لبنان وإسرائيل نحو الاعتراف المتبادل... والسلام

مفاوضات مباشرة برعاية أميركية واستبعاد الوصاية الإيرانية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

لبنان وإسرائيل نحو الاعتراف المتبادل... والسلام

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض (د.ب.أ)

اتفق لبنان وإسرائيل، الخميس، على هدنة من عشرة أيام قابلة للتمديد برعاية الولايات المتحدة، للمضي نحو «الاعتراف الكامل» بسيادة كل منهما وسلامة أراضيه، والانخراط في مفاوضات «مباشرة» بغية التوصل إلى اتفاق سلام دائم بينهما، وفقاً لما أعلنته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ومع بدء دخول وقف النار حيز التنفيذ، يتوقع أن تتخذ السلطات اللبنانية «خطوات جادة» لمنع «حزب الله» من شن أي هجمات ضد أهداف إسرائيلية، مع التأكيد على أنه «لا يحق لأي دولة أو جماعة أخرى»، في إشارة إلى إيران و«حزب الله»، أن «تدعي ضمان سيادة لبنان».

وأفادت وزارة الخارجية الأميركية بأن الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية اتفقتا على أنه بعد «المحادثات المباشرة المثمرة» التي أجريت في 14 أبريل (نيسان) الماضي برعاية الولايات المتحدة، توصل البلدان إلى «تفاهم يقضي بأن يعملا على تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم بينهما، والاعتراف الكامل بسيادة كل منهما وسلامة أراضيه، وإرساء أمن حقيقي على طول حدودهما المشتركة، مع الحفاظ على حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس».

وكانت الوزارة تشير بذلك إلى الاجتماع الذي ترأسه وزير الخارجية ماركو روبيو، بمشاركة السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر.

دخان القصف الإسرائيلي يتصاعد في منطقة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت الوزارة بعد إعلان الرئيس دونالد ترمب وقف النار بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام، إن «البلدين يُقرّان بالتحديات الجسيمة التي تواجهها الدولة اللبنانية من الجماعات المسلحة غير الحكومية، والتي تقوّض سيادة لبنان وتهدد الاستقرار الإقليمي».

واتفقا على «ضرورة الحد من نشاطات هذه الجماعات، بحيث تكون القوات الوحيدة المصرح لها بحمل السلاح في لبنان هي القوات المسلحة اللبنانية، وقوى الأمن الداخلي، والمديرية العامة للأمن، والمديرية العامة لأمن الدولة، والجمارك اللبنانية، والشرطة البلدية». وأكدا أنهما «ليسا في حال حرب، ويلتزمان الانخراط في مفاوضات مباشرة بحسن نية، بتيسير من الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائمين بين البلدين».

تمديد الهدنة

وأورد البيان أنه «لهذا الغرض، تفهم الولايات المتحدة الآتي: ستبدأ إسرائيل ولبنان هدنة اعتباراً من 16 أبريل (نيسان) 2026، الساعة 17:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، لمدة عشرة أيام مبدئياً، بوصفها بادرة حسن نية من حكومة إسرائيل، بهدف تمكين مفاوضات بحسن نية للتوصل إلى اتفاق أمني وسلام دائم بين إسرائيل ولبنان». وأضاف أنه «يجوز تمديد هذه الفترة المبدئية باتفاق متبادل بين لبنان وإسرائيل إذا ما أُحرز تقدم في المفاوضات، وإذا أثبت لبنان قدرته على تأكيد سيادته».

وأكد أن «إسرائيل تحتفظ بحقها في اتخاذ كل التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد أي هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية. ولن تعيق الهدنة هذا الحق». ولكن بالإضافة إلى ذلك «لن تقوم إسرائيل بأي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية، بما في ذلك الأهداف المدنية والعسكرية وغيرها من أهداف الدولة، داخل الأراضي اللبنانية براً وجواً وبحراً».

