هل تناول بيض النعام مفيد صحياً؟

تشير بعض التجارب الشخصية إلى أن طعم بيض النعام مشابه لبيض الدجاج (بيكسباي)
تشير بعض التجارب الشخصية إلى أن طعم بيض النعام مشابه لبيض الدجاج (بيكسباي)
TT

هل تناول بيض النعام مفيد صحياً؟

تشير بعض التجارب الشخصية إلى أن طعم بيض النعام مشابه لبيض الدجاج (بيكسباي)
تشير بعض التجارب الشخصية إلى أن طعم بيض النعام مشابه لبيض الدجاج (بيكسباي)

على الرغم من ندرة بيض النعام في الأسواق، فإنه يعد من الطعام الغني بالعناصر الغذائية، ويمكنه أن يوفر العديد من الفوائد الصحية، ولكن من الضروري أيضاً اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب آثاره السلبية المحتملة. ويعد بيض النعام من بيض الدواجن الكبير الحجم، يعادل حجم 20 إلى 24 بيضة دجاج مجتمعة، وهو آمن للاستهلاك البشري عند طهيه بشكل صحيح.

يسلط تقرير نشر، الثلاثاء، على موقع «فيري ويل هيلث» الضوء على الفوائد الصحية لبيض النعام، كما ينبهنا إلى الآثار السلبية له وكيف يمكن تجنبها.

مصدر غني بالبروتين

يُعد بيض النعام، مثل بيض الدجاج، مصدراً للبروتين الكامل، أي أنه يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الضرورية التي لا يستطيع الجسم إنتاجها بنفسه. وتشير الأبحاث إلى أن تناول البروتين الغذائي مهم للحفاظ على الصحة المثلى خلال جميع مراحل النمو والشيخوخة. يشار إلى أن تناول الأطعمة الغنية بالبروتين يرتبط بالشعور بالشبع، وصحة التمثيل الغذائي، وتقوية العضلات.

كما يعد أيضا مصدراً غنياً بالأحماض الدهنية غير المشبعة، والمفيدة صحياً، بما في ذلك أحماض أوميغا 3 الدهنية التي تُفيد صحة القلب والأوعية الدموية. ويمتاز بيض النعام باحتوائه على نسبة أعلى من الأحماض الدهنية الأحادية غير المشبعة، مقارنة ببيض الدجاج. ويُساعد تناول الأطعمة الغنية بالدهون غير المشبعة على تقليل الالتهابات، وتحسين مستويات الكوليسترول، وخفض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية.

قيمة غذائية فائقة

على الرغم من أن بيض النعام يُشابه بيض الدجاج في قيمته الغذائية، لكنه يتميز ببعض الخصائص الفائقة، فقد أظهرت دراسة قارنت محتوى الفيتامينات في 100 غرام من بيض النعام مع عينة مماثلة من بيض الدجاج، ووجدت أن بيض النعام يحتوي على كميات أكبر من فيتامينات E وB1 (الثيامين) وB5 (حمض البانتوثينيك) وB9 (حمض الفوليك). أما بالنسبة للمعادن، فقد احتوى بيض النعام على كميات أكبر من الكالسيوم والمغنيسيوم والمنغنيز والحديد والزنك مقارنةً ببيض الدجاج في عينات مماثلة الحجم.

مخاوف ومحاذير

رغم الفوائد الكبيرة لبيض النعام فإن هناك مخاوف من ارتفاع الكوليسترول إذ يحتوي بيض النعام، كغيره من البيض، على الكوليسترول الغذائي. وعلى الرغم من أن الأبحاث الطبية الحديثة تشير إلى أن الكوليسترول الغذائي له تأثير أقل على الكوليسترول الضار LDL)) في الدم مما كان يُعتقد سابقاً، فإن استهلاك كميات مفرطة منه قد يظل مصدر قلق للبعض، خصوصاً الأفراد المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية.

