الجزائر: استنفار حزبي مبكر لخوض الاستحقاقات التشريعية

سلطة الانتخابات تفرض «الفلترة» القانونية على المترشحين للاقتراع المقبل

اجتماع قيادة حركة «مجتمع السلم» الإسلامية في إطار الاستعدادات للانتخابات (إعلام حزبي)
اجتماع قيادة حركة «مجتمع السلم» الإسلامية في إطار الاستعدادات للانتخابات (إعلام حزبي)
TT

الجزائر: استنفار حزبي مبكر لخوض الاستحقاقات التشريعية

اجتماع قيادة حركة «مجتمع السلم» الإسلامية في إطار الاستعدادات للانتخابات (إعلام حزبي)
اجتماع قيادة حركة «مجتمع السلم» الإسلامية في إطار الاستعدادات للانتخابات (إعلام حزبي)

شهدت الساحة السياسية في الجزائر، نهاية الأسبوع الحالي، حراكاً حزبياً لافتاً يعكس حالة الاستنفار المبكر استعداداً للاستحقاقات التشريعية، المقررة في الثاني من يوليو (تموز) المقبل، حيث سارعت غالبية القوى السياسية إلى فتح قوائم الترشح أمام دماء ونخب جديدة، خصوصاً من طرف الأحزاب التي أكدت عودتها إلى المعترك الانتخابي، بعد فترة طويلة من المقاطعة والغياب.

أمين عام «جبهة التحرير الوطني» في اجتماع مع كوادر الحزب استعداداً للانتخابات (إعلام حزبي)

وفي غمار التنافس على الريادة البرلمانية، يقود حزب «جبهة التحرير الوطني» تحركات واسعة لاستقطاب مناضلين جدد، في مسعى يهدف إلى القطيعة مع ترسبات المراحل السابقة، التي طارد فيها الحزب اتهامات تتعلق بشرعية نتائج الانتخابات البرلمانية لسنة 2021، غير أن هذا التوجه يواجه تحديات داخلية معقدة في ظل معارضة شديدة، تقودها كوادر داخل الحزب رافعين شعارات «التغيير الجذري».

وأطلق الأمين العام للحزب الواحد سابقاً، عبد الكريم بن مبارك، «اللجنة الوطنية المكلّفة باستراتيجية الانتخابات التشريعية»، ضمت وزراء سابقين، من بينهم وزير العدل رشيد طبي ووزير السكن عبد القادر بونكراف، وبرلمانيين سابقين تم تكليفهم بـ«لجان متخصصة» (تنظيمية، إعلامية، وقانونية)، مع إطلاق منصة رقمية لإيداع الترشيحات «ضماناً للشفافية»، حسب بن مبارك، الذي شدد على «تجند الحزب لتحقيق نتائج ريادية في استحقاق 2 يوليو».

وتفاعلاً مع هذا الحراك في الحزب، أطلقت «هيئة التنسيق الوطنية لإنقاذ جبهة التحرير» نداءً للمناضلين للتصدي لما وصفته بـ«حالة الانحلال السياسي»، وسوء التسيير القيادي. ودعت الهيئة إلى مشاركة قوية في الانتخابات عبر «قوائم ترشيح مستقلة ونزيهة» قصد مواجهة «الانتهازية السياسية، واستعادة مبادئ الحزب، بعيداً عن المصالح الضيقة والقرارات الفوقية»، في إشارة ضمناً إلى أن رئاسة الجمهورية هي من تملي على الحزب القرارات، وأن قيادته تتبناها وتنفذها.

بين طموح الإصلاح ودعوات التغيير

بدوره، كثف حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» (القوة الثانية في البرلمان بعد جبهة التحرير) تحركاته الميدانية استعداداً للسباق التشريعي، حيث يسعى الحزب تحت قيادة أمينه العام، منذر بودن، إلى تعبئة قواعده النضالية، والمراهنة على كوادر شبابية وطنية قادرة على إحداث فارق حقيقي في الاستحقاق.

