«المرتزقة»... عقدة أمنية تثقل المشهد الليبي وتصدر الأزمات

تقرير أممي تحدث عن استمرار المقاتلين السوريين وعبور كولومبيين للسودان

مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
TT

«المرتزقة»... عقدة أمنية تثقل المشهد الليبي وتصدر الأزمات

مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)

يرسخ ملف المرتزقة والمقاتلين الأجانب في ليبيا حضوره بوصفه من أبرز العقد الأمنية التي تثقل المشهد الداخلي، ليس فقط لكون البلاد وجهة لاستقرار مقاتلين سوريين ومن جنسيات أخرى، بل أيضاً لأنها ممر عبور وقاعدة عمليات تمتد تداعياتها إلى بؤر نزاع إقليمية، لا سيما في السودان.

ولطالما أشارت تقارير دولية متكررة، أبرزها وأحدثها مسودة تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة حول ترسخ هذا الدور، وهو ما يعكس تشابك الساحة الليبية مع محيطها الإقليمي. كما يعد الخبراء ليبيا محوراً نشطاً في حركة المقاتلين الأجانب، ليصبح هذا الواقع جزءاً من منظومة صراع أوسع تتقاطع فيها خطوط الإمداد والتحالفات العسكرية العابرة للحدود.

ويتزامن ذلك مع عجز مستمر عن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، الموقع في جنيف عام 2020، الذي نصّ على إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة بحلول يناير (كانون الثاني)2021، ما يظهر استمرار الوجود الأجنبي، وتعمقه في موازين القوى الداخلية، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على الاتفاق.

* أكثر من 7 آلاف مقاتل سوري

تعزز فئة المقاتلين السوريين وجودها بوصفها عنصراً مؤثراً داخل المشهد الأمني، حيث تنتشر في غرب ليبيا، خصوصاً في العاصمة طرابلس، وفي مواقع عسكرية وأمنية بارزة، بينها معسكر التكبالي ومعسكر صلاح الدين، ومنطقة أبو سليم وقاعدة اليرموك، إضافة إلى مدينة مصراتة، حسب مسودة التقرير الأممي.

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر خلال لقاء مع السفير التركي غوفين بيجيتش في بنغازي الاثنين (إعلام الجيش الوطني)

ولم يحدد الخبراء الأمميون أعداد هؤلاء المرتزقة بدقة، غير أن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» يقدر عددهم في طرابلس سابقاً بأكثر من 7 آلاف، فرّ نحو 3 آلاف منهم، وتحولوا إلى لاجئين في شمال أفريقيا وأوروبا.

ولا يقتصر دور هؤلاء على التمركز في ليبيا حسب مسودة التقرير، بل شاركوا فعلياً في مواجهات مسلحة، من بينها الاشتباكات التي وقعت في مايو (أيار) 2025 إثر مقتل قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» عبد الغني الكيكلي، كما جرى الدفع بهم مجدداً مع تصاعد التوترات، في إطار اعتماد الفصائل المسلحة على عناصر أجنبية، بوصفها «مضاعفات قوة» جاهزة للتدخل السريع.

وتعود جذور هذا الحضور الأجنبي إلى ذروة الصراع على طرابلس عام 2019، حين دفعت تركيا بمقاتلين سوريين من فصائل معارضة، أبرزها فصيل «السلطان مراد»، بموجب تفاهمات مع حكومة «الوفاق» السابقة، برئاسة فائز السراج، لدعم صد هجوم قوات الجيش الوطني على العاصمة.

ومنذ توقف العمليات العسكرية، لم يطرأ تغيير جوهري على تموضع هذه القوات، لتصبح مع مرور الوقت من الثوابت في المشهد الأمني الليبي.

ولا يتوقف الاعتماد على المقاتلين السوريين على غرب البلاد، بل يمتد أيضاً إلى شرق وجنوب ليبيا الخاضعة لسيطرة «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، حيث ترصد المعطيات الأممية وجودهم في مواقع استراتيجية، من بينها قاعدة معطن السارة الجوية، التي شهدت تعزيزات لدعم عناصر سبق ارتباطها بشبكات «فاغنر».