أشخاص يسيرون قرب جسر القاسمية المدمّر الأخير الذي يربط بين صور وصيدا في الجنوب اللبناني (أ.ف.ب)

ولفت إلى أنه «ابتداء من 16 أبريل 2026، الساعة 17:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، وبدعم دولي، ستتخذ حكومة لبنان خطوات جادة لمنع «حزب الله»، وكل الجماعات المسلحة غير الحكومية الأخرى في الأراضي اللبنانية، من شن أي هجمات أو عمليات أو نشاطات عدائية ضد أهداف إسرائيلية».

ترسيم الحدود

وفي إشارة واضحة إلى استبعاد أي نفوذ لإيران، بما في ذلك من خلال «حزب الله»، أفاد البيان الأميركي بأن «كل الأطراف تعترف بأن قوات الأمن اللبنانية هي المسؤولة حصراً عن سيادة لبنان ودفاعه الوطني، ولا يحق لأي دولة أو جماعة أخرى أن تدعي ضمان سيادة لبنان».

وطلبت كل من إسرائيل ولبنان من الولايات المتحدة «تسهيل إجراء مفاوضات مباشرة إضافية بين البلدين بهدف حل كل القضايا العالقة، بما في ذلك ترسيم الحدود البرية الدولية، وذلك بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائمين بين البلدين».

وقالت الخارجية الأميركية: «تُدرك الولايات المتحدة أن إسرائيل ولبنان سيقبلان الالتزامات المذكورة أعلاه بالتزامن مع هذا الإعلان»، علماً بأن «هذه الالتزامات تهدف إلى تهيئة الظروف اللازمة لإجراء مفاوضات حسنة النية نحو تحقيق سلام وأمن دائمين».

وأعلنت أن الولايات المتحدة «تعتزم قيادة الجهود الدولية لدعم لبنان كجزء من جهودها الأوسع نطاقاً لتعزيز الاستقرار والازدهار في المنطقة».


مقالات ذات صلة

التفجيرات الإسرائيلية تغيّر معالم قرى الجنوب وتفاقم عزلتها

المشرق العربي جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

التفجيرات الإسرائيلية تغيّر معالم قرى الجنوب وتفاقم عزلتها

تتجاوز عمليات التلغيم والتفجير التي تنفّذها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان المواقع العسكرية والتلال، لتطول مناطق سكنية وأراضي زراعية وشبكات طرق وجسوراً.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)

تعهُّد «حزب الله» عدم إسناد إيران هل يُلزم «مجلسه الجهادي»؟

يتعامل لبنان بجدية مع الرسائل التحذيرية التي وصلت إليه، سواء بالواسطة أو مباشرةً، وتحمل تنبيهاً من أن إسرائيل ستضطر إلى توسعة المنطقة الأمنية.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

يدفع الخوف من تجدد الحرب سكاناً في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى تغيير أماكن إقامتهم، أو استئجار منازل في مناطق أخرى، رغم امتلاك بعضهم منازل سليمة

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية بين قريتي كفر تبنيت وأرنون في جنوب لبنان السبت (أ.ف.ب)

معلومات إسرائيلية تعزز مخاوف اللبنانيين من خطر حرب جديدة

كشفت «معاريف» عن استعدادات للجيش الإسرائيلي لاحتمال احتلال ثلاث مدن رئيسية في جنوب لبنان، هي صور وصيدا والنبطية، في حال استئناف الحرب مع إيران وتدخل «حزب الله».

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته في جنوب لبنان

واصل الجيش الإسرائيلي، السبت، شن غارات وتنفيذ عمليات قصف وتفجير وتوغل في مناطق متفرقة من جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

عون: لبنان لم يعد قادراً على استيعاب المزيد من النازحين السوريين

استقبل وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني في دمشق الاثنين وفداً لبنانياً رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري (الخارجية السورية)
استقبل وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني في دمشق الاثنين وفداً لبنانياً رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري (الخارجية السورية)
TT

عون: لبنان لم يعد قادراً على استيعاب المزيد من النازحين السوريين

استقبل وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني في دمشق الاثنين وفداً لبنانياً رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري (الخارجية السورية)
استقبل وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني في دمشق الاثنين وفداً لبنانياً رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري (الخارجية السورية)

