تتبناها الحكومة، وتفضيلها لأسعار الفائدة المنخفضة إلى تفاقم الوضع المالي لليابان، وتأخير رفع بنك اليابان لأسعار الفائدة. وصرح وزير الاقتصاد مينورو كيوتشي، المشرف على إعداد الخطة، بأن اعتقاد السوق بأن الخطة تهدف إلى كبح جماح رفع بنك اليابان لأسعار الفائدة هو سوء فهم. وقال كيوتشي في مؤتمر صحافي يوم الثلاثاء: «لا تغيير في موقف الحكومة أن إجراءات السياسة النقدية المحددة تقع ضمن اختصاص بنك اليابان». كما أكد أن الحكومة لا تنوي اللجوء إلى الإنفاق المتهور، مضيفاً أن صياغة مشروع الخطة لا تشير إلى تراجع عن الانضباط المالي. وصرح كيوتشي بأنه لا يعتزم حالياً تعديل صياغة السياسة المالية، والنقدية. ومن المتوقع الانتهاء من مسودة الخطة في اجتماع مجلس الوزراء في وقت لاحق من هذا الشهر. وفي مسودة الخطة الاقتصادية الأولى لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، أعلنت الحكومة أنها لن تحدد أهدافاً سنوية لتحقيق فائض في الميزانية الأولية، بل ستجعله مؤشراً يُدار على مدى سنوات عديدة. وسيتم تغيير الهدف المالي الرئيس للحكومة إلى نسبة الدين من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة أقل تأثراً بحجم الاقتراض طالما استمر الاقتصاد في النمو. ومنذ توليها منصبها في أكتوبر (تشرين الأول) تعهدت تاكايتشي باتباع «سياسة مالية مسؤولة واستباقية» تركز على معالجة ما وصفته بعقود من نقص الاستثمار الذي أدى إلى تآكل الاقتصاد الياباني، وقدرته التنافسية العالمية. وأدى التركيز على الإنفاق الضخم وعدم وضوح مصادر التمويل إلى ارتفاع عوائد السندات، وسط مخاوف المستثمرين بشأن تأثير ذلك على الوضع المالي الياباني المتردي أصلاً.

• مخاوف التدخل

وفي الأسواق، استقر الين قرب أدنى مستوى له في أربعة عقود يوم الثلاثاء، مما أثار مخاوف المتداولين من تدخل محتمل من السلطات اليابانية لدعم العملة، بينما استقر الدولار بعد خسائره الأخيرة. وارتفع الين بنسبة 0.2 في المائة إلى 161.75 ين للدولار، معوضاً بذلك جزءاً من انخفاضه الذي شهده في وقت سابق من الجلسة، رغم أنه لا يزال قريباً من أدنى مستوى له عند 162.84 ين الذي سجله الأسبوع الماضي. ومقابل الجنيه الإسترليني، انخفضت العملة اليابانية إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2007 عند 217.20 ين، قبل أن تقلص بعض خسائرها. بلغ سعر صرف اليورو مقابل الين 184.99 ين، بعد ارتفاعه بنسبة 0.5 في المائة في الجلسة السابقة. وقال لي هاردمان، كبير محللي العملات في بنك إم يو إف جي: «كانت هناك تكهنات في نهاية الأسبوع الماضي بأن اليابان قد تتدخل مجدداً لدعم الين خلال عطلة الولايات المتحدة، حيث كانت ظروف التداول أقل سيولة، لكن لم يُتخذ أي إجراء، مما ساهم في تراجع الين عن بعض مكاسبه الأخيرة». ووجد الين بعض الدعم في أواخر الأسبوع الماضي مع تزايد قلق المتداولين من احتمال تغيير استراتيجية التدخل اليابانية، رغم أنهم قالوا إن الارتفاع المفاجئ للعملة يوم الخميس لا يشير إلى أي إجراء رسمي.

