بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

الوضع الاقتصادي وانتشار المنصات الرقمية يصعِّبان عودتها

صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)
صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)
TT

بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)
صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، كانت سيارات النقل المحمَّلة بالصحف تغادر المطابع في طريقها إلى مراكز التوزيع والمكتبات؛ ومع سماع دوي الرصاص في العاصمة الخرطوم عادت أدراجها، ومن حينها لم تلمس أيدي القراء صحيفة ورقية.

ورغم مرور عام على عودة الحياة «شبه طبيعية» في الخرطوم، فإن الصحف الورقية لا تزال في احتجاب كامل، دون أفق أو مؤشرات على عودتها في القريب العاجل.

عَودٌ منشود

ويأمل الصحافي عثمان ميرغني، مالك صحيفة «التيار» التي كانت تصدر يومياً حتى ساعة اندلاع الحرب، في إطلاق نسخة ورقية من صحيفته في المستقبل القريب، وقال: «سنعود قريباً إلى طباعة النسخة الورقية لتصدر من الخرطوم وتوزَّع إلى جميع الولايات».

واستطرد ميرغني، وهو رئيس تحرير الصحيفة، قائلاً لــ«الشرق الأوسط» إن الصحافة المطبوعة «لا غنى عنها»، وتوقَّع أن تلعب دوراً محورياً بعد انتهاء الحرب.

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم 15 أبريل 2026 (أ.ب)

وقال صاحب إحدى دور النشر والتوزيع، طالباً عدم ذكر اسمه، إن الصحافة الورقية قبل الحرب «كانت تلفظ أنفاسها»، إذ تدنى التوزيع والانتشار إلى درجة «غير مسبوقة»، عازياً ذلك إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية الذي انعكس في ارتفاع أسعار منتجات الطباعة من ورق وأحبار يجري استيرادها من الخارج.

واستدرك قائلاً إنه في السنوات الأخيرة لنظام الرئيس المعزول عمر البشير، تقلَّصت طباعة الصحف الورقية إلى أكثر من النصف، وتوقفت العشرات من الصحف عن الصدور بسبب الأوضاع، مما دفع أصحاب الصحف للاستغناء عن أعداد كبيرة من الصحافيين.

وقبيل اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل 2023، كانت تصدر في البلاد نحو 20 صحيفة سياسية ورياضية بشكل غير منتظم، بعدما توقف الكثير منها نظراً لارتفاع تكاليف الإنتاج.

الصحافة الإلكترونية

ويرى نقيب الصحافيين السودانيين، عبد المنعم أبو إدريس، أن من الصعب عودة الصحافة الورقية إلى سابق عهدها لأسباب عديدة منها الوضع الاقتصادي، مشيراً إلى متغيرات من أبرزها تحوُّل الجمهور إلى تلقي المعلومات من الصحافة الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي انتشرت بكثافة في السنوات الأخيرة.

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن غياب الصحافة الورقية أسهم إسهاماً مباشراً في تراجع التغطية المهنية المتوارثة عبر أجيال من الكفاءات في هذا المجال.

وتابع: «هذا الغياب أفقد أعداداً كبيرة من الصحافيين والصحافيات وظائفهم، والظروف المعيشية الصعبة أجبرتهم على البحث عن مهن بديلة».

وفي هذا الصدد، أشار إلى أنه مع غياب الكفاءات، واعتماد الجمهور على مواقع التواصل الاجتماعي في استقاء المعلومات، انفتح الباب أمام انتشار الشائعات والأخبار الزائفة والمضللة.

ورغم ظهور العديد من المواقع الصحافية الإلكترونية في الآونة الأخيرة، فإنها لم تستوعب المئات من الصحافيين الذين أقعدهم إغلاق الصحف الورقية عن العمل.

رجل يقف الجمعة الماضي على سطح مسجد تضرر جرَّاء الحرب في أم درمان بالسودان (أ.ب)

غير أن المشرف العام على أعمال «المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحافية» بالإنابة، عمر طيفور، صرَّح بأن عدداً من مُلَّاك وناشري الصحف تواصلوا معه معبِّرين عن رغبتهم في العودة إلى النسخة الورقية في وقت قريب.