صحيح أن نحو 700 ألف نازح سوري عادوا إلى بلادهم منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، إلا أن حركة النزوح باتجاه لبنان لم تتوقف، ولا يزال أكثر من 854 ألفاً مسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كمقيمين في الأراضي اللبنانية؛ ما يشكّل عبئاً متزايداً على الدولة اللبنانية، في ظل الأزمات المالية والاقتصادية الحادة التي تواجهها؛ لذلك ارتأت مؤخراً تحويل هذا الملف إلى أولوية في العلاقات اللبنانية السورية، فحمله الوفد الوزاري اللبناني الذي زار دمشق، الاثنين، إلى السلطات السورية لحثها على المساعدة، وتقديم الحوافز التي تشجع المترددين بالعودة لتجاوز مخاوفهم وهواجسهم، وهو ما تحدث عنه رئيس الجمهورية جوزيف عون داعياً المجتمع الدولي للمساعدة في هذه القضية.

وأبلغ رئيس الجمهورية جوزيف عون، الثلاثاء، المديرة العامة للمركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة السيدة سوزان راب خلال لقائه بها، أن لبنان يعمل حالياً على إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم بعدما زالت أسباب نزوحهم بعد التغييرات السياسية التي حصلت في سوريا، وأكد عدم قدرة لبنان على استيعاب المزيد منهم، لافتاً إلى أن التواصل قائم مع الدولة السورية لتنظيم عودتهم على مراحل، داعياً المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية التي تقدم مساعدات لهؤلاء النازحين في لبنان؛ لأن تقدمها لهم في بلادهم لتشجيعهم على العودة.

نزوح لا يتوقف ولا ردود سورية

يلفت مصدر لبناني رسمي أن ما يطالب به لبنان الدولة السورية هو التعاون لوضع آلية لتنظيم عودة النازحين، بحيث تكون عودة مبرمجة ومنظمة وآمنة، وعلى مراحل؛ إذ لا يسعى لبنان إلى إعادة جميع النازحين دفعة واحدة، لافتاً إلى أن من بين المطالب اللبنانية للجهات الدولية حصر التمويل والمساعدات التي يحصل عليها النازحون، للعائدين إلى سوريا، انطلاقاً من أن الأسباب التي دفعتهم إلى مغادرة بلادهم لم تعد قائمة.

وبينما يشير المصدر إلى أن لبنان لم يتلقَّ حتى الآن ردوداً سورية حاسمة وواضحة بشأن هذه المطالب، يتحدث عن مشكلة أساسية وهي أن حركة النزوح لا تزال مستمرة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أن نحو 700 ألف شخص عادوا إلى سوريا منذ سقوط النظام السابق، لكن في المقابل، دخل عدد كبير من السوريين إلى لبنان خلال المدة نفسها؛ ما يعني أن أرقام العودة لا تعكس وحدها حقيقة المشهد».

أرقام مفوضية اللاجئين

وبحسب سجلات مفوضية شؤون اللاجئين، يعيش راهناً في لبنان 854633 لاجئاً سورياً مسجّلاً، إضافة إلى 12218 لاجئاً وطالب لجوء من جنسيات أخرى.

وتشير الأرقام الرسمية أيضاً إلى أنه بين ديسمبر (كانون الأول) 2024 ونهاية سبتمبر (أيلول) 2026، عاد نحو 700 ألف سوري كانوا مسجلين لدى المفوضية في لبنان إلى سوريا.

ومنذ يوليو (تموز) 2005، أُطلق برنامج العودة الطوعية المدعوم من الأمم المتحدة لمساعدة السوريين الراغبين في العودة إلى بلدهم. وقد نُظّمت على أساسه 23 رحلة عودة، من بينها القافلة التي انطلقت، الأسبوع الماضي، من طرابلس، وضمت 61 عائداً.