هذا بالإضافة إلى خطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالغذاء فقد تتلوث بيضات النعام ببكتيريا السالمونيلا في حال عدم التعامل معها بشكل صحيح. والسالمونيلا مرض ينتقل عن طريق الغذاء ويصيب الجهاز الهضمي. ولتقليل خطر الإصابة بالمرض من بيض النعام، احرص على شراء بيض النعام من موردين موثوقين، احفظه في الثلاجة عند درجة حرارة 4 درجات مئوية أو أقل، اطبخه حتى تصل درجة حرارته الداخلية إلى 71 درجة مئوية للتأكد من أن الصفار والبياض متماسكان قبل تناوله.

وحذر الخبراء من احتمال تسببه في حساسية غذائية لاحتوائه على بروتينات متشابهة، وعلى الرغم من أن الدراسات التي تتناول حساسية بيض النعام محدودة، فإنها تشير إلى ارتفاع معدل التفاعل المتبادل بين بروتينات بيض الدجاج وبروتينات بيض الطيور الأخرى. وتُظهر الأبحاث احتمالية حدوث تفاعلات تحسسية متبادلة لدى الأشخاص ذوي الحساسية.


مقالات ذات صلة

دراسة تحذّر: الباراسيتامول خلال الحمل قد يؤثر في خصوبة البنات مستقبلاً

صحتك الأمهات اللواتي استخدمن الباراسيتامول خلال الحمل أنجبن فتيات كان حجم المبايض لديهن أصغر بنسبة 40 % في المتوسط (بيكسلز)

دراسة تحذّر: الباراسيتامول خلال الحمل قد يؤثر في خصوبة البنات مستقبلاً

أثارت نتائج بحثية جديدة تساؤلات بشأن التأثيرات المحتملة لتناول الباراسيتامول في أثناء الحمل على الخصوبة المستقبلية للإناث.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
صحتك استعادة الوزن بعد استخدام علاجات السمنة قد يرتبط بزيادة الأفكار الانتحارية (أ.ب)

استعادة الوزن بعد استخدام أدوية السمنة قد تزيد الأفكار الانتحارية

كشفت دراسة جديدة عن ارتباط استخدام أدوية إنقاص الوزن بارتفاع معدلات الاكتئاب والأفكار المرتبطة بالانتحار، خصوصاً بين الأشخاص الذين استعادوا الوزن بعد فقدانه.

«الشرق الأوسط» (سيول)
صحتك التعرض حتى لقدر ضئيل من الضوء خلال النوم قد يؤدي إلى تغيرات في شكل عضلة القلب (بيكسلز)

النوم في ضوء خافت... خطر خفي قد يهدد صحة قلبك

دراسة جديدة تشير إلى أن القدر الضئيل من الإضاءة قد لا يكون بريئاً تماماً؛ إذ يمكن أن يؤثر التعرض للضوء خلال النوم في شكل عضلة القلب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الجمع بين البروتين والقهوة يُسهم في تحسين جوانب متعددة من الأداء الرياضي (بيكسلز)

تشرب القهوة صباحاً؟ إليك لماذا قد يكون البروتين رفيقها الأفضل

القهوة لا تقتصر فوائدها على كونها مشروباً صباحياً محبوباً؛ إذ يمكن أن تصبح جزءاً من وجبة إفطار متوازنة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك  شرب الماء بكميات كافية يساعد على تقليل احتباس السوائل (بيكسلز)

8 طرق سريعة للتخلص من الوزن الناتج عن احتباس الماء

قد تلاحظ أحياناً زيادة سريعة في وزن الجسم أو شعوراً بالانتفاخ، من دون أن يكون ذلك ناتجاً بالضرورة عن زيادة حقيقية في الدهون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«بينالي الدرعية» تملأ حيّ جاكس بالفنّ والموسيقى والكتب

للثقافة أبواب كثيرة... وجاكس يفتحها معاً (بينالي الدرعية)
للثقافة أبواب كثيرة... وجاكس يفتحها معاً (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» تملأ حيّ جاكس بالفنّ والموسيقى والكتب

