صراع «ميليشيات الزاوية» على النفوذ يضاعف التوترات في غرب ليبيا

على وقع اشتباكات متكررة ناجمة عن هشاشة الوضع الأمني وغياب الاستقرار

رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة يصافح قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» قبل مأدبة إفطار في الزاوية (مكتب الدبيبة)
رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة يصافح قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» قبل مأدبة إفطار في الزاوية (مكتب الدبيبة)
TT

صراع «ميليشيات الزاوية» على النفوذ يضاعف التوترات في غرب ليبيا

رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة يصافح قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» قبل مأدبة إفطار في الزاوية (مكتب الدبيبة)
رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة يصافح قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» قبل مأدبة إفطار في الزاوية (مكتب الدبيبة)

مع كل موجة اشتباكات تندلع في مدينة الزاوية غرب ليبيا، يؤكد خبراء أن «صراع النفوذ بين الميليشيات أصبح واقعاً يفاقم التوتر ويثير مخاوف السكان»، في سياق مشهد أمني تتداخل فيه تشكيلات محسوبة على الدولة مع أخرى تعمل «خارج القانون»، وفي ظل هشاشة السيطرة الأمنية وغياب الاستقرار.

وتتكرر الاشتباكات بين الفصائل المسلحة في تلك المدينة بشكل متقطع، ما يفاقم حالة القلق بين سكان المدينة، البالغ عددهم نحو 351 ألف نسمة، وفق أرقام رسمية، ويعكس ضعف الوضع الأمني في منطقة ذات أهمية استراتيجية؛ بالنظر لوقوعها على الطريق الساحلي، واحتضانها لأكبر مصفاة نفطية في البلاد.

محمد القصب أحد قادة الجماعات المسلحة في الزاوية خلال حضور إفطار رمضاني مارس الحالي (بلدية الزاوية)

وتمثلت أحدث هذه المواجهات في اشتباكات اندلعت، مساء الأحد، خلال عيد الفطر بين مجموعتين محليتين، تُعرفان بـ«أبناء الجن» و«أبناء المداح»، استخدمت فيها أسلحة خفيفة وقاذفات «آر بي جي»، ما أعاد حالة الذعر إلى الأهالي، الذين نقلت وسائل إعلام وصفحات تواصل ليبية استغاثاتهم المتكررة.

والملاحظ هو أن هذا التطور الأمني جاء بعد جدل واكب تحركات حكومة «الوحدة» لتعزيز تواصلها في شهر رمضان مع فعاليات اجتماعية وقبلية بحضور قادة فصائل مسلحة في الزاوية، خلال إفطار جمع رئيسها عبد الحميد الدبيبة بعدد من هؤلاء القادة، ووجّه رسائل كلامية مباشرة لبعضهم في تسجيلات مصورة متداولة.

عنصران أمنيان في الزاوية (مديرية أمن المدينة)

وحسب مدير «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، شريف بوفردة، فإن هذا الواقع الميليشياوي بات بمثابة «شبكة معقدة»، في ظل عمل التشكيلات المسلحة خارج السيطرة الفعلية للدولة، رغم تبعية عدد منها شكلياً لمؤسسات أمنية وعسكرية في غرب ليبيا، من حيث الرتب والأرقام والمقار الرسمية، وفقاً لما قاله لـ«الشرق الأوسط».

وتقع الزاوية غرب طرابلس بنحو 50 كلم، ضمن محور أمني ممتد من جنزور إلى زوارة، وتشهد المدينة تقلبات مستمرة في موازين القوى.

ويشير بوفردة إلى أن التحالفات بين ميليشيات «أحادية الخلية» «تتسم بالتنافس الحاد ومحاولات التصفية، مع غياب أي فصيل قادر على فرض سيطرة شاملة، ما يجعل المشهد الأمني في الزاوية في حالة سيولة مستمرة».

وتندرج هذه الميليشيات في الزاوية ضمن ثلاث فئات رئيسية، حسب ارتباطها بالمؤسسات الرسمية، وفق قراءة المحلل العسكري، محمد الترهوني لـ«الشرق الأوسط»، أولها التشكيلات المرتبطة بالمجلس الرئاسي، وأبرزها جهاز الدعم والاستقرار بقيادة حسن أبو زريبة، الذي يتمتع بغطاء قانوني مباشر من المجلس الرئاسي، ولا يتبع وزارة الدفاع أو رئاسة الأركان.