ووفق المتحدثة باسم مفوضية اللاجئين في لبنان، دلال حرب، يوفر البرنامج الدعم للراغبين في العودة، من خلال تقديم المعلومات والمساعدة القانونية والنقل والمساعدات النقدية، عبر المعابر الحدودية الرسمية.

وتحصل العائلات العائدة على منحة نقدية لمرة واحدة بقيمة 100 دولار أميركي عن كل فرد عائد، للمساعدة في تغطية الترتيبات اللوجستية المرتبطة بالعودة عبر المعابر الرسمية. وتستفيد بعض العائلات الأكثر ضعفاً من منحة إضافية لمرة واحدة بقيمة 300 دولار أميركي للعائلة الواحدة.

أما داخل سوريا، فقد تحصل الأسر المستوفية لشروط الاستفادة من المساعدات، من الفئات الأكثر ضعفاً، على مساعدة نقدية تصل إلى 600 دولار أميركي للعائلة الواحدة، وذلك بناءً على تقييم أوضاعها، ووفقاً لمعايير البرنامج المعتمدة.

صورة في يونيو الماضي لنازحين سوريين في مخيم ببلدة سعدنايل في منطقة البقاع (أ.ف.ب)

«سوريا هي الوطن»

ولمساعدة اللاجئين على اتخاذ قرارات مبنية على معلومات واضحة، تدير المفوضية منصة إلكترونية تحت عنوان «سوريا هي الوطن» (The Syria is Home) توفر معلومات عملية حول متطلبات الوثائق والسكن والرعاية الصحية والتعليم وإجراءات العودة، كما تقدّم المفوضية وشركاؤها داخل سوريا المساعدة القانونية والإرشاد والاستشارات والإحالات إلى الجهات المختصة.

وتشير الناطقة باسم المفوضية دلال حرب في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه، منذ سقوط النظام السابق، «أخذ اللاجئون يعبّرون بشكل متزايد عن نيتهم العودة إلى بلادهم، سواء في الوقت الراهن أو في المستقبل القريب»، موضحة أن «عدداً كبيراً من اللاجئين لا يزال متردداً في اتخاذ قرار العودة، في ظلّ حالة عدم اليقين التي تحيط بالأوضاع في سوريا على المديين القصير والطويل».

وتشمل أبرز المخاوف، بحسب حرب، مسائل السلامة والأمن، وعدم حسم ملف السكن، لا سيما بالنسبة إلى الذين يملكون منازل يمكنهم العودة إليها، فضلاً عن إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، مثل التعليم وسبل كسب العيش، وقضايا الأراضي والممتلكات، إضافة إلى مدى توافر المساعدات الإنسانية بعد العودة.

وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في دمشق الاثنين (الخارجية السورية)

ملف العودة أولوية وطنية

يرى كثيرون أن ملف العودة أولوية للحكومة اللبنانية، وليس للحكومة السورية المنشغلة في معالجة ملفات كثيرة أخرى، إلا أن الدكتور ماهر التمران، الكاتب والباحث السياسي السوري، يشدد على أن «ملف العودة يجب أن يكون أولوية وطنية سورية.

ويوضح التمران في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الحوافز الحقيقية لا تقتصر على تسهيل عبور الحدود، أو تقديم مساعدات مالية، بل تبدأ بتوفير الأمن القانوني، وحماية الملكيات، وتأمين السكن والتعليم والصحة وفرص العمل».

ولا يتجاهل التمران أن ملف العودة «يتجاوز الإمكانات المالية للدولتين»، لكنه يشدد على أنه «لا يعفيهما من مسؤوليتهما السياسية». ويرى أن «لبنان يريد تخفيف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن اللجوء، وسوريا تحتاج إلى استعادة طاقتها البشرية، لكن البلدين لا يستطيعان تحقيق عودة مستدامة دون شراكة دولية. والمطلوب الانتقال من تمويل الإغاثة إلى تمويل التعافي، من خلال صندوق دولي لإعادة دمج العائدين، والأهم ألا تتحول المساعدات إلى وسيلة للضغط على اللاجئين».


