مضيق هرمز و«خرج» يدفعان الحرب إلى حافة أوسع

ترمب توعد برد على هجوم مصفاة حيفا... روبيو يراهن على الانقسامات... وطهران تؤكد مقتل تنغسيري

حريق بمصفاة حيفا بعد سقوط شظايا صاروخ إيراني تم اعتراضه (رويترز)
حريق بمصفاة حيفا بعد سقوط شظايا صاروخ إيراني تم اعتراضه (رويترز)
TT

مضيق هرمز و«خرج» يدفعان الحرب إلى حافة أوسع

حريق بمصفاة حيفا بعد سقوط شظايا صاروخ إيراني تم اعتراضه (رويترز)
حريق بمصفاة حيفا بعد سقوط شظايا صاروخ إيراني تم اعتراضه (رويترز)

دفع التصعيد المتصل بمضيق هرمز الحرب مع إيران إلى مستوى أكثر حساسية، مع انتقال الضغط الأميركي من التهديد العسكري العام إلى التلويح المباشر باستهداف البنية التحتية للطاقة. ولوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتدمير منشآت الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج إذا لم يفتح المضيق سريعاً، ولم تفض الاتصالات الجارية إلى اتفاق، في وقت يتزايد فيه الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، وتتسع فيه الضربات المتبادلة.

وتزامن هذا التصعيد مع تطورات ميدانية وسياسية متلاحقة، بعدما توعد ترمب بالرد على الهجوم الذي طال مصفاة حيفا، بينما قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن هناك «انقسامات» داخل القيادة الإيرانية. وفي المقابل، أكدت طهران مقتل علي رضا تنغسيري، قائد الوحدة البحرية في «الحرس الثوري»، في تطور يسلط الضوء على ثقل الجبهة البحرية في المواجهة وعلى تنامي الضغوط المرتبطة بمضيق هرمز ومسارات الطاقة في المنطقة.

ترمب يتحدث إلى وسائل الإعلام على متن طائرة «إير فورس وان» في أثناء توجهه إلى قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند (رويترز)

وقال ترمب، في منشور على «تروث سوشيال»، إن «تقدماً كبيراً» يتحقق في المحادثات مع إيران، لكنه حذر من أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريباً، وإذا لم يُفتح مضيق هرمز فوراً أمام الحركة التجارية، فإن الولايات المتحدة ستنهي «وجودها» في إيران عبر «تدمير كامل» لجميع محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج، مضيفاً أن القائمة قد تشمل أيضاً «جميع محطات تحلية المياه».

وفي تصريحات أخرى، كرر ترمب الربط بين أي تسوية محتملة وفتح المضيق، معتبراً أن بقاءه مغلقاً سيؤدي إلى توسيع الضربات الأميركية على البنية التحتية للطاقة.

وبدا خطاب ترمب متقلباً بين الحديث عن تقدم دبلوماسي والتلويح بتصعيد عسكري أوسع. ففي الوقت الذي قال فيه إن إدارته تجري «محادثات جادة» مع إيران، أشار إلى أن التوصل إلى اتفاق «مرجح»، لكنه عاد وهدد بما وصفه بـ«تدمير شديد» لأهداف إيرانية قال إن الجيش الأميركي تعمد عدم استهدافها حتى الآن. كما أعلن أن إيران وافقت على السماح بمرور 20 سفينة إضافية محمّلة بالنفط عبر مضيق هرمز بداية من الاثنين، وقدم الخطوة بوصفها «علامة احترام» للولايات المتحدة ومؤشراً إلى أن جهود إنهاء الحرب قد بدأت تتحرك.

وفي مقابلة مع صحيفة «فاينانشال تايمز» نُشرت، الأحد، طرح ترمب صراحة احتمال الاستيلاء على جزيرة خرج، مركز تصدير النفط الإيراني، قائلاً: «ربما نستولي على جزيرة خرج، وربما لا. لدينا الكثير من الخيارات». وأضاف أنه لا يعتقد أن لدى إيران دفاعات فعالة على الجزيرة، وأن السيطرة عليها ممكنة «بسهولة شديدة». لكنه أقر في الوقت نفسه بأن أي سيطرة أميركية على الجزيرة ستعني بقاء القوات هناك «لفترة من الوقت».

دخان أبيض يتصاعد من قاعدة بارشين الحساسة في جنوب شرقي طهران الاثنين (شبكات التواصل)

وفي وقت لاحق، قال ترمب لصحيفة «نيويورك بوست» إن ردّه على الهجوم الإيراني على مصفاة نفط في إسرائيل سيأتي «قريباً». وأضاف، في إشارة إلى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، أن واشنطن ستعرف قريباً ما إذا كان مستعداً للعمل مع الأميركيين، قائلاً: «سنكتشف ذلك... سأعلمكم بذلك خلال نحو أسبوع».

ووصف ترمب ما جرى داخل إيران بأنه «تغيير كامل في النظام»، معتبراً أن «أنظمة الماضي قد ولّت»، وأن الولايات المتحدة تتعامل الآن مع «مجموعة جديدة كلياً من الأشخاص»، وأضاف: «وحتى الآن، كانوا أكثر عقلانية بكثير». وعندما سُئل عما إذا كانت هذه الشخصيات تختلف عن خصوم واشنطن السابقين في طهران، أجاب: «إلى حد كبير... الآخرون جميعهم ماتوا».

كما تحدث ترمب عن الغموض المحيط بحالة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، قائلاً: «لم يسمع أحد أخباراً عنه... إنه مصاب بجروح بالغة». وعند سؤاله عما إذا كان لا يزال على قيد الحياة، قال: «لا نعرف. نعتقد أنه على الأرجح نعم، لكنه في حالة سيئة للغاية».

الاستيلاء على خرج

وأظهرت تصريحاته أن خيار الاستيلاء على خرج لم يعد مجرد تسريب في دوائر التخطيط العسكري، بل تحول إلى فكرة مطروحة علناً على لسان الرئيس نفسه، مع ما يعنيه ذلك من احتمال انتقال الحرب من الضربات الجوية والبحرية إلى عمليات أكثر مباشرة.

وتكتسب جزيرة خرج أهمية استثنائية في هذه الحرب؛ لأنها المنفذ الذي تمر عبره تقريباً كل صادرات إيران النفطية. واستهداف بنيتها النفطية، أو السيطرة عليها، من شأنه أن يحد بشدة من صادرات النفط الإيرانية، وهي مصدر أساسي لإيرادات طهران. لكنه في الوقت نفسه سيشكل تصعيداً كبيراً قد يدفع طهران إلى توسيع ردها على منشآت الطاقة والبنى الحيوية في المنطقة، بما يزيد الضغط على الأسواق العالمية.