رئيس الأركان التركي خلال زيارة سابقة لمركز قيادة العمليات في طرابلس (وزارة الدفاع التركية)

ويرى الباحث المتخصص في الشأن الليبي، جلال حرشاوي، أن ملف المرتزقة لا يزال عقدة عالقة ومرشحة للاستمرار، مشيراً إلى أن ليبيا تضم مئات المرتزقة من جنسيات متعددة، من بينها روسيا وتشاد وسوريا، وأن وجودهم ليس طارئاً بل يمتد لسنوات، حيث استقر بعضهم منذ أكثر من خمس سنوات.

ويقول حرشاوي لـ«الشرق الأوسط»: «اللافت ليس ازدياد أعدادهم، بل ثباتها النسبي، ويستبعد مغادرتهم في المدى القريب»، مؤكداً أن خروج المرتزقة لن يحدث ما لم ينتهِ الانقسام الليبي.

* ليبيا نقطة لنقل المقاتلين إلى جبهات بالخارج

رغم هذا التمركز، فإن الأبعاد الإقليمية تفرض نفسها على الملف، إذ توثق المسودة الأممية استخدام الأراضي الليبية نقطة انطلاق لنقل مقاتلين إلى ساحات قتال خارجية.

وتشير المعطيات الأممية إلى أن مقاتلين من كولومبيا عبروا ليبيا في طريقهم إلى «قوات الدعم السريع» في السودان، مستفيدين من تسهيلات لوجيستية في مناطق تحت نفوذ الجيش الوطني، فيما اختصت مدينة الكفرة بمحور رئيسي ضمن هذا المسار، حسب تقديرات خبراء الأمم المتحدة.

في هذا السياق يقول حرشاوي: «يعبر الكولومبيون ليبيا إلى السودان لكنهم لا يقيمون فيها، غير أن هذا المرور يطرح معضلة أمنية إقليمية أوسع، إذ يحوّل الأراضي الليبية إلى معبر مفتوح لشبكات نقل المقاتلين الأجانب، مما يغذي تداخل مسارات النزاعات، وتدويرها عبر الإقليم».

ويشير التقرير الأممي إلى أن القوات المسلحة السودانية نفذت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 غارات جوية داخل الأراضي الليبية، استهدفت شحنات لمركبات ومقاتلين أجانب، في محاولة لقطع خطوط الإمداد الداعمة لخصومها.

ورغم تكرار الاتهامات للجيش الوطني الليبي، خلال العامين الماضيين، بتقديم دعم لأطراف في النزاع السوداني، فقد دأبت السلطات في شرق ليبيا على نفي أي ضلوع لها في الحرب الأهلية التي اندلعت في 15 أبريل (نيسان) 2023 بين القوات المسلحة السودانية، بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو.

وسبق أن أكد رئيس أركان «الجيش الوطني» الليبي، الفريق أول خالد حفتر، أن «الصراع في السودان شأن داخلي»، وأن مهمتهم تقتصر على تأمين الحدود، دون التدخل في شؤون الدول المجاورة.

في المقابل، أبعد ملف المرتزقة الأجانب في ليبيا فيما يبدو عن أجندة تحركات المجتمع الدولي ودوله المتدخلة في الشأن الليبي، وتحول أحياناً إلى صيغة بروتوكولية دون صدى على الأرض، حسب محللين.

ولا يجد المحلل السياسي حسام الدين العبدلي تفسيراً لتراجع الاهتمام بهذا الملف، سوى بوصفه «انعكاساً لغياب إرادة دولية حقيقية للحل». ويشير إلى أن استمرار وجود المرتزقة ومرورهم عبر ليبيا لا يمكن نسبته فقط إلى قادة البلاد والمتحكمين في المشهد المحلي، مرجحاً وجود «أطراف إقليمية ودولية ضالعة في هذا الملف، ما يعقد الجهود الرامية إلى إخراج هؤلاء المقاتلين».