ملصقة لـ«جبهة التحرير» تخص حملة استقطاب مناضلين جدد (إعلام حزبي)

وخلال لقاء تنظيمي جمعه بأطر ومناضلي الحزب في مدينة النعامة (جنوب غرب) أمس الجمعة، أكد بودن أن تشكيلته السياسية «تطمح لترك بصمة قوية في المشهد السياسي، من خلال معايير صارمة في اختيار المرشحين»، داعياً إلى «رص الصفوف لضمان تمثيل برلماني يعكس ثقل الحزب».

من جهتها، أعلنت «حركة مجتمع السلم» الإسلامية عن فتح باب الترشح للجزائريين المقيمين بالخارج للمشاركة في الانتخابات التشريعية، ضمن خطتها «إدماج الكفاءات الوطنية في التوجهات الكبرى للحزب»، حسب ما جاء في ختام اجتماع لقيادة الحزب، التي أعلنت بأن فترة إيداع الترشيحات تمتد من 08 إلى 18 أبريل (نيسان) الحالي.

أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» (إعلام حزبي)

كما أعلن الأمين العام لـ«حركة النهضة» الإسلامية، محمد ذويبي، أمس، بالعاصمة، بمناسبة انعقاد «مجلسها الشوري»، أن حزبه سيخوض الانتخابات التشريعية، بهدف «تعزيز المسار السياسي، وترسيخ قواعد المشاركة والمنافسة المسؤولة».

وشدد ذويبي على «اعتماد موقف سياسي واضح، ورؤية دقيقة تتماشى مع الاستحقاقات المقبلة»، مشيراً إلى أن موعد شهر يوليو المقبل «مرحلة مهمة، تأتي عقب صدور مجموعة من النصوص التشريعية المنظمة للحياة السياسية والعملية الانتخابية»، في إشارة إلى مراجعة قانوني الأحزاب والانتخابات في الأسابيع الماضية.

ووصف ذويبي الانتخابات المقبلة بأنها «فرصة لتعزيز المسار السياسي، وترسيخ مبادئ المنافسة المسؤولة، بما يساهم في بناء مؤسسات منتخبة قوية، تعكس إرادة المواطنين وتستجيب لانشغالاتهم»، داعياً أعضاء «مجلس الشورى» إلى البدء في التحضيرات اللازمة للاستحقاق الانتخابي.

اختبار «الجاهزية»

يمثل شرط جمع التوقيعات الخاصة بالترشح التحدي الأبرز، والمعركة الأولية للعديد من القوى السياسية، لا سيما تلك التي تفتقر للقواعد الانتخابية المكرسة برلمانياً أو محلياً. وهذا القيد القانوني يتجاوز كونه مجرد إجراء إداري، ليتحول ميدانياً إلى اختبار حقيقي للجاهزية، حيث يفرض على الأحزاب استنفاراً تنظيمياً واسعاً، وقدرة فائقة على استقطاب الناخبين، وإقناعهم في حيز زمني ضيق.

وحسب كوادر في الأحزاب المشاركة في الانتخابات، يمثل جمع التوقيعات «المصفاة» الأولى، التي تحدد حجم الوجود الفعلي للتشكيلات السياسية في السباق التشريعي المقبل.

أمين عام «حركة النهضة» أثناء انعقاد مجلس الشورى (إعلام حزبي)

بالتوازي مع هذا الحراك، فرضت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» واقعاً قانونياً جديداً، من خلال ضوابط صارمة لتشكيل القوائم، تهدف بالأساس إلى أخلقة العمل السياسي، عبر منع «الترحال الحزبي»، وإلزام المترشحين بالوفاء لانتماءاتهم الأصلية، إضافة إلى فرض شروط تمثيلية دقيقة، قد تشكل عقبة أمام بعض الأحزاب في استكمال ملفاتها.

وفي هذا السياق، أوضحت السلطة، في بيان، كيفية تأطير عملية اعتماد الترشحات، وفقاً لأحكام القانون العضوي المتعلق بالنظام الانتخابي، بهدف «ضمان سير العملية الانتخابية وفق القواعد المعمول بها، مع تنظيم مشاركة مختلف الفاعلين السياسيين»، مشيرةً إلى أن «المنتخبين الذين ترشحوا وفازوا تحت راية حزب سياسي يظلون محسوبين ضمن عدد المنتخبين، الذي يمتلكه ذلك الحزب في دائرتهم الانتخابية». ويعني ذلك أن هؤلاء المنتخبين يبقون مرتبطين قانونياً بحزبهم الأصلي طوال عهدتهم.