التفجيرات الإسرائيلية تغيّر معالم قرى الجنوب وتفاقم عزلتها

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

التفجيرات الإسرائيلية تغيّر معالم قرى الجنوب وتفاقم عزلتها

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

تتجاوز عمليات التلغيم والتفجير، التي تنفّذها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، المواقع العسكرية والتلال، لتطول مناطق سكنية وأراضي زراعية وشبكات طرق وجسوراً، وسط مخاوف من تعذّر عودة السكان إلى قرى فقدت أجزاءً من معالمها. وتُظهر بيانات علمية ودراسة عن أضرار الحرب اتساعَ نطاق التدمير، فيما يربط خبير عسكري بين طبيعته ومحاولة فرض واقع سكاني جديد.

وفي اتصال مع «الشرق الأوسط»، أكدت مصادر مسؤولة في المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، تسجيل 2057 تفجيراً إسرائيلياً خلال الفترة الممتدة من 17 أبريل (نيسان) إلى 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حصيلة تعكس اتساع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية، من دون توافر تفاصيل منشورة عن توزيعها الجغرافي أو منهجية احتسابها.

وكان المجلس قد وثّق، في تقرير علمي منشور على موقعه الرسمي، 1731 عملية تلغيم وتفجير في جنوب لبنان بين 2 مارس (آذار) و10 سبتمبر (أيلول)، بينها 1128 عملية بعد اتفاق الإطار في 26 يونيو (حزيران). وارتفع متوسطها اليومي من 5.15 عملية قبل الاتفاق إلى نحو 15 بعده.

الدخان يتصاعد جراء تفجير إسرائيلي في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)

جسور ومنازل تحت الدمار

وكشفت دراسة أعدّتها «الدولية للمعلومات» أن تقديرات أولية أشارت إلى تضرر أو تدمير أكثر من 90 ألف وحدة سكنية في لبنان حتى منتصف يونيو، من دون أن يقتصر الرقم على الجنوب. ووثّقت تدمير سبعة جسور بالكامل وتضرر جسر القاسمية جزئياً، ضمن ثمانية جسور استُهدفت على محاور تربط جنوب الليطاني بمحيطه.

كما نقلت عن المنظمة الدولية للهجرة تسجيل 499784 نازحاً داخلياً حتى أول يوليو (تموز)، في مؤشر إلى صعوبة الاستقرار رغم بدء عمليات العودة.

ووثّق المجلس الوطني للبحوث العلمية تفجيراً ضخماً في مجدل زون في 28 يونيو، وموجات أرضية نجمت عن تفجير في الشقيف ليل 30 - 31 يوليو، تعادل هزة بقوة 3.8 درجة، وفق المركز الوطني للجيوفيزياء، فضلاً عن تفجير علي الطاهر في 10 سبتمبر تزامن مع حدث بقوة 4.1 درجة مسجّل لدى هيئة المسح الجيولوجي الأميركية.

وأثار تفجير الشقيف مخاوف على القلعة التاريخية المشمولة بالحماية المعززة المؤقتة والمُدرجة ضمن «قلاع جبل عامل» على قائمة التراث العالمي.

النيران تتصاعد من مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان لحظة تفجيرها (إعلام إسرائيلي)

إزالة مقومات الحياة

رأى العميد الركن المتقاعد خليل الجميل أن «عمليات التفجير والتدمير التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان تعكس سياسة ممنهجة تقوم على اعتماد نظرية الأرض المحروقة، بهدف إزالة التجمعات السكنية والقضاء على مقومات الحياة، بما يحول دون عودة الأهالي إلى قراهم، ويمهد لبقاء إسرائيلي طويل الأمد في المناطق التي يسيطر عليها».

وأوضح الجميل، تعليقاً على حصيلة المجلس الوطني للبحوث العلمية التي بلغت 2057 عملية تفجير إسرائيلية منذ أبريل الماضي، أن «هذا الرقم ينسجم مع حجم العمليات الميدانية التي يشهدها الجنوب، حيث تنفذ القوات الإسرائيلية تفجيرات بصورة شبه يومية، وعلى نطاق واسع، ولا تقتصر على المواقع العسكرية أو التلال والمواقع المرتفعة، بل تشمل الأحياء السكنية والمباني والمنشآت والبنى التحتية».