• ارتفاع الأجور الحقيقية

وفي غضون ذلك، أظهرت بيانات حكومية صدرت يوم الثلاثاء أن الأجور الحقيقية في اليابان ارتفعت بنسبة 1.4 في المائة في مايو (أيار) مقارنةً بالعام الماضي، مسجلةً بذلك الشهر الخامس على التوالي من الزيادة، رغم تباطؤ معدل النمو، ووسط تسارع التضخم الاستهلاكي مجدداً. وارتفع متوسط الأجور الاسمية -أو إجمالي الدخل النقدي- بنسبة 3.2 في المائة ليصل إلى 311165 يناً (1.917.69 دولار)، وهو معدل أقل قليلاً من الزيادة المعدلة البالغة 3.6 في المائة في أبريل (نيسان). وبالإضافة إلى تسارع وتيرة التضخم الاستهلاكي الذي بدأ يعكس تأثير الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بلغت الزيادة الحقيقية في الأجور في مايو 1.4 في المائة، متراجعةً عن الزيادة المعدلة البالغة 2 في المائة في أبريل. وارتفعت الرواتب الأساسية للعمال، أو أجورهم العادية، بنسبة 3.0 في المائة، بعد زيادة مُعدّلة بلغت 3.3 في المائة في أبريل. وبلغ نمو أجور العمل الإضافي في مايو 2.9 في المائة، بانخفاض عن زيادة مُعدّلة بلغت 4.8 في المائة في أبريل. كما ارتفعت المدفوعات الخاصة التي تتكون في معظمها من مكافآت لمرة واحدة، والتي تميل إلى التقلب خارج فصلي الصيف، والشتاء، بنسبة 5.2 في المائة في مايو بعد زيادة مُعدّلة بلغت 10.3 في المائة في أبريل. وفي حين حافظت الشركات اليابانية على متوسط زيادة سنوية في الأجور يزيد عن 5 في المائة للعام الثالث على التوالي، فمن المرجح أن تستمر تكلفة المعيشة في الارتفاع تدريجياً في الأشهر المقبلة، حيث ستنتقل تكاليف الاستيراد المتزايدة نتيجة ضعف الين، وارتفاع أسعار الطاقة السابق إلى السلع الاستهلاكية. وقد أوضح بنك اليابان، الذي رفع أسعار الفائدة الشهر الماضي إلى أعلى مستوى لها منذ 31 عاماً، أن استقرار الأجور والأسعار شرط أساسي لأي زيادة أخرى.


هونغ كونغ تُنشئ منصة تداول جديدة للسندات والعملات الأجنبية

مشاة أمام مقر البورصة في هونغ كونغ (رويترز)
مشاة أمام مقر البورصة في هونغ كونغ (رويترز)
TT

هونغ كونغ تُنشئ منصة تداول جديدة للسندات والعملات الأجنبية

مشاة أمام مقر البورصة في هونغ كونغ (رويترز)
مشاة أمام مقر البورصة في هونغ كونغ (رويترز)

أعلنت «هيئة تنظيم الأوراق المالية» في هونغ كونغ، الثلاثاء، أن المدينة ستُنشئ منصة إلكترونية جديدة لتحسين كفاءة تداول السندات والعملات الأجنبية في «المركز المالي الآسيوي».

وقالت جوليا ليونغ، الرئيسة التنفيذية لـ«لجنة الأوراق المالية والعقود الآجلة»، إن المنصة ستطوَّر بشكل مشترك بين «بورصة هونغ كونغ» و«نظام تداول العملات الأجنبية» الصيني.

وفي غضون ذلك، تراجعت أسهم البر الرئيسي الصيني وهونغ كونغ يوم الثلاثاء، بقيادة شركات العقارات، في انتظار المستثمرين توجيهات محضر اجتماع «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي الأخير وبيانات اقتصادية محلية جديدة.

وبحلول منتصف النهار، انخفض «مؤشر شنغهاي المركب القياسي» واحداً في المائة، بينما تراجع مؤشر «سي إس آي300» للأسهم القيادية 0.8 في المائة. وفي هونغ كونغ، خسر «مؤشر هانغ سينغ القياسي» 0.4 في المائة، وانخفضت أسهم التكنولوجيا في المدينة 0.3 في المائة.

وشكلت أسهم العقارات العامل الرئيسي وراء تراجع السوق في تداولات الصباح، حيث انخفض مؤشر فرعي يتبع هذا القطاع بنسبة 3.1 في المائة.