وأضاف أنه في حال عودة الصحف للصدور مرة أخرى، فإنها قد لا تستوعب إلا عدداً قليلاً من الصحافيين نظراً للظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

واستطرد قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه قبل اندلاع الحرب، كانت لوائح «مجلس الصحافة» تشترط التعاقد مع 18 صحافياً على الأقل لإصدار تصريح عمل لصحيفة يومية. وتابع: «قطعنا شوطاً كبيراً بشأن إعداد قانون شامل للإعلام سيصدر قريباً».

صعوبة المنافسة

الأمين العام السابق لــ«مجلس الصحافة»، عبد العظيم عوض، يرى أن الظروف الراهنة لا تتيح إمكانية عودة الصحف الورقية إلى سابق عهدها، عازياً ذلك إلى ما تسببت فيه الحرب من دمار وخراب في كل المجالات، بما في ذلك قطاع الصحافة والنشر.

وقال: «لا أعتقد في ظل الوضع القائم أن تعود الصحافة المطبوعة في المنظور القريب»، مشيراً إلى عدم قدرتها على منافسة التطور الكبير واللافت في الصحافة الإلكترونية والرقمية وسهولة تعامل الجمهور معها عبر الأجهزة الذكية.

واستدرك: «صحيح لا تزال الصحف الورقية تصدر في كثير من دول العالم، وتصارع من أجل الصمود لفترة أطول، لكنها ستواجه إشكالات بتكاليف الإنتاج والتوزيع وقلة العائد».

وأوضح أن صناعة الصحافة المطبوعة ورقياً مكلفة، مقارنة بالصحافة الرقمية والمنصات الإخبارية المنتشرة في الفضاء الإلكتروني.

اقتراح الدمج

ولتجاوز الأوضاع التي يمكن أن تقف حائلاً أمام عودة الصحافة المطبوعة، اقترح الأمين العام السابق لــ«مجلس الصحافة» دمج الصحف التي كانت تصدر قبل اندلاع الحرب، في صحيفتين أو أكثر، إلى جانب تدخل الدولة ودعم ما سماه بــ«الصحافة القومية» التي تنافس صحف القطاع الخاص.

فتى يقف يوم الجمعة الماضي خلف حطام سيارة دمرتها الحرب في أم درمان (أ.ب)

وقال عوض إنه مهما تطورت الصحافة الإلكترونية، ستظل للصحافة الورقية أهمية وأدوار مؤثرة في المجتمعات.

بدوره، توقَّع الصحافي، خالد سعد، عودةً محدودةً للصحف الورقية بعد الحرب، لافتاً إلى أن الأوضاع الاقتصادية ستحول دون رجوعها إلى ما كانت عليه من قبل.

وتحدَّث سعد عن التغيرات الهائلة التي حدثت في البيئة السياسية والإعلامية، وتأثير الوسائط الرقمية على الجمهور. وقال: «أعتقد أن التغير الديمغرافي سيكون من العوامل المؤثرة مستقبلاً»، لافتاً إلى أن طبيعة الجيل الحالي لا تفضل الصحافة الورقية بقدر اهتمامها بالصحافة الإلكترونية.


مقالات ذات صلة

«سد النهضة»: مصر تضع «محددات وثوابت» قبل العودة للمفاوضات

شمال افريقيا مصر تضع «ثوابت» قبل العودة للمفاوضات مع إثيوبيا بشأن نزاع «سد النهضة» (رويترز)

«سد النهضة»: مصر تضع «محددات وثوابت» قبل العودة للمفاوضات

تشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توتراً متصاعداً بسبب «سد النهضة» الذي شيدته أديس أبابا عام 2011؛ بينما تطالب دولتا المصبّ، مصر والسودان، باتفاق قانوني.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا الفريق العطا رئيس هيئة أركان الجيش السوداني متحدثاً في قاعدة وادي سيدنا (مجلس السيادة على تلغرام)

الجيش السوداني يعلن تدمير 224 آلية لـ«الدعم السريع» في 5 مناطق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، تحقيق مكاسب ميدانية في 5 مناطق للقتال خلال الأسبوعين الماضيين، شملت شمال وغرب دارفور، وشمال وجنوب كردفان، وولاية النيل الأزرق.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا جنود تابعون لـ«قوات الدعم السريع» يقومون بدورية في بلدة القراوي شمال السودان (أ.ب) p-circle