كما أن أي وجود أميركي ثابت على الجزيرة سيضع القوات الأميركية على مسافة 33 كيلومتراً فقط من الساحل الإيراني، أي ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وتزداد حساسية المشهد مع وجود جزر أخرى قرب المضيق، مثل أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى وقشم، بما يجعل أي عملية عسكرية في هذا الممر مهددة بتوسيع النزاع أكثر.

وجاءت تهديدات ترمب بينما تستمر واشنطن في تعزيز حضورها العسكري؛ فقد نقلت «نيويورك تايمز» عن مسؤولين عسكريين أميركيين أن عدة مئات من قوات العمليات الخاصة وصلت إلى الشرق الأوسط، وانضمت إلى آلاف من مشاة البحرية ومظليي الجيش ضمن انتشار يمنح ترمب خيارات إضافية لتوسيع الحرب.

وقال المسؤولان إن عناصر الكوماندوز، ومنهم «رينجرز» الجيش وعناصر القوات الخاصة البحرية، لم تُكلف بعد بمهام محددة، لكن يمكن استخدامها للمساعدة في حماية مضيق هرمز، أو في محاولة للاستيلاء على جزيرة خرج، أو في مهمة تستهدف اليورانيوم عالي التخصيب في موقع أصفهان النووي. وبذلك يرتفع عدد القوات الأميركية في الشرق الأوسط إلى أكثر من 50 ألف جندي، أي أكثر بنحو 10 آلاف من المعتاد.

ويشمل هذا الحشد 2500 من مشاة البحرية و2500 بحار وصلوا مؤخراً إلى المنطقة، إضافة إلى 2000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً أُمر بإرسالهم، الأسبوع الماضي.

وقال مسؤول عسكري أميركي إن المظليين سيكونون على مسافة تتيح ضرب إيران، ويمكن أيضاً استخدامهم في خرج أو في عمليات برية أخرى بالتعاون مع مشاة البحرية. غير أن خبراء عسكريين حذروا من أن هذا العدد، رغم زيادته، لا يكفي لعملية برية كبرى ضد بلد بحجم إيران، ما يعني أن الخيارات الواقعية تبقى أقرب إلى عمليات محدودة وسريعة أو إلى ضغوط تهدف إلى فتح المضيق، وشل صادرات الطاقة.

روبيو يكشف «انقسامات» في طهران

وفي هذا السياق، حاول وزير الخارجية ماركو روبيو أن يمسك بالخيطين، الدبلوماسي والتصعيدي، في آن واحد. ففي مقابلة مع شبكة «إيه بي سي نيوز»، قال إن هناك «بعض الانقسامات» داخل القيادة الإيرانية، وإن أشخاصاً في الداخل يقولون «أشياء صحيحة» في اتصالاتهم مع الولايات المتحدة.

وأضاف أنه إذا كان هناك أشخاص جدد يتولون زمام الأمور الآن ولديهم «رؤية أكثر عقلانية» للمستقبل، فإن ذلك سيكون خبراً جيداً «لنا ولهم وللعالم بأسره»، لكنه شدد أيضاً على ضرورة الاستعداد لاحتمال كبير بألا يكون الأمر كذلك. وقال إن تصريحات ترمب تشير إلى أنه يفضل الدبلوماسية، لكن واشنطن لا تستطيع تجاهل احتمال فشل المسار التفاوضي.

ووصف روبيو «النظام الثيوقراطي» في إيران بأنه المشكلة الأساسية في البلاد، مجدداً موقفه المتشدد حيال القيادة الإيرانية. وجاء كلامه بعد حديث ترمب عن «نظام جديد وأكثر عقلانية» في إيران، وهو توصيف عكس انطباعاً أميركياً بأن مقتل عدد من كبار القادة الإيرانيين فتح الباب أمام تبدلات داخلية أو على الأقل داخل بعض دوائر القرار.

من جهته، حاول وزير الخزانة سكوت بيسنت تهدئة المخاوف من اضطراب أسواق الطاقة، فقال في مقابلة مع برنامج «فوكس آند فريندز» إن الولايات المتحدة ستستعيد «السيطرة» على مضيق هرمز، إما عبر مرافقة أميركية أو متعددة الجنسيات.

وأضاف أن السوق تعاني عجزاً يتراوح بين 10 و12 مليون برميل يومياً، لكن هذا العجز يجري تعويضه عبر ضخ 400 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي للوكالة الدولية للطاقة، وتخفيف بعض القيود على نفط موجود أصلاً في المياه. وقال إن مزيداً من السفن يمر يومياً عبر المضيق، وإن السوق «مزودة جيداً»، لكن على المدى الأبعد ستضمن الولايات المتحدة حرية الملاحة.

طهران ترفض «المطالب المفرطة»

في المقابل، ردت طهران برفض واضح للمقترحات الأميركية. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي إن إيران لم تُجرِ حتى الآن أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، وإن ما تلقته اقتصر على رسائل عبر وسطاء تفيد برغبة واشنطن في التفاوض.

وأضاف أن ما نُقل إلى طهران، سواء كان 15 نقطة أو أقل أو أكثر، يمثل «مجموعة من المطالب المفرطة وغير الواقعية وغير العقلانية». وقال إن على الجميع أن يتعاملوا بحذر مع حديث الولايات المتحدة عن الدبلوماسية، مضيفاً أن موقف إيران «واضح منذ البداية»، وأن البلاد تتعرض لاعتداء عسكري، ولذلك فإن كل جهودها وقواها تنصب على الدفاع عن نفسها.

طائرة مقاتلة من طراز «إف 15» تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي تحلق فوق وسط إسرائيل (إ.ب.أ)

وربط بقائي أيضاً بين هذا الموقف وبين الاجتماعات التي تستضيفها باكستان، قائلاً إن هذه اللقاءات تأتي ضمن إطار أنشأته إسلام آباد نفسها، وإن إيران لم تشارك فيها. لكنه أضاف أن من الإيجابي أن تبدي دول المنطقة اهتماماً بإنهاء الحرب، شرط عدم تجاهل الجهة التي بدأت الهجوم. وفي ملف آخر، قال إن طهران تراجع مقترحاً برلمانياً للانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، في خطوة تعكس تشدداً إضافياً في مواجهة الضغوط الغربية.

