«النقل البري» السعودي يحتوي صدمات الإمداد ويؤمّن 60 % من العجز

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: تحرير السعة والأسطول الخاص عزز استغلال الأصول بـ30 %

أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)
أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)
TT

«النقل البري» السعودي يحتوي صدمات الإمداد ويؤمّن 60 % من العجز

أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)
أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)

بينما يواجه الاقتصاد العالمي ضغوطاً متزايدة جراء اضطرابات الممرات المائية، استطاع قطاع النقل البري والسككي في السعودية إعادة رسم مسارات التجارة الإقليمية، متحولاً من مجرد ممر تجاري إلى «محور توزيع سيادي» قادر على إدارة الأزمات بكفاءة عالية. وكشف خبراء لوجيستيون لـ«الشرق الأوسط»، عن أن التسهيلات التنظيمية الأخيرة للهيئة العامة للنقل نجحت في ضخ سعة فورية احتوت ما بين 40 في المائة و60 في المائة من العجز في إمدادات السلع الأساسية؛ ما رسخ مكانة المملكة كصمام أمان لوجيستي للمنطقة.

وقد تجسَّدت هذه المكانة في حزمة استباقية من القرارات التنظيمية التي شملت: إتاحة التعاقد لنقل البضائع للغير، وتمديد العمر التشغيلي للشاحنات إلى 22 عاماً لمدة 6 أشهر، والسماح بدخول الشاحنات المبردة الفارغة من دول الخليج، إلى جانب إطلاق مبادرة «مناطق التخزين الخليجية» في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام، وتوسيع تشغيل قطارات الحاويات التي تنقل أكثر من 2500 حاوية يومياً.

ويرى المختصون أن هذه التحركات لم تكن مجرد حلول مؤقتة، بل مثلت استجابة استراتيجية في ظل الضغوط الناتجة من أزمة مضيق هرمز؛ ما مكّن السعودية من إدارة الخدمات اللوجيستية في أصعب أوقات الأزمات العالمية، وتحويل موانيها ومنصاتها البرية رئةً تتنفس من خلالها الأسواق المجاورة.

سعة فورية... بشروط الكفاءة

يرى الخبير اللوجيستي حسن آل هليل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تمديد العمر التشغيلي للشاحنات يُعدّ استجابة تنظيمية مرنة لضغوط السوق؛ إذ يتيح ضخ سعة تشغيلية إضافية دون الحاجة إلى استثمارات جديدة، وقد يرفع القدرة التشغيلية للأسطول بنسبة تتراوح بين 10 و18 في المائة على المدى القصير، ويخفض تكاليف النقل بنسب تصل إلى 15 في المائة، بما يسهم في تقليص فجوة العرض والطلب ودعم استقرار الأسعار.

ويشير في الوقت نفسه إلى أن هذا التوجه يفرض تحدياً يتعلق بالحفاظ على الكفاءة التشغيلية، في ظل ارتفاع استهلاك الوقود وتكاليف الصيانة للشاحنات الأقدم، إضافة إلى زيادة احتمالات الأعطال؛ وهو ما قد يرفع التكلفة الإجمالية للنقل على المدى المتوسط إذا لم يتم ضبطه، ويؤكد أن تحقيق التوازن يتطلب رقابة فنية صارمة لضمان الحفاظ على ما بين 80 و90 في المائة من كفاءة الشاحنات، إلى جانب تسريع برامج الإحلال التدريجي نحو أساطيل حديثة أكثر كفاءة وأقل انبعاثاً.

من جانبه، يصف الخبير اللوجيستي نشمي الحربي لـ«الشرق الأوسط» القرار بأنه تكتيك لإدارة الأزمات بامتياز؛ يهدف إلى ضخ سعة فورية في السوق عبر الاستفادة من أسطول ضخم قائم، مؤكداً أن التوازن لا يتحقق عبر تقييد العمر التشغيلي بحد ذاته، بل عبر ربطه بالفحص الفني الصارم، بما يضمن استمرارية التشغيل دون الإخلال بمعايير السلامة والاستدامة.

كسر احتكار السعة

وفي قرار تنظيمي جديد، أعلنت الهيئة العامة للنقل إتاحة التعاقد لنقل البضائع للغير للمنشآت المرخصة بشكل مؤقت حتى سبتمبر (أيلول) المقبل، في خطوة تستهدف رفع كفاءة استخدام الأصول التشغيلية وتعزيز مرونة السوق.

في هذا الإطار، أشار آل هليل إلى أن القرار يعزز كفاءة استخدام الأصول داخل السوق، من خلال إدخال أساطيل الشركات الخاصة إلى منظومة النقل العام؛ ما يرفع العرض الكلي لخدمات الشحن بنسبة قد تصل إلى 25 في المائة، ويزيد من معدل استغلال الأصول التشغيلية بنحو 30 في المائة؛ وهو ما ينعكس مباشرة على خفض تكاليف النقل بنسب تتراوح بين 8 و15 في المائة.

كما يسهم هذا التحسن في تقليل تقلبات الأسعار، خاصة في القطاعات المرتبطة بالنقل مثل الغذاء والسلع الاستهلاكية، حيث يمكن أن يحدّ من التذبذب السعري بنسبة تصل إلى 12 في المائة، فضلاً عن دوره في كبح الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الشحن، وفق آل هليل.

أما الحربي، فيرى أن القرار ذهب أبعد من ذلك؛ إذ «كسر احتكار السعة» في السوق، وحوّل كل منشأة تملك أسطولاً إلى مزود محتمل لخدمات النقل؛ ما قلّل الرحلات الفارغة ورفع كفاءة التشغيل، وأسهم في امتصاص ما وصفه بـ«التضخم المستورد»، ومنع انتقال آثار أزمة «هرمز» إلى المستهلك النهائي.

