تهمة «إرهاب الدولة» تنسف ما تبقّى من ثقة بين الجزائر وفرنسا

سيغولين رويال تستنجد بالفاتيكان لترميم «الجسور المحطمة» بين باريس والجزائر

الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ عام 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ عام 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

تهمة «إرهاب الدولة» تنسف ما تبقّى من ثقة بين الجزائر وفرنسا

الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ عام 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ عام 2022 (الرئاسة الجزائرية)

وصفت الجزائر علاقاتها مع فرنسا، في ظل التوترات المستمرة منذ نحو عامين، بأنها تمرّ بحالة من «الرِدّة»، وشنّت هجوماً حاداً على مسؤول قضائي فرنسي رفيع، كان قد اتهم حكومتها بممارسة «إرهاب الدولة» على الأراضي الفرنسية، وذلك على خلفية الملف المتفجر المتعلق باستهداف معارضين جزائريين مقيمين في فرنسا.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

في ختام اجتماع عقده الثلاثاء تحت إشراف رئيسه عزوز ناصري، عبّر «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) في بيان عن «استهجانه الشديد للانحراف اللامسؤول وغير المقبول للمدعي العام لمكافحة الإرهاب في فرنسا»، مشيراً إلى «انحدار جديد في مستنقع التصريحات المتخبطة، واندفاع لا يليق، ورِدّة متقدمة في العلاقات بين البلدين».

واستنكر البيان نفسه «من يُنصّبون أوصياء على مصير الشعب الفرنسي، ويطلقون تصريحات تلبي أهواءهم، وتعكس احتضاراً في خطاب بعض المسؤولين الفرنسيين وخوفاً مرضياً من الجزائر».

يذكر أن رئيس «مجلس الأمة» هو الرجل الثاني في الدولة، حسب الدستور.

سجن قنصلي يُفجر أزمة ثقة بين البلدين

لم يوضح البيان مَن يقصد بالتحديد، لكنه يشير بشكل غير مباشر إلى وكيل النيابة لدى «القطب الوطني لمكافحة الإرهاب» في فرنسا، أوليفييه كريستن، وتصريحاته لإذاعة «فرانس أنفو» يوم الجمعة الماضي؛ حيث كشف عن وجود تحقيقات تتعلق بما وصفه بـ«إرهاب الدولة»، وذكر على وجه الخصوص الجزائر وروسيا وإيران. كما أشار إلى أن هناك 8 قضايا مفتوحة حالياً لدى النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب، ترتبط بـ«إرهاب الدولة»، وتستهدف بشكل أساسي هذه الدول الثلاث.

رئيس النيابة الفرنسية المختص في مكافحة الإرهاب (إعلام فرنسي)

وأدلى المسؤول القضائي الفرنسي المكلف بملف الإرهاب، في المقابلة الصحافية، بتوضيحات بشأن قضايا مطروحة أمام الرأي العام، بالتزامن مع توجيه الاتهام رسمياً لأربعة أفراد للاشتباه في تورطهم في مخطط يستهدف المقر الباريسي لمؤسسة «بنك أوف أميركا».

وقال كريستن: «فيما يتعلق بإرهاب الدولة الإيراني، لدينا 3 قضايا قيد المعالجة حالياً»، مضيفاً أن هناك «5 قضايا أخرى ترتبط أساساً بروسيا وبالجزائر».

وأضاف كريستن أن التحقيقات الجارية «تندرج ضمن المنطق نفسه»، مبرزاً أن «هذه الدول الأجنبية لا تقوم بالضرورة بتنفيذ عمليات مباشرة ضد السكان الفرنسيين، بل تستهدف بشكل أكبر معارضيها الموجودين على الأراضي الفرنسية. أما الحالة الوحيدة التي تستهدف بشكل أوضح السكان الفرنسيين فهي إيران؛ حيث تستهدف جزءاً من الجالية الفرنسية، التي تُمثل بالنسبة لها أعداءها، خصوصاً الجالية اليهودية».

ورغم أن كريستن لم يقدم أي تفاصيل عن المعارضين، الذي يفترض أن حكومة الجزائر تلاحقهم بغرض إسكاتهم، فإن أنظار المراقبين توجهت إلى اليوتيوبر أمير بوخرص، الذي ذكر القضاء الفرنسي في وقت سابق أنه تعرض للاختطاف والاحتجاز في ضواحي باريس عام 2024.

