مهلة ترمب لطهران تقترب... وهرمز في قلب الاشتباك

حريق كبير قرب مطار مشهد... أكثر من 20 غارة إسرائيلية وسط طهران ومقتل قائد وحدة «فاتحين»

صورة انتشرت من جسر قيد الإنشاء بعد غارة جوية في كرج غرب طهران (شبكات التواصل)
صورة انتشرت من جسر قيد الإنشاء بعد غارة جوية في كرج غرب طهران (شبكات التواصل)
TT

مهلة ترمب لطهران تقترب... وهرمز في قلب الاشتباك

صورة انتشرت من جسر قيد الإنشاء بعد غارة جوية في كرج غرب طهران (شبكات التواصل)
صورة انتشرت من جسر قيد الإنشاء بعد غارة جوية في كرج غرب طهران (شبكات التواصل)

اقتربت المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة فتح مضيق هرمز، بينما أكد أن قواته ستواصل ضرب إيران «بعنف شديد» خلال الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة المقبلة، وأن الأهداف العسكرية الأميركية ستُنجز «قريباً جداً». وفي المقابل، تمسكت طهران بإغلاق المضيق أمام «الأعداء»، وردت بتهديدات بتوسيع الضربات.

وتزامن ذلك مع جولة جديدة من الغارات داخل إيران، ورشقات صاروخية إيرانية متكررة على إسرائيل، وتحركات دبلوماسية متسارعة حول مستقبل الملاحة في المضيق.

واستمرت الضربات على منشآت ومواقع داخل إيران، من مشهد شمال شرقي البلاد إلى أصفهان وسط والعاصمة طهران وبضواحيها كرج وعبادان ومعشور في جنوب غربي البلاد، وبندر عباس وبجواره جزيرة قشم أكبر الجزر المأهولة في الخليج العربي قبالة مضيق هرمز، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف قاعدة للقوات البرية التابعة لـ«الحرس الثوري» ومركز قيادة متنقل وموقع لتخزين الصواريخ الباليستية في منطقة تبريز شمال غربي البلاد.

وفي المقابل، واصل «الحرس الثوري» والجيش الإيراني إصدار بيانات عن موجات جديدة، شملت هجمات صاروخية ومسيّرة على أهداف إسرائيلية، وأخرى في دول المنطقة، بدعوى أنها مرتبطة بالولايات المتحدة، منها استهداف قاعدة الأزرق الجوية في الأردن.

وأشاد ترمب بقصف جسر«B1» الرابط بين طهران وكرج، قائلاً إن «أكبر جسر في إيران» انهار «ولن يُستخدم مجدداً أبداً»، مجدداً دعوة طهران إلى إبرام اتفاق «قبل فوات الأوان». وجاء ذلك بعد إعلان التلفزيون الرسمي الإيراني أن الجسر تعرّض لضربات إسرائيلية - أميركية على مرحلتين الخميس، أسفرت، بحسبه، عن مقتل شخصين على الأقل. وأضاف ترمب أنه حان الوقت لإيران لعقد اتفاق «قبل ألا يبقى شيء» مما يمكن أن يصبح «بلداً عظيماً».

ونائب الشؤون الأمنية لحاكم محافظة البرز إن الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على الجسر في كرج أسفر عن مقتل 8 مدنيين وإصابة 95 آخرين.

وأضاف أن القتلى من سكان قرية بيلقان ومن مسافرين عابرين وعائلات كانت موجودة في محيط المنطقة لقضاء يوم الطبيعة وقت وقوع الهجوم، واصفاً ما جرى بأنه «جريمة مروعة»، وفقاً لوكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري».

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن استهداف منشآت مدنية، بما في ذلك الجسور غير المكتملة، «لن يجبر الإيرانيين على الاستسلام»، معتبراً أن ذلك يعكس «هزيمة وانهياراً أخلاقياً» لدى الخصم.

وأضاف، في منشور على منصة «إكس»، أن كل جسر ومبنى متضرر «سيعاد بناؤه بصورة أقوى»، لكنه قال إن ما «لن يتعافى» هو الضرر الذي لحق بمكانة الولايات المتحدة.

الخيار المطروح

وقال ترمب، في خطاب استمر نحو 20 دقيقة من البيت الأبيض مساء الأربعاء، إن العملية الجارية منذ 32 يوماً «استثمرت في مستقبل الأميركيين»، معتبراً أن إيران «لم تعد في الأساس تشكل تهديداً». وأضاف أن الولايات المتحدة لا تزال تسعى إلى اتفاق دبلوماسي، لكنه شدد على أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق «فسنضرب كل محطة من محطات توليد الكهرباء لديهم بعنف شديد، وعلى الأرجح في وقت واحد».

وقال أيضاً إن واشنطن لم تستهدف النفط الإيراني حتى الآن، رغم أنه «الهدف الأسهل على الإطلاق»، لأن ذلك «لن يمنحهم حتى فرصة صغيرة للبقاء أو إعادة البناء»، لكنه أبقى هذا الخيار مطروحاً.

ساعة الإنذار

فصّل ترمب في خطابه ملامح الضغط الأميركي في هذه المرحلة، قائلاً إن الولايات المتحدة ستواصل ضرب إيران «بعنف شديد» خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة، وإن بلاده «في طريقها إلى استكمال جميع الأهداف العسكرية الأميركية قريباً، قريباً جداً». وأضاف أن أي عدو في تاريخ الحروب «لم يتعرض لخسائر واسعة النطاق واضحة ومدمرة بهذا الشكل خلال أسابيع»، معتبراً أن النجاح العسكري تحقق وأن ما تبقى هو إنهاء المهمة.

وقال أيضاً إن إيران ستُدفع «إلى العصر الحجري»، وإن الولايات المتحدة ستضربها «بعنف شديد» إذا لم تستجب. وكرر أن هدفه الأساسي من الحرب كان ضمان ألا تمتلك إيران «سلاحاً نووياً أبداً»، مضيفاً أن اليورانيوم عالي التخصيب المدفون تحت الأنقاض الناتجة عن ضربات سابقة «تحت مراقبة وسيطرة مكثفتين بالأقمار الاصطناعية». وقال: «إذا رأيناهم يتحركون، حتى مجرد التحرك نحوه، فسوف نضربهم بالصواريخ بعنف شديد مرة أخرى. نحن نمسك بكل الأوراق. وهم لا يملكون شيئاً».