إحدى عربات «سار» لنقل البضائع (واس)

النقل السككي... و«الحلقة المفقودة»

لم يقتصر التحرك على الطرق الإسفلتية، بل امتد لتعزيز الربط السككي؛ حيث أصدرت الهيئة تراخيص لشركة الخطوط الحديدية السعودية (سار) لتشغيل قطارات الحاويات في محطات إضافية. وتعمل هذه القطارات حالياً على نقل أكثر من 2500 حاوية قياسية يومياً، مع تدشين ممر لوجستي دولي يربط موانئ المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة على الحدود الأردنية.

ولكن رغم هذا التقدم، يشير آل هليل إلى وجود ما يسميه «الحلقة المفقودة» التي تعيق مضاعفة هذه الأرقام، والمتمثلة في ضعف تكامل البنية التحتية الطرفية، ومحدودية الطاقة الاستيعابية للمحطات، إضافة إلى تحديات الجدولة بين المواني والقطارات، ونقص الأصول التشغيلية، فضلاً عن الاعتماد المستمر على الشاحنات في «الميل الأخير».

ويتفق الحربي مع هذا الطرح، مختصراً التحدي في عقدتين رئيسيتين، هما الربط الأخير بين محطات القطار والمستودعات والتكامل الزمني بين تفريغ السفن وتحميل القطارات، مؤكداً أن اكتمال مشروع «الجسر البري» شرق – غرب سيشكل الحل الجذري لتقليل الاعتماد على الشاحنات وتخفيف الضغط عن النقل البحري.

الأمن الغذائي أولوية

في خطوة تعكس أولوية الأمن الغذائي، سمحت الهيئة بدخول الشاحنات المبردة الفارغة من دول الخليج لنقل السلع سريعة التلف، وهو ما يراه آل هليل إجراءً يعزز كفاءة النقل المبرد ويقلل الهدر التشغيلي، متوقعاً أن يسهم في تغطية ما بين 15 و35 في المائة من فجوة الإمدادات، مع إمكانية ارتفاع النسبة إلى 40 في المائة في الظروف الحرجة.

أسطول بري تابع لشركة «البحر الأحمر الدولية» السعودية (واس)

في المقابل، يصف الحربي القرار بأنه «شريان حياة»، متوقعاً أن يغطي ما بين 40 و60 في المائة من العجز في تدفق الأغذية والأدوية، خاصة في ظل اعتماد دول الخليج على الواردات بنسبة تتجاوز 80 في المائة، مشيراً إلى أن مواني البحر الأحمر تحولت فعلياً نقطةَ انطلاق رئيسية لتغذية الأسواق الخليجية.

موانٍ من التخزين إلى العبور

وفي ميناء الملك عبد العزيز بالدمام، برزت مبادرة «مناطق التخزين الخليجية» كأحد أهم أدوات تنظيم التدفقات، من خلال تخصيص مناطق تشغيلية لكل دول مجلس التعاون، مع إعفاء من رسوم التخزين لمدة تصل إلى 60 يوماً.

ويرى آل هليل أن نجاح هذه المبادرة يعتمد على إدارة تشغيلية متقدمة تشمل التخطيط المسبق، وأنظمة إدارة الساحات الذكية، وتسريع الإجراءات الجمركية، وربط الميناء بشبكات النقل، بما يضمن انسيابية الحركة ويمنع التكدس.

بينما يؤكد الحربي أن الإعفاء قد يتحول تحدياً إذا لم يُدَر بكفاءة، مشدداً على أهمية تطبيق «إدارة ساحات ديناميكية» مدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب «التخليص المسبق» قبل وصول السفن، عادَّاً أن تخصيص المساحات لكل دولة يخلق ما يشبه «مواني جافة سيادية»، ويحول الميناء من نقطة تخزين إلى منصة عبور إقليمي سريعة.

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (موانئ)

عائد اقتصادي يتجاوز المستهدف

اقتصادياً، لا يقتصر أثر هذه التحركات على استمرارية الإمدادات؛ إذ يؤكد آل هليل أنها تسهم في رفع مساهمة القطاع اللوجيستي في الناتج المحلي، وجذب الاستثمارات، وتنشيط حركة إعادة التصدير، وخفض التكاليف التشغيلية، إلى جانب خلق فرص عمل نوعية.

بينما يرى الحربي أن العائد الأكبر يتجاوز المؤشرات المباشرة، رغم تسجيل نمو في مناولة الحاويات بنسبة 10.6 في المائة لتصل إلى 8.3 مليون حاوية في 2025، مؤكداً أن الأثر الأهم يتمثل في ترسيخ مكانة السعودية كـ«صمام أمان لوجيستي» للمنطقة؛ ما يعزز ثقة المستثمرين العالميين ويدعم مستهدفات «رؤية 2030».

وفي المحصلة، تكشف هذه التسهيلات عن أن السعودية لم تكتفِ بإدارة أزمة طارئة، بل أعادت تشكيل دورها في خريطة التجارة الإقليمية عبر منظومة نقل متكاملة قادرة على امتصاص الصدمات وتحويل التحديات فرصاً، وترسيخ موقعها مركزاً لوجيستياً يربط بين القارات ويؤمّن تدفق السلع في أصعب الظروف.


مقالات ذات صلة

«سال» السعودية توسع خياراتها اللوجستية مع تغير خريطة التجارة العالمية

خاص جانب من مشاركة «سال» في المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية (الشرق الأوسط)

«سال» السعودية توسع خياراتها اللوجستية مع تغير خريطة التجارة العالمية

أعادت الاضطرابات الجيوسياسية وتغير مسارات التجارة العالمية تعريف مفهوم كفاءة سلاسل الإمداد.