قوات متحالفة مع الجيش السوداني تسيطر على بلدة استراتيجية بغرب دارفور

أعلنت قوات متحالفة مع الجيش السوداني، أمس الاثنين، السيطرة على مدينة كلبس في ولاية غرب دارفور على الحدود مع تشاد، بعدما كانت تحت سيطرة «قوات الدعم السريع».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا صورة متداولة لعناصر من الجيش السوداني عند دخولهم في وقت سابق منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقتين في إقليم النيل الأزرق

في تطور ميداني جديد، استعاد الجيش السوداني، يوم الاثنين، سيطرته على مناطق حيوية في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، قرب الحدود مع إثيوبيا.

محمد أمين ياسين (نيروبي) «الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)

مصر تدفع لمفاوضات جديدة بين أفرقاء السودان خوفاً من «التقسيم»

جددت مصر تحذيراتها من محاولات تقسيم السودان، واعتبرت أن أي ترتيبات مؤقتة لا يجب التعامل معها على أنها قبول بتقسيم جارها الجنوبي.

أحمد جمال (القاهرة)

«الصحة العالمية»: 120 حالة وفاة في أحدث تفشٍ للكوليرا بالسودان

أطفال يتجمعون في مخيم بولاية أعالي النيل في جنوب السودان (د.ب.أ)
أطفال يتجمعون في مخيم بولاية أعالي النيل في جنوب السودان (د.ب.أ)
TT

«الصحة العالمية»: 120 حالة وفاة في أحدث تفشٍ للكوليرا بالسودان

أطفال يتجمعون في مخيم بولاية أعالي النيل في جنوب السودان (د.ب.أ)
أطفال يتجمعون في مخيم بولاية أعالي النيل في جنوب السودان (د.ب.أ)

أفادت «منظمة الصحة العالمية»، اليوم الأربعاء، بأن التفشي الأحدث للكوليرا في السودان أسفر عن وفاة 120 شخصاً، فضلاً عن تسجيل 1102 حالة إصابة مشتبه بها، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقد أدت الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» إلى تدهور كبير في القطاع الصحي في البلاد.

والموجة الحالية من الكوليرا، وهي الثالثة خلال ثلاث سنوات، بدأت بعد شهرين فقط من إعلان انتهاء التفشي السابق في مارس (آذار).

وبحسب الأرقام الحكومية، أُصيب أكثر من 124 ألفاً و400 شخص بالكوليرا، وتوفي 3500 خلال الموجة الأخيرة بين يوليو (تموز) 2024 ومارس 2026.

وقال رئيس «منظمة الصحة العالمية» في السودان شبل صهباني إن مرض الكوليرا، الذي ينتشر في شمال شرقي أفريقيا، كان في السابق يأتي في دورات كل ثلاث سنوات، لكن البلاد تواجه حالياً تفشياً شبه مستمر «بسبب الصراع، والقيود على الوصول إلى أماكن معينة، والنقص في الإمدادات».

ومن المتوقع أن تتفاقم الحالات مع اقتراب موسم الأمطار، في وقت يفتقر فيه الملايين إلى المياه النظيفة، ويزيد هطول الأمطار من صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة.

وأعلنت الحكومة السودانية هذا الأسبوع تفشي المرض في ولاية غرب كردفان، المنطقة التي تشكل خط تماس بين مناطق سيطرة الجيش و«قوات الدعم السريع».

وقالت «منظمة الصحة العالمية» إن التفشي يبدو آخذاً في الانتشار، بعد تسجيل نحو 300 حالة مشتبه بها، وثلاث وفيات في ولاية شمال كردفان المجاورة، حيث حذرت الأمم المتحدة من أن «قوات الدعم السريع» قد تستعد لهجوم بري على مدينة الأبيض.

وأشار وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر إلى أن الضربات على محطات الكهرباء في المدينة تعطل الوصول إلى مياه الشرب المنقذة للحياة، والكهرباء، محذراً من خطر وقوع فظائع واسعة النطاق.

وبعد ثلاث سنوات من الحرب، التي تقدر منظمات الإغاثة أنها أودت بحياة أكثر من 200 ألف شخص، أصبحت معظم مستشفيات البلاد خارج الخدمة كلياً، أو جزئياً.