للثقافة أبواب كثيرة... وجاكس يفتحها معاً (بينالي الدرعية)
للثقافة أبواب كثيرة... وجاكس يفتحها معاً (بينالي الدرعية)

أعلنت مؤسّسة «بينالي الدرعية» إطلاق مجموعة جديدة من البرامج الثقافية في حيّ جاكس، ضمن أجندة شهرية تبدأ في سبتمبر (أيلول) 2026، وتضم ما بين 6 و8 فعاليات شهرياً. وتتزامن البرامج مع فعاليات رئيسية يستضيفها الحيّ، من بينها «قمة الإبداع»، ومعرض الكتب الفنية «بيبر باك (PaperBack)»، ومؤتمر «إكس بي لمستقبل الموسيقى»، مما يتيح للجمهور المشاركة في الحركة الثقافية والإبداعية الأوسع بالحيّ، ويوفّر فرصاً مستمرة للتعلم والاستكشاف.

مساحة تتعلّم فيها الفكرة كيف تصبح تجربة (بينالي الدرعية)

وتشكّل البرامج الثقافية جزءاً أساسياً من عمل مؤسّسة «بينالي الدرعية»، إذ تمتدّ إلى ما بعد دورات البينالي، لتوفر على مدار العام مساحات للتعلُّم والحوار والمشاركة في القطاع الثقافي. وفي هذا الإطار، يضم البرنامج ورشات عمل، وجلسات حوارية، وعروض أفلام، وبرامج أدائية، تجمع الفنانين والباحثين والممارسين والجمهور، وتسهّل الاطلاع على مختلف المجالات الثقافية، إلى جانب توفير فرص لتطوير مهارات إبداعية عملية والتعرّف على آفاق جديدة.

ويشهد سبتمبر عودة سلسلة «سوالف ثقافية» الشهرية، التي تستضيف ضيوفاً من مختلف المجالات لمشاركة موضوعات من اختيارهم مع الجمهور، ضمن أجواء تفاعلية يحتضنها مبنى البرامج الثقافية الدائم الذي أطلقته المؤسّسة مطلع العام الحالي. كما تضم الفعاليات مجموعة من ورشات العمل، من بينها ورشة للفنانة ياسمينا هلال في 18 سبتمبر، تتناول أساسيات اللحام وصناعة إطارات الصور يدوياً، تليها في 19 منه ورشة للأطفال عن تقنية نقل الألوان لصور البولارويد.

الأفكار أيضاً تحتاج إلى مكان تلتقي فيه (بينالي الدرعية)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، تتزامن الفعاليات مع «قمة الإبداع» التي تقام في حيّ جاكس بين 3 و5 منه. وضمن البرنامج، تشارك مديرة «المتحف السعودي للفن المعاصر (ساموكا)»، نورا المعشوق، والمدير السابق لقسم «فنون ما بعد الحرب والفن المعاصر» في دار «كريستيز»، غراهام ساذرن، في جلسة ضمن سلسلة حوارات «كيف التقينا»، التي تستكشف قصص اللقاءات الأولى بين شخصيات بارزة في مجالَي الفنّ والثقافة، وما نشأ عنها من تعاون وصداقات أسهمت في تشكيل مسيرتهم.

الفكرة التي تُشارَك تجد حياةً أخرى (بينالي الدرعية)

ومن المقرّر إطلاق كتاب «طُرق: نكهات ومسارات» في 21 أكتوبر المقبل، الذي يوثّق الدورة الأولى من مبادرة «مساحة البحث» التابعة للبرامج الثقافية، التي أقيمت بالعنوان نفسه خلال «بينالي الفنون الإسلامية 2025» في جدة، وجمعت عدداً من المبدعين في عالم فنون الطهي والطعام. ويصاحب إطلاق الكتاب تجربة تفاعلية من إعداد الشيف نهلة الطبّاع والفنان متعدد المواهب أوغسطين باريديس، يُعيدان من خلالها تقديم أبرز ما تضمنته «مساحة البحث».