ولم يبد ترمب ميلاً لإرسال قوات برية لتأمين اليورانيوم المخصب، قائلاً إن الوصول إليه «سيستغرق أشهراً» لأنه مدفون تحت الأنقاض. لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام ضرب البنية التحتية للطاقة والنفط إذا لم تخضع طهران للشروط الأميركية.

وفي هذا السياق، ربط مجدداً أي نهاية للحرب بإعادة فتح مضيق هرمز، قائلاً إن الولايات المتحدة تريد اتفاقاً قبل مهلة 6 أبريل (نيسان) التي حددها بعد تمديد مهلة سابقة كانت قد اقتصرت على 48 ساعة لإعادة فتح المضيق.

جاء ذلك بعدما قال ترمب إن من هم الآن في السلطة في إيران «أقل تطرفاً وأكثر عقلانية بكثير» بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية، لكنه لم يحدد بصورة واضحة وضع المفاوضات أو جدولاً زمنياً لإنهاء الحرب. كما لم يوضح كيف يمكن إنهاء الاضطراب في أسواق الطاقة إذا استمرت إيران في تعطيل الملاحة. لكنه قال إن مضيق هرمز «سينفتح تلقائياً» بمجرد انتهاء القتال، لأن الإيرانيين «سيريدون بيع النفط». ودعا الدول التي تعتمد على النفط المار عبر المضيق إلى «بناء بعض الشجاعة المتأخرة» و«الذهاب وأخذ المضيق»، قائلاً: «احموه، واستخدموه لأنفسكم».

رسائل التصلب

جاءت الردود الإيرانية واسعة وموزعة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية والخطاب التعبوي. فقال المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان إن تقدير الولايات المتحدة وإسرائيل للقدرات العسكرية الإيرانية «غير مكتمل»، وقال إن إيران تحتفظ بمخزونات سرية من الأسلحة والذخائر ومنشآت الإنتاج، مضيفاً أن «إنتاجنا العسكري الاستراتيجي يجري في مواقع لا علم لكم بها ولن تصلوا إليها أبداً» وإن «المراكز التي تظنون أنكم استهدفتموها غير ذات أهمية». وتوعد بأن العمليات المقبلة ستكون «أكثر سحقاً واتساعاً وتدميراً». مضيفاً أن الحرب ستستمر حتى «ندم» الخصوم و«استسلامهم».

ورد مجيد موسوي، قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري»، على تهديدات «العصر الحجري» بالقول إن «من قد يُدفنون تحت الأنقاض هم جنودكم، لا إيران»، مضيفاً أن «الأوهام الهوليوودية» دفعت الأميركيين إلى تهديد حضارة يزيد عمرها على ستة آلاف عام. وفي رسالة بالعبرية إلى الإسرائيليين، قال إن صفارات الإنذار والاهتزازات في الملاجئ تحت وابل الصواريخ الإيرانية تمثل «جزءاً من هدية نتنياهو» للإسرائيليين في العيد.

وفي بيان مماثل، قال «الحرس الثوري» إن الضربات الأميركية والإسرائيلية لم تدمر مراكز إنتاج الصواريخ ولا الطائرات المسيّرة بعيدة المدى ولا الدفاعات الجوية ولا أنظمة الحرب الإلكترونية. وأضاف أن الولايات المتحدة وإسرائيل «لا تعرفان شيئاً عن قدراتنا الهائلة والاستراتيجية».

كما قالت قيادة الوحدة البحرية في «الحرس الثوري» إن توسيع الحرب «يوسع بنك الأهداف» ويُسرع «إخراج أميركا من المنطقة»، مشيرة إلى أهداف تشمل منشآت صلب وألمنيوم في المنطقة.

صورة نشرها المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية بعد تدمير معهد باستور العلمي في منطقة تحمل الاسم نفسه وتضم مراكز صنع القرار بما في ذلك مكتب المرشد الإيراني ومجلس الأمن القومي وديوان الرئاسة

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، فاختار خطاباً تعبوياً مباشراً، قائلاً إن مهاجمة إيران تعني مواجهة «العائلة كلها». وقال إنه حمل السلاح في سن الثامنة عشرة، وإن شقيقه قُتل في الحرب، قبل أن يضيف أن الإيرانيين «ليسوا دعاة حرب»، لكن «كل فرد يصبح جندياً عندما يحين وقت الدفاع عن الوطن». وأضاف أن حملة وطنية جارية أظهرت استعداد نحو سبعة ملايين إيراني لحمل السلاح والدفاع عن البلاد.

ومن جانبه، قال قائد الجيش الإيراني اللواء أمير حاتمي إن أي قوة معادية تحاول تنفيذ عملية برية «لن ينجو منها أحد»، في حين قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن مهاجمة إيران تعني مواجهة «العائلة كلها»، مشيراً إلى أن نحو سبعة ملايين إيراني أعلنوا استعدادهم لحمل السلاح والدفاع عن البلاد.

وقال حاتمي إن مقر العمليات الإيراني يجب أن يراقب تحركات العدو «بأقصى درجات الحذر والدقة»، وأن يكون مستعداً لمواجهة أي شكل من أشكال الهجوم.

وأضاف، في توجيه إلى القيادات العملياتية، أن «شبح الحرب» يجب أن يُرفع عن البلاد، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أي عملية برية معادية ستُقابل برد لا ينجو منه أحد. وأظهرت وسائل إعلام إيرانية حاتمي مع عدد من القادة العسكريين في غرفة عمليات، في رسالة أرادت طهران من خلالها إظهار الجاهزية والقيادة المباشرة.