وعلى خط الوساطة، واصلت باكستان طرح نفسها منصة محتملة لاحتواء الأزمة؛ فقد بحث وزراء خارجية باكستان ومصر والسعودية وتركيا في إسلام آباد جهود خفض التصعيد، بينما أعلن رئيس وزراء باكستان شهباز شريف في اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا مبادراته الدبلوماسية الجارية.

كما أعلنت الصين دعمها لجهود باكستان للوساطة بين إيران والولايات المتحدة، وقالت إن بكين مستعدة للتنسيق مع إسلام آباد وأي طرف آخر ذي صلة للترويج للسلام ووقف الأعمال العدائية، لكن مسؤولاً أمنياً باكستانياً قال إن عقد محادثات مباشرة بين واشنطن وطهران، هذا الأسبوع، لا يزال مستبعداً، وإن الجهود تتركز على محاولة تقريب المسافات في أسرع وقت ممكن.

9 شروط إيرانية

وفي موازاة الموقف الرسمي، ذهبت صحيفة «كيهان» التابعة لمكتب المرشد الإيراني أبعد في عرض شروطها لاعتبار الحرب منتهية. وقالت الصحيفة إن وقف الحرب يجب أن يقترن بتنفيذ الشروط المقترحة من جانب طهران على المستويات الميدانية والإقليمية والدولية.

وشملت هذه الشروط انسحاباً كاملاً للقوات الأميركية من المنطقة، وتفكيك قواعدها في غرب آسيا، وإقرار نظام اقتصادي وقانوني رسمي لعبور السفن في مضيق هرمز تحت «سيادة» إيران، وعدم التعرض للعراق ولبنان وما وصفته بـ«محور المقاومة».

كما طالبت بإعلان رسمي لرفع العقوبات الأميركية والأممية، والإفراج الفوري عن الأصول الإيرانية المجمدة وإعادتها، وإعلان الولايات المتحدة وإسرائيل طرفين معتديين مع دفع تعويضات أولية إلى حين البت النهائي فيها.

امرأة تتحدث على الهاتف وهي تقف وسط حي سكني متضرر تعرض لقصف في طهران الاثنين (رويترز)

ودعت أيضاً إلى إنهاء مطالبة الإمارات بالجزر الثلاث المحتلة ببيان رسمي، وإبلاغ رسمي يضمن التزام الطرفين المهاجمين بوقف دائم للحرب والاغتيالات.

وفي الملف النووي، قالت إن على إيران أن تبلغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية بانسحابها من معاهدة عدم الانتشار استناداً إلى البند العاشر، مع تأكيد إمكان العودة لاحقاً إذا اقتضت المصالح والأمن القوميان ذلك.

منشآت الطاقة تحت النار

ميدانياً، توسعت الضربات المتبادلة لتشمل منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية. ففي إسرائيل، اندلع حريق كبير في مصفاة حيفا بعد سقوط شظايا ناجمة عن اعتراض مقذوف، بحسب خدمة الإطفاء والإنقاذ.

وقالت الخدمة إن الحادث يتعلق بحريق في خزان يحتوي على 3 آلاف متر مكعب من الوقود، وإن الطواقم تعمل على تفريغه وإخماده. وأظهرت صور تلفزيونية ولقطات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أعمدة دخان كثيف فوق الموقع قبل أن يتراجع لاحقاً.

ولم يتضح على الفور ما إذا كانت المصفاة أُصيبت بحطام صاروخ أُطلق من إيران أو لبنان، أم بحطام ناتج عن مقذوف اعتراضي إسرائيلي. وتعد هذه ثاني مرة تتعرض فيها منشأة حيفا النفطية لأضرار منذ اندلاع الحرب، في وقت أفادت إدارة الإطفاء أيضاً بسقوط شظايا قرب القاعدة الرئيسية للبحرية الإسرائيلية وبأضرار لحقت بمنشأة صناعية ومستودع وقود.

عمود من الدخان يتصاعد من موقع غارة في طهران الأحد (أ.ف.ب)

وفجر الاثنين، أعلن الجيش الإسرائيلي رصد إطلاق صواريخ من إيران باتجاه البلاد، وهو أول إطلاق من هذا النوع في ذلك اليوم. ودوت صفارات الإنذار في المنطقة القريبة من مركز الأبحاث النووية الرئيسي في إسرائيل، وهي منطقة تعرضت للقصف مراراً خلال الأيام الماضية؛ ما عكس استمرار قدرة طهران على مواصلة الهجمات رغم 4 أسابيع من القصف الأميركي - الإسرائيلي المكثف.

وفي الوقت نفسه، واصل الجيش الإسرائيلي إعلان توسيع ضرباته داخل إيران. وقال إنه استهدف موقعاً إضافياً في قلب طهران داخل مجمع جامعة الإمام الحسين، التي وصفها بأنها المؤسسة الأكاديمية العسكرية الرئيسية التابعة لـ«الحرس الثوري»، وتعمل أيضاً كمرفق احتياطي للهيئات العسكرية التابعة للنظام.

وأضاف أن أنشطة بحث وتطوير لأسلحة متطورة كانت تُجرى داخل الجامعة تحت غطاء مدني، وأن الضربات طالت أنفاقاً هوائية لاختبار وتطوير الصواريخ الباليستية، ومركز الكيمياء الذي قال إنه يُستخدم في البحث والتطوير في مجال الأسلحة الكيميائية، ومركز التكنولوجيا والهندسة التابع لمجموعة الميكانيكا والتطوير.

وفي بيان آخر، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف خلال الليل مواقع إضافية لإنتاج الأسلحة في طهران، مشيراً إلى أن موجات الغارات خلال اليومين الماضيين طالت نحو 40 منشأة مرتبطة بإنتاج الأسلحة والبحث والتطوير. وأضاف أن أكثر من 80 قذيفة أُطلقت على مواقع إنتاج الأسلحة التابعة للنظام، وشملت الأهداف منشأة لتجميع صواريخ أرض - جو بعيدة المدى، وموقعاً لتصنيع مكونات صواريخ مضادة للدبابات وصواريخ صغيرة مضادة للطائرات، ومنشأة لإنتاج محركات الصواريخ الباليستية والبحث والتطوير فيها. وأكد الجيش أنه سيواصل تعميق الأضرار بالصناعات العسكرية الإيرانية لحرمانها من القدرات الإنتاجية التي بنتها خلال سنوات.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، استهداف مواقع دفاع جوي إيرانية قرب بحر قزوين، وقال إن الضربات شملت أيضاً موقعاً بحرياً في بندر أنزلي وميناء ومركز قيادة وحوض بناء سفن. وتكتسب هذه الضربات أهمية لأنها تستهدف أحد الخطوط الحيوية التي تستخدمها روسيا وإيران لنقل الذخائر والطائرات المسيّرة عبر هذا الممر المائي.