أما في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فتتصدَّر أعمال النشر والطباعة فعاليات البرامج الثقافية، بالتزامن مع عودة معرض الكتب الفنية «بيبر باك (PaperBack)» في دورته الثالثة، بين 5 و7 منه. وقبيل افتتاح المعرض، يقدّم مشروع النشر التجريبي واستوديو البحث البصري «فسر الماء بالماء» دورة مكثّفة في الطباعة بتقنية الريزوغراف، تمتدّ من 1 إلى 4 منه. ومع انطلاق المعرض، تقام مجموعة من ورشات العمل والجلسات الحوارية التي تتناول أساليب النشر البديل، بالإضافة إلى إطلاقات حصرية لعدد من الكتب، من بينها إصدار جديد يحتفي بمدينة جدة.

موعد تتبادل فيه الفنون مقاعدها (بينالي الدرعية)

وإلى جانب ذلك، تقدم المؤسّسة، بالتعاون مع «معهد دراسات ما بعد الطبيعة»، ورشتَي عمل ومحاضرة عامة تستكشف العلاقة بين الإنسان والتقنية والبيئة، من خلال مفهوم الماورائيات والصوت والكتابة. ويُختتم الشهر مع مؤتمر «إكس بي لمستقبل الموسيقى» في «بيست هاوس»، وسيكون بإمكان الزوار حضور عدد من العروض الأدائية وجلسات الاستماع وورشات العمل الموسيقية.

الثقافة تكبر كلما خرجت من إطارها (بينالي الدرعية)

وبهذه المناسبة، صرّحت مديرة إدارة البرامج الثقافية في مؤسّسة «بينالي الدرعية»، سيبل فاسكيز: «نسعى من خلال البرامج الثقافية إلى توفير مساحة مستمرّة للتعلم والمشاركة على مدار العام، فلا يقتصر تفاعل الجمهور مع الفنّ والثقافة على المعارض والبيناليات. وتشكّل هذه البرامج جزءاً أساسياً من الحركة الثقافية الأوسع في حيّ جاكس، وتعكس التزام المؤسّسة تهيئة بيئة إبداعية تجمع بين التعلُّم والممارسة والإنتاج والتعاون على مدار العام».


الشاهد على فظائع صيدنايا... دخلَهُ معتقلاً وخرج مع فيلم عن أسوأ السجون

يعود معتقلون سابقون إلى سجن صيدنايا ليرووا تجربتهم في «الجانب الآخر من الشمس» (صور المخرج)
يعود معتقلون سابقون إلى سجن صيدنايا ليرووا تجربتهم في «الجانب الآخر من الشمس» (صور المخرج)
TT

الشاهد على فظائع صيدنايا... دخلَهُ معتقلاً وخرج مع فيلم عن أسوأ السجون

يعود معتقلون سابقون إلى سجن صيدنايا ليرووا تجربتهم في «الجانب الآخر من الشمس» (صور المخرج)
يعود معتقلون سابقون إلى سجن صيدنايا ليرووا تجربتهم في «الجانب الآخر من الشمس» (صور المخرج)

في الميكروباص المتّجه من دمشق شمالاً، خمسة رجال ينظرون من النوافذ إلى البعيد. داخل الآليّة الصغيرة التي تُقلّهم، يتّسع بهم المكان ويُبهِرُهم ضوء النهار، فهُم اليوم أحرار. أمس فقط كانوا من نزلاء صيدنايا، أسوأ المعتقلات سُمعةً وأدناها إنسانيةً عبر التاريخ؛ السجن الذي حلموا فيه بلفتةٍ نحو السماء وكانوا كلّما لمحوا عصفوراً قالوا له: «نيّالك».

من الصعب أن تعود الضحية إلى المكان الذي شَهِد على عذاباتها، لكن هذا ما قرّر أن يفعله المعتقلون الخمسة السابقون. والعودة ليست عادية، فهي تدور وسط الدموع وذكرياتٍ دامية، تحت عين الكاميرا في فيلم وثائقي بعنوان «الجانب الآخَر من الشمس».