كما شددت «السلطة» على أن المنتخبين الراغبين في الترشح للاستحقاقات المقبلة «مُلزمون بالترشح حصرياً باسم الحزب، الذي انتُخبوا باسمه»، وذكّرت بشروط التمثيل المطلوبة لتقديم القوائم، حيث يمكن للأحزاب التي حصلت على 4 في المائة على الأقل من الأصوات، المعبر عنها في دائرة انتخابية معينة، تقديم مترشحين فيها.

وفي حال عدم استيفاء هذا الشرط، يمكن اللجوء إلى آليات أخرى ينص عليها القانون الانتخابي لاعتماد القوائم. كما يجب أن تستوفي جميع القوائم الشروط القانونية المتعلقة بتقديمها وتشكيلها، ما يفرض على الأحزاب والمترشحين المستقلين بذل جهود كبيرة في التحضير والتعبئة.

وبرزت في هذا الإطار مرونة قانونية استثنائية تتعلق بالإعفاء الجزئي من نسبة تمثيل النساء، المقدرة بـ30 في المائة وفق شروط محددة، وهو ما يعكس استمرار التحديات الميدانية، التي تواجه القوى السياسية في إدماج المرأة فعلياً ضمن المواقع القيادية والمنافسة في القوائم الانتخابية.


مقالات ذات صلة

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

شمال افريقيا صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

يرتقب أن يعقد مسؤولون من الحكومتين الجزائرية والمالية اجتماعات مكثفة لترتيب زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وفدا وزارتي العدل الجزائرية والفرنسية بحثا بالجزائر تسليم أعضاء «مافيا دي زاد» في مايو الماضي (وزارة العدل الجزائرية)

الجزائر تلاحق بارونين من شبكة «مافيا دي زاد» بتهم ثقيلة

وجَّه الادعاء الجزائري ثلاث تهم يشملها قانون العقوبات لعضوين قياديين من شبكة «مافيا دي زاد»، وأودعهما الحبس الاحتياطي في انتظار استكمال التحقيق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)

إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

تصاعدت حدة الاستقطاب في الجزائر منذ الإعلان عن إصلاحات في قطاع التعليم بداية الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المواطن الألماني أولوماسكان سينان مع مدير الإعلام بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

كواليس عملية استخباراتية جزائرية لتحرير ألماني احتُجز في النيجر

لا يزال الغموض يكتنف قضية «الرهينة الألماني» الذي تسلّمته الجزائر من النيجر بعدما خطفته «مجموعة إجرامية مسلحة» وطالبت بفدية، وفق تقارير صحافية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية المنتخب الجزائري للسيدات (منصة إكس)

الجزائر إلى مونديال السيدات للمرة الأولى بعد بلوغ نصف نهائي كأس أفريقيا

ضَمِن المنتخب الجزائري للسيدات تأهله إلى كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، بعدما بلغ نصف نهائي كأس أمم أفريقيا لكرة القدم المقامة في المغرب.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما
صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما
TT

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما
صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما

يرتقب أن يعقد مسؤولون من الحكومتين الجزائرية والمالية اجتماعات مكثفة لترتيب زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر، عبر تحضير الملفات المشتركة المنتظر حسمها، التي تتعلق أساساً بأمن الحدود، والتصدي للجماعات الجهادية التي تسعى للسيطرة على العاصمة باماكو، إضافة إلى معالجة الأزمة السياسية الداخلية في مالي.

دعا الوزير الأول الجزائري، سيفي غريب، نظيره المالي اللواء عبد الله مايغا إلى القيام بـ«زيارة عمل» إلى الجزائر، وذلك عقب اتصال هاتفي جرى بينهما في التاسع من الشهر الحالي، بحسب ما أعلنه بيان للوزارة الأولى الجزائرية. وتأتي هذه المحادثات، التي وصفها الطرفان بـ«البناءة»، في سياق انفراج تشهده العلاقات بين باماكو والجزائر بعد عدة أشهر من التوترات الدبلوماسية.