في المقابل، أعلن «الحرس الثوري» الإيراني أن موجة جديدة من الهجمات استهدفت مواقع قال إنها تضم مراكز قيادة وتحكم، وحظائر طائرات مسيّرة، ومنشآت دعم تسليحي، إضافة إلى مواقع لتمركز عسكريين وطيارين أميركيين وإسرائيليين. وقال إن الهجمات شملت، وفق روايته، مواقع في 5 «قواعد أميركية» في المنطقة، إلى جانب أهداف في جنوب ووسط وشمال إسرائيل، من بينها حيفا وكريات شمونة وتل أبيب وبئر السبع وديمونا.

وأضاف أن العملية نُفذت بصواريخ باليستية تعمل بالوقود السائل والصلب، إلى جانب طائرات مسيّرة، وأنها بدأت ليلاً، واستمرت على مراحل. كما أدان ما وصفه بهجوم إسرائيلي على منشآت لتحلية المياه في الكويت، معتبراً أن القواعد الأميركية والمواقع العسكرية والأمنية الإسرائيلية ستبقى ضمن أهدافه. ولم يصدر على الفور تعليق أميركي أو إسرائيلي على هذه المزاعم.

دخان يتصاعد من ضربات على حي وسط طهران مساء الأحد (شبكات التواصل)

وفي داخل إيران، واصلت إسرائيل توسيع نطاق ضرباتها. فقد تركزت الغارات في طهران بين الشرق والجنوب الشرقي والشمال الشرقي والغرب، مع تقارير متكررة عن تحليق منخفض للطائرات ودوي انفجارات قوية طالت مباني مرتبطة ببرامج صاروخية أو صناعات إلكترونية وعسكرية.

وامتدت الضربات أيضاً إلى قم، مع انفجارات قرب منشآت جامعية وصناعية، وإلى قزوين ومحيط كرج، حيث وردت روايات عن استهداف مواقع صناعية أو عسكرية خلال الفجر.

وفي تبريز شمال غربي البلاد، تكررت الضربات على موجات ليلية متتابعة بدأت قرب المطار وقاعدة جوية في شمال غربي المدينة، قبل أن تمتد إلى مصفاة للبتروكيماويات، حيث اندلع حريق تمت السيطرة عليه. كما سُجلت انفجارات جديدة بعد منتصف الليل؛ ما عكس استمرار الضغط على محاور عسكرية وصناعية في المدينة ومحيطها.

وفي الغرب، طالت الضربات سنندج ودهكلان، بينها مركز شرطة ومواقع أمنية أو عسكرية، إضافة إلى موقع صاروخي في محور تكاب - بيجار.

وفي الجنوب، طالت الضربات في شيراز مواقع مرتبطة بالصناعات الإلكترونية ومنشآت عسكرية، مع انفجارات شديدة في أكثر من محور.

وبدت محافظة هرمزغان من أكثر الجبهات سخونة مع قصف كثيف على بندر عباس ومحيط المطار ومنشآت وقود، وانفجارات في جزيرتي كيش وقشم.

في جنوب غربي البلاد، قبالة شط العرب، شهدت عبادان موجات متلاحقة من الانفجارات صباحاً قرب المصفاة والبتروكيماويات ومحاور صناعية أخرى، مع امتداد الصدى إلى المحمرة، فضلاً عن تقارير عن انقطاع كهربائي في بعض المناطق بعد ضربات قيل إنها طالت بنية كهربائية. وهزت ضربات مدينة المحمرة المجاورة لعبادان.

وفي ظل هذا التصعيد، أكدت إيران مقتل علي رضا تنغسيري، قائد الوحدة البحرية في «الحرس الثوري»، متأثراً بجروح بالغة، بعد أكثر من 96 ساعة على إعلان أميركي - إسرائيلي سابق عن مقتله.

وجاء التأكيد عبر بيان على موقع «سباه نيوز»، بعد أيام من تداول قنوات مقربة من الجهاز معلومات عن مصرعه من دون صدور تأكيد رسمي.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد أعلن في 26 مارس (آذار) الحالي مقتل تنغسيري ونائب قائد البحرية بهنام رضائي في عملية وُصفت بأنها دقيقة، بينما قال قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال براد كوبر إن مقتله جعل المنطقة «أكثر أماناً».

ويعد تنغسيري من القادة الأكثر ارتباطاً باستراتيجية إيران البحرية في الخليج ومضيق هرمز. وقد تولى قيادة بحرية «الحرس الثوري» منذ 2018، ولعب دوراً رئيسياً في تكريس سياسة الضغط البحري وإغلاق المضيق، وتوسيع استخدام الزوارق السريعة والألغام والتهديدات غير المتماثلة.

ويأتي مقتله في لحظة شديدة الحساسية مع تصاعد الحديث الأميركي عن إعادة فتح هرمز بالقوة، ومع وصول مزيد من القوات الأميركية إلى المنطقة؛ ما يجعل خسارته ضربة مباشرة للبنية القيادية للجهاز البحري الأكثر التصاقاً بالمواجهة الحالية.

الدمار لحق بمبنى مكاتب عقب هجوم صاروخي على طهران الأحد (أ.ف.ب)

وفي بيان منسوب إلى المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ مقتل سلفه والده علي خامنئي في 28 فبراير (شباط)، قدم تعازيه. ووصفه بـ«جندي إيراني» خلال الحرب. وستقام مراسم الدفن الثلاثاء في مدينة بندر عباس الساحلية.

وقالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، ​إن نحو 3500 قُتلوا في إيران منهم 1550 مدنياً. وأعلنت السلطات في ​لبنان مقتل نحو 1240. وذكرت مصادر لـ«رويترز» أن أكثر من 400 من مقاتلي «حزب الله» لقوا حتفهم منذ بدء التصعيد الأحدث بين الجانبين في الثاني من مارس، ولم يتضح إن كان كان عدد القتل الرسمي الذي تعلنه لبنان يحتسب هؤلاء المقاتلين. وقتل 100 على الأقل في العراق، وأسفرت الحرب عن مقتل 13 جنديا أميركياً.