نال الفيلم الجزء الأكبر من الدعم من صندوق البحر الأحمر (صور المخرج)

يوم تجرّأت دمشق على الوقوف في وجه حاكمها مطلع 2011، مشى توفيق صابوني في المظاهرات رافعاً هاتفه وموثّقاً الاحتجاجات. الشاب الحالم بأن يصبح صانع أفلام، كان يكتفي حينها بدراسة الحقوق لأنّ الظروف لم تسمح بتحقيق الحلم. سرعان ما وجد في توثيق الحَراك السوري شغفه وقضيته، إلّا أنّ النقلة كانت سريعةً إلى ما وراء القضبان.

في سجن صيدنايا، المعروف بأنه ينافس كل سجون العالم وحشيّةً، جُرّد صابوني من كل شيء. لم يبقَ معه سوى عينَيه وذاكرته لتسجيل ما يرى، ووعدٍ لنفسِه بأن ينقل الصورة إلى العالم إذا ما خرج حياً.

حصد الفيلم 3 جوائز في مهرجان عمّان السينمائي (صور المخرج)

«في 8 ديسمبر (كانون الأول) بشّار الأسد هرب وأبواب السجون اللي ضلّت مسكّرة أكتر من 53 سنة فتحت. رجعتْ صوّر بالمكان اللي انحبست فيه لأني كنت عم صوّر». بهذه الكلمات يفتتح توفيق صابوني فيلمَه، بينما يداه تركّبان مجسّماً لسجن صيدنايا بزنازينه المعتمة، ومَهاجعه الرطبة، وغرفِ التحقيق المضرّجة جدرانها بالدماء، ومَراوح الهواء الصدئة التي كانت صلة الوصل الوحيدة بين المساجين والعالم.

بعد خروجه من المعتقل في 2012، عزمَ صابوني على مغادرة سوريا. سافر إلى بلجيكا حيث استقرّ ونال شهادة الماجستير في الإخراج السينمائي. «عام 2022 كان قد اكتمل نص الفيلم عن تجربتي في صيدنايا وبدأ البحث عن التمويل»، يخبر المخرج السوري «الشرق الأوسط». «كان من المفترض أن يجري التصوير في استوديو في بروكسيل. ثم فجأةً سقط نظام الأسد نهاية 2024 وأسقط معه الرؤية التي كنّا قد وضعناها للفيلم».

وبما أنّ أبواب السجون فُتحت مع رحيل الأسد، بات من الحتميّ الانتقال إلى دمشق وسلوك درب صيدنايا مرةً جديدة، لتوثيق الشهادات من قلب المكان الذي ما زال مسكوناً برائحة المعتقلين الضحايا، وفق تعبير صابوني.

بعد أربعة أشهر على سقوط النظام، فُتحت أبواب صيدنايا أمام خمسة من معتقليه السابقين، وصابوني واحدٌ منهم. يكفي أن يروا المبنى – الشبَح، حتى ينهار بعضُهم باكياً مستذكراً شقيقاً أو صديقاً قضى هنا تحت التعذيب والتجويع والإهمال.

على ضوء الهواتف، يدخلون إلى زنازينَ أمضوا فيها أياماً وليالي ظنّوها لن تنتهي. «هنا مشيت فوق بركة دم»، «في هذا الحمّام الضيّق كانوا يكدّسوننا عراة فوق بعضنا»، «هنا رُميت جثة رفيقنا أرضاً بعد أن مات وهو يصارع السلّ»... تكُرّ المَشاهد أمام عيون المعتقلين السابقين.

في دهاليز سجن صيدنايا وبين مهاجعه التي تحولت إلى غرف تعذيب (صور المخرج)

في صيدنايا وسائر المعتقلات السورية، لطالما تكرّرت عبارةٌ على ألسِنة السجّانين والجلّادين؛ «رح ودّيك ورا الشمس». سمعَها صابوني خلال إحدى جلسات التحقيق، بل الضرب. من هنا جاء عنوان الفيلم، «الجانب الآخر من الشمس»، وهو جانبٌ لا يعرفه إلّا مَن عبروا في صيدنايا وقذفهم التعذيب والظلم والتجويع إلى أقصى الألم والمهانة والذلّ، فما عادوا يبصرون سوى الظلام.