وفي أبريل (نيسان) 2025 وجّه الادعاء الفرنسي في هذه القضية الاتهام لموظف بإحدى قنصليات الجزائر بباريس، من دون الكشف عن هويته. والشهر الماضي جدد قاضي التحقيق حبسه الاحتياطي، ما أثار غضباً شديداً في الجزائر، التي هددت سلطاتها بنسف كل أشكال التقارب التي تمت في المدة الأخيرة، بما فيها استئناف التعاون في مجال مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل، ومراجعة قرارها باستعادة مهاجريها غير النظاميين، الذين صدرت ضدهم أوامر بالإبعاد من التراب الفرنسي، وهي قضية عرفت بـ«أزمة إصدار التراخيص القنصلية».

وكانت «وكالة الأنباء الجزائرية» قد هاجمت بشدة أوليفييه كريستن، في مقال نشرته الأحد الماضي، نقلت فيه على لسان «مصدر مأذون بوزارة الخارجية الجزائرية»، بأن اتهامات بـ«إرهاب الدولة اعتداء عبثي على الجزائر». وأفادت بأن المدّعي الفرنسي «أشار إلى الجزائر بشكل غير مبالٍ ومتهوّر، وغير مسؤول في إجراءات تتعلق بإرهاب الدولة». مبرزة أن «هذا الاتهام غير المبرر يُثير الاستياء والازدراء»، عادة، حسب «المصدر المأذون»، أن الجزائر تُستخدم «كبش فداء لتصريف الأزمات والتحديات، التي تواجه فرنسا وتعجز عن معالجتها».

دارمانان في مرمى الإعلام الجزائري

وشنت صحيفتا «لوسوار دالجيري» و«الخبر» الجزائريتان هجوماً حاداً على وزير العدل جيرالد دارمانان، معتبرتَين أنه يقف وراء هذه الاتهامات، في خطوة تعكس بلوغ الأزمة بين البلدين مستوى متقدماً. وورد في هذا السياق أن «خطاب الحزم والصرامة (من الجانب الفرنسي) يخفي توجهاً نحو توظيف العدالة، في إطار صراع سياسي غير معلن، لا سيما في الملفات المرتبطة بالجزائر».

جيرالد دارمانان خلال زيارته الجزائر في نهاية 2022 بوصفه وزير الداخلية (الرئاسة الجزائرية)

كما تمت الإشارة إلى «القضية الملفقة للموظف القنصلي الجزائري، وتجاهل الإنابات القضائية المتعلقة بملفات فساد، وتهريب أموال مكتنزة لدى البنوك الفرنسية، وهي قرارات لا تقرأ -في نظر متابعين- باعتبارها إجراءات قانونية معزولة، بل تندرج ضمن سياق سياسي وإعلامي متكامل، يعكس توجهاً نحو تصدير الأزمات الداخلية، عبر إيجاد توتر مع طرف خارجي».

وفي سياق تصاعد الأزمة، دعت سيغولين رويال، رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» والمرشحة السابقة في انتخابات الرئاسة الفرنسية عام 2007، عبر حسابها على منصة «إكس»، البابا ليون الرابع عشر إلى المساهمة في إصلاح العلاقات بين باريس ومستعمرتها السابقة، وذلك بمناسبة زيارته المرتقبة إلى الجزائر في 13 من الشهر الحالي.

الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وشددت سيغولين رويال على أن «زيارة البابا تذكّرنا بأن التاريخ والثقافة يمثلان أدوات حوار قوية تتجاوز حدود الإيمان، في ظل هذه التوترات المؤسفة التي تمس توازن العالم والسلام، وكذلك العلاقات بين القادة في فرنسا والجزائر». كما أشارت إلى الأماكن التي سيزورها البابا، قائلة إن «التوجه إلى مواقع رمزية مثل مقام الشهيد، وجامع الجزائر الأعظم، وكنيسة سيدة أفريقيا، ثم إلى عنابة (شرق البلاد)؛ حيث يقع موقع هيبون الأثري وبازيليك القديس أوغسطين، يحمل رسالة عالمية».