مقالات ذات صلة

نتنياهو يحذّر إيران من محاولة عرقلة الانتخابات: «لا تختبرونا»

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

نتنياهو يحذّر إيران من محاولة عرقلة الانتخابات: «لا تختبرونا»

حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، إيران وحلفاءها من محاولة عرقلة الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة، الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدَّث في سوق «بن يهودا» خلال زيارة انتخابية بالقدس يوم 22 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو: إيران تجدد برنامجها النووي وتريد تدميرنا خلال فترة زمنية قصيرة

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في فيديو دعائي تم بثُّه مساء أمس (السبت)، إن إيران تجدِّد برنامجها النووي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الاقتصاد متداول في السوق السعودية يتابع الأسهم (أ.ف.ب)

تراجع بورصات الخليج مع تصاعد المواجهات في المنطقة

تراجعت معظم أسواق الأسهم الخليجية في التعاملات المبكرة، الأحد، مع تنامي قلق المستثمرين إزاء تصاعد المواجهات بين الميليشيات الحوثية و«تحالف دعم الشرعية» باليمن.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تقرير إخباري وارش مترئساً اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يونيو (الاحتياطي)

تقرير إخباري «الفيدرالي» أمام استراحة محتملة... والتضخم يهدد بتجدد رفع الفائدة

يتَّجه «الاحتياطي الفيدرالي» إلى تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه المقرر يومَّي الثلاثاء والأربعاء، قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية راجمة صواريخ تابعة لإحدى الميليشيات العراقية (إعلام الحشد الشعبي)

اشتباه عراقي بضربات إسرائيلية غامضة

أفادت مصادر بأن بغداد تشتبه في تعرُّض موقعَين لتخزين منظومات دفاع جوي، صينية الصنع، لضربات جوية إسرائيلية الأسبوع الماضي.

علي السراي (الرياض)

«أزمة الحجاب» في أذربيجان تفجر تساؤلات عن مستقبل العلاقات مع تركيا

الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف مستقبلاً نظيره التركي رجب طيب إردوغان خلال قمة منظمة التعاون الاقتصادي في يلوي 2025 (الرئاسة التركية)
الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف مستقبلاً نظيره التركي رجب طيب إردوغان خلال قمة منظمة التعاون الاقتصادي في يلوي 2025 (الرئاسة التركية)
TT

«أزمة الحجاب» في أذربيجان تفجر تساؤلات عن مستقبل العلاقات مع تركيا

الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف مستقبلاً نظيره التركي رجب طيب إردوغان خلال قمة منظمة التعاون الاقتصادي في يلوي 2025 (الرئاسة التركية)
الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف مستقبلاً نظيره التركي رجب طيب إردوغان خلال قمة منظمة التعاون الاقتصادي في يلوي 2025 (الرئاسة التركية)

تفجرت تساؤلات بشأن ما إذا كان التوتر بين تركيا وأذربيجان على خلفية فرض الأخيرة قواعد جديدة لتحديد الزي المدرسي دون النص صراحة على «حظر الحجاب» يمكن أن يتطور إلى أزمة بين البلدين، اللتين تربطهما علاقات سياسية وعسكرية عميقة ضمن إطار ما يطلقان عليه «أمة واحدة في بلدين».

وتصاعد التوتر بين البلدين الناطقين بالتركية، بعدما أعلنت باكو في سبتمبر (أيلول) الماضي عن القواعد الجديدة للزي المدرسي، التي تحظر أي إضافات «لا تتوافق مع مبدأ علمانية التعليم العام».

وانتقد بعض السياسيين الأتراك والناشطين البارزين على منصات التواصل الاجتماعي، المعروفين بقربهم من حزب «العدالة والتنمية» الحاكم بقيادة الرئيس رجب طيب إردوغان، قرار الحكومة الأذربيجانية، مستخدمين لغة حادة موجهة مباشرة إلى الرئيس إلهام علييف.

خطوة غير مسبوقة

وفي سابقة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات، أعلنت حكومة أذربيجان، الأربعاء الماضي، تصنيف 31 مواطناً تركياً «أشخاصاً غير مرغوب فيهم»، وأدرجتهم على القائمة السوداء، كما أصدرت مذكرات توقيف دولية بحق 7 آخرين.

وتبين أن من بين هؤلاء رئيس حزب «الرفاه من جديد»، فاتح أربكان، والنائب التركي من حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، المعروف بدفاعه عن حقوق الإنسان والحريات، عمر فاروق غيرغيرلي أوغلو، ونائب رئيس حزب «هدي بار»، المتحالف مع «العدالة والتنمية»، يحيى أوغراش، وعدد من الصحافيين، وكتاب مختصون في الشؤون الدينية، ومدونون، ومسؤول سابق في الحزب الحاكم.

وكتب أربكان، عبر حسابه في «إكس» مخاطباً علييف بلهجة حادة: «يكفي أن يرفع حظر الحجاب عن الطالبات في أذربيجان، حتى لو لم نتمكن نحن من دخول البلاد فلن تكون هناك حاجة إلى مجيئنا».

وانتقد استقبال علييف للرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في باكو، قائلاً: «بعد استضافتك للقاتل الصهيوني هرتسوغ، غضضت الطرف عن أصدقائك الحقيقيين.. ستبقى الأخوة بين الشعبين قائمة.. عاشت تركيا وأذربيجان (أمة واحدة في دولتين)».

كليتشدار أوغلو حذر من فرض القيود على ملابس النساء في أذربيجان لافتاً إلى أن حزبه وقع في هذا الخطأ في تركيا من قبل (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

ولم تقتصر الانتقادات الموجهة إلى قرار أذربيجان على الأوساط المحافظة فقط، فقد انتقدها رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المؤقت المعين بقرار قضائي الذي يتعرض لانتقادات بسبب تكرار مواقفه الداعمة للحكومة، كمال كليتشدار أوغلو، مذكراً بأن تركيا مرت بـ«اختبار صعب» في الماضي فيما يتعلق بحظر الحجاب، وكان حزبه مسؤولاً عن ذلك، داعياً إلى عدم التدخل في خيارات النساء فيما يخص اللباس.

محاولات للتهدئة

مع تصاعد التوتر، أجرى الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، اتصالاً هاتفياً مع علييف، الأربعاء الماضي، لبحث العلاقات بين البلدين وقضايا إقليمية ودولية.