مستعيناً بدميةٍ بحجم إنسان، يجسّد الوثائقي الحال التي يصل إليها السجين بعد قضائه أسابيع في صيدنايا. هي أشبَه بجثّةٍ متحرّكة، يشي لونها الترابي وعظامها النافرة ونظراتُها الفارغة بالموت الذي أصابَ روحها. «هذه الشخصية هي البطل الفعلي للفيلم»، يقول صابوني. تتكاثر تلك الدمية لتصبح كل المساجين الذين عبروا: «هي تحية للمعتقلين المغيّبين ولأرواح من قضى منهم خلال نصف قرنٍ من عمر السجن»، يضيف المخرج.

الدمية التي تجسّد السجين هي البطل الحقيقي للفيلم (صور المخرج)

بعفويّةٍ تامة ومن دون إعدادٍ تمثيليّ، يستعيد المعتقلون السابقون أفظع ما رأوا واختبروا في صيدنايا. «هنا قُتل سجين أمام عيون الجميع لمجرّد أن يعلّم السجّان رئيسَ المهجع كيف يُخرج جثّة منه»، «وفي هذا المكان اقتلع السجّان عين أحد رفاقنا فقط لأنه تجرّأ على النظر إليه»، «في هذا الحمّام كان يُرمى الطعام عمداً فنبقى أياماً على معدة فارغة». يروي المعتقلون السابقون والدموع تسبقُ كلامهم، كيف أنّ ذويهم ما عادوا قادرين على التعرّف إلى ملامحهم لفَرط ما خسروا من وزنٍ بسبب التجويع.

ثمّ يتّخذون وضعيّة القرفصاء برؤوسٍ تكاد تلامس الأرض، ويهرعون في طابورٍ سريع إلى الحمّام حيث الاستحمام لدقيقةٍ واحدة، بالمياه الباردة شتاءً والساخنة صيفاً.

بعفويّة تامة ومن دون إعداد تمثيليّ يستعيد المعتقلون أفظع ما اختبروا في صيدنايا (صور المخرج)

رغم وحشيّة ما قاست شخصيات الوثائقي وما عاينت عينا المخرج، فإنّ صابوني لم يغلق الزنازين بالكامل في وجه الإنسانيّة. أفردَ مساحةً للحب، والخيال، والمقاومة. هذه هي المفاتيح التي استندَ إليها كي يشقّ طاقةَ ضوء فلا يتحوّل فيلمه إلى مرثيّة. وتأتي الموسيقى التصويرية من تأليف سامي أبو لوح لتُكمّل اللغة السينمائية الإنسانيّة التي اعتمدها المخرج. أمّا وحدة الحال والألفة الناشئة بين معتقلي صيدنايا فيُترجمُها رفاق صابوني بإحساسٍ عالٍ، عندما يسترجعون مشاهد كاحتضان بعضهم للتخفيف من وطأة البرد، أو كتخزين قِطَع صغيرة من الحلاوة من أجل تَقاسُمِها في لحظات الجوع الحالك.

من عرض الفيلم الوثائقي في مهرجان عمّان السينمائي (الشرق الأوسط)

من المستبعد أن يُشاهد سجّانو صيدنايا فيلم «الجانب الآخر من الشمس»، وهو حتماً لن يصل إلى بشّار الأسد في منفاه، لكنّ صابوني يريدُ عمله التوثيقيّ للناس أوّلاً، أي لضحايا النظام السابق. «لا تتحقّق العدالة من خلال فيلم، بل عندما ترى الأمّ التي عُذّب ابنُها في صيدنايا، الجلّاد وهو يُعاقَب خلف القضبان».