المبعوثة الأممية هانا تيتيه (غيتي)

وسبق أن وصفت المبعوثة الأممية هانا تيتيه هذا الملف في أغسطس (آب) الماضي بأنه «من أهم الجوانب، وأكثرها تحدياً في استعادة الاستقرار والأمن في البلاد»، مؤكدة أن بعثة الأمم المتحدة «تعمل باستمرار على معالجة هذه الظاهرة، رغم تعقيدها».


مقالات ذات صلة

ليبيا: انتقادات لقرار رفع رواتب الموظفين في ظل تصاعد الغلاء

شمال افريقيا الدبيبة خلال اجتماع مع قيادات نقابة المعلمين الليبية في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)

ليبيا: انتقادات لقرار رفع رواتب الموظفين في ظل تصاعد الغلاء

لم يضع قرار حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا برفع رواتب موظفي الدولة حداً للاحتجاجات والانتقادات لتردي الأوضاع المعيشية

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

رئاسة عبد النبي للبرلمان الليبي تعمّق خلافات النواب

عمّق انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً لمجلس النواب الليبي، خلفاً لعقيلة صالح، خلافات داخل المؤسسة التشريعية، بعدما رفض عدد من النواب نتائج جلسة بنغازي.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا من اجتماع لجنة المصالحة في الجنوب الليبي الثلاثاء (المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان)

«الجيش الوطني» لاحتواء خلافات قبلية محدودة بالجنوب الليبي

أقر «الجيش الوطني الليبي» تشكيل لجنة للمصالحة في جنوب البلاد بهدف احتواء الخلافات الفردية والمحدودة التي تنشأ بين أبناء قبائل إقليم فزان

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مشاورات بين مسؤولين مصريين وإيطاليين في روما يناير الماضي (وزارة الخارجية المصرية)

مصر وإيطاليا تشددان على مشاركة الأطراف كلها بالحل الليبي

بدا الموقفان المصري والإيطالي أكثر تمسكاً بضرورة إشراك الأطراف الليبية كلها في أي مسار يستهدف إنهاء الأزمة وإجراء الانتخابات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الصالحين عبد النبي عضو مجلس النواب المنتخب رئيساً له (صفحة عبد الله بليحق المتحدث باسم المجلس)

«النواب» الليبي يطوي صفحة صالح وينتخب عبد النبي رئيساً

طوى مجلس النواب الليبي مرحلة المستشار عقيلة صالح برئاسته الممتدة منذ 2014، بانتخاب النائب الصالحين عبد النبي رئيساً جديداً للمجلس في جلسة عقدت ببنغازي.

جمال جوهر (القاهرة)

النيابة المصرية تتهم صحافيي «متصدقش» بالتبعية لـ«الإخوان»

مقر النيابة المصرية (صفحة النيابة على «فيسبوك»)
مقر النيابة المصرية (صفحة النيابة على «فيسبوك»)
TT

النيابة المصرية تتهم صحافيي «متصدقش» بالتبعية لـ«الإخوان»

مقر النيابة المصرية (صفحة النيابة على «فيسبوك»)
مقر النيابة المصرية (صفحة النيابة على «فيسبوك»)

اتهمت النيابة العامة المصرية، الأربعاء، صحافيي منصة «متصدقش» الإلكترونية بالتبعية للجنة الإعلامية لجماعة «الإخوان» المصنفة «إرهابية»، وأمرت بحبس ستة منهم احتياطياً على ذمة التحقيقات.

كانت قوات الأمن قد ألقت، يومَي 28 و29 سبتمبر (أيلول) الماضي، القبض على ستة من صحافيي منصة «متصدقش»، المعنية بالتحقق من مصادر البيانات والأخبار. وقالت المنصة وقتها إن الصحافيين «يمثلون كل فريق التحرير في غرفة الأخبار».