وقالت الرئاسة التركية إن إردوغان هنأ علييف، مجدداً، بمناسبة الذكرى الـ35 لاستقلال أذربيجان، مؤكداً أن البلدين سيواصلان الارتقاء بتعاونهما إلى مستويات أعلى، انطلاقاً من علاقة الأخوة التي تجمع البلدين، ودعاه إلى المشاركة في القمة الـ13 لمنظمة الدول التركية، المقرر عقدها في أنقرة.

وعلقت وكالة الأنباء الأذربيجانية الرسمية، في تحليل حول الجوانب الإيجابية للعلاقات بين تركيا وأذربيجان، قائلة: «للأسف جاءت مكالمة إردوغان الهاتفية بعد فترة من حملة تضليل إعلامي متواصلة ضد أذربيجان في تركيا».

بهشلي خلال استقباله السفير الأذربيجاني في أنقرة رشاد أصلانوف بمقر حزب «الحركة القومية» (حساب الحزب في إكس)

واستقبل رئيس حزب «الحركة القومية»، الشريك الأساسي لحزب «العدالة والتنمية» في «تحالف الشعب» الحاكم في تركيا، سفير أذربيجان لدى تركيا، رشاد أصلانوف، بمقر حزبه الجمعة، في مسعى لإزالة التوترات.

والسبت، أكد بهشلي، في بيان صدر عقب اجتماع اللجنة التنفيذية المركزية لحزبه أن الحفاظ على الثقة والتضامن بين تركيا وأذربيجان أمر لا غنى عنه لمستقبل العالم التركي المشترك.

أذربيجان جديدة... وعلييف آخر

وامتد الجدل في أذربيجان، الذي بدأ بفرض قيود على الزي المدرسي للحفاظ على علمانية التعليم العام، إلى ما هو أبعد من أسوار المدارس، ولم يعد الأمر مقتصراً على قواعد اللباس بل بات يُناقش أيضاً مدى نفوذ تركيا على أذربيجان والموقف السياسي الذي يتخذه الرئيس إلهام علييف تجاه أنقرة.

مظاهرة احتجاجية في تركيا ضد علييف تدعوه إلى العدول عن قرار حظر الحجاب في المدارس (إعلام تركي)

وكتب الصحافي الأذربيجاني الموالي لحكومة باكو، ميرشاهين، عبر منصات التواصل الاجتماعي موجهاً الحديث إلى تركيا: «افهموا هذا: لا أنتم الأخ الأكبر ولا نحن الأخ الأصغر».

بدا أن الرسالة الأساسية التي تسعى باكو لإيصالها عبر وسائل الإعلام الموالية للحكومة، هي أن «الأخوة لا تُبرر التدخل»، ومن هذه النقطة تحديداً، اكتسب خطاب علييف في 2 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بشأن رفض أي تدخل خارجي في هذه القضية أهمية خاصة، فالتصريحات القوية المناهضة للتدخل الخارجي في شؤون أذربيجان تبرز علييف بوصفه زعيماً يُحافظ على علاقات وثيقة مع تركيا، لكنه يرفض الظهور ضمن دائرة نفوذها.

إردوغان وعلييف خلال لقاء بالأمم المتحدة (الرئاسة التركية)

ويجري، في ظل الأجواء المتوترة الحالية، رسم صورة سياسية ثلاثية الأبعاد وأكثر حزماً لـ«علييف» بوصفه زعيماً مقرباً من تركيا، لكنه ليس ضمن دائرة نفوذها، رئيس يقود مجتمعاً مسلماً لكنه لا يتنازل عن مبدأ الدولة العلمانية، وسياسي شريك لإردوغان، لكنه يستطيع ترسيخ شرعيته السياسية ليس فقط من خلال علاقته به، بل أيضاً من خلال الإشارة إلى «أتاتورك» عند الضرورة، ومع ذلك، لم يتضح بعد مدى استمرار هذه الصورة، التي تقدم مؤشراً إلى الاتجاه المراد من خلاله تحديد الإطار الذي يوضع فيه عليف.

توجس تركي

ومع الترويج لهذه الصورة، ربط الكاتب في صحيفة «يني شفق» القريبة من الحكومة، آيدن أونال، في مقال بعنوان «أصوات أقدام حصار» ما وصفه بـ«التوتر أحادي الجانب وغير المعلن» بين أذربيجان وتركيا، بمشهد إقليمي أوسع قال إنه يستهدف تركيا ورئيسها إردوغان قبيل استحقاقات انتخابية مرتقبة.

وعد أن ما يجري ليس خلافات عابرة حول قضايا اجتماعية، بل هو جزء من عملية محاصرة مدروسة، وأن التوتر بدأ يتبلور، بشكل واضح بعد خطاب علييف في 2 أكتوبر، الذي قال فيه إن «على الجميع أن يعرفوا مكانهم، وألا يتدخلوا في شؤوننا، وألا يقحموا أنوفهم في أسلوب حياتنا، وألا يرشدونا»، مؤكداً أن نصر ناغورنو كاراباخ في 2020 تحقق بجهد أذربيجاني خالص وبأسلحة اشتروها بأموالهم.

صورة متداولة على منصات التواصل الاجتماعي لمعلمة أذرية تدرّس طالباتها في الشارع بعد منعهن من دخول المدارس

ورأى أونال أن المقصود بهذه الكلمات هو تركيا وإردوغان، وربط هذا التوتر بسلسلة تطورات إقليمية متلاحقة، في مقدمتها تقارب اليونان وقبرص مع إسرائيل وتصعيد التوتر في بحر إيجة.

وسلّط الضوء بشكل خاص على ما سمّاه «مشروع نتنياهو لتطويق تركيا عبر خريطة ملوّنة» تظهر أذربيجان فيها جزئياً بوصفها «حليفاً لإسرائيل»، إضافة إلى المصالحة المفاجئة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونتنياهو، ورأى أن الهدف النهائي هو تركيا، وأن الذريعة ستكون إردوغان نفسه.