ينظر صابوني إلى فيلمه على أنه وثيقة مُساعِدة في تحقيق العدالة، وشهادة للتاريخ. أما الأهم بالنسبة إلى المخرج الصاعد والمعتقل السابق، أن يكون «الجانب الآخر من الشمس» فعلَ مقاومة ضدّ النسيان؛ لأننا شعوبٌ اعتادت أن تنسى آثار السياط على أجسادها والندوب في أرواحها.


كارمن بصيبص لـ«الشرق الأوسط»: سرتُ في طريقي ولم أتأثّر بما يدور حولي

حصدت مؤخراً جائزة «موركس دور» لأفضل ممثلة لبنانية عن دور أول (إنستغرام)
حصدت مؤخراً جائزة «موركس دور» لأفضل ممثلة لبنانية عن دور أول (إنستغرام)
TT

كارمن بصيبص لـ«الشرق الأوسط»: سرتُ في طريقي ولم أتأثّر بما يدور حولي

حصدت مؤخراً جائزة «موركس دور» لأفضل ممثلة لبنانية عن دور أول (إنستغرام)
حصدت مؤخراً جائزة «موركس دور» لأفضل ممثلة لبنانية عن دور أول (إنستغرام)

الممثلة اللبنانية كارمن بصيبص لا تشبه سواها في الوسط الفنّي. وكما تقول لـ«الشرق الأوسط»، سارت منذ بداياتها في طريقها من دون الاكتراث كثيراً بما يجري حولها. وضعت أهدافها أمامها ومضت بخطوات ثابتة، رافضةً أن تحيد عن قناعاتها. وعندما نقول لها إنها تبدو مختلفة عن غيرها، تردّ: «لا أعتقد. كلّ ما في الأمر أنني حاولتُ تفادي أي تلوّث قد يعترض طريقي. لم أقبل العمل تحت ذريعة (من المفروض)».

وتشير بصيبص، التي حصدت جائزة «موركس دور» أفضل ممثلة لبنانية في دور أول، إلى أنها اكتشفت «اللعبة الفنية» منذ بداياتها، وأدركت حيثياتها ومخاطرها، فاختارت التعامُل معها وفق قناعاتها: «أسلوبي هذا وفَّر عليّ كثيراً من المطبّات، فحققتُ النجاح وحصدت محبّة الناس، وهذا يكفيني».

وتعدّ جائزة «موركس دور»، التي حصدتها عن مسلسل «ليل»، الأولى التي تحظى بها في مشوارها. فهل ترى أنّ هذا التكريم جاء متأخراً؟ تردّ: «لا أفكّر وفق هذه المعادلة، وأشكر الجهة التي قدَّمتها لي. دور (ورد) في (ليل) أتعبني كثيراً، وجميل تلقّي هذا التقدير عنه».

تقول إنها منذ بداياتها شقّت طريقها بعيداً عن أيّ تأثيرات خارجية (إنستغرام)

ولكن دورها في «عروس بيروت» كان أيضاً من أجمل ما قدّمته. تُعلِّق: «هذا المسلسل جزء من قلبي. وكان أول عمل معرّب يُعرض على الشاشة، كما أنه حصد جائزة الجمهور حينها. ما يهمّني في ذلك أن أعمل ما يناسب تطلّعاتي وطموحي. لا أعمل بهدف حصد الجوائز، ولا بهدف الانتشار، وإلا لاتّبعتُ أسلوباً آخر».

وتتحدّث عن شخصية ورد في «ليل»، وتصفها بأنها ذات تركيبة صعبة؛ إذ تجسّد امرأة تعرّضت للاعتداء من أقرب الناس إليها، مما ترك جرحاً عميقاً في روحها، خصوصاً أن أحداً لم يصدّق روايتها، حتى والدها وحبيبها. وهكذا تألّفت الشخصية من طبقات، بينما كان هاجسها الأساسي تأمين حياة آمنة لابنتها: «تتمتّع بنضج امرأة مُحاربة عانت وحدها. وعلى مدى 90 حلقة، أخذتني إلى عالم من الحزن والقسوة. لم يكن من السهل أبداً التعامل مع الدور».