ساره بن شمران (الرياض)
خاص سلسلة التبريد السعودية... «سباق الزمن» من التخزين إلى التوزيع

خاص سلسلة التبريد السعودية... «سباق الزمن» من التخزين إلى التوزيع

مع نمو الطلب على الغذاء والدواء، تنتقل سلسلة التبريد السعودية إلى مرحلة جديدة، تبرز فيها كفاءة الشبكة، وسرعة المناولة، والقدرة على التعافي.

ساره بن شمران (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (واس)

فائض الميزان التجاري السعودي يتراجع إلى 3.84 مليار دولار خلال يوليو

سجل فائض الميزان التجاري السلعي للسعودية تراجعاً بنسبة 25.0 في المائة خلال شهر يوليو (تموز) 2026 على أساس سنوي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد خلال حفل توقيع العقد بين «سار» و«ألستوم» (الشرق الأوسط)

«سار» السعودية ترفع أداء قطار الشمال للشحن بعقد مع «ألستوم»

أبرمت الخطوط الحديدية السعودية «سار» عقداً مع شركة «ألستوم» الفرنسية بقيمة 22 مليون يورو، لمدة 5 سنوات، لرفع كفاءة وأداء قطار الشمال للشحن.

الاقتصاد ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (موانئ)

موانئ السعودية تتعامل مع أكثر من 341 مليون طن من الشحن خلال 2025

تجاوز إجمالي كميات الشحن الصادرة والواردة عبر موانئ السعودية 341 مليون طن خلال عام 2025، مع ارتفاع كل من الصادرات والواردات مقارنة بالعام السابق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مع توسيع باب استيراد المواشي... هل تنخفض أسعار اللحوم في السعودية؟

مجموعة من الأغنام في إحدى أسواق المواشي بالسعودية (واس)
مجموعة من الأغنام في إحدى أسواق المواشي بالسعودية (واس)
TT

مع توسيع باب استيراد المواشي... هل تنخفض أسعار اللحوم في السعودية؟

مجموعة من الأغنام في إحدى أسواق المواشي بالسعودية (واس)
مجموعة من الأغنام في إحدى أسواق المواشي بالسعودية (واس)

تفتح السعودية باباً جديداً أمام الأفراد لاستيراد المواشي، في خطوة تستهدف تعزيز المعروض في السوق ودعم استقرار أسعار اللحوم الحمراء، مع السماح باستيراد كميات جديدة من الأغنام والإبل والأبقار كل 6 أشهر.

وبحسب دليل تراخيص الاستيراد، التي أقرت من الحكومة، مؤخراً، يسمح للأفراد باستيراد 100 رأس من الأغنام والماعز، أو 15 من الأبقار، أو 15 من الإبل فقط كل 6 أشهر.

ويطرح القرار تساؤلاً اقتصادياً رئيسياً حول مدى انعكاس زيادة المعروض على أسعار اللحوم للمستهلك، في وقت يواجه فيه مربو المواشي المحليون تحديات متزايدة تتمثل في ارتفاع تكاليف الأعلاف وتراجع جدوى الإنتاج.

الإنتاج المحلي

وبينما قد يسهم الاستيراد في تعزيز المنافسة ورفع وفرة المعروض، تبقى تكلفة الإنتاج المحلي عاملاً مؤثراً في تحديد قدرة السوق على تحقيق انخفاض مستدام في أسعار اللحوم.

ويرى مختصون أن قرار السماح للأفراد من المواطنين السعوديين والمقيمين باستيراد المواشي كل 6 شهور للغنم 100 رأس والإبل 15 متناً والبقر 15 رأساً، مهم ويهدف إلى زيادة الإنتاج المحلي والمساهمة في تخفيض أسعار اللحوم الحمراء.

وطبقاً للمختصين، فإن السماح للأفراد باستيراد المواشي يسهم في تخفيف الضغوط السعرية على سوق اللحوم الحمراء، خصوصاً مع زيادة حجم المعروض وتوسيع قاعدة الموردين ورفع مستوى المنافسة، إلا أن حجم الانخفاض المتوقع سيظل مرتبطاً بتكلفة الاستيراد والنقل وأسعار الأعلاف محلياً، إضافة إلى قدرة السوق على استيعاب الكميات الجديدة.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه أسعار اللحوم الحمراء في المملكة ارتفاعاً في الأسعار، وسط مطالبات سابقة بالنظر إلى هذه الإشكالية للحد من هذه الزيادة والبحث عن الحلول المناسبة بما فيها التوسع في استيراد المواشي، للضغط على السوق المحلية مع ارتفاع المعروض أمام حجم الطلب، وبالتالي تقديم أسعار تنافسية أسوةً بدول الجوار.

مربو مواشٍ يعرضون عدداً من منتجاتهم للبيع في إحدى الأسواق المخصصة (واس)

دول الاستيراد

تساءل رئيس رابطة مربي المواشي، الناشط والمهتم بتنمية الثروة الحيوانية، سعود الهفتاء، عما إذا كان القرار يشمل السماح باستيراد الإناث؛ أي الأمهات المنتجة من المواشي، أم فقط الذكور للذبح مثل الخرفان والتيوس والقعدان والعجول، أم السماح بكليهما.