اجتماع لوزير خارجية الجزائر السابق مع ممثلي المعارضة المالية في سبتمبر 2022 (الخارجية الجزائرية)

* مسار الانفراج وملفات التنسيق

وفق بيان الوزارة الأولى الجزائرية، فإن رئيسي الحكومتين «أكدا تمسكهما بروابط الأخوة والتضامن وحسن الجوار التاريخية التي تجمع الشعبين». وتجسد هذه المبادرة رغبة البلدين في طي صفحة الخلافات الأخيرة، وإعادة إرساء حوار مباشر ومنتظم، حيث يرجح مراقبون أن تشكل الزيارة المقترحة لرئيس الوزراء المالي مرحلة جديدة في تعزيز هذا التقارب. وفيما لم يتم تحديد موعد رسمي للزيارة، فإن مصادر جزائرية معنية بمسار التقارب بين البلدين، أفادت بأنها «ستجري قريباً».

وكان عبد الله مايغا قد شدّد قبل أيام قليلة من الاتصال مع غريب على أهمية العلاقات بين البلدين، مؤكداً أن «مالي والجزائر تربطهما أواصر تاريخية، وتجمعهما حدود مشتركة تتجاوز 1300 كيلومتر»، مشيداً بـ«التطابق التام في وجهات النظر» بين الرئيس المالي الفريق أول عاصيمي غويتا ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون.

وزير خارجية مالي مستقبلاً سفير الجزائر بباماكو (وزارة الخارجية الجزائرية)

وتجسد التقارب بين باماكو والجزائر رسمياً في 10 يوليو (تموز) الماضي، بعد أزمة دبلوماسية دامت 15 شهراً، حيث أعلن البلدان عن عودة سفيريهما، وإعادة فتح مجالهما الجوي أمام الحركة المدنية والعسكرية. وكانت هذه الأزمة قد اندلعت عقب تدمير طائرة مسيرة مالية بالقرب من الحدود الجزائرية في نهاية مارس (آذار) 2025، على خلفية تباينات مستمرة بشأن الوضع في شمال مالي، وعلاقات الجزائر مع بعض الشخصيات المالية، خصوصاً شيخ الدين المعارض محمود ديكو، المقيم بالجزائر، الذي تصفه باماكو بـ«الإرهابي».

ويفتح الحوار الجديد المباشر بين العاصمتين المجال أمام عودة العلاقات إلى طبيعتها بشكل تدريجي وإعادة إطلاق مجالات التعاون.

وفور التفاهم على إجراء زيارة لعبد الله مايغا، يرتقب أن يجتمع في الأيام المقبلة مسؤولون مدنيون وأمنيون من البلدين لتحضير الملفات، التي ستبحثها الزيارة المرتقبة، وفق ما أفادت به نفس المصادر المتابعة لمساعي التطبيع.

وستتناول الاجتماعات ملفات محورية مشتركة، في مقدمتها تشديد الرقابة على الشريط الحدودي لمكافحة الجماعات الجهادية، وشبكات الاتجار بالمخدرات والسلاح، وتهريب البشر.

الحاكم العسكري في مالي مستقبلاً وفداً دبلوماسياً وأمنياً جزائرياً في أبريل 2023 (الخارجية الجزائرية)

كما تشمل أجندة التنسيق، حسب المصادر نفسها، آليات الدعم المتبادل لمنع سقوط باماكو تحت سيطرة الجماعات المتطرفة، التي كثفت هجماتها على العاصمة في الأشهر الأخيرة، إلى جانب إيجاد تسوية سياسية للأزمة الداخلية المالية مع أطراف المعارضة الموجودة بالمناطق الحدودية المحاذية للجزائر. ويُعد هذا الملف نقطة الخلاف الجوهرية بين الجارين، إذ يرى المجلس العسكري الحاكم في مالي، بقيادة عاصيمي غويتا، أن الجزائر «تتدخل في الشؤون الداخلية لبلاده وتوفر الدعم للإرهابيين»، في إشارة إلى حركات الطوارق المعارضة.

* وساطة أفريقية فاعلة

من جهتها، تقول الجزائر إنها «أدّت دورها كوسيط بين الأطراف المتنازعة»، وفق ما تضمنه «اتفاق السلام» الموقع فوق أرضها عام 2015، لكن ذلك جرى قبل إزاحة الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا، ثم الرئيس الانتقالي باه نداو في انقلابي سنتي 2020 و2021.