وأكدت أن الحوار والاستماع والمصالحة «تظلّ دوماً ممكنة في خدمة الشعوب، حتى عندما تكون الجروح التاريخية عميقة»، مشددة على أن «التراث الفكري والروحي المشترك يمكنه أن يبني جسوراً بين الشعوب على ضفتي المتوسط»، وذلك شريطة توافر موقف يتسم بالتواضع، يقوم على «القدرة على الإصغاء والفهم، والعمل على إعادة بناء الروابط التي تضررت».

الصحافي الفرنسي المسجون في الجزائر (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

وزارت سيغولين رويال الجزائر في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي؛ حيث سعت إلى الإسهام في ترميم العلاقات الثنائية، وناشدت الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إصدار عفو رئاسي لصالح الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المحكوم عليه بالسجن 7 سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب».


مقالات ذات صلة

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

شمال افريقيا صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

يرتقب أن يعقد مسؤولون من الحكومتين الجزائرية والمالية اجتماعات مكثفة لترتيب زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وفدا وزارتي العدل الجزائرية والفرنسية بحثا بالجزائر تسليم أعضاء «مافيا دي زاد» في مايو الماضي (وزارة العدل الجزائرية)

الجزائر تلاحق بارونين من شبكة «مافيا دي زاد» بتهم ثقيلة

وجَّه الادعاء الجزائري ثلاث تهم يشملها قانون العقوبات لعضوين قياديين من شبكة «مافيا دي زاد»، وأودعهما الحبس الاحتياطي في انتظار استكمال التحقيق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)

إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

تصاعدت حدة الاستقطاب في الجزائر منذ الإعلان عن إصلاحات في قطاع التعليم بداية الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المواطن الألماني أولوماسكان سينان مع مدير الإعلام بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

كواليس عملية استخباراتية جزائرية لتحرير ألماني احتُجز في النيجر

لا يزال الغموض يكتنف قضية «الرهينة الألماني» الذي تسلّمته الجزائر من النيجر بعدما خطفته «مجموعة إجرامية مسلحة» وطالبت بفدية، وفق تقارير صحافية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية المنتخب الجزائري للسيدات (منصة إكس)

الجزائر إلى مونديال السيدات للمرة الأولى بعد بلوغ نصف نهائي كأس أفريقيا

ضَمِن المنتخب الجزائري للسيدات تأهله إلى كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، بعدما بلغ نصف نهائي كأس أمم أفريقيا لكرة القدم المقامة في المغرب.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)

أزمة «ملكية خطوط الجوال» تربك المصريين المغتربين

خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
TT

أزمة «ملكية خطوط الجوال» تربك المصريين المغتربين

خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)

فوجئت سمر إسماعيل (اسم مستعار)، وهي مصرية تُقيم في كندا منذ سنوات طويلة، بأن رقمها القومي المصري مُسجَّل عليه عدد من خطوط الهاتف الجوال (الشرائح) التي لا تعلم عنها شيئاً، ما دفعها إلى توكيل المحامي حسن شومان لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتعقّب هذه الأرقام، تجنباً لتورطها في أي مشكلة أو مسؤولية قانونية بسببها.

ويؤكد شومان لـ«الشرق الأوسط» أنه بمجرد حصوله على التوكيل الذي ستُحرره سمر في السفارة المصرية بكندا سيتوجه إلى فرع شركة الجوال لتوقيع إنكار ملكية، ثم يحرر محضراً في قسم الشرطة لحماية موكلته من التورط في أي جريمة من الممكن ارتكابها بهذه الخطوط.

ورغم ما حققته أزمة خطوط الجوال الأخيرة من قلق وارتباك لدى المصريين في الداخل، فقد حققت أضعاف ذلك للمصريين بالخارج، ممن قد يتعرض أحدهم للتوقيف في المطار بسبب حكم في جريمة لا يعلم عنها شيئاً.

ويزيد من صعوبة موقف المغتربين، عجز الكثيرين منهم عن مجرد الاستعلام عن هذه الخطوط، إذ يتطلب أبلكيشن «ماي نترا»، التابع لـ«الجهاز القومي للاتصالات»، رقماً مصرياً، يتم عبره إرسال رقم سري لاستكمال خطوات التسجيل، وهو ما فشل أحمد إبراهيم، الذي يعمل في إحدى دول الخليج، فيه.