ومن المهم أيضاً تحديد الدول التي تسمح بتصدير الأمهات، مع العلم أن أغلب البلدان تجرم وتحرم تصدير الأمهات للحفاظ على تنمية ثروتها الحيوانية، وعلى الجهة المعنية توضيح ذلك لمن يرغب في الاستيراد، مؤكداً وجود أزمة حالية تتمثل في شح الأعلاف بسبب بعض القيود، وكذلك منع زراعة الشعير، ما تسبب في ارتفاع الأسعار، وزاد كذلك الارتفاع ونقص العرض بالسوق المحلية سحب كميات كبيرة من قبل أغلب الشركات المنتجة للألبان، وأيضاً كبار موردي المواشي، وفق الهفتاء.

وبيّن خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن النظام يلزم باستيراد أعلاف المواشي من خارج المملكة، ولكن لم يطبَّق بالشكل الصحيح، وكذلك ارتفاع سعر الشعير المستورد الذي تجاوز 87 ريالاً للكيس وزن 50 كيلوغراماً.

واستطرد: «من المهم معرفة مصير مواشينا المحلية بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف الآن، وماذا سيحدث عند دخول المواشي المستوردة؛ هل ستنخفض أسعارها أم ستزيد؟ ما يضغط على مربي المواشي ويدفعهم إلى بيعها والتخلي عنها».

وشدد الهفتاء على ضرورة وجود برنامج أو خطة مدروسة لتخفيض سعر الأعلاف، والسماح باستيراد الشعير والأعلاف الخضراء للأفراد من مربي المواشي بشروط ميسرة.

مجموعة من الإبل (واس)

أسعار أكثر تنافسية

من ناحيته، ذكر المستثمر في المواشي إبراهيم الحردي، أن أثر القرار قد يكون أكثر وضوحاً على المدى القصير، مع دخول كميات إضافية إلى الأسواق، لكن تحقيق انخفاض مستدام في أسعار اللحوم يتطلب معالجة تكلفة الإنتاج من جذورها، وفي مقدمتها الأعلاف، إلى جانب دعم استمرارية المربين المحليين.

وأفاد الحردي لـ«الشرق الأوسط»، بأن زيادة المعروض المستورد قد تضغط على الأسعار، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا ظلت تكلفة تربية المواشي وإنتاجها محلياً مرتفعين.

وواصل أن نجاح القرار في الوصول إلى أسعار أكثر تنافسية للمستهلك لا يقاس فقط بحجم المواشي المستوردة، وإنما بقدرته على تحقيق توازن بين 3 أطراف رئيسية: المستهلك الباحث عن سعر مناسب، والمربي المحلي الذي يحتاج إلى تكلفة إنتاج مجدية، والسوق التي تحتاج إلى إمدادات مستقرة ومتنوعة.

وأضاف أن تحقيق هذا التوازن يشكل عاملاً أساسياً لضمان أن يتحول القرار من إجراء لزيادة المعروض إلى أداة مستدامة لدعم استقرار أسعار اللحوم وتعزيز الأمن الغذائي في المملكة.


من أمن الإمدادات إلى الذكاء الاصطناعي... قضايا تجمع قادة الطاقة العالميين في الرياض

العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

من أمن الإمدادات إلى الذكاء الاصطناعي... قضايا تجمع قادة الطاقة العالميين في الرياض

العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

تتجه أنظار قطاع الطاقة العالمي إلى الرياض اعتباراً من يوم الأحد، مع انطلاق أسبوع من الاجتماعات الوزارية، والفعاليات الدولية التي تجمع كبار المسؤولين الحكوميين، وقيادات شركات الطاقة، والمنظمات الدولية، والخبراء، وذلك بمشاركة وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان.

وفقاً للبرنامج المعلن.

وتكتسب الاجتماعات أهمية في ظل التوترات الجيوسياسية، والمخاطر المحيطة بمضيق هرمز، وما تطرحه من تساؤلات بشأن أمن تدفقات النفط والغاز، ومرونة البنية التحتية، وطرق التصدير. وفي هذا السياق يبرز خط أنابيب شرق–غرب السعودي، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بوصفه أحد المسارات التي تتيح تصدير النفط بعيداً عن المضيق، وتعزز مرونة منظومة التصدير في مواجهة اضطرابات الملاحة.

ولا تقتصر الملفات المطروحة خلال أسبوع الطاقة على أمن الإمدادات، بل تشمل أيضاً احتياجات الاستثمار، والطلب المتنامي على الكهرباء، وتسارع توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في منظومة الطاقة، بما يعكس اتساع التحديات، والفرص التي تواجه القطاع.

وتتوزع فعاليات الأسبوع، الممتد من 11 إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول)، بين الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، والاجتماعات الوزارية المعنية بالطاقة النظيفة، والابتكار، والبرنامج الرئيس لمؤتمر البترول العالمي، ومعرضه المصاحب، إلى جانب فعاليات فنية تنظمها منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول «أوابك».

وتستضيف المملكة مؤتمر البترول العالمي للمرة الأولى في تاريخه الممتد لأكثر من تسعة عقود، وبمشاركة دولية تضم وزراء، ومسؤولين حكوميين، وقيادات شركات الطاقة، وممثلين عن المنظمات الدولية، إلى جانب خبراء، ومتخصصين. ويجمع الحدث بين جلسات استراتيجية، وحوارات وزارية، وبرنامج فني، ومعرض دولي يستعرض التقنيات والحلول المرتبطة بقطاع الطاقة.

ولا تقتصر أهمية أسبوع الطاقة على تنوع الاجتماعات، والمشاركين، بل تمتد إلى اتساع الملفات المطروحة أمام صناع القرار، والشركات، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى ضمان أمن الإمدادات، واستقرار الأسواق، بالتوازي مع تلبية متطلبات الاستثمار، ورفع كفاءة استخدام الطاقة، وتطوير التقنيات. فالنقاش لا يدور حول مصادر الطاقة التي يحتاج إليها الاقتصاد العالمي فحسب، بل يشمل أيضاً سبل إنتاجها، ونقلها، وتمويلها، وتوفيرها بتكلفة مناسبة، ومواكبة التحولات في أنماط الاستهلاك والطلب.

الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال مشاركته في مؤتمر البترول العالمي في نسخته السابقة في كالغاري - كندا (رويترز)

اجتماع وزاري يفتتح أسبوع أمن الطاقة

تبدأ الفعاليات الرئيسة يوم الأحد 11 أكتوبر باجتماع وزاري لمنتدى الطاقة الدولي، تحت شعار «أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد»، باستضافة السعودية، وبالشراكة مع إيطاليا، ونيجيريا.

ويجمع الاجتماع الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة لمناقشة التحديات المشتركة، وتعزيز الحوار بشأن استقرار الأسواق، وأمن الإمدادات، والاستثمار طويل الأجل. وتكتسب هذه الملفات أهمية متزايدة في ظل المخاطر الجيوسياسية التي قد تؤثر في سلاسل الإمداد، والبنية التحتية، والحاجة إلى استثمارات تواكب نمو الطلب في أسواق الطاقة.

ويشمل جدول الأعمال تعزيز التنسيق بين الدول المنتجة والمستهلكة، وتطوير أطر التجارة، والاستثمار، وتسريع إتاحة تقنيات الطاقة النظيفة بأسعار ميسورة، بما يدعم المرونة الاقتصادية، والتنافسية، ويراعي أهداف التنمية.

كما يبرز دور البنية التحتية وشبكات النقل والتجارة في تعزيز مرونة أسواق الطاقة، إلى جانب أهمية السياسات الواضحة والأطر التنظيمية المستقرة في تشجيع الاستثمارات طويلة الأجل عبر مختلف حلقات سلسلة الإمداد.

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم - عُمان (رويترز)

مؤتمر البترول العالمي

ويوم الاثنين ينطلق البرنامج الرسمي لمؤتمر البترول العالمي، ويستمر حتى الخميس 15 أكتوبر، تحت شعار «مسارات نحو مستقبل للطاقة للجميع».

ويشكّل المؤتمر أحد المحاور الرئيسة لأسبوع الطاقة في الرياض، من خلال جلسات وزارية، واستراتيجية، وحوارات مع قيادات شركات الطاقة، وبرنامج فني متخصص، ومعرض يتيح للشركات عرض التقنيات، والحلول، والمشروعات. ويجمع البرنامج موضوعات أمن الطاقة، وأسواق النفط والغاز، والاستثمار، والتمويل، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والمعادن الحيوية، وإدارة الكربون، والغاز الطبيعي، ومستقبل مزيج الطاقة.

وتبرز أهمية المؤتمر في جمعه بين قضايا أسواق الطاقة التقليدية والتحولات التقنية والبيئية التي تعيد تشكيل قرارات الاستثمار. فالنفط والغاز سيظلان محوراً للنقاش بشأن الطلب، والإمدادات، والطاقة الإنتاجية، كل ذلك بالتوازي مع تنامي الاهتمام بالكهرباء، والتقنيات الرقمية، وكفاءة استخدام الموارد، وإدارة الانبعاثات.

وتتيح مشاركة قيادات شركات كبرى -منها «أرامكو»، و«إكسون موبيل»، و«شيفرون»، و«شيل»، و«بي بي»- متابعة توجهات القطاع حيال الاستثمار، والإنتاج، والطلب، والتقنيات. وتكتسب هذه النقاشات أهمية في ضوء ارتباط القرارات الاستثمارية بتوقعات الأسواق، والأسعار، وتكاليف التمويل، فضلاً عن المخاطر الجيوسياسية، والتغيرات التنظيمية، والتطورات التقنية التي تؤثر في جدوى المشروعات طويلة الأجل.

ويعكس شعار المؤتمر «مسارات نحو مستقبل للطاقة للجميع» تعدد الخيارات اللازمة لتلبية الاحتياجات العالمية، في ظل تفاوت موارد الدول، وأولوياتها الاقتصادية. ويضع ذلك القدرة على تحمل التكلفة وموثوقية الإمدادات وتطوير البنية التحتية في صلب النقاش، إلى جانب متطلبات الاستدامة، وخفض الانبعاثات.

الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال مشاركته في مؤتمر البترول العالمي في نسخته السابقة في كالغاري - كندا (إ.ب.أ)

الطاقة النظيفة والابتكار على طاولة الوزراء

وبالتوازي مع اجتماع منتدى الطاقة الدولي تستضيف الرياض خلال الفترة من 11 إلى 13 أكتوبر الاجتماع الوزاري السابع عشر للطاقة النظيفة، وذلك بالتزامن مع الاجتماع الوزاري الحادي عشر لمبادرة «ميشن إنوفيشن» المعنية بتسريع الابتكار في تقنيات الطاقة النظيفة.

وتتناول الاجتماعات الابتكار، والتعاون في تطوير تقنيات الطاقة النظيفة، وتوسيع استخدامها. وتكتسب هذه الملفات أهمية اقتصادية مع تزايد الحاجة إلى استثمارات جديدة، وتنامي الطلب على الكهرباء، والتحدي المتمثل في خفض الانبعاثات من دون الإضرار بأمن الإمدادات، أو القدرة التنافسية للاقتصادات.

ويظل التحدي الأساسي في تحويل المبادرات والتعهدات إلى مشروعات ممولة، وتطبيقات واسعة النطاق، بما يتيح قياس أثرها الفعلي في كفاءة أنظمة الطاقة، وتكاليفها.