وأشار إلى أن «التركيز الإسرائيلي يتجه بصورة خاصة نحو التجمعات السكنية الكبيرة، وفي مقدمها بنت جبيل والخيام وعيتا الشعب، إلى جانب قرى أخرى، بينها زوطر الشرقية»، لافتاً إلى أن «عمليات التدمير تتبع خريطة الانتشار الإسرائيلي، وتستهدف خصوصاً المناطق التي تشكل امتداداً عمرانياً أو تجمعات سكانية في مواجهة المواقع التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية».

واعتبر الجميل أن «ما يجري يتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة، ليعكس توجهاً إسرائيلياً لإحداث تغيير ديموغرافي وبيئي واسع النطاق»، موضحاً أن «تدمير المنازل والبنى التحتية والغطاء النباتي والأراضي الزراعية يعني عملياً إزالة مقومات الحياة، وليس مجرد منع استخدام هذه المناطق لأغراض عسكرية».

وقال: «الإسرائيلي لا يريد أن يترك شيئاً خلف قواته المتمركزة على الحد الأمامي للمنطقة العازلة التي احتلها في جنوب لبنان، فهو لا يكتفي بإزالة الأبنية أو تجريف الأراضي، بل يدمّر ويحرق كل ما يمكن أن يسمح بعودة الحياة إليها»، مشدداً على أن «الفرق كبير بين إزالة الغطاء النباتي الذي يمكن أن ينمو مجدداً، وتدمير الأرض وإحراقها والقضاء على قدرتها على الإنتاج».

آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم منازل في بلدة المنصوري بجنوب لبنان في شهر سبتمبر الماضي (رويترز)

وربط الجميل هذه السياسة بالتجربة الإسرائيلية السابقة في الجولان السوري، مستحضراً ما أعقب احتلاله عام 1967 من عمليات هدم وإزالة للقرى، ومعتبراً أن «ما يحصل اليوم في الجنوب يستعيد النهج نفسه، القائم على تغيير طبيعة الأرض وإزالة معالم التجمعات السكانية».

وحذّر من أن «إعادة الأهالي إلى قراهم، حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية أو اتفاق يفضي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية، لن تكون مسألة سهلة، وقد تحتاج إلى سنوات طويلة، وربما عشرات السنين»، موضحاً أن «حجم الدمار قد يجعل بعض السكان عاجزين حتى عن تحديد مواقع منازلهم السابقة، بعدما تتغير معالم القرى وتختفي شوارعها وأبنيتها».

استهداف المباني والتجمعات

وفي قراءته للخريطة الميدانية، أشار الجميل إلى أن «عمليات التدمير تتركز في عدد من المناطق على امتداد عمراني يصل إلى نحو ألف متر أمام المواقع الإسرائيلية، حيث يجري استهداف المباني والتجمعات التي يمكن أن تشكل امتداداً سكنياً في مواجهة القوات المنتشرة».

ولفت إلى أن «هذا النمط يمكن ملاحظته في مناطق مجدل زون والمنصوري، وكذلك في محيط صربين وياطر وبيت ياحون وحداتا وبرعشيت وعيتا الجبل»، معتبراً أن «توزع عمليات الهدم على هذه القرى يظهر أن الاستهداف لا يقتصر على نقاط عسكرية محددة، بل يشمل التجمعات العمرانية الواقعة ضمن المناطق التي لا تحتلها إسرائيل فعلياً إنما تسعى إلى إبقائها خالية من السكان».