ومن جانبه، قال سعيد جليلي، ممثل المرشد الإيراني في مجلس الأمن القومي، إن تسلسل التصريحات الأميركية عن مضيق هرمز يمثل «سجل التراجع التدريجي للولايات المتحدة وانهيار أوهام رئيسها». واستعرض ما قال إنها مواقف أميركية متبدلة: من الحديث عن فتح المضيق وفرض مهلة 48 ساعة ثم تمديدها خمسة أيام، إلى مطالبة «الناتو» بالمساعدة، ثم دعوة الدول المحتاجة إلى النفط لأن «تذهب وتفتحه بنفسها».

وبدوره، قال حسام الدين آشنا، أحد كبار الخبراء في وزارة الاستخبارات ومستشار الرئيس الأسبق حسن روحاني، إن إيران «لم تأتِ في يوم ما من العصر الحجري حتى يمكن إعادتُها إليه بالقصف».

دبلوماسية المضيق

بقي مضيق هرمز في صلب الاشتباك السياسي والعسكري. فإيران واصلت استخدامه أداة ضغط استراتيجية، بينما تعاملت معه واشنطن والدول الغربية بوصفه عنواناً رئيسياً للنزاع. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إن بلاده تعمل مع سلطنة عمان على إعداد نظام جديد للملاحة في المضيق، على أن يبدأ تطبيقه بعد انتهاء الحرب، مشيراً إلى أن المشروع بلغ مراحله النهائية. وأضاف أن إيران ترى ضرورة منع سفن «المعتدين وحلفائهم»، التجارية والعسكرية، من عبور المضيق إذا كانت تشارك في العمليات العسكرية أو تدعمها.

دخان يتصاعد من بلدة صناعية تضم ورشات لصناعة السجاد بمدينة أصفهان (شبكات التواصل)

وأوضح غريب آبادي أن التصور الإيراني يقوم على إلزام جميع السفن العابرة، حتى في أوقات السلم، بالحصول مسبقاً على الموافقات والتصاريح اللازمة من إيران وعُمان، بما يضمن أمن الممر وسلامة العبور. وقال إن العمل يتركز حالياً على بروتوكول مشترك مع سلطنة عُمان لا يستهدف فرض قيود بل تنظيم المرور وتقديم الخدمات وضمان الأمن.

في المقابل، قالت باكستان إنها مستعدة لاستضافة محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران للمساعدة في إنهاء الصراع، من دون تحديد موعد بعد. وقالت وزارة الخارجية الباكستانية إن إسلام آباد تواصل بذل «جهود دبلوماسية بنشاط» لوقف الأعمال العدائية، وإن دول المنطقة تدعم إمكان عقد محادثات محتملة في إسلام آباد. وأضافت أن رئيس الوزراء شهباز شريف بحث المبادرة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وشدد على ضرورة بناء الثقة لتسهيل التفاوض والوساطة.

كما تحدثت بريطانيا عن اجتماع افتراضي يضم نحو 30 إلى 35 دولة لبحث تدابير دبلوماسية وسياسية لاستئناف الملاحة في المضيق بعد انتهاء الحرب. لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال إن أي عملية عسكرية لـ«تحرير» هرمز ستكون «غير واقعية».

ودعت الصين إلى وقف فوري لإطلاق النار، وقالت إن استعادة الاستقرار في المضيق هدف مشترك للمجتمع الدولي، محملة العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية مسؤولية تعطيل الملاحة. كما حصلت الفلبين على تأكيد إيراني بسلامة مرور سفنها ووارداتها النفطية وبحارتها عبر المضيق. وأبدت روسيا استعداداً للمساعدة في تسوية الحرب، فيما حذر وزير الخارجية الإيطالي من أن استمرارها قد يؤدي إلى زيادة تدفقات الهجرة.

خرائط النار

ميدانياً، أعلن الجيش الإسرائيلي توسيع بنك أهدافه داخل إيران ليشمل، إلى جانب القواعد ومراكز القيادة والمخازن الصاروخية، البنية المالية التي يعتمد عليها النظام الإيراني في تمويل قواته المسلحة ووكلائه في المنطقة. وقال إنه استهدف قاعدة للقوات البرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، إلى جانب مركز قيادة متنقل يستخدمه قادة في النظام، مشيراً إلى أنه أنجز الأربعاء موجة واسعة من الضربات استهدفت بنى تحتية تابعة للنظام في أنحاء طهران.

وأضاف أن هذه الضربات شملت أيضاً موقعاً لتخزين الصواريخ الباليستية تابعاً للوحدة الصاروخية في منطقة تبريز، وأن النظام الإيراني بدأ في الأيام الأخيرة نقل بعض مراكز قيادته إلى وحدات متنقلة، فجرى استهداف أحد هذه المراكز بينما كان القادة بداخله.

وفي تطور موازٍ، قال الجيش الإسرائيلي إنه نفذ في طهران ضربة دقيقة أسفرت عن مقتل جمشيد إسحاقي، الذي وصفه بأنه قائد «مقر النفط» التابع لقوات النظام الإيراني، مضيفاً أن هذا المقر يمثل جزءاً أساسياً من بنية التمويل العسكري عبر عائدات بيع النفط.

وقال إن إسحاقي كان يدير الذراع المالية لقوات النظام، إلى جانب الصناعات العسكرية المسؤولة عن إنتاج الصواريخ الباليستية وآليات القمع الداخلي، كما كان يشرف على تخصيص أموال لتمويل وكلاء إيران في الشرق الأوسط، وفي مقدمهم «حزب الله» والحوثيون.

وأضاف الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو استهدف كذلك في طهران مقار عسكرية مركزية يستخدمها «الحرس الثوري» لإدارة موازنات الأجهزة الأمنية وتمويل الأنشطة العسكرية والعمليات الخارجية، بما في ذلك ما قال إنها تحويلات بمليارات الدولارات إلى «حزب الله» و«حماس» والحوثيين.

وفي تحديث عملياته خلال عطلة عيد الفصح، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف أكثر من 50 هدفاً من منظومة الصواريخ الباليستية في إيران، مضيفاً أن سلاح الجو نفذ خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية أكثر من 20 غارة في وسط طهران وغربها، استهدفت عشرات منصات الإطلاق ومواقع تخزين الصواريخ الباليستية باستخدام أكثر من 140 ذخيرة.