المعرض الدولي للطاقة

وتوازياً أيضاً، يفتتح المعرض المصاحب للمؤتمر يوم الاثنين، ويستمر حتى الخميس 15 أكتوبر، ليشكل الجانب العملي والتجاري من أسبوع الطاقة.

ويتيح المعرض للشركات استعراض التقنيات، والحلول، والمشروعات المرتبطة بالطاقة، والتواصل مع المستثمرين، وصناع القرار، ومقدمي الخدمات، في مساحة تجمع المؤسسات العاملة في مجالات الإنتاج، والخدمات الهندسية، والبنية التحتية، والتقنيات الرقمية، والحلول البيئية.

وتكمن أهمية المعرض في أنه يوفر مجالاً لمقارنة الحلول المطروحة في السوق، ومتابعة التطبيقات التي تستهدف تحسين كفاءة الإنتاج، والتشغيل، وتطوير البنية التحتية، وإدارة الانبعاثات، والاستفادة من البيانات والتقنيات الحديثة. كما يمكن أن يشكل مساحة لتطوير العلاقات التجارية، واستكشاف فرص التعاون بين الشركات والمؤسسات.

ومن منظور اقتصادي، يتيح المعرض متابعة كيفية انتقال الابتكار من مرحلة العرض والتجربة إلى مرحلة التطبيق والاستثمار. فالتقنية لا تكتسب قيمتها من حداثتها وحدها، وإنما من قدرتها على خفض التكاليف، أو تحسين الكفاءة، أو زيادة موثوقية الإمدادات، أو تقليص المخاطر التشغيلية.

ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية في إدارة العمليات الصناعية، وشبكات الكهرباء، وارتفاع الحاجة إلى حلول ترفع كفاءة استخدام الطاقة، وتدعم استقرار الإمدادات. كما تتيح مشاركة الشركات فرصة لرصد المجالات التي تستقطب اهتمام المستثمرين، والتحديات التي تواجه توسيع استخدام التقنيات الجديدة.

منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) (كونا)

«أوابك» والتحولات الطاقية

وتحضر قضايا التحولات في قطاع الطاقة وانعكاساتها على الاقتصادات العربية المنتجة للنفط والغاز ضمن برنامج أسبوع الطاقة، وذلك من خلال فعاليات تنظمها منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول «أوابك»، وتتناول الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لهذه التحولات، إلى جانب سبل خفض الانبعاثات في الصناعات النفطية.

ويبدأ البرنامج بورشة رفيعة المستوى يوم الثلاثاء 13 أكتوبر، تليها ندوة فنية يومي الأربعاء، والخميس 14 و15 أكتوبر. وتشمل الموضوعات المعلنة محركات التحولات العالمية في قطاع الطاقة، وتأثيرها في اقتصادات الدول العربية المنتجة للنفط، فضلاً عن تداعياتها الاجتماعية، والبيئية.

كما تتضمن الفعاليات الندوة الثالثة بشأن مسارات خفض انبعاثات الكربون في الصناعات النفطية التحويلية -التي تنظمها وزارة الطاقة السعودية بالتعاون مع «أوابك»- لاستعراض الابتكارات والحلول التقنية التي يمكن أن تسهم في تقليص الانبعاثات، وتعزيز الاستدامة في هذه الصناعات.

وتكتسب هذه الملفات أهمية اقتصادية للدول العربية المنتجة، بالنظر إلى دور النفط والغاز في الإيرادات العامة، والصادرات، والاستثمار، والتوظيف. فالتحولات في أسواق الطاقة والتقنيات المستخدمة في الإنتاج والتكرير والتصنيع تؤثر في تكاليف التشغيل، والقدرة التنافسية، وتحدد جانباً من احتياجات تحديث الأصول الصناعية، والاستثمار في التقنيات الحديثة. كما تطرح تساؤلات بشأن قدرة هذه الاقتصادات على مواكبة التغيرات في أسواق التصدير، وتنويع مصادر الدخل، مع تفاوت الموارد، والإمكانات المالية، والبنية التحتية بين الدول العربية.

الذكاء الاصطناعي والكهرباء

ومن الموضوعات التي تستحق متابعة خاصة خلال أسبوع الطاقة العلاقة بين التوسع في الذكاء الاصطناعي والطلب على الكهرباء، وما يفرضه ذلك من احتياجات لتطوير قدرات التوليد، وشبكات النقل، والتوزيع، والبنية التحتية.

فالتوسع في مراكز البيانات والتطبيقات الرقمية لا يزيد الطلب على الكهرباء فحسب، بل يرفع أيضاً أهمية موثوقية الإمدادات، والقدرة على تلبية الأحمال المتزايدة. ويطرح ذلك تساؤلات بشأن توزيع الاستثمارات بين زيادة قدرات التوليد، وتحديث الشبكات، وتطوير حلول التخزين، وإدارة الطلب، فضلاً عن دور الغاز والطاقة المتجددة ومصادر الطاقة الأخرى في تلبية الاحتياجات الجديدة. وفي المقابل، تتيح الأنظمة الرقمية فرصاً لتحسين التنبؤ بالطلب، وإدارة الأصول، ورفع كفاءة التشغيل.

وتوفر مشاركة الشركات العاملة في الطاقة والتقنيات الرقمية فرصة لمتابعة التطبيقات التي دخلت مرحلة الاستخدام التجاري، والمشروعات التي لا تزال قيد التطوير، فضلاً عن تقديرات الشركات لتكاليف الاستثمار، والعوائد المتوقعة. ويكتسب هذا الجانب أهمية في ظل الحاجة إلى موازنة متطلبات التوسع الرقمي مع تكلفة توفير الكهرباء، والبنية التحتية اللازمة لاستدامته.