وأوضح أن «إسرائيل تنظر إلى هذه التجمعات السكنية باعتبارها بيئة يمكن أن تتحرك فيها عناصر المقاومة أو تستفيد من أبنيتها في التخفي، ولذلك تسعى إلى إزالة هذا الامتداد العمراني بصورة كاملة»، مشيراً إلى أن «التطور التكنولوجي وقدرات المراقبة الجوية التي تمتلكها القوات الإسرائيلية تسمح لها، في كثير من الحالات، بالتمييز بين التحركات المدنية والعسكرية، لكن ذلك لم يمنع اتساع نطاق التدمير».

منع عودة السكان

وخلص الجميل إلى أن «السياسة الإسرائيلية تقوم على منع عودة السكان إلى المناطق التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية أو تواجه مواقع انتشارها، من خلال تدمير كل قرية أو تجمع عمراني يمكن أن يوفر مقومات الاستقرار والعيش»، معتبراً أن «حجم التدمير وطبيعته يشيران إلى نية إسرائيلية بالبقاء لفترة طويلة، وإلى محاولة فرض واقع جغرافي وسكاني جديد يصعب تغييره حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية».


احتمال «خروج الفصائل عن السيطرة» ينشط اتصالات عراقية

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

احتمال «خروج الفصائل عن السيطرة» ينشط اتصالات عراقية

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

يسود قلقٌ أوساطاً حكومية وسياسية عراقية من خروج فصائل موالية لإيران «عن السيطرة» في حال تجدد المواجهة مع الولايات المتحدة، وسط أنباء متضاربة؛ نفتها الحكومة، بشأن استهداف مقر أمني شرق البلاد.

وقال مصدر مسؤول في تحالف «الإطار التنسيقي» الحاكم إن الحكومة تسعى إلى تفادي أخطار الحرب، عبر «التفاوض المباشر مع الفصائل المسلحة لإقناعها بالوقوف على الحياد»، مشيراً إلى أن «هذا التفاوض يجري عبر اتصالات من شخصيات مؤثرة».

بالتزامن؛ تنشر الحكومة العراقية، وفق المصدر، «قوات أمنية في الأطراف السائبة والمناطق البعيدة عن مراكز المدن، على غرار ما حدث في محافظة البصرة مؤخراً؛ للحيلولة دون هجمات قد تشنها فصائل مسلحة على دول الجوار حال اندلاع الحرب».

مع ذلك، فقد أفاد المصدر؛ المطلع على نقاشات داخلية بشأن التصعيد الإقليمي، بأن «سيطرة الحكومة على الأوضاع في حال اندلاع الحرب محل شك، سواء بشأن كبح الفصائل المسلحة الحليفة لإيران، وبشأن انعكاسات الحرب على استمرار تدفق صادرات النفط العراقية التي بدأت تتعافى مؤخراً وتجاوزت سقف 3 ملايين برميل يومياً».

وقبل تصاعد التوتر الإقليمي، كانت الحكومة تحاول حل مسألة سلاح الفصائل، لكن الشكوك ازدادت أخيراً بشأن تعثر خطة الحكومة لحصره، بعدما تأجلت من 30 سبتمبر (أيلول) الماضي إلى 30 يونيو (حزيران) 2027.

وكان «الإطار التنسيقي» يفاوض الفصائل عبر «لجنة سياسية» تضم زعامات سياسية. وأشيع على نطاق واسع أن رئيس الحكومة بدأ اتصالات مع هذه الجماعات المسلحة بمعزل عن «اللجنة» بسبب ازدياد المخاوف من تجدد الحرب.

وأفاد مصدر سياسي «الشرق الأوسط» بأن «الفصائل المسلحة الموالية لإيران قد تكون حدّثت بنك أهدافها المحلية والإقليمية مع تصاعد احتمالات الحرب».

لكن النائب عن حركة «حقوق»؛ الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»، سعود الساعدى، نفى تدخل الزيدي بشكل شخصي في ملف التفاوض مع الفصائل.

وقال في تصريحات صحافية إن «الإطار التنسيقي» توصل إلى «تفاهمات واتفق مع الفصائل بشأن إعادة تنظيم السلاح».