ويقول إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، إنه تابع ما حدث مع المصري عمرو عمارة بقلق، وحاول الاستعلام وحمّل التطبيق، لكنه لا يملك خطّاً مصرياً، إذ إنه مغترب منذ 10 سنوات وخطه القديم جرى إيقافه.

وعمارة، هو طالب مصري جامعي، حُكم عليه بالسجن المؤبد (25 عاماً) في قضية اتجار بالمخدرات، بعد سقوط عصابة تهريب للمواد المخدرة تستخدم خطاً مسجلاً باسمه في عملياتها الإجرامية. وظهر الشاب قبل تسليم نفسه لإعادة إجراءات المحاكمة، ليبين أنه قدّم بطاقته لشقيقة صديقه التي تعمل في إحدى فروع الاتصالات، فسجّلت خطاً باسمه، لكنه لم يتسلمه أو يستخدمه، ولا يعلم كيف وصل إلى هذه العصابة.

وأضاف إبراهيم، الذي يعمل في المجال الطبي، أنه لم يكن يستطيع أن يأخذ أي رد فعل فوري لو اكتشف تسجيل خطوط باسمه، مضيفاً: «توكيل المحامي يحتاج للذهاب إلى السفارة، ومواعيد عملها تتعارض مع مواعيد عملي».

مصريات في نيويورك (وزارة الخارجية المصرية)

وواجهت السيدة المصرية المقيمة في كندا مشكلة إبراهيم نفسها، ويوضح محاميها شومان، أنه «لم يكن لديها خط مصري يعمل حتى تستعلم من خلاله عن الأرقام المرتبطة برقم هويتها، فلجأت إلى حيلة بإدخال رقم والدتها المصري، وتمكنت في النهاية من التسجيل»، لافتاً إلى أن «هذه المشكلة تواجه كثيراً من المصريين في الخارج، وعلى (الجهاز القومي للاتصالات) الانتباه لها وحلها، بأن يكون التسجيل مقصوراً على الرقم القومي فقط».

ورأى وكيل نقابة المحامين سابقاً، مجدي سخي، أن حالة الإرباك التي يعيشها المصريون في الخارج هي جزء من الأزمة، مضيفاً: «إذا كان مصريو الداخل لا يعلمون الإجراءات التي يجب عليهم اتخاذها تجاه هذه الأزمة، فما بالنا بالخارج»، ناصحاً كل من وجد خطوطاً دون علمه فعليه توكيل محامٍ يتحرك نيابة عنه في الإجراءات.

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد أحال، الاثنين، شركات الهواتف الجوالة الأربع إلى النيابة العامة للتحقيق فيما ورد من شكاوى من مستخدمين اكتشفوا تسجيل خطوط جوالة بأسمائهم دون حيازتهم لها، وذلك «في ضوء ما قام به الجهاز من إجراءات الفحص والتفتيش للشكاوى الواردة إليه خلال اليومين الماضيين، وما تلا ذلك من استكمال للأدلة والقرائن والمستندات المرتبطة بها».

مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات)

وتلقى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» أكثر من 4 آلاف شكوى وفق ما أوضحه المتحدث باسم الجهاز محمد إبراهيم، في تصريحات إعلامية.

وبينما يحاول المصريون في الخارج الوصول إلى الأرقام المسجلة بأسمائهم، يتخوف جزء آخر منهم من أن الأزمة الأخيرة سيترتب عليها تحديث للبيانات يستوجب وجود صاحب الخط بنفسه، وهو ما لن يستطيعوا تحقيقه، ما قد يعرض خطوطهم المصرية للوقف رغم ما ترتبط به من حسابات ومعاملات، مطالبين عبر «السوشيال ميديا» بوضع حالاتهم في الحسبان، وإتاحة وسائل للتحقق وتقديم الشكاوى عبر السفارات والقنصليات المصرية بالخارج.


انتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)
محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)
TT

انتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)
محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)

تسلط تحويلات وإيداعات مصرفية مشبوهة، تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار ليبي، الضوء مجدداً على اتساع مخاطر غسل الأموال في ليبيا، في وقت تكشف فيه الأجهزة المختصة بصورة متكررة عن تدفقات مالية لا تتناسب مع طبيعة الأنشطة المعلنة لأصحابها، وتلاحق أصحابها قضائياً.

وتتجاوز دلالة هذه الواقعة حدود الحسابات المصرفية إلى ظاهرة أوسع، إذ يرى مراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، أن غسل الأموال أصبح «أحد الأوجه الخفية للثراء السريع في ليبيا»، معتبراً أن حالة الفوضى التي تشهدها البلاد وفّرت بيئة مواتية لهذه الممارسات.

وقال غيث لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الممارسات ارتبطت، بحسب تقديره، بزيادة الطلب على الدولار، واتساع أنشطة تجارة المخدرات والسلاح والهجرة غير النظامية، مشيراً إلى أن ظاهرة تبييض الأموال «ارتبطت بصورة أكبر بمرحلة ما بعد الانقسام السياسي والعسكري في عام 2014»، وأنها «لم تكن بهذا الشكل» خلال فترة عضويته في مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي.

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

ويحقق مكتب النائب العام حالياً مع متهم في واقعة رصد إيداعات وتحويلات مصرفية غير طبيعية، تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار على حسابه الشخصي، بعدما لاحظ جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب حركة مالية لا تتناسب مع طبيعة النشاط المصرح به للحساب، فضلاً عن عدم وجود مستندات، أو مبررات تجارية تثبت مشروعية الأموال، بحسب بيان الجهاز، الثلاثاء.

غير أن هذه الواقعة لا تبدو معزولة؛ ففي 3 أغسطس (آب) الحالي، أعلنت الجهات المختصة ضبط المستفيد الحقيقي من تحويلات وإيداعات مالية تجاوزت قيمتها 4 ملايين دينار ليبي، فيما سبقتها في 22 يوليو (تموز) واقعة أخرى، بلغت قيمة التحويلات فيها نحو 3.8 مليون دينار.

وتكشف هذه الوقائع، بحسب غيث، أهمية تشديد الرقابة على التدفقات المالية، وربط حجم الأموال الداخلة إلى الحسابات بطبيعة النشاط والدخل المعلن. وقال بهذا الخصوص: «إذا كان هناك موظف يتقاضى راتباً قدره ألفا دينار، ثم دخل إلى حسابه فجأة 5 ملايين دينار، فلا بد أن يُسأل عن مصدر هذه الأموال، وكيف دخلت إلى حسابه». مضيفاً أن الرقابة على التحويلات يجب ألا تقتصر على قيمة الأموال، بل يجب أن تمتد إلى صلة المرسل بالمستفيد ومصدر الأموال والغرض من التحويل، ومشيراً إلى أن بعض الدول العربية والغربية تطبق إجراءات أكثر صرامة في تتبع التدفقات المالية.

صراف ليبي خلال معاملة مالية مع أحد الزبائن في مصرف الجمهورية الحكومي (الصفحة الرسمية للمصرف)

وتعيش ليبيا منذ أكثر من عقد على وقع انقسام سياسي وأمني، مع وجود حكومتين متنافستين، إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى في شرقها برئاسة أسامة حماد، وسط ترتيب متدنٍّ في مؤشرات الشفافية ومكافحة الفساد، التي أصدرتها «منظمة الشفافية الدولية».

ولا ينقطع حديث مدونين ليبيين عن تفشي الفساد في ليبيا، فعلى سبيل المثال تحدث المدون فوزي الشريف عما يصفه بأنه «صناعة المليونيرات» في ليبيا، مشيراً إلى أن الاستفادة من النفوذ أو الأموال العامة قد تتبعها محاولات لإخفاء مصادر الأموال، وإعادة تدويرها عبر أنشطة تبدو مشروعة، من بينها شراء العقارات، وتحويل جزء من الأموال إلى الخارج، ثم إدخال أموال أخرى في مشروعات تجارية، بينها تجارة السيارات الفارهة.