وذكرت وزارة الداخلية آنذاك أن «تحرياتها توصلت إلى أن المنصة ضمن اللجان الإعلامية التابعة لجماعة (الإخوان) الإرهابية، ويديرها إخواني هارب بالخارج يدعى عبد الرحمن منصور، ويعاونه داخل البلاد عدد من العناصر الإخوانية الذين يضطلعون بإعداد الأخبار المغلوطة والمفبركة».

وقالت النيابة العامة في بيان، الأربعاء، إن «التحريات أفادت بأن قيادات بجماعة (الإخوان) الهاربة خارج البلاد أصدرت تكليفات لعدد من كوادرها بإنشاء وإدارة صفحات ومنصات إلكترونية، بهدف نشر شائعات وأخبار وبيانات كاذبة والتشكيك في أداء مؤسسات الدولة ومسؤوليها، بما يسهم -وفق التحريات- في دفع المواطنين إلى التظاهر والتجمهر».

واتهمت النيابة المنصة بأنها «تُعد إحدى المنصات الإعلامية للجماعة، وتُدار من خارج البلاد بمشاركة عدد من أعضائها في الداخل، من بينهم أحد المقيدين بنقابة الصحافيين».

ووفق البيان، أقر أحد المتهمين خلال التحقيقات «بانضمامه والمتهمين المضبوطين وآخرين إلى اللجنة الإعلامية لجماعة (الإخوان)، والعمل بالصفحة محل القضية، التي يتولى مسؤوليتها أحد أعضاء الجماعة الهاربين خارج البلاد، وعقد لقاءات تنظيمية مع المسؤول عن الصفحة تلقوا خلالها تكليفات بنشر شائعات وأخبار كاذبة تتعلق بمؤسسات الدولة ومسؤوليها، إلى جانب إبراز أوجه القصور والتقصير، وتصعيد بعض المشكلات الفئوية وتضخيمها».

وحسب البيان، «أنكر باقي المتهمين انضمامهم إلى جماعة (الإخوان)، باستثناء أحدهم الذي أقر بانضمامه إليها سابقاً قبل أن ينفصل عنها».

وفيما يتعلق بمزاعم عن تعرض المتهمين لانتهاكات بدنية، قالت النيابة العامة: «لم يثبت وجود إصابات ظاهرة بأي من المتهمين»، وإنها أحالت «ثلاثة ممن ادعوا تعرضهم لاستعمال القسوة إلى مصلحة الطب الشرعي، والتي انتهت إلى خلوهم من الإصابات وعدم وجود علامات تدل على استعمال العنف بحقهم».

واختتمت النيابة بيانها بالإعلان عن قرار حبس المتهمين احتياطياً على ذمة التحقيقات، مع استمرار استكمال الإجراءات القانونية في القضية.

وكان مجلس نقابة الصحافيين قد قرر الاثنين الماضي «التقدم ببلاغ إلى النائب العام بشأن ما أُثير عن تعرض الموقوفين لانتهاكات بدنية خلال فترة احتجازهم، وإجبارهم على الإدلاء بتصريحات أو تسجيلات على غير الحقيقة، مع إثبات بطلان أي اعترافات أُخذت تحت الإكراه»، حسب بيان النقابة.

وشكَّلت النقابة لجنة دائمة برئاسة النقيب لمتابعة القضية، مطالبةً بالإفراج عنهم بضمان النقابة، أو بأي ضمانات أخرى تراعي حداثة أعمار بعضهم وقلة خبراتهم.


رهان مصري - كوري على شراكة أوسع

الرئيس المصري شدّد الأربعاء على أهمية قيام الشركات الكورية بالنظر في توسيع استثماراتها (صفحة الرئاسة على «فيسبوك»)
الرئيس المصري شدّد الأربعاء على أهمية قيام الشركات الكورية بالنظر في توسيع استثماراتها (صفحة الرئاسة على «فيسبوك»)
TT

رهان مصري - كوري على شراكة أوسع

الرئيس المصري شدّد الأربعاء على أهمية قيام الشركات الكورية بالنظر في توسيع استثماراتها (صفحة الرئاسة على «فيسبوك»)
الرئيس المصري شدّد الأربعاء على أهمية قيام الشركات الكورية بالنظر في توسيع استثماراتها (صفحة الرئاسة على «فيسبوك»)

شهدت أول زيارة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى سول منذ 10 أعوام تأكيدات على تعزيز العلاقات وتوسيع الشراكة بين البلدين.