وأضاف أن مقاتلة من طراز «إف - 35 آي أدير» رصدت عملية إطلاق صاروخ باليستي من داخل موقع لتخزين الصواريخ، وبعد تحديد الموقع جرى استهداف منصة الإطلاق وإحباط هجوم صاروخي كان موجهاً إلى إسرائيل. وقال إن سلاح الجو نفذ، طوال عملية «زئير الأسد»، مئات الضربات على منظومات الصواريخ الباليستية والدفاعات الجوية التابعة لـ«الحرس الثوري» بهدف إضعاف قدراته الصاروخية ومنع إطلاق مزيد من الصواريخ نحو إسرائيل.

وعلى الجبهة المقابلة، أبلغ الجيش الإسرائيلي عن رصد صواريخ أُطلقت من إيران باتجاه الأراضي الإسرائيلية خمس مرات على الأقل حتى لحظة إعداد التقرير، قبل أن يعلن السماح بمغادرة الأماكن المحمية، فيما تحدثت بياناته عن عمل فرق الإنقاذ في مواقع سقوط بوسط إسرائيل ثم في شمالها.

وقالت «وكالة الصحافة الفرنسية» إن الجيش الإسرائيلي أعلن التصدي لأربع رشقات صاروخية خلال ست ساعات صباح الخميس. كما وردت تقارير عن إصابات طفيفة في منطقة تل أبيب.

نيران ودخان يتصاعد من رصيف بجزيرة قشم صباح الخميس (شبكات التواصل)

أما داخل إيران، فطالت الضربات، الخميس، منشآت عسكرية وبنى تحتية ومرافق لوجيستية في عدد من المحافظات. ففي مشهد، اندلع حريق كبير قرب المطار بعد إصابة خزان وقود أو منشأة مرتبطة به، من دون تسجيل ضحايا. وفي قشم، لحقت أضرار بأجزاء من ميناء بهمن التجاري ورصيف الصيادين في قشم، كما وردت تقارير عن أضرار في ميناء لنجة. فيما امتدت الهجمات إلى عبادان ومعشور وسيرجان وخرم آباد وتبريز.

وفي أصفهان، أظهرت صور وتقارير متداولة استهداف مخزن ذخيرة تابع لـ«الحرس الثوري» في بهارستان، بالتزامن مع استمرار الحديث عن ضربات سابقة على «فولاد مباركة».

وفي طهران، أعلن المتحدث باسم وزارة الصحة أن الهجوم ألحق أضراراً واسعة بمعهد باستور، واصفاً ذلك بأنه «هجوم مباشر على الأمن الصحي الدولي».وفي المقابل، قالت بيانات «الحرس الثوري» والجيش الإيراني إن الموجة التسعين من عملية «الوعد الصادق 4» استهدفت صناعات صلب وألمنيوم أميركية في أبوظبي والبحرين.

كما أعلن «الحرس الثوري» إسقاط مسيّرة «هيرميس 900» في شيراز، فيما قال الجيش الإيراني إن دفاعاته دمرت طائرتين من طراز «إم كيو 9» هناك، ما رفع عدد المسيّرات التي أسقطتها الشبكة المشتركة إلى 154. وأعلن الجيش أيضاً، في بيانه رقم 52، أنه شن هجوماً بمسيّرات استهدف موقع تمركز المقاتلات الأميركية المتطورة في قاعدة الأزرق الجوية بالأردن.

حسابات المعركة

قال قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر إن تقديره العملياتي، مع دخول الحملة أسبوعها الخامس، يشير إلى «تقدم لا يمكن إنكاره». وأضاف أن البحرية الإيرانية لم تعد تظهر في البحر، وأن الطائرات الإيرانية لم تعد تحلق، مشيراً إلى أن منظومات الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي الإيرانية «دُمّرت إلى حد كبير».

وأعلنت «سنتكوم» أن عملية «ملحمة الغضب» ضد إيران، التي بدأت بتوجيه من الرئيس الأميركي في 28 فبراير (شباط) عند الساعة 1:15 فجراً، لا تزال مستمرة. وقالت إن عدد الأهداف التي ضُربت تجاوز 12300 هدف، فيما تجاوز عدد الطلعات القتالية 13 ألف طلعة، إضافة إلى تضرر أو تدمير أكثر من 155 سفينة إيرانية.

وأضافت أن بنك الأهداف شمل مراكز القيادة والسيطرة، ومقار «الحرس الثوري»، ومواقع الاستخبارات، ومنظومات الدفاع الجوي، ومواقع الصواريخ الباليستية، والسفن والغواصات، ومنشآت تصنيع الصواريخ والمسيّرات، ومخابئ إنتاج الأسلحة وتخزينها، والبنية التحتية العسكرية المساندة. كما قالت إن العملية اعتمدت على قدرات جوية وبحرية وبرية واسعة، شملت قاذفات ومقاتلات وطائرات حرب إلكترونية واستطلاع وتزود بالوقود ومسيّرات هجومية، إلى جانب حاملات طائرات وغواصات ومدمرات ومنظومات «باتريوت» و«ثاد » و«هيمارس».

وفي إيران، أعلن إعلام «الحرس الثوري» مقتل العميد محمد علي فتح علي زاده، قائد وحدة «فاتحين»، أمس الأربعاء. وتُعد «فاتحين» من قوات النخبة في «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري»، وتضم عناصر تتلقى تدريباً عسكرياً خاصاً في القتال البري والانتشار السريع والعمليات الخاصة المحمولة جواً والعمل في البيئات الحضرية، وشاركت في الحرب السورية واستخدمت في مهام الأمن الداخلي قبل أن تتحول إلى تشكيل قتالي منظم داخل بنية «الحرس».

صورة نشرها إعلام «الحرس الثوري» من قائد وحدة «فاتحين» في جهاز «الباسيج» بعد تأكيد مقتله في ضربة استهدفته الأربعاء

وفي بوشهر جنوب البلاد، استمر تشييع قائد بحرية «الحرس الثوري» علي رضا تنغسيري، الذي قُتل في غارة إسرائيلية الأسبوع الماضي، بعدما أقيمت له الأربعاء جنازة في طهران سبقتها مراسم أخرى في بندر عباس.