انتخابات إسرائيل: نتنياهو يُشغل الجمهور بـ«شطارة»... لكنه يطلق الرصاص على قدميه

إسرائيليون يرفعون لافتات في مسيرة مناهضة للحكومة في تل أبيب مساء السبت (إ.ب.أ)
إسرائيليون يرفعون لافتات في مسيرة مناهضة للحكومة في تل أبيب مساء السبت (إ.ب.أ)
TT

انتخابات إسرائيل: نتنياهو يُشغل الجمهور بـ«شطارة»... لكنه يطلق الرصاص على قدميه

إسرائيليون يرفعون لافتات في مسيرة مناهضة للحكومة في تل أبيب مساء السبت (إ.ب.أ)
إسرائيليون يرفعون لافتات في مسيرة مناهضة للحكومة في تل أبيب مساء السبت (إ.ب.أ)

نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الأحد، صورة وهمية لتل أبيب وهي تحترق بقنبلة نووية ضربتها إيران. وصحيح أن الصورة مصنوعة بالذكاء الاصطناعي لكنها تتوافق مع طريقته التقليدية في إدارة المعركة الانتخابية الإسرائيلية التي تنطلق الثلاثاء؛ فالجمهور في إسرائيل مشغول بالنقاش حول موضوعات غير مريحة لنتنياهو، مثل إخفاقات الحكومة في «7 أكتوبر (تشرين الأول)» أو في إدارة الحرب المليئة بالأخطاء الفاحشة، والتي تتلخص في أنه لم ينجح في تحقيق أي هدف من أهداف الحرب، وأنه حتى في الحرب مع تنظيم صغير مثل «حماس» لم يستطع الحسم طيلة 3 سنوات، ومعه جيش ضخم مزوّد بأحدث تقنيات الحرب.

يريد نتنياهو، بـ«شطارة»، تغيير مسار النقاش وفرض موضوعات أخرى تُظهره قائداً ناجحاً. ولم يجد سوى إحراق تل أبيب موضوعاً يروّج من خلاله لفكرة أن الخطر الذي يُهدد إسرائيل مصدره إيران، وأنه، كما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «الوحيد» القادر على هزيمة إيران.

وهكذا، جاء في الإعلان الانتخابي، الذي تظهر في خلفيته صورة تل أبيب المحروقة بسلاح نووي: «دولة إسرائيل تعيش في خطر وجودي حقيقي وملموس. فإذا حصل الإيرانيون على السلاح النووي، فلن يعود هناك شيء ذو جدوى؛ إذ سيصبح كل شيء تافهاً أمام الخطر الوجودي الذي تشكّله إيران و(محورها الشيعي). أما العواصف التي يثيرونها ويفتعلونها (يقصد المعارضة)، فليس هدفها سوى التغطية على الأمر الوحيد الجوهري، وهو إنهاء المهمة مع إيران. بقي أمام إسرائيل عامان في ظل إدارة الرئيس ترمب، لكي نكمل، أنا وهو، مهمة القضاء على الخطر النووي الإيراني. فإذا لم نُكملها، فإن قنبلتين نوويتين تسقطان على وسط البلاد ستنسفان كل شيء».

صورة التُقطت بطائرة مسيّرة لإسرائيليين يشاركون في تجمّع مساء السبت في تل أبيب للمطالبة بلجنة تحقيق رسمية مستقلة حول هجوم 7 أكتوبر 2023 (رويترز)

وكما خطط نتنياهو، تحوّل هذا الموضوع إلى موضوع أساسي في الحملة الانتخابية، واضطر قادة المعارضة إلى التعاطي معه، وهم لا يصدقون أن رئيس الحكومة ينشر شيئاً كهذا. فهو نفسه كان قد صرّح، قبل 12 يوماً فقط، بأن «المعارضة تتجاهل حقيقة أننا قضينا على الخطر الإيراني». وقبل سنة فقط، قال إن حرب «الأيام الـ12» قضت على الخطر النووي. ثم، بعد بضعة أشهر، وفي نهاية حرب الأيام الـ39، قال إنه والرئيس ترمب تمكّنا من القضاء على الخطر النووي الإيراني. لكن هذا لا يمنعه من العودة إلى الحديث عن «خطر وجودي». والمعارضة تصيح: «الرجل يكذب. فشل في إنهاء المهمة في الوقت الملائم، ويحاول بثّ الفزع في الجمهور لكي يغطي على فشله».

الغزل في العزلة الدولية

ما يلفت النظر هو أن نتنياهو أثار موضوع احتراق تل أبيب بالنووي المزعوم، لكي يغطي على تصريح آخر فاشل شغل الإسرائيليين يوم السبت. ففي مقابلة مع «القناة 10» الاقتصادية، قال نتنياهو إن عهد المساعدات الأميركية لإسرائيل قد انتهى، وإن العالم الذي يكره إسرائيل يستعد لفرض عقوبات عليها بهدف الضغط عليها في القضية الفلسطينية.

وأضاف أنه صامد، ولن يتراجع عن سياسته، بل طلب من مساعديه إعداد خطة للتصدي للعقوبات التي قد تُفرض على البنوك الإسرائيلية، وذلك من خلال «اقتصاد التفافي». وقد فسّر قصده بأنه استخدام «العملات المشفرة» بديلاً عن البنوك التي تعمل ضمن منظومة البنوك العالمية.

وكما خطط نتنياهو مرة أخرى، أشعل فوراً ضجة كبرى، بهدف التغطية على موضوعات أخرى تشغل بال الجمهور ولا تريحه. وكُشف في تل أبيب أن مساعدي نتنياهو استدعوا رئيسة اتحاد الطلاب الجامعيين لإجراء مقابلة مع رئيس الحكومة، يردّ فيها على جميع أسئلتها وأسئلة زملائها الطلبة. وحُدّد الموعد في منتصف الليل، فحضرت، وعندما رأوا أنها تحمل ورقة دوّنت فيها الأسئلة، طلبوها منها، وراح مساعدوه يشطبون كل الأسئلة المتعلقة بهجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023؛ فهذا هو الموضوع الذي يهرب منه نتنياهو ويتهرّب من مواجهته.

لكن «شطارة» نتنياهو لم تُسعفه هذه المرة عند حديثه الغزلي عن العملات الرقمية؛ فالموضوع الذي طرحه كان أشبه بمن يُطلق الرصاص على قدميه، إذ أشعل الساحة الانتخابية ضده. وكان أول رد فعل هو الهلع بين الناخبين، إذ لم يكن أحد يتخيل أن تُوضَع إسرائيل ضمن منظومة عقوبات، جنباً إلى جنب مع دول منبوذة مثل «إيران وكوريا الشمالية».

متسوقون وسكان محليون يمرون بجانب كشك لبيع الخضراوات والفواكه في سوق في تل أبيب يوم الجمعة (د.ب.أ)

وأثارت هذه التصريحات انتقاداً نادراً من بنك إسرائيل، الذي قال إن «العملات المشفرة» لا يمكن أن تكون وسيلة لتجاوز العقوبات، وإن على القادة السياسيين التركيز على سياسات تجعل مثل ⁠هذه الإجراءات غير ضرورية.