ويصف عبد الباسط هارون، مدير مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية، الفساد في ليبيا، ومن ضمنه جرائم غسل الأموال، بأنه «حرب مدمرة ضد المواطن الليبي»، داعياً الدول التي تستقبل هذه الأموال إلى تطبيق إجراءات صارمة لملاحقة ومساءلة الشخصيات الليبية المتورطة في هذه الممارسات.

ويقول هارون لـ«الشرق الأوسط» إن خطورة غسل الأموال تتجاوز إخفاء المصدر الأصلي للأموال، إلى إعادة تدويرها عبر أنشطة تبدو مشروعة، بما يسمح بتحويل أموال، يُشتبه في أنها جاءت من مصادر غير قانونية، إلى ثروات يصعب تتبع أصلها.

وسبق أن حث صندوق النقد الدولي في أبريل (نيسان) الماضي السلطات الليبية على اعتماد قانون لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، يتوافق مع المعايير الدولية، بل وصفه بأنه يمثل «أولوية ملحة» لحماية نزاهة النظام المالي، مضيفاً أن توجيه عمليات الاستيراد عبر الجهاز المصرفي من شأنه تحسين الشفافية، والحد من التدفقات المالية غير المشروعة.

لم يُحسم مشروع القانون الجديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب داخل مجلس النواب (إعلام المجلس)

برلمانياً، لا تزال العقبة الرئيسية داخلية، إذ لم يُحسم مشروع القانون الجديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب داخل مجلس النواب، ما يبقي المواجهة مع هذه الجرائم مرتبطة بقدرة المؤسسات الليبية على تطوير الإطار التشريعي، وتعزيز التنسيق بين الجهات المصرفية والرقابية والقضائية.


«حادث الإسماعيلية» يُلقي الضوء على عمالة الأطفال في مصر

صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)
صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)
TT

«حادث الإسماعيلية» يُلقي الضوء على عمالة الأطفال في مصر

صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)
صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)

خلّف حادث تصادم شاحنتين كانتا تقلّان عمالاً زراعيين في محافظة الإسماعيلية، في شمال مصر، الثلاثاء، نقاشاً واسعاً حول عمالة الأطفال وما يتعرضون له من ظروف قاسية في أثناء العمل، في ظل تجاهل قوانين تحظر عملهم.

وأسفر الحادث عن وفاة 18 شخصاً وإصابة 30 آخرين، تتراوح أعمارهم بين 9 أعوام و50 عاماً، وأظهرت التحقيقات أن سبب الحادث يعود إلى «انفجار الإطار الخلفي الأيمن لإحدى المركبتين، ما أدى إلى انحرافها إلى الاتجاه المقابل واصطدامها بالمركبة الأخرى»، وفق بيان للنيابة العامة المصرية، الأربعاء.

وكان العمال، ومعظمهم من قريتين في محافظة الشرقية في دلتا النيل، وبينهم أطفال، في طريقهم للعمل في مزرعة بالإسماعيلية، حيث كانوا يستقلون شاحنات صغيرة مكتظة، دائماً ما تستخدم لنقل ملايين العمال في القطاع غير الرسمي في مصر.

وقالت جومانة وليد البالغة 16 عاماً، والتي نجت من الحادث، إن آخر ما قالته شقيقتها التي توفيت متأثرة بإصابتها هو: «أريد أن أرى أمي»، ولفتت إلى أنها كانت مرهقة ونائمة؛ «لأننا نستيقظ كل يوم في الساعة الخامسة صباحاً من أجل العمل». وأضافت: «لم أشعر بأي شيء حتى انقلبت الشاحنة»، وفق تصريحات أدلت بها لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتعرّضت عائلة مصرية إلى مأساة قاسية بعد أن فقدت 7 من أبنائها في الحادث، وأعلنت «عائلة الداؤدي» عبر «فيسبوك» وفاة 7 من أبنائها، بينهم أشقاء، مع تشييع جثامينهم في الساعات الأولى من صباح الأربعاء.

ويُظهر آخر مسح حكومي شامل، أُجري عام 2021، أن هناك نحو 1.3 مليون طفل عامل في مصر، بينهم نحو 900 ألف يعملون في بيئات خطرة.

كما تُقدّر منظمة «اليونيسيف»، في تقرير صادر عام 2025، عدد الأطفال الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد في مصر، بنحو 6.6 مليون طفل.