وبالنسبة إلى السعودية، يبرز هذا الملف التكامل بين تطور قطاع الطاقة، والنمو المتسارع للاقتصاد الرقمي، والصناعات الجديدة، وما يتيحه من فرص لتوسيع الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد. ويعزز هذا الترابط أهمية قطاع الطاقة في دعم الأنشطة الاقتصادية الجديدة، ومواكبة التطور التقني، وتهيئة مقومات النمو في السنوات المقبلة.

في الختام، تعكس استضافة الرياض هذه الاجتماعات اتساع الحوار الدولي بشأن مستقبل الطاقة، في مرحلة تتسارع فيها التحولات التكنولوجية، وتتنامى فيها فرص الاستثمار، وتتنوع احتياجات الأسواق. وتتيح النقاشات المرتقبة متابعة توجهات الحكومات والشركات نحو تطوير منظومة الطاقة، وتعزيز التعاون الدولي، والاستفادة من التقنيات الجديدة بما يدعم موثوقية الإمدادات، وكفاءة استخدام الموارد، والنمو الاقتصادي.


لماذا يشعر الناس بأنهم أفقر بينما الاقتصاد ينمو؟

متسوقون في مركز تجاري بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
متسوقون في مركز تجاري بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
TT

لماذا يشعر الناس بأنهم أفقر بينما الاقتصاد ينمو؟

متسوقون في مركز تجاري بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
متسوقون في مركز تجاري بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

هناك شيء لا يستقيم في الاقتصاد العالمي اليوم.

الأرقام تقول إن الاقتصادات تنمو، والإنتاج يرتفع، والتكنولوجيا تحقق قفزات غير مسبوقة، والثروات الخاصة تبلغ مستويات قياسية. لكن ملايين الناس لا يعيشون هذا الازدهار بالطريقة التي توحي بها التقارير الاقتصادية. بالنسبة إليهم، الاقتصاد الذي «ينمو» هو اقتصاد ترتفع فيه بدلات الإيجارات، وتزداد تكلفة الطعام والطاقة، ويصبح شراء منزل أكثر صعوبة، ويحتاج الراتب إلى جهد أكبر و«تقليم أظفار» لكي يكمل رحلة الوصول إلى نهاية الشهر.

هنا تكمن المعادلة الغريبة في الاقتصاد الحديث: يمكن للاقتصاد أن يصبح أكثر ثراءً، فيما يشعر الفرد بأنه أصبح أفقر.

مخيم احتجاجي بشأن مشكلة الإسكان في ساحة «بويرتا ديل سول» بمدريد. وقد أدى إجلاء امرأة تبلغ من العمر 87 عاماً من منزلها المستأجر إلى خروج الناس في جميع أنحاء إسبانيا إلى الشوارع للاحتجاج على أزمة الإسكان المستمرة (إ.ب.أ)

* الناتج والواقع

المشكلة أن الناتج المحلي الإجمالي، على أهميته، لا يكفي لقياس هذه التجربة؛ فهو يقيس قيمة ما ينتجه الاقتصاد من سلع وخدمات، لكنه لا يحدّد بالضرورة من حصل على ثمار هذا الإنتاج، ولا كم يستطيع العامل أو الموظّف العادي أن يشتري براتبه، ولا ما إذا كان يستطيع تحمّل تكلفة منزل أو تعليم أولاده، أو مواجهة مرض مفاجئ.

ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، بلغ متوسط دخل الأسرة الأميركية 87,460 دولاراً في عام 2025، وهو مستوى قياسي بعد احتساب التضخم. وللوهلة الأولى تبدو الصورة إيجابية. لكن هذه الزيادة الحقيقية لم تتجاوز 2.5 في المائة مقارنة بعام 2019؛ أي خلال 6 سنوات كاملة. وللمقارنة، ارتفع دخل الأسرة الوسيط الحقيقي بنحو 19 في المائة خلال السنوات الست السابقة لعام 2019.

بمعنى آخر، الأميركي اليوم قد يكسب أكثر من الناحية الاسمية، لكن الطريق إلى تحسين مستوى معيشته أصبح أكثر وعورة.

وهذه ليست مشكلة أميركية فقط؛ ففي أوروبا، ارتفعت أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي بنسبة 53 في المائة بين عامي 2010 و2024، فيما ارتفعت بدلات الإيجارات بنسبة 25 في المائة خلال الفترة نفسها. وفي 2024، كانت الأسر الأوروبية تنفق في المتوسط 19 في المائة من دخلها المتاح على السكن. وترتفع النسبة إلى 37 في المائة لدى الأسر ذات الدخل المنخفض.

وفي فرنسا، وهي من أكبر اقتصادات أوروبا، تظهر المفارقة بصورة أكثر وضوحاً؛ فقد خسرت الأسرة المكونة من 4 أشخاص، في المتوسط، نحو 1,200 يورو سنوياً من قدرتها الشرائية بين عامي 2024 و2026، وفق تقديرات حديثة. كما تراجعت الأجور الحقيقية بنحو 2 في المائة منذ 2019.

البورصات من أماكن تركّز الثروة في أيدي أعضاء «نادي النخبة» (رويترز)

وهذا يفسر لماذا لا تكفي عبارة «النمو الاقتصادي» لإقناع الناس بأن أوضاعهم تتحسن.

فالإنسان لا يشتري طعامه وملبسه بالناتج المحلي الإجمالي. ولا يدفع فاتورة الكهرباء بمعدل النمو. ولا يسدد إيجاره بمؤشر البورصة؛ إنه يدفع بدخله.