وفي مستهل زيارته، شارك السيسي، الأربعاء، في مائدة مستديرة مع رؤساء كبريات الشركات وممثلي مجتمع الأعمال بجمهورية كوريا الجنوبية، شاركت فيها 23 شركة، وفق بيان للرئاسة المصرية.

وأكّد السيسي «تطلع مصر لمواصلة العمل المشترك مع الجانب الكوري من أجل الارتقاء بها إلى مستويات أكثر طموحاً واتساعاً»، مشيراً إلى «وجود إرادة سياسية مصرية قوية لتعزيز التعاون مع كوريا والانطلاق بها نحو آفاق أرحب، ولا سيما مجالات الاقتصاد، والاستثمار، والتصنيع، والتكنولوجيا».

كما أعرب الرئيس المصري عن التطلع إلى «تعزيز التعاون مع جمهورية كوريا في عدد من المشروعات ذات الأولوية الاستراتيجية»، وجدّد الدعوة لإنشاء منطقة صناعية كورية متكاملة داخل نطاق الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وقال إن هذه المنطقة يمكن أن تصبح مركزاً إقليمياً للإنتاج والتصدير للشركات الكورية، «ليس لتلبية احتياجات السوق المصرية الكبيرة فقط، وإنما أيضاً للنفاذ إلى الأسواق الإقليمية والعالمية، مستفيدة من شبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي تربط مصر بالدول الأفريقية، والاتحاد الأوروبي، والدول العربية».

واستحثّ الرئيس المصري الشركات الكورية على النظر في توسيع استثماراتها في مجالات البترول والغاز والتعدين والاستفادة من الفرص المتاحة في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة والنظيفة، بما في ذلك الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر والشبكات الذكية وتقنيات تخزين الطاقة.

كما أشار إلى وجود إمكانات كبيرة لإقامة شراكات بين الشركات المصرية والكورية لتنفيذ مشروعات مشتركة للتشييد والبناء والبنية التحتية في الدول العربية والأفريقية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال وصوله إلى قاعدة سول الجوية مساء الثلاثاء (صفحة الرئاسة على «فيسبوك»)

ووفق بيان الرئاسة، الأربعاء، شهدت الجلسة نقاشاً تفاعلياً مع مجتمع الأعمال الكوري الجنوبي، حيث تم التباحث حول فرص تنفيذ شراكات استراتيجية ومستدامة بين البلدين.

ويرى مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي أن «العلاقات المصرية - الكورية الجنوبية مرشحة للانطلاق بقوة مع تلك الزيارة، وما شملها من مساعٍ لتوسيع الشراكة بين البلدين لآفاق أرحب، سواء على مستوى المشروعات أو الاستثمارات».

وتملك كوريا الجنوبية، وفق حجازي، «كل مقدرات التكنولوجيا التي تكفل لها تقديم كل ما تحتاجه مصر وأفريقيا؛ وفي ظل الاضطرابات بالمنطقة سيكون هناك اهتمام من سول ودول بحجم الصين وإندونيسيا وماليزيا للاستثمار في مصر وعبرها».

وتأتي الزيارة ضمن جولة آسيوية تشمل كذلك ماليزيا وإندونيسيا، بحسب بيان للرئاسة المصرية، الثلاثاء، وتجيء في ظل ظروف حرجة بالمنطقة واضطرابات بسلاسل الإمدادات.

الرئيس المصري يشارك في مائدة مستديرة مع رؤساء كبريات الشركات في كوريا الجنوبية الأربعاء (صفحة الرئاسة على «فيسبوك»)

ورحّب الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ بزيارة السيسي، قائلاً عبر حسابه بمنصة «إكس»: «يسعدنا للغاية أن يزورنا الرئيس المصري كضيف عزيز في جمهورية كوريا للمرة الأولى منذ 10 أعوام».