ويمثل العمل غير الرسمي نحو 67 في المائة من إجمال الوظائف في مصر، ويشمل تقريباً كامل القطاع الزراعي، وفق «منظمة العمل الدولية». فيما تشير تقديرات رسمية، إلى أن نحو 63 في المائة من الأطفال العاملين في مصر يعملون في قطاع الزراعة، الذي يعاني من ضعف الرقابة.

محافظ الإسماعيلية يطمئن على أحد المصابين (محافظة الإسماعيلية)

ورغم أن الحكومة المصرية أقرت في مطلع عام 2025، قانوناً جديداً للعمل يحظر تشغيل الأطفال قبل سن 15 عاماً، فإن أحمد مصيلحي، محامي ورئيس «شبكة الدفاع عن الطفل»، قال: «إن بيئة العمل ما زالت تجذب الأطفال، وأن الاعتماد فقط على تطبيق القانون دون وجود منظومة متكاملة تقوض دوافع الأسر للموافقة على عمل أبنائهم في سن صغيرة، يبقى بلا نتائج مرجوة على الأرض».

ويسمح قانون العمل المصري للأطفال التدريب من سن 14، ويمنع تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعرّض صحتهم أو أخلاقهم للخطر. كما حدد القانون ساعات العمل بست ساعات يومياً، مع فترات راحة، ومنع العمل الإضافي أو في أيام الراحة.

ويشير مصيلحي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن كثيراً من القوانين التي يتم إقرارها، لا تؤدي لمنع الجريمة، وهو أمر ينعكس على أوضاع عمالة الأطفال في مصر، مضيفاً: «رغم أن قانون الطفل وضع آليات واضحة لحماية الأطفال من استغلال سوق العمل، فإن الأزمة تبقى في التطبيق؛ إذ إنه أقر بتشكيل لجان فرعية في كل مركز شرطة، دورها حماية الطفل من أي مخاطر، بالإضافة إلى دعم اجتماعي ومادي للأسر التي فقدت من يعولها».

وأكد أن تنفيذ القوانين المنظمة لعمل الأطفال يتطلب مشاركة متكاملة من عدة وزارات، أبرزها «التضامن الاجتماعي» لتقديم الدعم المالي، ويكون ذلك بالتعاون مع المجتمع المدني والقطاع الخاص، إلى جانب تعزيز دور وزارة التربية والتعليم في منع التسرب التعليمي، وتوفير بيئة تعليمية ملائمة تجذب الطلاب إلى المدرسة، وكذلك تعزيز دور مراكز الشباب لتوعية الأطفال وإتاحة ممارسة أنشطة مفيدة لهم.

ويُرجع الخبراء أسباب عمالة الأطفال في مصر إلى عوامل اقتصادية بالدرجة الأولى، إلى جانب موروثات ثقافية ترى في عمل الطفل دعماً ضرورياً للأسرة.

سيارة تقل جثامين ضحايا حادث الإسماعيلية (وزارة الصحة)

واعتبر حزب «العدل» المعارض أن «حادث الإسماعيلية تحول من مجرد ملف يتعلق بسلامة الطرق، إلى أزمة تنموية واقتصادية واجتماعية متكاملة»، مشيراً إلى أن «طفلاً في الثالثة عشرة من عمره لا يفترض أن يكون على متن سيارة لنقل العمال في السادسة صباحاً، وإنما مكانه الطبيعي في المدرسة أو المنزل أو أحد مراكز الشباب المناسبة لسنه».

وأوضح أن «وجود الأطفال داخل سيارات نقل العمال لا يمكن اعتباره مجرد اختيار فردي للأسر، وإنما انعكاس لظروف اقتصادية واجتماعية صعبة تعيشها بعض الأسر، وأن الحادث لا يمكن فصله عن ارتفاع الأسعار وتآكل القيمة الحقيقية للأجور وارتفاع تكاليف المعيشة».

وطالب «الاتحاد العام لنقابات عمال مصر» «بتشديد الرقابة على تشغيل الأطفال، ومراجعة منظومة العمالة غير المنتظمة ونقل العمال، والتأكد من عدم وجود أطفال دون السن القانونية بين العاملين في مواقع العمل أو وسائل نقل العمال» .