وعلى الصعيد النووي، قال سفير إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية رضا نجفي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن بلاده لم تستأنف تخصيب اليورانيوم بعد الضربات الإسرائيلية والأميركية التي استهدفت بعض منشآتها النووية في يونيو (حزيران) 2025، واصفاً الاتهامات الأميركية بأنها «كذبة كبيرة».

كما قال إن الهجمات على محطة بوشهر النووية تمثل «انتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي» و«جريمة حرب»، محذراً من أي تسرب إشعاعي قد يؤدي إلى تلوث المياه وإجبار السكان على الإخلاء. وفي الداخل الإيراني، أعلنت السلطة القضائية تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بحق أمير حسين حاتمي، المدان بتنفيذ أعمال لصالح إسرائيل والولايات المتحدة خلال اضطرابات سابقة هذا العام، بينها محاولة اقتحام مركز عسكري وتدميره والاستيلاء على أسلحة وذخائر.

وبحسب الأرقام المتداولة حتى الآن، قُتل أكثر من 1900 شخص في إيران منذ بدء الحرب، فيما أُبلغ عن مقتل 19 شخصاً في إسرائيل. كما قُتل أكثر من عشرين شخصاً في دول الخليج والضفة الغربية المحتلة، إضافة إلى 13 من أفراد القوات المسلحة الأميركية. وفي لبنان، قُتل أكثر من 1200 شخص ونزح أكثر من مليون، كما قُتل 10 جنود إسرائيليين هناك.


مقالات ذات صلة

عملية تمويه استثنائية لحماية ترمب من «تهديدات إيرانية»

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ملوحاً بيده لدى وصوله قاعدة سانت أندروز الجوية المشتركة بميريلاند يوم 7 أغسطس (أ.ب)

عملية تمويه استثنائية لحماية ترمب من «تهديدات إيرانية»

دفعت تهديدات إيرانية ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب المسؤولين الكبار في إدارته إلى القيام بعملية تمويه استثنائية لعودته من تركيا حيث شارك في قمة لحلف «الناتو».

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

تحليل إخباري ترمب وإيران ... خيارات ضيّقة في حرب مفتوحة

لم تعد الخيارات المتاحة أمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدور بين نصر واضح وهزيمة قابلة للاحتواء بل بين مسارات لكل منها تكلفته

إيلي يوسف ( واشنطن)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يسار) إلى جانب يوسي كوهن الذي عُين رئيساً لـ«الموساد» من قبل نتنياهو... 7 ديسمبر 2015 (أرشيفية - غيتي)

رئيس سابق لـ«الموساد»: جواسيس «تجولوا» في منشأة نووية إيرانية

قال يوسي كوهين، الرئيس السابق لجهاز «الموساد» الإسرائيلي، إنَّ جواسيس الجهاز زاروا منشأة فوردو النووية الإيرانية «مرات كثيرة» في الماضي لفهمها بصورة أفضل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الخليج البحرين أكدت مساءلة كل مَن يثبت ارتكابه أفعالاً تمس بأمنها أو تضر بمصالحها (النيابة العامة)

البحرين: السجن مدد متفاوتة لـ8 متهمين بأعمال إرهابية

أصدرت المحكمة الكبرى الجنائية في البحرين، الثلاثاء، أحكاماً بالسجن مدداً متفاوتة لـ8 متهمين في قضايا منفصلة.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
الاقتصاد شاشة إلكترونية تعرض مؤشرَي «شنغهاي» و«شنتشن» للأسهم في مدينة شنغهاي (رويترز)

الأسهم الصينية تتراجع مع تلاشي آمال إعادة فتح «مضيق هرمز»

تراجعت الأسهم في البر الرئيسي الصيني وهونغ كونغ يوم الثلاثاء، مع إعادة المستثمرين تقييم احتمالات إنهاء الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (شنغهاي )

ترمب وإيران ... خيارات ضيّقة في حرب مفتوحة

طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
TT

ترمب وإيران ... خيارات ضيّقة في حرب مفتوحة

طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

لم تعد الخيارات المتاحة أمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدور بين نصر واضح وهزيمة قابلة للاحتواء، بل بين مسارات لكل منها تكلفته: حصار طويل قد يستنزف إيران لكنه يرهق الاقتصاد الأميركي، واتفاق محدود يعيد فتح مضيق هرمز مقابل منح طهران نفوذاً دائماً، وحملة عسكرية جديدة لا تضمن تغيير حساباتها، أو انسحاب سياسي يترك وراءه دولة أكثر ضعفاً وعدائية. وبينما أعادت باكستان الحديث عن قرب التوصل إلى «ترتيب»، توحي المواقف الإيرانية والأميركية بأن الصراع دخل مرحلة إدارة الاستنزاف، لا الاقتراب المؤكد من تسوية نهائية. المشكلة أن الحديث عن قرب الاتفاق تكرر مراراً، فيما كانت الهوة تتسع عند الانتقال من الصياغات العامة إلى التنفيذ. فالاتفاق الإيراني - العماني، الذي تقول طهران إنه بلغ «مراحله النهائية»، يتناول تحديد مسارات ملاحية جديدة، لكنه لا يعني تلقائياً إعادة فتح المضيق.

وتربط إيران فتح المضيق بإنهاء الحصار والعقوبات والتهديدات العسكرية ودفع تعويضات، فيما ترفض واشنطن منحها حق فرض رسوم أو قيود على الملاحة. كما تقول طهران إن المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة غير واردة ما دامت واشنطن تنتهك مذكرة التفاهم السابقة.