وقال صهباني إن «40 في المائة من المرافق الصحية لا تعمل على الإطلاق، فيما يعمل نحو 60 في المائة منها بشكل جزئي فقط، أي إنها تقدم خدمات محدودة، أو غير كافية للمرضى».


24.7 مليون ناخب أمام امتحان المشاركة في تشريعيات الجزائر

وزير الاتصال ورئيس سلطة الانتخابات بالنيابة يتفقدان التحضيرات للانتخابات (سلطة الانتخابات)
وزير الاتصال ورئيس سلطة الانتخابات بالنيابة يتفقدان التحضيرات للانتخابات (سلطة الانتخابات)
TT

24.7 مليون ناخب أمام امتحان المشاركة في تشريعيات الجزائر

وزير الاتصال ورئيس سلطة الانتخابات بالنيابة يتفقدان التحضيرات للانتخابات (سلطة الانتخابات)
وزير الاتصال ورئيس سلطة الانتخابات بالنيابة يتفقدان التحضيرات للانتخابات (سلطة الانتخابات)

تنظم الجزائر، الخميس، انتخابات برلمانية، التحدي الأكبر فيها مدى اقتناع 24.7 مليون ناخب بالتوجه إلى الصندوق، بالنظر للبرود الشديد الذي ميز الحملة الانتخابيةـ وإقصاء المئات من المترشحين في بداية العملية من قِبل هيئة الانتخابات، بناءً على التقارير الأمنية والقضائية المتعلقة بشبهات «المال الفاسد» أو «عدم الأهلية».

دعوات للاقتراع

دعت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، الأربعاء، عبر رسائل هاتفية قصيرة، «كافة الناخبات والناخبين إلى المشاركة الواسعة في انتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني يوم 2 يوليو (تموز) 2026»، مرفقة ذلك بخطاب دعائي جاء فيه: «كن شريكاً وفاعلاً في صناعة القرار... صوت وشارك».

التصويت بمكاتب الانتخاب المتنقلة بالصحراء (سلطة الانتخابات)

ويفهم من هذه الرسالة، ومن تكرارها في الأيام السابقة، أن هيئة الانتخابات والسلطة التنفيذية المشرفة على التنظيم المادي للاستحقاق، تخشيان عزوفاً كبيراً عن الصندوق شبيهاً بالمقاطعة الكبيرة التي شهدها اقتراع 2021، حيث بلغت نسبة التصويت 23 في المائة فقط، مقابل عزوف اقترب من 77 في المائة.

وبحسب المعطيات الرسمية الصادرة عن سلطة الانتخابات، فقد بلغ إجمالي عدد الناخبين المسجلين في اللائحة الانتخابية 24.7 مليون ناخبٍ، منهم 23.8 مليون داخل البلاد، و854 ألف ناخبٍ من أفراد الجالية الوطنية المقيمة بالخارج، الذين انطلقت عملية تصويتهم، السبت الماضي.

أطر سلطة الانتخابات تضع آخر اللمسات على العملية الانتخابية (سلطة الانتخابات)

ويتنافس نحو 10 آلاف مترشح على 407 مقاعد بـ«المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى)، في حين يتطلب الحصول على الأغلبية المطلقة حصد 204 مقاعد. وينتمي أغلبية المتنافسين إلى ثمانية أحزاب كبيرة. أربعة منها موالية للحكومة، وهي: «جبهة التحرير الوطني»، و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني». وأربعة أحزاب معارضة، ثلاثة منها غابت عن الموعد الانتخابي السابق لأسباب مرتبطة بموقف الحراك الشعبي الرافض له، وهي: «جبهة القوى الاشتراكية»، و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، و«حزب العمال»، و«حركة مجتمع السلم»، التي كانت الحزب الوحيد ضمن كتلة المعارضة المنخرطة في استحقاق 2021، وظلت طيلة خمس سنوات الصوت المعارض الوحيد لسياسات الحكومة في البرلمان، وسط أغلبية كبيرة، كانت سنداً قوياً للسلطة بخصوص تمرير نصوص تشريعية، أثارت جدلاً كبيراً بسبب تعارضها مع الحقوق والحريات.