وتشير إلى أنّ تجسيدها له تزامن مع ولادة ابنتها، فاضطرت إلى الانتقال برفقتها وزوجها إلى تركيا 9 أشهر للتصوير. وعن الفرق بين تجربتها الأولى في «عروس بيروت» والثانية في «ليل»، تقول: «الفرق كبير. الأولى كانت عفوية وتعي أحلامها، بينما تطلَّبت الثانية العمق والثبات والنضج. أرهقني الدور، وعندما انتهيت من التصوير تنفّستُ، كأنني أزحت ثقلاً كبيراً عن كتفيّ. كنت أتوق إلى العودة إلى حياتي الطبيعية، لأنها وضعتني باستمرار في أجواء درامية حزينة».

كارمن بصيبص مع الممثل وسام فارس في مسلسل «ليل» (إنستغرام)

وترى بصيبص أنّ الأعمال المعرّبة تبقى ظاهرة ناجحة ما دامت تحظى بإقبال كبير من المُشاهد العربي. وتجد أن هذا النوع من الأعمال، المعروف بـ«سوب أوبرا»، قد يشوبه التكرار والتطويل، وإنما ذلك جزء من ركيزته. كما أنّ حضوره على الساحة يُسهم في التنوّع إلى جانب الأعمال الرمضانية والمحلّية والمشتركة. وتقول: «التنويع ضروري، والناس تحتاج إلى الترفيه والابتعاد عن همومها. وعندما تتضمَّن الأعمال المعرّبة موضوعات مهمّة، فإنها تُحقق أهدافها وتوفّر فرص عمل لعدد كبير من الممثلين».

أما الإنتاجات الدرامية المحلّية، فتعدّها فخراً للبنان، لكونها تضمّ أهم عناصر الدراما، وتُبرهن على قدرات الممثلين والمخرجين وطاقاتهم الإبداعية والاجتهادية. وقد شاركت في أحدها «البريئة»، مع شركة «إيغل فيلمز»، وهو عمل تحبّه واستمتعت بتنفيذه.

وعمّا إذا كانت تطمح إلى لعب دور في عمل كوميدي، تقول: «أحب الكوميديا ومنفتحة عليها، ولكن لا يمكن الاستخفاف بها بتاتاً. لذلك يجب أن تستند إلى أشخاص يحترفون صناعتها وأثق بقدراتهم. كما أنّ مخرج هذا النوع من الأعمال يجب أن يكون محترفاً فيمنع الخطأ. نحتاج اليوم إلى أعمال كوميدية أكثر من أيّ وقت».

وعندما تستعيد شريط حياتها المهنية، تقول: «لم أكن ناضجة كما اليوم. لم أكن أستطيع تقدير الأمور كما يجب. ولكن في المقابل، هناك مشاريع كثيرة خضتها منذ بداياتي وكانت ناجحة، وبينها ما أفتخر به».

تطمح إلى خوض تجربة في عمل كوميدي (إنستغرام)

وفي فيلم «غاب القط»، ظهرت كارمن بصيبص ضيفةَ شرف. ألم يزعجها الانتقال من البطولة إلى هذه المساحة؟ تجيب: «لا. كثيرون من نجوم مصر شاركوا فيه ضيوفَ شرف. يومها طلبت مني صديقتي، مخرجة الفيلم، المُشاركة من هذا الباب، ورأيتُ في هذه التجربة تجديداً لمسيرتي، واستمتعت كثيراً».

حالياً، تقرأ كارمن نصَّ عمل جديد تتكتّم على تفاصيله، مكتفيةً بالقول إنه لبناني. لكنها أكدت أنه لم يُعرض عليها أيّ عمل رمضاني بعد، وتوضح: «قرأت نصّاً لم يقنعني، فاعتذرت عن عدم المشاركة. أتعمّقُ في خياراتي وأستشير مَن هم حولي. من الصعب أن نتّخذ قرارات وحدنا، فقد لا ندرك مدى صوابها».