وعليه، قد يكون التفاؤل الباكستاني مؤشراً إلى تفاهم مرحلي بشأن الملاحة أو وقف التصعيد، لا إلى حل ملفات التعويضات والعقوبات والبرنامج النووي والقوات الأميركية في المنطقة. ويزيد تبادل المطالب بالتعويض صعوبة إيجاد صيغة تحفظ ماء الوجه: فبعدما طالبت إيران بأضرار الحرب، رد ترمب بالمطالبة بتعويض ضحايا قال إن طهران مسؤولة عن قتلهم، مضيفاً بذلك بنداً جديداً إلى أي مفاوضات مقبلة.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستقبل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)

الحصار بدل القصف

ويميل ترمب حالياً لخيار إبقاء الحصار البحري وتشديد العقوبات، وتجنب العودة الفورية إلى الحرب الشاملة. وحسب «وول ستريت جورنال»، أقنعه مسؤولون بأن الضغط المالي قد يكون، في هذه المرحلة، أكثر فاعلية من ضربات أظهرت نتائج محدودة في تغيير سلوك النظام. واختصر ترمب منطقه بالقول إن إيران «مفلسة»، فيما رأى السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز أن طهران تخشى وزير الخزانة سكوت بيسنت أكثر مما تخشى وزير الدفاع بيت هيغسيث. وتمنح هذه الاستراتيجية واشنطن وسيلة ضغط قابلة للاستمرار من دون تحمل مخاطر حملة جوية جديدة، وتتيح لترمب أن يواصل معاقبة إيران من دون توسيع الحرب. لكنها تفترض أن الوقت يعمل لمصلحة الولايات المتحدة، وهو افتراض غير محسوم.

ويعاني الاقتصاد الإيراني بالفعل انهيار العملة والتضخم وخسارة عائدات النفط، إلا أن طهران أثبتت استعدادها لنقل التكلفة إلى خصومها عبر مهاجمة السفن ومنشآت الطاقة واستخدام حلفائها في المنطقة. ويؤثر استمرار الأزمة أيضاً في الداخل الأميركي. فقد أظهر استطلاع لـ«أسوشييتد برس - نورك» أن 28 في المائة فقط من الأميركيين يوافقون على إدارة ترمب للحرب، بعدما كانت النسبة 34 في المائة قبل شهر. ومع اقتراب الانتخابات النصفية، وارتفاع أسعار الوقود، قد تصبح قدرة واشنطن على تحمل الاستنزاف السياسي والاقتصادي أقل من قدرة النظام الإيراني على تحمل الألم الداخلي، حتى لو كان أشد قسوة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مراسم توقيع الاتفاق الأميركي - الإيراني في قصر فرساي (أ.ف.ب)

خيار القوة باقٍ

يقول باتريك كلاوسن، مدير الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «جميع البدائل التي يواجهها ترمب غير مستساغة»، مشيراً إلى أن عملية صنع القرار لديه شخصية إلى حد بعيد، وأنه يستمع إلى عدد محدود من المستشارين وعدد أقل من الخبراء. لذلك لا يستبعد كلاوسن أن يوافق الرئيس، في أي لحظة، على حملة القصف التي تمتد أسبوعين والمنسوبة إلى قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر، أو أن يقرر ببساطة إبقاء الحصار والحملة الاقتصادية. ويستشهد كلاوسن بتقلب تعامل ترمب حتى مع الحلفاء؛ إذ وافقت إدارته بصورة مفاجئة على اتفاق للتعاون النووي المدني مع السعودية، المعروف باتفاق «123»، قبل أن يضيف الرئيس بعد أيام شرط الاعتراف بإسرائيل، وهو مطلب ترفضه الرياض منذ فترة طويلة. ويرى أن هذا الأسلوب قد يكون أشد تقلباً في التعامل مع إيران، إلى درجة أنه «لا أحد يعرف ما سيفعله ترمب، وربما هو نفسه لا يعرف بعد». ويرى دعاة التصعيد أن حملة قصيرة ومحددة يمكنها تدمير مزيد من المواقع النووية والصاروخية والبنية الصناعية، ثم العودة إلى الحصار. غير أن هذا الخيار لا يضمن فتح هرمز، وقد يدفع إيران إلى ضرب منشآت النفط والمياه والقواعد الأميركية. كما أن نقص بعض الصواريخ الاعتراضية والذخائر بعيدة المدى، واحتمال ارتفاع أسعار الطاقة، يجعلان «أسبوعين من القصف» مدخلاً محتملاً إلى مواجهة أطول، لا خاتمة محسوبة لها.

جندي أميركي من سلاح المدفعية يزوّد مولد منظومة «باتريوت» بالوقود في الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)

هرمز و«التعايش» القسري

الخيار الثالث هو قبول اتفاق محدود يعيد الملاحة مقابل قدر من الإشراف الإيراني، وتأجيل القضايا الكبرى. دول المنطقة لا ترحب بهذه النتيجة، لكنها تبدو أكثر تحفظاً من حرب جديدة. وقد تراجعت حركة الملاحة عبر المضيق الاثنين إلى ست سفن فقط، مقارنة بنحو 130 إلى 140 سفينة يومياً قبل الحرب، بما يكشف الفارق بين إعلان ترمب أن البحرية الأميركية «تسيطر» على هرمز وبين القدرة الفعلية على ضمان المرور التجاري. ومع ذلك، لا يعد ذلك تسليماً بسيادة إيرانية قانونية على المضيق، بل يعد تعايشاً مؤقتاً مع قدرة طهران على تعطيله. فالطرق البديلة، تعرضت هي الأخرى لتهديدات وهجمات، ما أبقى لإيران «حق النقض» عملياً على جزء من صادرات المنطقة.

ويحذر كلاوسن من أن قبول بعض الشروط الإيرانية قد يدفع طهران إلى إضافة شروط أخرى، لأنها تعتقد أن ترمب عُرضة لمزيد من الضغط. ويلفت إلى أن إيران تجاوزت بالفعل ما ورد في مذكرة التفاهم، بإضافة الاعتذار والتعويضات والمطالبة بانسحاب القوات الأميركية. كما يوضح أن صندوق الـ300 مليار دولار الوارد في المذكرة فُهم أميركياً بوصفه استثمارات في إيران، لا تعويضات، وأن بند القوات فسرته واشنطن بوصفه منعاً لحشد جديد قرب إيران، لا انسحاباً من المنطقة. أما خيار إعلان النصر والابتعاد، حتى من دون اتفاق نووي، فقد يخفف العبء السياسي عن ترمب، لكنه لن ينهي الأزمة ما دام هرمز قابلاً للإغلاق وإيران قادرة على التصعيد. ولهذا تبدو النتيجة الأرجح مزيجاً من الحصار والعقوبات والتفاوض غير المباشر، مع إبقاء الضربات ورقة احتياط. وهو ما يلخصه كلاوسن بالقول إنها مواجهة طويلة سواء أمر ترمب بحملة جديدة أم لم يفعل؛ فالقرار المتاح ليس كيفية تحقيق نصر سريع، بل أي تكلفة يختار تحملها، وأي تكلفة يستطيع نقلها إلى إيران وحلفائه وناخبيه.