وأضاف: «ألتقي بالرئيس المصري مجدداً في سول بعد الحوار الصريح الذي جمعنا في القاهرة العام الماضي، ما يجعل هذا اللقاء أكثر أهمية ومعنى. وآمل أن تتضافر معجزة نهر الهان ومعجزة نهر النيل معاً لتعزيز الرخاء المشترك بدرجة أكبر لكلا البلدين».

ويرى مساعد وزير الخارجية الأسبق أن جولة السيسي «تعبير عن إدراك مصر لأهمية العمق الآسيوي في سياساتها الخارجية، وترجمة مباشرة للاستفادة من الشراكة الاستراتيجية الاقتصادية الشاملة بين الجانبين، ووضعها موضع التنفيذ في جوانب عدة».

وبحسب «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في مصر، فإن قيمة التبادل التجاري مع كوريا الجنوبية بلغ 874 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، مقابل 920 مليون دولار خلال نفس الفترة من عام 2025.

وتعود آخر زيارة للرئيس السيسي إلى كوريا الجنوبية إلى مارس (آذار) 2016، حين أجرى في سول محادثات مع الرئيسة الكورية آنذاك بارك غيون هي؛ حيث شهد الجانبان توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، إضافة إلى الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الشاملة.


الحديث عن «قوات إريترية» في «تيغراي» يفاقم التوتر مع إثيوبيا

طفلة على سرير المستشفى بجوار والدها في مستشفى «أيدر» جراء القصف في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
طفلة على سرير المستشفى بجوار والدها في مستشفى «أيدر» جراء القصف في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

الحديث عن «قوات إريترية» في «تيغراي» يفاقم التوتر مع إثيوبيا

طفلة على سرير المستشفى بجوار والدها في مستشفى «أيدر» جراء القصف في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
طفلة على سرير المستشفى بجوار والدها في مستشفى «أيدر» جراء القصف في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

يشهد ميدان اشتباكات «جبهة تحرير تيغراي» والحكومة الفيدرالية الإثيوبية تطورات متلاحقة، وسط حديث عن ظهور قوات إريترية بشمال الإقليم، نفاه مصدر إريتري مسؤول، ما ينذر بالتحول إلى حرب إقليمية أوسع.

تلك الأحاديث المتزامنة مع استمرار الاشتباكات في إقليم تيغراي، تحمل، بحسب خبير إثيوبي في الشؤون الأفريقية تحدث إلى «الشرق الأوسط»، نذير صدام بين إثيوبيا وإريتريا وتوسيع دائرة الصراع بالمنطقة واستمرار المواجهات بشمال البلاد.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، عن شهود عيان أن «قوات إريترية انتشرت في الأيام الأخيرة حول مدينة أديغرات في شمال إقليم تيغراي، وهي منطقة قريبة من إريتريا، ويبدو أن القوات الإثيوبية تتجه نحوها، وذلك في ظل تصاعد الاتهامات المتبادلة بين إثيوبيا وإريتريا».

وأشار كذلك مسؤول محلي وسكان إلى وجود قوات إريترية في أديغرات التي تبعد نحو 40 كيلومتراً إلى الجنوب من الحدود الإريترية، وقالوا إن بعض هذه القوات تتجه جنوباً نحو ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي التي كانت القوات الفيدرالية الإثيوبية وميليشيا متحالفة معها من تيغراي قد سيطرتا عليها، السبت، من دون قتال بعد انسحاب متمردي «جبهة تحرير شعب تيغراي» منها، بحسب الوكالة.

ونقلت الوكالة عن مسؤول محلي في أديغرات، طلب عدم كشف هويته، أن «هناك جنوداً إريتريين في أديغرات منذ أربعة أيام، والسكان قلقون للغاية».

كما أفاد شاهد عيان بأنه رأى قوات «ترتدي زياً عسكرياً إريترياً» تتجه جنوباً على الطريق الرئيسي في أديغرات، وقال آخر إن «قوات إريترية تحمل أسلحة ثقيلة على متن شاحنات كبيرة ومركبات دورية وآليات أخرى كانت تتجه نحو بلدة إداغا حموس، الواقعة على بعد نحو 20 كيلومتراً جنوبي المدينة».