وأكدت تقارير صحافية مالية، نقلاً عن مسؤولين محليين، أن وساطة أفريقية نشطة ساهمت في مساعي التقارب الأخير بين الجزائر وباماكو، قادتها عدة أطراف ودول إقليمية، مكّنت من رأب الصدع وترتيب التنسيق الأمني والسياسي بين البلدين. وفي مقدمة هؤلاء الوسطاء دولة توغو بقيادة الرئيس فور غناسينغبي، بوصفها الميسّر الإقليمي المعتمد من السلطات المالية لإدارة علاقاتها مع الشركاء، إلى جانب موريتانيا التي توظف موقعها كجار مباشر للبلدين ورئاستها للاتحاد الأفريقي لتهدئة التصعيد الحدودي. كما أشارت نفس التقارير إلى أن هذه الجهود عزّزت تحركات مبعوثي مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي لترميم أطر التنسيق العسكري المشترك، ما مهّد الطريق لإنهاء الخلافات، وإعادة دفء العلاقات بين الجارين.

الرئيس الجزائري مستقبلاً الشيخ المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)

وتعدّ الجزائر الفاعل التاريخي في جهود الاستقرار بمنطقة الساحل، وقد عرفت علاقتها بالجارة الجنوبية تدهوراً منذ عام 2023 بسبب التوجه السيادي لباماكو، وهجومها العسكري على الانفصاليين في الشمال بشكل خاص. وصعّدت «قضية إسقاط الطائرة المسيرة» بالحدود من حدة الأزمة، خصوصاً إثر تضامن النيجر وبوركينافاسو مع مالي ضد الجارة الشمالية.

رئيس المجلس العسكري في مالي (موقع باماكو بامادا)

وأضعفت الأزمة الأخيرة التعاون بين الجارين، في وقت يتزايد فيه تهديد الجماعات المسلحة الانفصالية والمتطرفة بالتمدد في مالي، في ظل اعتماد باماكو على الخيار العسكري لمواجهة التمرد على حساب المبادرات السياسية، وذلك بدعم من أطراف خارجية، ولا سيما روسيا وتركيا.


استنفار مغربي للتصدي لدعوات جديدة للعبور نحو سبتة ​ومليلية

مهاجرون عبروا إلى سبتة بطريقة غير قانونية ينتظرون دورهم للحصول على وجبة غذائية (رويترز)
مهاجرون عبروا إلى سبتة بطريقة غير قانونية ينتظرون دورهم للحصول على وجبة غذائية (رويترز)
TT

استنفار مغربي للتصدي لدعوات جديدة للعبور نحو سبتة ​ومليلية

مهاجرون عبروا إلى سبتة بطريقة غير قانونية ينتظرون دورهم للحصول على وجبة غذائية (رويترز)
مهاجرون عبروا إلى سبتة بطريقة غير قانونية ينتظرون دورهم للحصول على وجبة غذائية (رويترز)

أعلنت ‌السلطات المغربية، اليوم الأربعاء، اتخاذ «تدابير حازمة» للتصدي لدعوات جديدة للعبور الجماعي غير القانوني نحو مدينتي سبتة ​ومليلية، اللتان تحتلهما إسبانيا شمال المغرب، يوم 15 أغسطس (آب)، وذلك بعد انتشار منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحرض على تكرار ما حدث من تدفق عشوائي نحو هذين المدينتين نهاية الشهر الماضي أدى لمقتل العشرات.

وبحسب تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء، فقد قال المتحدث باسم وزارة الداخلية المغربية، رشيد الخلفي في بيان، إن «السلطات ‌العمومية اتخذت ‌جميع التدابير الضرورية للتصدي ​لأي ‌محاولة للعبور ⁠غير ​القانوني نحو ⁠مدينتي سبتة ومليلية، واعتراض كل من يسعى إلى المشاركة فيها».