مشاهد من ختام حملة «حركة مجتمع السلم» (إعلام حزبي)

وخلال الحملة التي دامت ثلاثة أسابيع، فضَّلت الأحزاب ومرشحوها ما سُمي بـ«التواصل الجواري» مع الناخبين في القرى والمدن، بدلاً من المهرجانات الشعبية المألوفة، لعلمهم المسبق أن غالبية الجزائريين غير متحمسين للاستحقاق، ولذلك تفادت مشاهد القاعات والفضاءات الفارغة. وقد واجه بعض قادة الأحزاب مواقف محرجة عند نزولهم إلى الميدان، خصوصاً عندما كانوا يُسألون: «من أنتم؟» أو «ماذا تفعلون هنا؟»، أو «أنتم تسعون فقط من أجل راتب البرلماني».

وعشية انطلاق التصويت، أدلى الرئيس بالنيابة للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، كريم خلفان، بانطباعاته الأولى حول انتخاب الجزائريين المقيمين بالخارج، مؤكداً للتلفزيون العمومي «مشاركة مقبولة في الدوائر الانتخابية الثمانية، التي تغطي الجالية الوطنية بالخارج»، مستشهداً على وجه الخصوص بباريس وليل ومرسيليا في فرنسا، وتونس وواشنطن والدوحة وبروكسل ومدريد. وقال بهذا الخصوص: «رغم درجات الحرارة المرتفعة جداً في عدة بلدان، فإن المواطنين الجزائريين المقيمين بالخارج يواصلون الاستجابة بشكل إيجابي لواجبهم الانتخابي».

«مقصلة الشبهة»

عرفت مرحلة إعداد قوائم الترشيحات إبعاد 3 آلاف مترشح، رفضهم غربال التحقيقات الأمنية، الذي فعّل في ملفاتهم نصاً في قانون الانتخابات فجّر استياء كبيراً داخل الأحزاب، حيث حرمهم من كفاءات مهمة، يتعلق أساساً بارتباط الشخص المعني «بأوساط المال والأعمال المشبوهة، وتأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين، وحسن سير العملية الانتخابية».

المركز الدولي للمؤتمرات حيث سيتابع الصحافيون نسب التصويت خلال يوم الانتخاب (سلطة الانتخابات)

وأكدت المعارضة أن هذا المبرر ينطوي على تحكم السلطة بشكل كامل في العملية الانتخابية، فرغم أن ما تم الإعلان عنه هو محاربة «المال الفاسد»، و«عدم الأهلية»، وهي معايير بدت قانونية وإصلاحية في ظاهرها، فإن النص يشير، حسب المحتجين، إلى تقليص الهامش الديمقراطي، وتصفية مسبقة لقوائم الترشيحات، مما أسهم في تقديرهم في تعميق برود الحملة الانتخابية.

وفي محاولة لتفكيك المشهد الانتخابي، يقول المحلل السياسي بشير حسني تهامي: «يظل الرهان الحقيقي للاقتراع مرتبطاً بمدى قدرة الأحزاب على كسر الطوق الرمزي لما يُعرف بحزب العزوف وحزب الأوراق الملغاة؛ إذ أظهرت القراءات التحليلية لانتخابات 2021 كيف تفوقت كتلة الإلغاء والامتناع على مجموع أصوات خمسة أحزاب مجتمعة، محولةً الصندوق إلى شاهد على عمق الرفض، والمطالبة بإصلاح حقيقي لا يقتصر على توزيع المقاعد والكراسي».

مرشحون من «جبهة التحرير الوطني» (إعلام حزبي)

وبحسب المحلل، «ليست الأرقام الانتخابية في الجزائر بعد الحراك الشعبي (2019) مجرد نسب فنية باردة، بل هي مؤشرات سياسية كثيفة، تكشف عن عمق الفجوة بين المجتمع والمؤسسات الرسمية. ومن يقرأ نتائج الانتخابات التشريعية الماضية، لا يقرأ فقط ترتيب أحزاب داخل البرلمان، بل يقرأ قبل ذلك خريطة صامتة لفقدان الثقة، وانكماش الأمل في إمكان إصلاح سياسي حقيقي من داخل الآليات القائمة».