موافقة البرلمان التركي على «قانون السلام» تثير تساؤلات عن المرحلة المقبلة

نواب في البرلمان التركي يحتفلون بالانتهاء من إقرار «القانون الإطاري للسلام» عقب جلسة مناقشة وتصويت مطولة عقدت الاثنين (رويترز)
نواب في البرلمان التركي يحتفلون بالانتهاء من إقرار «القانون الإطاري للسلام» عقب جلسة مناقشة وتصويت مطولة عقدت الاثنين (رويترز)
TT

موافقة البرلمان التركي على «قانون السلام» تثير تساؤلات عن المرحلة المقبلة

نواب في البرلمان التركي يحتفلون بالانتهاء من إقرار «القانون الإطاري للسلام» عقب جلسة مناقشة وتصويت مطولة عقدت الاثنين (رويترز)
نواب في البرلمان التركي يحتفلون بالانتهاء من إقرار «القانون الإطاري للسلام» عقب جلسة مناقشة وتصويت مطولة عقدت الاثنين (رويترز)

طرحت موافقة البرلمان التركي على قانون «تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي» أو ما يعرف بـ«القانون الإطاري لعملية السلام» المستندة إلى حل «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته، كثيراً من التساؤلات بشأن الخطوات التي ستُتخذ في المرحلة المقبلة وطبيعة التحرك من أجل تعزيز الديمقراطية والاندماج في البلاد.

وأقر البرلمان القانون بتأييد 467 نائباً، مقابل رفض 87، وامتناع 7 نواب عن التصويت؛ من بين 562 حضروا مناقشة مشروع القانون في جلسة عقدت الاثنين واستغرقت نحو 12 ساعة، في يوم وُصف بأنه «تاريخي» ينهي نحو نصف قرن من الصراع المسلح مع «العمال الكردستاني» الذي كبد تركيا خسائر بشرية ومادية ضخمة.

استعدادات أمنية

وفي أول خطوة من جانب الدولة التركية، سيعقد وزير الداخلية، مصطفى تشيفتشي، الأربعاء، اجتماعاً تنسيقياً عبر «الفيديو كونفرنس» مع جميع الولاة وقادة الشرطة وقوات الدرك في ولايات تركيا الـ81، بمشاركة رئيس البرلمان، نعمان كورتولموش؛ لمناقشة المرحلة الجديدة من «عملية تركيا خالية من الإرهاب»، التي يسميها الجانب الكردي «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي».

وذكر بيان من وزارة الداخلية أن الاجتماع سيناقش الخطوات التي ستُتخذ في إطار «العملية»؛ بما في ذلك الاندماج الاجتماعي، وإعادة التأهيل، وتعزيز النظام العام بفاعلية، والمشكلات المحتملة التي قد يواجهها الولاة وأجهزة إنفاذ القانون ميدانياً، والتعامل مع الاستفزازات المحتملة، وموجات التضليل، والجماعات التي قد تسعى إلى تقويض «العملية».

رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش (حساب البرلمان على إكس)

بدوره، عدّ كورتولموش أن هدف «تركيا خالية من الإرهاب» يمثل في الوقت نفسه «بناء نموذج وطني تركي» يستند إلى الإرادة السياسية للبلاد وقوة البرلمان دون الحاجة إلى طرف ثالث. ووصف إقرار القانون بأنه «خطوة تاريخية»، معرباً عن ثقته بأن الإرادة التي أظهرها البرلمان «ستشكل أساس بداية تاريخية لبناء تركيا في القرون المقبلة».

مخاوف من توجهات «الكردستاني»

في غضون ذلك، أثار البيان الذي أصدره «حزب العمال الكردستاني»، أو ما أصبح يُعرف بـ«حركة حرية كردستان»، عشية جلسة البرلمان لمناقشة مشروع «القانون الإطاري»، جدلاً حاداً بشأن مآرب «القانون»، لا سيما مطالبة «الحزب» بالعودة إلى «معاهدة سيفر» الموقعة في 10 أغسطس (آب) 1920، التي تضمنت تخلي الدولة العثمانية عن جميع الأراضي التابعة لها التي يقطنها غير الناطقين باللغة التركية، التي ألغتها «معاهدة لوزان» الموقعة عام 1923، وفجر غضباً في أوساط الأحزاب التركية.

وخلال كلمته في الجلسة البرلمانية، توجه رئيس حزب «الجيد» القومي، مساوات درويش أوغلو، بسؤال إلى الحكومة، قائلاً: «ما مصدر إصراركم على إجبار البرلمان على العمل خارج ساعات دوامه المعتادة، وإرجاء عطلته الصيفية، وإقرار هذا القانون يوم 10 أغسطس؛ ذكرى توقيع (معاهدة سيفر)؟ إلى من توجهون هذه الرسالة؟ هل تظنون أن هذه الأمة غافلة؟».

أوزيل خلال إلقائه كلمته في الجلسة البرلمانية (حساب حزب الجديد على إكس)

كما كان من النقاط التي ركز عليها، على وجه التحديد، حزب «الجديد»؛ حزب المعارضة الرئيسي بقيادة أوزغور أوزيل، بوصفها خطوطاً حمراء «معاهدة لوزان» و«وحدة تركيا»، فضلاً عن «عدم تضمين القانون أي مواد تتعلق بالديمقراطية»؛ ولذلك صوت 35 نائباً فقط من نواب الحزب البالغ عددهم 91، بينما رفضه 54، مع امتناع نائبين عن التصويت.