* مشكلة الأجور الحقيقية

هنا تأتي المشكلة الثانية: الأجور الحقيقية.

تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الأجور الحقيقية بدأت تتحسن مجدداً في العديد من البلدان، لكنها لا تزال، في عدد كبير منها، دون المستوى الذي كانت ستبلغه لو لم تضرب موجة التضخم العالم منذ عام 2022. وفي الربع الأول من 2026، بلغ متوسط نمو الأجور الحقيقية 2.2 في المائة في دول المنظمة، مقارنة بـ2.7 في المائة في الفترة نفسها من العام السابق.

أي إن المعركة لم تنتهِ بانخفاض التضخم؛ فالأسعار التي ارتفعت بقوة لا تعود من تلقائها إلى مستوياتها السابقة عندما ينخفض معدل التضخم. وإذا ارتفع السعر من 100 إلى 130، ثم تباطأ التضخم، فهذا لا يعني أن السعر عاد إلى 100، إنه يعني فقط أن الارتفاع أصبح أبطأ.

وهذا التفصيل البسيط هو أحد أسباب سوء الفهم الكبير بين الاقتصاديين والمواطنين؛ فالاقتصادي قد يقول: «التضخم يتراجع»، أما المواطن فيقول: «لكن الأسعار لا تزال مرتفعة». وكلاهما على حق.

* مفارقة قاسية

في لبنان، على سبيل المثال أيضاً، تبدو المفارقة أكثر قسوة، لأن الأزمة لم تكن مجرد مشكلة في القدرة الشرائية، بل حصل انهيار مالي ونقدي واجتماعي شامل.

فبعد أن سجل الاقتصاد اللبناني نمواً حقيقياً نسبته 4.2 في المائة في 2025، كان يمكن النظر إلى ذلك بوصفه بداية تعافٍ بعد سنوات من الانهيار. لكن البنك الدولي يتوقع أن ينكمش الاقتصاد 6.4 في المائة في 2026 نتيجة تجدد الصراع وتداعياته على الاستهلاك والاستثمار والسياحة والبنية التحتية. كما يتوقع أن يبلغ التضخم 17.5 في المائة هذا العام، خصوصاً أن الميزان التجاري اللبناني يميل بقوّة نحو الواردات.

وأفاد صندوق النقد الدولي، في سبتمبر (أيلول) 2026، بأن التضخم في لبنان لا يزال في خانة العشرات، وأن التطورات الأمنية ألحقت أضراراً جديدة بمستويات المعيشة والبنية التحتية والمساكن، فيما لا يزال القطاع المصرفي في حاجة إلى إعادة هيكلة عميقة.

بتعبير آخر، يعرف اللبناني معنى «النمو» و«الانكماش» من حياته اليومية؛ يعرفه من سعر الطعام، ومن تكلفة النقل، ومن قيمة مدخراته، ومن قدرته على دفع فاتورة الاستشفاء أو التعليم، ويعرفه أيضاً من السؤال الذي أصبح أكثر أهمية من أي مؤشر اقتصادي: كم بقي من قدرتي الشرائية؟

وهذا هو جوهر المشكلة العالمية.

أشخاص يتناولون طعاماً يوزعه «اتحاد عمال الاقتصاد الشعبي» في بوينس آيرس مجاناً (أ.ب)

* قياس الأمان

لقد طورت البشرية مؤشرات دقيقة لقياس حجم الاقتصاد، لكنها لا تزال تبحث عن طريقة مثالية لقياس الأمان الاقتصادي؛ بل لتحقيقه.

قد يرتفع الناتج، لكن إذا ارتفعت تكلفة السكن بوتيرة أسرع من الأجور، فإن المواطن سوف يشعر بأنه خسر. وقد ترتفع الثروة الوطنية، لكن إذا تركزت مكاسبها في أعلى الهرم الاجتماعي، فلن يستفيد منها معظم الناس. وقد ينخفض التضخم، لكن ذلك لا يعني أن الأسعار عادت إلى ما كانت عليه.

لذلك فإن السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية ليس كم نما الاقتصاد، بل من استفاد من هذا النمو؟

وإذا كان الاقتصاد ينتج ثروة أكبر، فإنه لا يمنح الطبقة الوسطى قدرة أكبر على شراء منزل، ولا يوفر للعامل أجراً يحميه من التضخم، ولا يمنح الأسرة شعوراً أكبر بالأمان، فما قيمة أن تكون الأرقام جميلة؟

ربما حان الوقت للتوقف عن التعامل مع الناتج المحلي الإجمالي باعتباره مرآة كاملة للازدهار؛ فالاقتصاد ليس أرقاماً فقط، الاقتصاد هو أيضاً ما يستطيع الإنسان أن يشتريه، وما يستطيع أن يدخره، وما يستطيع أن يخطط له، وما إذا كان يشعر بأن الغد سيكون أفضل من اليوم.

وعندما تصبح هذه الإجابات سلبية، يمكن لاقتصاد كامل أن يبدو مزدهراً على الورق، فيما يشعر الناس الذين يعيشون داخله بأنهم أفقر.

العملات جميعها تفقد بعضاً من قيمتها مع الوقت (رويترز)

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ ومؤداها أنه حين يصبح النمو الاقتصادي حقيقة في الإحصاءات، فإنه لا يعود حقيقة في حياة الناس، حيث تتآكل الطبقة الوسطى التي تشكل عماد أي مجتمع ومحرّكه الأول.

وخلاصة القول أن النمو الذي لا يصل إلى الطبقة الوسطى يخلق أزمة ثقة بالديمقراطية والاقتصاد نفسه، وهذا ما يخلخل المجتمعات والدول، وقد يزلزلها.