المبادرة الأميركية لحل الأزمة الليبية أمام اختبار توحيد الجيش

صدام حفتر والزوبي خلال تمرين (فلينتلوك 2026) في مدينة سرت الليبية أبريل الماضي (أفريكوم)
صدام حفتر والزوبي خلال تمرين (فلينتلوك 2026) في مدينة سرت الليبية أبريل الماضي (أفريكوم)
TT

المبادرة الأميركية لحل الأزمة الليبية أمام اختبار توحيد الجيش

صدام حفتر والزوبي خلال تمرين (فلينتلوك 2026) في مدينة سرت الليبية أبريل الماضي (أفريكوم)
صدام حفتر والزوبي خلال تمرين (فلينتلوك 2026) في مدينة سرت الليبية أبريل الماضي (أفريكوم)

وسط انشغال الطبقة السياسية الليبية بالأسماء المتداولة لتولي رئاسة المجلس الرئاسي والحكومة، ضمن المبادرة الأميركية المتداولة لإعادة توحيد السلطة، تتجه الأنظار إلى الملف الأكثر تعقيداً في أي تسوية مقبلة، وهو توحيد المؤسسة العسكرية، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ سقوط نظام العقيد القذافي قبل أكثر من 15 عاماً.

روبيو وصدام حفتر خلال لقاء في واشنطن الاثنين (إعلام القيادة العامة)

واكتسب هذا الملف زخماً إضافياً بعدما وضع وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، توحيد الجيش في صدارة أولويات واشنطن خلال لقائه نائب قائد «الجيش الوطني» الليبي، الفريق أول صدام حفتر، يوم الاثنين.

وتنبع أهمية هذه المقاربة من واقع الانقسام العسكري الممتد منذ سنوات؛ إذ تمتلك القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» في شرق ليبيا هيكلاً عسكرياً نظامياً وسلسلة قيادة واضحة، بينما يعتمد المشهد الأمني والعسكري في غرب البلاد على تشكيلات متعددة، تتباين في تبعيتها ودرجة تنظيمها.

وحسب المحلل السياسي الليبي، عمر بوسعيدة، فإن الإدارة الأميركية تتعامل مع ملف توحيد المؤسسة العسكرية من زاوية تختلف عن السجال السياسي الداخلي، موضحاً أن الطبقة السياسية «لا تزال منشغلة بهندسة المسميات وتوزيع المناصب، بينما تتحدث واشنطن بلغة إعادة هيكلة موازين القوة على الأرض».

يرى مراقبون أن توحيد المؤسسة العسكرية يظل الملف الأكثر تعقيداً في أي تسوية مقبلة داخل ليبيا (أ.ف.ب)

ويوضح بوسعيدة لـ«الشرق الأوسط» أن الولايات المتحدة أبدت التزاماً سياسياً واضحاً ومتكرراً بدعم توحيد المؤسسة العسكرية، بوصفه أحد المسارات الأربعة التي طرحها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، إلى جانب ملفات الميزانية والحكومة والانتخابات. مشيراً إلى أن التفاصيل التنفيذية لا تزال غائبة، إذ لم تعلن واشنطن حتى الآن عن الصيغة القانونية أو المؤسسية التي سيتم بموجبها دمج قوات القيادة العامة مع التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا، كما أن الزيارة المتزامنة التي أجراها وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، عبد السلام الزوبي، لم تسفر عن أي إعلان يحدد آلية الدمج، أو شكل المؤسسة العسكرية الموحدة.

وأثار هذا الغموض تساؤلات بين باحثين بشأن موقع الملف العسكري في أولويات المبادرة الأميركية، إذ يرى مدير المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية، أشرف بوفردة، أن واشنطن تبدو أكثر تركيزاً في المرحلة الحالية على تحقيق الاستقرار السياسي وتوحيد المؤسسات المدنية، على أن يأتي توحيد المؤسسة العسكرية في مرحلة لاحقة، وفقاً لما قال لـ«الشرق الأوسط».

يأتي ذلك ضمن نقاش دائر حول المبادرة المنسوبة إلى مسعد بولس، التي تحدثت عن تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مع الإبقاء على رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، في موقع قيادي على رأس حكومة موحدة. غير أن بولس تجنب الخوض في تفاصيل هذه التصورات، مؤكداً في لقاء تلفزيوني مؤخراً أن اختيار الصيغة النهائية يظل شأناً يقرره الليبيون أنفسهم.