قضية الديمقراطية

يُحقق القانون التوصيات الواردة في التقرير الذي اعتمدته «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» في 18 فبراير (شباط) الماضي، بشأن حلّ «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته وإعادة دمج أعضائه في المجتمع، لكنه لا ينصّ على الإفراج المشروط عن أعضاء «الحزب» أو المسجونين والمدانين بتهم تتعلق بحرية التعبير، ولا يتضمن أي بنود لتنفيذ التوصيات الخاصة بالتزام قرارات المحكمة الدستورية التركية و«محكمة حقوق الإنسان الأوروبية» وما يتعلق بالديمقراطية.

جانب من التصويت على مشروع «القانون الإطاري للسلام» في البرلمان التركي (رويترز)

وسيستفيد نحو 4 آلاف من أعضاء «الحزب» في سجون تركيا من القانون، ويستثنى المدانون بجرائم يعاقَب عليها بـ«السجن المؤبد» أو «السجن المؤبد المشدد»، والمدانون بالقتل العمد في إطار أنشطة «الحزب»، المرتكبة قبل 1 يونيو (حزيران) 2005، ولذلك يقول خبراء قانونيون إن النص على تأجيل المحاكمات والملاحقات القضائية، هو «عفو عام مقنع».

وحذر أستاذ القانون الجنائي البارز، عزت أوزغينتش، بأن القانون بالصيغة التي أُقر بها سيجر إلى حالة من الفوضى العارمة.

وأكد أستاذا القانون، أحمد كيليتش أوغلو وتولغا شاهين، أن عدم شمول أحكام التأجيل بعضَ المجرمين الذين يرتكبون جرائم مماثلة يتعارض مع مبدأ المساواة الذي كفله الدستور.

نواب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» رافعين علامة النصر بعد التصويت لمصلحة «القانون الإطاري للسلام» بالبرلمان التركي (أ.ف.ب)

ويسود اعتقاد بأن أوجلان وحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» قد حققا جميع مطالبهما من خلال هذا «القانون»، الذي حظي بتأييد 467 نائباً، وهذا يعدّ غالبية كافية لتغيير الدستور، في سابقة لم يشهدها البرلمان، مع مخاوف من أن يكون ذلك قد استلزم عقد اتفاقيات وتقديم وعود سرية، بما في ذلك دعم تعديل الدستور؛ مما قد يُؤدي إلى مزيد من التراجع الديمقراطي.

وفجّر الدعم الكبير للقانون في البرلمان تساؤلات عمّا إذا كان حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» سيواصل العمل في الإطار المرسوم بقانون الأحزاب الذي لا يعطي أهمية لإرادة الناخبين ويحول الأحزاب المركزية إلى «مؤسسات أبوية»، أم ستكون هناك تشكيلات ديمقراطية مختلفة، لا سيما أنه يمكن القول الآن إن الحزب بمقاعده الـ56 في البرلمان، مع أوجلان، يحتلان موقعاً محورياً فيما يتعلق بالدستور أو التعديلات الدستورية، بعد تمرير «القانون الإطاري» بأصوات 467 نائباً.


رئيس سابق لـ«الموساد»: جواسيس «تجولوا» في منشأة نووية إيرانية

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يسار) إلى جانب يوسي كوهن الذي عُين رئيساً لـ«الموساد» من قبل نتنياهو... 7 ديسمبر 2015 (أرشيفية - غيتي)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يسار) إلى جانب يوسي كوهن الذي عُين رئيساً لـ«الموساد» من قبل نتنياهو... 7 ديسمبر 2015 (أرشيفية - غيتي)
TT

رئيس سابق لـ«الموساد»: جواسيس «تجولوا» في منشأة نووية إيرانية

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يسار) إلى جانب يوسي كوهن الذي عُين رئيساً لـ«الموساد» من قبل نتنياهو... 7 ديسمبر 2015 (أرشيفية - غيتي)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يسار) إلى جانب يوسي كوهن الذي عُين رئيساً لـ«الموساد» من قبل نتنياهو... 7 ديسمبر 2015 (أرشيفية - غيتي)

قال يوسي كوهين، الرئيس السابق لجهاز «الموساد» الإسرائيلي، الثلاثاء، إنَّ جواسيس الجهاز زاروا منشأة فوردو النووية الإيرانية «مرات كثيرة» في الماضي لفهمها بصورة أفضل.

وفي يونيو (حزيران) من العام الماضي، شنَّت إسرائيل حرباً على خصمها اللدود، إيران، معلنة أنَّ هدفها إضعاف برنامجَي طهران النووي، والصاروخي الباليستي، اللذين قالت إنهما يشكِّلان «تهديداً وجودياً».

وانضم الجيش الأميركي لفترة وجيزة إلى إسرائيل خلال الصراع الذي استمرَّ 12 يوماً، واستخدم طائراته المُتطوِّرة لقصف 3 منشآت نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان.

ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن كوهين، الذي ترأس «الموساد» بين عامَي 2015 و2021، قوله خلال مؤتمر للسلطات المحلية، الثلاثاء: «تجوَّلنا في موقع فوردو النووي مرات كثيرة لفهمه».

ولم يوضِّح كوهين على وجه الدقة متى جرت تلك الزيارات أو مَن قام بها.

وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية، أضاف كوهين أن «قصف الأميركيِّين للموقع حقَّق كل أحلامي».

وشكَّل البرنامج النووي الإيراني منذ فترة طويلة نقطة خلاف رئيسية بين طهران والغرب، بما في ذلك خلال المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب الحالية التي شنَّتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في فبراير (شباط).

وتنفي طهران سعيها إلى إنتاج قنبلة نووية.

ورُبط اسم كوهين بعملية قتل العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده التي نفَّذتها إسرائيل عام 2020، رغم أنَّ إسرائيل لم تعلق على الحادثة.

وبعد انتهاء ولايته على رأس الجهاز، ظلَّ كوهين حاضراً في المشهد العام، وأدلى بمقابلات متكرِّرة لوسائل الإعلام الإسرائيلية، ولوَّح مراراً باحتمال خوض غمار السياسة، وهو ما لم يحدث حتى الآن.