وأكد الخلفي أن «جاهزية السلطات الأمنية ليست مرتبطة بموعد معين، وإنما تندرج ضمن منظومة يقظة مستمرة، لا سيما بالمناطق القريبة من معابر سبتة ومليلية، يتم تعزيزها وتكييفها بصورة ⁠دائمة وفق تطورات الوضع وطبيعة المخاطر المسجلة»، مشيراً في هذا السياق ‌إلى أن وزارة الداخلية ‌«رصدت طيلة الأيام الأخيرة تداول ​منشورات ورسائل مجهولة ‌المصدر، عبر بعض مواقع التواصل الاجتماعي، تحرض على ‌تنظيم محاولات للعبور الجماعي غير القانوني نحو مدينتي سبتة ومليلية، في ممارسات تنطوي على مخاطر جديدة على سلامة الأشخاص، وتسعى إلى استغلال قضايا الهجرة ‌في أعمال تحريضية يجرمها القانون».

كما أوضح الخلفي أن السلطات المغربية أوقفت مجموعة من ⁠الأشخاص يشتبه ⁠في قيامهم بأعمال تحريضية، وإحالتهم إلى الجهات القضائية المختصة، داعياً جميع الأطراف إلى «التحلي باليقظة وروح المسؤولية، وعدم الانسياق وراء مثل هذه الدعوات المشبوهة والمضللة».

وكانت السلطات الإسبانية قد قالت إن أكثر من 60 ألفاً حاولوا العبور من المغرب إلى جيب سبتة يومي 30 و31 يوليو (تموز)، لكنها أعادت غالبيتهم، بينما عزت السلطات المغربية الأمر إلى نشر معلومات ​مضللة ومغلوطة بشأن ​حكم قضائي يتعلق بآلية ردع الهجرة غير الشرعية.

في سياق متصل، كشف وزير العدل والحريات المغربي، عبد اللطيف وهبي، عن وجود أزمة في العلاقات مع مدريد على خلفية التدفق الكبير للمهاجرين إلى سبتة، محملاً إسبانيا مسؤولية ما وقع، ومطالباً إياها بإعادة القاصرين والقاصرات إلى المغرب.

ورأى وهبي في مقابلة مع «دويتشه فيله» بالعربية أن من أسباب الخلاف مع إسبانيا هو رفض مدريد إرجاع الأطفال القاصرين إلى المغرب، وطالب وزير بإعادة القاصرين المغاربة الذين هاجروا بطريقة غير قانونية إلى إسبانيا، مذكراً بمسؤولية المغرب الأخلاقية والقانونية تجاههم، ومشيراً إلى تعقيد القضاء الإسباني، واستغلال شبكات الاتجار بالبشر للأزمة.

وأضاف وهبي في حديثه لبرنامج «مسائية دويتشه فيله» على شاشة «دويتشه فيله» عربية: «نحن نطالب بحقنا، وأبناؤنا ليسوا مسؤولين لأنهم ما زالوا قاصرين، والقاصرون لهم حقوق وليست عليهم واجبات»، متابعاً: «نحن الذين نلتزم أخلاقياً وقانونياً تجاههم، لذلك طالبنا بإعادتهم، وما زلنا نطالب بذلك».


سلطات شرق ليبيا تعلن إحباط «مخطط إرهابي» في بنغازي

حفتر يعزي عائلة رئيس الاستخبارات العسكرية بالجيش الوطني فوزي المنصوري الذي اغتيل في بنغازي (إعلام القيادة العامة)
حفتر يعزي عائلة رئيس الاستخبارات العسكرية بالجيش الوطني فوزي المنصوري الذي اغتيل في بنغازي (إعلام القيادة العامة)
TT

سلطات شرق ليبيا تعلن إحباط «مخطط إرهابي» في بنغازي

حفتر يعزي عائلة رئيس الاستخبارات العسكرية بالجيش الوطني فوزي المنصوري الذي اغتيل في بنغازي (إعلام القيادة العامة)
حفتر يعزي عائلة رئيس الاستخبارات العسكرية بالجيش الوطني فوزي المنصوري الذي اغتيل في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

باشرت السلطات في شرق ليبيا تحقيقات مكثفة مع أفراد خلية إرهابية، أُلقي القبض عليها في مدينة بنغازي، للاشتباه في تخطيطها لتنفيذ أعمال تهدد أمن المواطنين واستقرار المدينة، وذلك بعد يوم واحد من اغتيال رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة لـ«الجيش الوطني» اللواء فوزي المنصوري، في تفجير استهدف سيارته بمنطقة الهواري.