وأضاف الساعدي أن «الخطة تضمنت تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الفصائل، والحكومة، و(الحشد الشعبي)، و(الإطار التنسيقي)، لكن رئيس الوزراء علي الزيدي لم يوقع على الاتفاق حتى الآن»، ملمحاً إلى تعرضه لضغوط أميركية.

جانب من أحد اجتماعات تحالف «الإطار التنسيقي» الحاكم في بغداد (واع)

«دولة راعية للإرهاب»

في غضون ذلك، قالت مصادر سياسية إن القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى العراق، ستيفن فاغن، أوصل خلال الأيام الماضية رسائل مباشرة إلى شخصيات حكومية وسياسية، أكد فيها أن واشنطن تراقب خطوات حصر السلاح بيد الدولة، وفق وكالة «شفق نيوز» المحلية.

ووفق المصادر، فإن المسؤول الأميركي «حذّر بأن عدم التزام التعهدات، وعدم وضع خطة ملموسة لإنهاء وجود السلاح خارج سيطرة الدولة بحلول 30 يونيو المقبل، سيدفع واشنطن إلى عدّ العراق (دولة راعية للإرهاب)، واتخاذ عقوبات وإجراءات مختلفة بحقه»، على حد تعبير المصادر.

وعلى غرار الصمت الحكومي بشأن إمكانية تجدد الحرب، تمارس الفصائل المسلحة صمتاً مماثلاً هذه الأيام، لكن حركة «أنصار الله الأوفياء»، الحليفة لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، حذّرت الجمعة الماضي الولايات المتحدة من استخدام الأجواء أو الأراضي العراقية لتنفيذ أي هجمات عسكرية ضد إيران، لكنها أكدت وقوفها على الحياد في حال وقعت الحرب.

وقال المتحدث باسم الحركة، علي الفتلاوي، في تصريحات صحافية، إن «الحركة ستلتزم الحياد ما دام العراق غير مستخدَم منطلقاً للاعتداء على أي دولة مجاورة، وواشنطن مطالبة بالتزام عدم خرق الأجواء العراقية».

واضاف أن «أي انتهاك للسيادة العراقية سيقابله موقف من الحركة، وطبيعة الرد ستحددها القيادة وفق مقتضيات المرحلة».

وبشأن ملف السلاح، أكد الفتلاوي أن «الحركة لم تسلّم سلاحها، وأن الاتفاق يتضمن تنظيم السلاح وحصره خلال المدة الممتدة من أيلول (سبتمبر) 2026 حتى حزيران 2027، وليس سحبه أو تسليمه».

وما زال الغموض يحيط بالموقف النهائي للفصائل حيال الحرب، غير أن بعض الفصائل المرتبطة بطهران تلتزم حالياً حالة من الهدوء الحذر؛ تفادياً لإقحام العراق في صدام مدمر أو تعريض البلاد لعقوبات اقتصادية قاسية وضربات مباشرة.

لكن إمكانية التزام الفصائل حالة الهدوء الحالية غير مضمونة في حال تفجر الأوضاع، وفق مراقبين، وهناك خشية من إمكانية تعرض الفصائل الموالية لإيران لضربات جوية إسرائيلية وأميركية؛ مما سيجعل انخراطها في الحرب مبرَّراً.

وكانت فصائل ومنصات إعلامية مقربة منها تحدثت خلال الأيام الماضية عن رصد عشرات الاختراقات من قبل الطيران الحربي والاستطلاعي الأميركي، وتزامن ذلك مع تقارير غربية تحدثت عن أن مقاتلات إسرائيلية وأميركية أجرت تدريبات عسكرية في سماء العراق ودول عدة بالمنطقة تحاكي توجيه ضربات لإيران.

ميدانياً؛ أفادت تقارير صحافية، الثلاثاء، بأن موقعاً تابعاً لـ«هيئة الحشد الشعبي» في ديالى (شرق) تعرض لقصف جوي، لكن مسؤول خلية الإعلام الأمني؛ الفريق سعد معنى، نفى ذلك، وقال في بيان مقتضب: «لا صحة لوجود أي استهداف أو قصف جوي في المحافظة».