ورداً على ذلك، نفى مصدر إريتري مسؤول لـ«الشرق الأوسط» وجود قوات لبلاده في إقليم تيغراي، لكنه لم يستبعد الصدام مع إثيوبيا لو مسَّت حدود بلاده.

وقال المصدر، الذي فضَّل عدم ذكر اسمه: «لا قوات إريترية في تيغراي، ولكن الاحتكاك والصدام وارد، إذا تم المساس بالحدود الإريترية، فهذا طبيعي».

وأضاف: «إريتريا مستعدة للدفاع عن نفسها، لكن لا تعتدي على أي حد»، لافتاً إلى أن خطاب تنصيب رئيس الوزراء آبي أحمد لولاية جديدة، الاثنين، تضمن تهديداً صريحاً بالحرب ضد أسمرة عندما أكد أن إثيوبيا ستصل إلى منفذ بحري.

وأشار المصدر إلى أن مثل هذه الأحاديث تستهدف إبعاد الأنظار عن الاشتباكات الدائرة بين الحكومة الإثيوبية و«جبهة تحرير تيغراي»، خاصة أن الحكومة لم تحسم بعد الصراع لصالحها.

عناصر من الجيش الإثيوبي أمام مطار «ألولا أبا نيغا» في ميكيلي عاصمة تيغراي بعد استعادة السيطرة عليه الثلاثاء (أ.ف.ب)

وقبل أقل من أسبوع، وجهت إثيوبيا اتهامات لإريتريا بارتكاب أعمال «عدائية وعنف»، بعدما طردت عشرة دبلوماسيين إريتريين وأغلقت سفارتها في أسمرة، فيما ردت إريتريا بأنها ستقطع «جميع العلاقات الدبلوماسية».

وبلغت التوترات القائمة منذ فترة طويلة بين البلدين الجارين مرحلة حرجة مع تجدد الاشتباكات في شمال إثيوبيا، حيث اتهمت أديس أبابا أسمرة بدعم «جبهة تحرير تيغراي». وتخشى إريتريا أن تكون إثيوبيا، وهي دولة حبيسة، تخطط لغزو أراضيها للحصول على منفذ مباشر إلى البحر الأحمر.

وقال الخبير الإثيوبي في الشؤون الأفريقية أنور إبراهيم: «أديس أبابا لم تؤكد حتى الآن هذه التحركات»، لافتاً إلى أنه في حال ثبوت دخول قوات إريترية إلى الأراضي الإثيوبية، فإن ذلك قد يؤدي إلى رد فعل حكومي أو دولي سريع ويصل لحرب ويفاقم التوتر.

وأضاف: «ما يثار ينذر بتطورات عسكرية خطيرة قد تشعل مواجهة واسعة النطاق بين الطرفين في المنطقة»، متوقعاً اتضاح معالم الموقف أكثر خلال الساعات القليلة المقبلة، واتخاذ تحركات دولية للتهدئة إن صح ذلك، «وإلا فالحرب أقرب مجدداً».

والعلاقات بين إثيوبيا وإريتريا متوتّرة منذ استقلال الأخيرة عام 1993. وبين عامي 1998 و2000 اندلعت بينهما حرب دامية على خلفية نزاعات إقليمية، قبل أن يبرم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد اتفاق سلام مع الرئيس الإريتري آسياس أفورقي عام 2018.

وتجدد التوتر بوضوح بين الجانبين عقب توقيع إثيوبيا اتفاق «بريتوريا للسلام» مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، من دون مشاورة حلفائها في الحرب التي استمرت عامين كاملين (2020 - 2022).

وازدادت حدة التوتر بعد إعلان أديس أبابا عن رغبتها في امتلاك منفذ على البحر الأحمر، واتهمتها أسمرة بالتطلع إلى ميناء عصب الإريتري.