وأحاطت السلطات تفاصيل التحقيقات مع أفراد الخلية بالتكتم، نظراً لحساسية المعلومات التي يجري فحصها، فيما أفاد مصدر عسكري مسؤول في «الجيش الوطني» بأن المقبوض عليهم «ينتمون إلى جنسيات غير ليبية»، من دون أن يكشف عن هوياتهم، أو الدول التي يحملون جنسياتها.

وأعلنت رئاسة أركان «الجيش الوطني»، في بيان صدر فجر الأربعاء، أن ركن الشؤون الأمنية نفذ «عملية أمنية نوعية» أسفرت عن اعتقال خلية إرهابية في بنغازي، كانت تخطط لتنفيذ أعمال تهدد أمن المواطنين واستقرار المدينة.

ولم يقدم البيان تفاصيل عن طبيعة المخطط، أو الأهداف التي كانت الخلية تعتزم استهدافها، مكتفياً بالإشارة إلى أن أفرادها ضُبطوا وأُحيلوا إلى الجهات المختصة، بينما تتواصل التحقيقات للكشف عن ملابسات المخطط، والجهات أو العناصر المرتبطة به.

صدام حفتر خلال ترؤسه لجنة أمنية للتحقيق في ملابسات اغتيال المنصوري (إعلام القيادة العامة)

وربط البيان العملية بما وصفه بـ«المتابعة الأمنية الدقيقة والتحريات»، التي تجريها الأجهزة المختصة لملاحقة العناصر والخلايا، التي تسعى إلى «زعزعة الأمن والاستقرار وإثارة الفوضى» داخل المدينة، معتبراً أن العملية تعكس مستوى الجاهزية الأمنية، وقدرة الأجهزة على رصد التهديدات وإحباطها قبل وصولها إلى المواطنين.

وتأتي هذه التطورات في ظل استنفار أمني تشهده بنغازي، منذ اغتيال اللواء المنصوري، الذي قُتل مساء الاثنين إثر استهداف سيارته بعبوة ناسفة، في هجوم وصفه «الجيش الوطني» بأنه عملية اغتيال.

وشكّل قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر لجنة أمنية للتحقيق في ملابسات الاغتيال، برئاسة نائبه ونجله صدام حفتر، لمراجعة سير التحقيقات والإجراءات المتخذة، واستعراض المعلومات والمعطيات المتوافرة بشأن الحادث.

وشدد صدام حفتر، خلال اجتماع للجنة، على ضرورة تكثيف جهود التحقيق للكشف عن ملابسات الواقعة وتحديد المسؤولين عنها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.

وفي وقت لاحق، قدم حفتر واجب العزاء إلى أسرة المنصوري، مشيداً بمسيرته وما قدمه من «عطاء وتضحيات» خلال ما وصفه بمعركة استرداد البلاد من الإرهاب، كما أصدر قراراً بترقيته بعد وفاته إلى رتبة فريق.

وفي طرابلس، أدانت حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التفجير الذي استهدف المنصوري، مؤكدة أن مواجهة الإرهاب والعنف تمثل «موقفاً وطنياً ومبدئياً ثابتاً» لا يتأثر بالانقسامات السياسية، التي خلفتها سنوات الصراع.

ودعت الحكومة النائب العام والأجهزة الأمنية المختصة إلى فتح تحقيق عاجل وشامل لكشف ملابسات التفجير، وتحديد هوية المتورطين والجهات، التي تقف وراءه، واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

عماد الطرابلسي (أ.ف.ب)

كما قدم وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي تعازيه إلى أسرة المنصوري، الذي كان من أبرز القيادات العسكرية المقربة من حفتر، وتولى إدارة الاستخبارات العسكرية منذ مايو (أيار) 2024، بعد مسيرة عسكرية شملت قيادة منطقة سبها العسكرية، ولعب أدوار ميدانية خلال العمليات العسكرية في شرق ليبيا وحرب طرابلس عام 2019.

ويأتي اعتقال الخلية في ظل حالة الاستنفار التي تشهدها بنغازي، وسط مساعٍ أمنية للكشف عما إذا كانت هناك صلات بين الخلية والمخططين لاغتيال المنصوري، في وقت لا تزال فيه التحقيقات الرسمية بشأن الهجوم مستمرة.