تقضي المبادرة الأميركية بالإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة المقبلة (الوحدة)

وفي هذا السياق، يرى بوسعيدة أن التحدي الحقيقي أمام المبادرة الأميركية يتمثل في طبيعة الواقع العسكري القائم، حيث يوجد «طرف نظامي يمتلك هيكلاً تراتبياً واضحاً، يتمثل في القيادة العامة، يقابله طرف آخر في غرب البلاد يعاني تعدد مراكز القرار والانقسام»، معتبراً أن هذه المعادلة ستفرض نفسها على أي تصور لتوحيد المؤسسة العسكرية.

ومن زاوية بحثية، توقع بوفردة أكثر من سيناريو لإعادة بناء المؤسسة العسكرية، تختلف في شكل القيادة وآليات دمج القوات، لكنها تتفق جميعها على إنهاء الانقسام العسكري.

قوات موالية للدبيبة في ضواحي طرابلس (أ.ب)

ويقوم السيناريو الأول على إلغاء القيادة العامة بصيغتها الحالية، وتشكيل قيادة عسكرية موحدة برئاسة صدام حفتر، تعقبها هيئة أركان مشتركة تضم قيادات من الشرق والغرب والجنوب، من بينهم رئيس أركان القوات البرية في شرق ليبيا خالد حفتر، ورئيس غرفة العمليات المشتركة السابق في غرب ليبيا صلاح النمروش، مع إعادة تنظيم المناطق العسكرية وفق الأقاليم التاريخية الثلاثة.

ويستند هذا الطرح، وفق محللين، إلى مؤشرات ميدانية، من بينها الصورة التي جمعت خالد حفتر وصلاح النمروش خلال أعمال مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة لعام 2026 في العاصمة الأنغولية لواندا، بمشاركة القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم).

أما السيناريو الثاني، حسب الباحث الليبي، فيقوم على الإبقاء على الهيكل العسكري القائم، بحيث يتولى صدام حفتر منصب القائد الأعلى، مع وجود وزير للدفاع هو عبد السلام الزوبي، وهيئة أركان مشتركة، إلى جانب توزيع المناطق العسكرية وفق الأقاليم التاريخية، وإنشاء غرف عمليات مشتركة بين الشرق والغرب، تتولى ملفات حماية الحدود، ومكافحة الإرهاب، والهجرة غير النظامية، فضلاً عن التنسيق في مجالات التدريب والتسليح، بما يشكل نواة لجيش ليبي موحد.

وبينما لا تزال هذه التصورات في إطار النقاش، تشير التحركات الأمنية إلى أن مساراً موازياً بدأ بالفعل بعيداً عن الأضواء.

أحد عناصر القوات العسكرية بغرب ليبيا (وزارة دفاع الوحدة)

ويرى رئيس المجلس الوطني للعلاقات الليبية - الأميركية، هاني شنيب، أن توحيد المؤسسة الأمنية يجري وفق مسار تدريجي يبدأ بالملفات الأقل تعقيداً وصولاً إلى الأكثر حساسية، مشيراً إلى أن هذا المسار انطلق منذ نحو عام.

وأوضح شنيب لـ«الشرق الأوسط» أن الجانبين عقدا حتى الآن نحو عشرة اجتماعات مشتركة، تناولت ملفات حماية الحدود، ومكافحة الهجرة غير النظامية، وقضايا أمنية أخرى، مؤكداً أن اللجان المشتركة تمثل مدخلاً لبناء الثقة، تمهيداً للوصول إلى التوحيد الكامل عندما تتوافر الظروف السياسية.

ويخلص شنيب إلى أن «أولويات المرحلة الراهنة ستنصب على ملفات التعاون الأمني المشترك بين الشرق والغرب، وليس أسماء الشخصيات التي ستقود هذا التعاون».

وفي أبريل (نيسان) الماضي، تشكلت غرفة عمليات عسكرية مشتركة (3+3)، ضمت عناصر من شرق وغرب ليبيا، عقب مشاركتهم في مناورات «فلينتلوك 2026» التي استضافتها مدينة سرت. وتعد هذه المناورات من أبرز تدريبات العمليات الخاصة، التي تنظمها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، وشاركت فيها قوات من مختلف أنحاء القارة.