وقال البنك: «المسار الصحيح للاقتصاد الإسرائيلي هو الحفاظ ‌على علاقاتنا الاقتصادية مع شركائنا التجاريين الرئيسيين، والتركيز على منع ‌فرض العقوبات وتأثيرها السلبي على الاقتصاد».

كما وقّع أكثر من 100 اقتصادي إسرائيلي، بينهم مسؤولون سابقون في بنك البلاد، والمحافظ السابق للبنك يعقوب فرينكل، وعدد من الحاصلين على جائزة نوبل، رسالة يوم الأحد، أعربوا فيها عن قلقهم إزاء مقترح نتنياهو. وقالوا إنه سيؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وانهيار مكانة إسرائيل الاقتصادية في العالم. وجاء في الرسالة: «كما رأينا في دول تعرّضت لعقوبات مماثلة، مثل جنوب أفريقيا وإيران وروسيا، فإن مستويات معيشة المواطنين الإسرائيليين ستتدهور بصورة حادة، وستتضرر بشدة قدرة الدولة على تمويل أمنها والدفاع عن نفسها في مواجهة أعدائها».

وأضافت: «يقود نتنياهو دولة إسرائيل عن علم نحو المقاطعة والعزلة الاقتصادية الدولية، وكل ما لديه ليقدمه للاقتصاد الإسرائيلي هو حل محيّر، مقبول لدى المنظمات الإجرامية، ولن يفيد على الإطلاق».

كما وصف غادي آيزنكوت منافس نتنياهو الرئيسي في انتخابات الثلاثاء خطة العملات المشفرة بأنها «ضرب من الجنون»، وقال إنه يخشى أن تدفع «سياسة بيبي كوين» الشركات إلى الخارج وتقوض الأمن القومي.

ضربة قاسية وأخرى قاضية

وبدا لافتاً أن صحيفة «يسرائيل هيوم» اليمينية، التي تُعدّ بوقاً لنتنياهو، انتقدته هي الأخرى، إذ كتب مراسلها العسكري أن هذه الفكرة تشكّل مساساً أمنياً واستراتيجياً. وقال: «وجّه بنيامين نتنياهو إلى إسرائيل، أول من أمس، ضربتين في مقابلته مع «القناة 10»: الأولى قاسية، والثانية قاضية. الضربة الأولى، القاسية، هي إعلانه أن المساعدات الأمنية الأميركية لإسرائيل «انتهت». ويدور الحديث عن مساعدات تحصل عليها إسرائيل في إطار اتفاق السلام مع مصر. وقد بلغت هذه المساعدات، خلال العقد الماضي، 38 مليار دولار (من دون الإضافات)، استُخدمت لشراء وسائل قتالية متطورة، ولا سيما لسلاح الجو. ومن شأن إلغاء هذه المساعدات أن يمسّ بكل ذلك، ويجعل إسرائيل مجرد «دولة أخرى»، فضلاً عن الإخلال بالتفوق العسكري النوعي لإسرائيل».

إسرائيليان يحملان منشورات دعائية لحزب الوزير المتطرف إيتمار بن غفير في إحدى أسواق القدس الأحد (أ.ف.ب)

وواصل المراسل العسكري للصحيفة اليمينية تحليله بأن «الضربة القاضية هي أقوال نتنياهو عن وجوب الاستعداد لـ(عقوبات بنكية) مع (اقتصاد التفافي). ومعنى الأمر هو إعلان واعتراف بأن إسرائيل في طريقها لتصبح مثل إيران أو روسيا، غير أنه بخلاف هاتين الدولتين اللتين تحوزان مقدرات طبيعية عظيمة (ورغم ذلك يصعب عليهما العيش)، ليس لإسرائيل طريق للبقاء على قيد الحياة وحدها؛ فهي بحاجة ماسة إلى اقتصاد مفتوح على العالم، يعتمد على التجارة والأعمال البنكية المفتوحة، عديمة الحدود والقيود. وهذا وضع لا يمكن لإسرائيل أن تتحمله».

باختصار، حاول نتنياهو فرض موضوع نقاش آخر على الساحة الانتخابية، يُبعد الأنظار عن 7 أكتوبر، فجاء ببشرى تنذر بـ7 أكتوبر آخر، من نوع كارثي مختلف. وما إن استشعر الخطر حتى طرح موضوعاً آخر، هو تل أبيب المحروقة بالنووي.

ومع ذلك، ورغم كثافة الانتقادات، لا يمكن إغفال قدرات نتنياهو الانتخابية التي مكّنته من البقاء التاريخي في منصب رئيس الوزراء؛ فهو، بصورة أو بأخرى، «أكثر مَن يعرف جمهوره اليميني». فهناك من يؤيده بشكل أعمى، في السراء والضراء، والانتخابات وحدها ستُبيّن مدى دقة حدسه.


نتنياهو يحذّر إيران من محاولة عرقلة الانتخابات: «لا تختبرونا»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يحذّر إيران من محاولة عرقلة الانتخابات: «لا تختبرونا»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، إيران وحلفاءها من محاولة عرقلة الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة، الثلاثاء.

وقال نتنياهو في مقطع مصور: «لدينا مؤشرات استخباراتية تفيد بأن إيران ووكلاءها قد يحاولون تحدّينا عبر شن هجمات بهدف عرقلة الانتخابات»، مؤكداً أن الجيش مستعد لشن هجمات دفاعية وهجومية على السواء، وأضاف: «لا تختبرونا، ستتلقون ضربات تفوق التوقعات».

وتأتي هذه التصريحات في ظلِّ تصاعد التهديدات الأميركية والإسرائيلية بشنِّ هجمات جديدة على إيران، بعدما قال الرئيس دونالد ترمب، أول من أمس، إن واشنطن «قد تنفِّذ عمليةً أخرى صغيرة من (إبيك فيوري)»، في إشارة إلى الحملة الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وأنهى وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 8 أبريل (نيسان) بين إيران والولايات المتحدة، أعنف مراحل القتال، باستثناء تبادل متقطع لإطلاق النار في مضيق هرمز الاستراتيجي ومحيطه، الذي يُعدُّ ممراً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية. وشهدت هذه المواجهات العسكرية هدوءاً في الأسابيع الأخيرة.