وتوقع «البنك الدولي» أن يتباطأ النمو الاقتصادي في الصين إلى 4.4 في المائة عام 2026 وإلى 4.3 في المائة عام 2027، مع استمرار قطاع العقارات في التكيف مع انخفاض الطلب على المساكن، وبقاء المستهلكين حذرين.

وينتظر المستثمرون سلسلة من البيانات الاقتصادية المحلية المقرر صدورها الأسبوع المقبل، على أمل الحصول على صورة أوضح للاقتصاد بشكل عام.

ومن المقرر أن تعلن الصين بيانات التضخم لشهر يونيو (حزيران) الماضي يوم الخميس، تليها أرقام الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني ومؤشرات النشاط الأخرى يوم الأربعاء المقبل.

وقالت سيرينا تشو، كبيرة استراتيجيي الصين في «ميزوهو» للأوراق المالية: «على الرغم من أن مؤشرات النشاط عالية التردد من المرجح أن تظل ضعيفة في يونيو، فإننا نتوقع أن يكون نمو الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني أعلى مرونة مما قد تشير إليه البيانات الشهرية، مدعوماً بطبيعته القائمة على جانب العرض، فضلاً عن الاستهلاك القوي المتوقع للخدمات، والإنفاق الرأسمالي على التكنولوجيا خلال هذه الفترة... لذلك، فإننا نتوقع أن يظل دعم بكين السياسي مدروساً وموجهاً، مع ميل مزيج السياسات نحو التدابير المالية».

وفي الأسواق الخارجية، ينصب التركيز على محضر اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» لشهر يونيو الماضي، الذي عُقد يوم الأربعاء، بحثاً عن مؤشرات بشأن توقعات أسعار الفائدة الأميركية.

وأعلنت سلطات بكين وهونغ كونغ عن مجموعة من الإجراءات لدعم تداول العملات والسندات والذهب في هونغ كونغ، مُكثفةً جهودها لجعل المدينة مركزاً رائداً لليوان في الخارج وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية.

ويتغير تفكير المستثمرين بشأن الأصول الصينية، حيث تُظهر العوائد الثابتة خلال اضطرابات الحرب الإيرانية والهوس بالذكاء الاصطناعي كيف خالفت الصين مسار الأسواق العالمية، مُرسخةً لنفسها مكانةً مميزة حصناً منيعاً ضد التقلبات.

استقرار اليوان

من جانبه، استقر اليوان الصيني إلى حد كبير مقابل الدولار الأميركي يوم الثلاثاء، في ظل ترقب المستثمرين محضر اجتماع «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأخير وبيانات اقتصادية محلية جديدة. وقبل افتتاح السوق، حدد «بنك الشعب الصيني» سعر صرف اليوان عند 6.8054 يوان للدولار، أي أقل بـ216 نقطة من تقديرات «رويترز» البالغة 6.7838.

وفي السوق الفورية، جرى تداول اليوان المحلي عند 6.7925 يوان للدولار بحلول الساعة الـ03:46 بتوقيت «غرينيتش»، دون تغيير يذكر عن سعر الإغلاق السابق في وقت متأخر من الليل عند 6.7924. أما سعر صرفه في السوق الخارجية فقد بلغ 6.7951 يوان للدولار.

وقال أحد المتداولين في بنك أجنبي: «من المرجح أن تتداول السوق بشكل جانبي عند المستويات الحالية في الوقت الراهن». وأضاف متداولو العملات أن المستثمرين ينتظرون سلسلة من المؤشرات الاقتصادية المحلية المقرر صدورها في الأسبوع المقبل، على أمل الحصول على صورة أوضح للاقتصاد بشكل عام.

وذكر خبراء اقتصاديون في بنك «إيه إن زد» في مذكرة: «يُلاحظ في البيانات الاقتصادية لشهر يونيو غياب التحفيز السياسي». وأضافوا: «من المتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين في الربع الثاني إلى 4.5 في المائة على أساس سنوي من 5.0 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى انخفاض كثافة الإنفاق الحكومي». وأشاروا إلى أنه من المتوقع أن يظل نمو الائتمان بطيئاً، لكنهم لا يتوقعون خفضاً في أسعار الفائدة خلال يوليو (تموز) الحالي.