ورغم الطابع الرسمي لجهاز «دعم الاستقرار»، تشير تقارير خبراء الأمم المتحدة إلى تورطه في صراعات نفوذ محلية، تتجاوز مهامه الأمنية المعلنة، خصوصاً في الزاوية ومحيطها. أما الفئة الثانية فتشمل تشكيلات محسوبة على وزارة الدفاع، مثل «كتيبة 459» بقيادة محمد المرتاح، و«اللواء 52 مشاة» بقيادة محمود بن رجب، وهي كيانات مندمجة شكلياً في الهياكل الرسمية، وتتلقى تمويلاً حكومياً، لكنها انخرطت في صراعات مباشرة مع أجهزة موازية للسيطرة على مواقع استراتيجية، بينها مصفاة الزاوية.

في المقابل، تضم الفئة الثالثة ميليشيات غير خاضعة رسمياً، أبرزها «ميليشيا الفار» بقيادة محمد سالم بحرون، بوصفها قوة من دون وضع قانوني، تعتمد على نفوذها العسكري في صراعات المرافق الحيوية، إلى جانب ميليشيا القصب (وحدة الإسناد الأولى)، بقيادة محمد كشلاف، المتهمة دولياً بالارتباط بأنشطة تهريب الوقود والمهاجرين، وتتحرك خارج الأطر الرسمية بتفاهمات ظرفية مع أطراف نافذة، حسب الترهوني.

وزير الداخلية بغرب ليبيا عماد الطرابلسي خلال إفطار رمضاني في الزاوية مع قادة من المجموعات المسلحة (داخلية حكومة الوحدة)

وبين الميليشيات الأقل تورطاً في الاشتباكات، حسب مراقبين، تبرز كتيبة «الكابوات» (الكتيبة 103) بقيادة عثمان اللهب، التي تشارك في صراعات النفوذ داخل أحياء المدينة وطرق التهريب، و«ميليشيا رياض بالحاج»، وهي قوة محلية مستقلة تتنازع مع الكابوات على مناطق السيطرة جنوب المدينة.

وفي فبراير (شباط) الماضي، اندلعت مواجهات عنيفة بين جهاز «دعم الاستقرار» و«كتيبة 459» جنوب المدينة، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وانتهت بهدنة هشة، دون إنهاء حالة التوتر. ويشير الترهوني إلى أن التحالفات تتغير وفق المصالح، مستشهداً بتحالف ميليشيا المرتاح، التابعة للواء 111 بقيادة عبد السلام الزوبي مع ميليشيا القصب للسيطرة على بعض مناطق المدينة، مقابل تحالف جهاز الدعم والاستقرار مع ميليشيا الفار، رغم التباينات السابقة.

وتعكس هذه التحولات طبيعة براغماتية تحكم سلوك الميليشيات، وفق مراقبين، وهو ما يظهر في تبدل خطاب بعض التشكيلات، مثل «القصب»، التي انتقلت من خصومة مع حكومة الدبيبة إلى الإشادة بها.

وتجمع تقارير أممية وخبراء على أن الصراع في الزاوية يرتبط أساساً بالتنافس على الموارد الاقتصادية والمرافق الحيوية، مثل المصفاة والطرق الساحلية والمواني، إلى جانب أنشطة التهريب المرتبطة بالمهاجرين والوقود والمخدرات، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني.

وسبق أن تحدث تقرير فريق من خبراء الأمم المتحدة، نهاية العام الماضي، عن استغلال الجماعات المسلحة لمسارات الهجرة غير النظامية، والاتجار بالبشر على الساحل الغربي، بما في ذلك الزاوية، لإدارة اقتصاديات موازية.

ويرى بوفردة أن «الصراع على هذه الموارد يمثل المحرك الرئيسي لتجدد الاشتباكات، التي قد تندلع في أي وقت، بل تُستخدم أحياناً لإعادة ترتيب التحالفات أو إثبات الولاءات».

وخلص إلى أن «الحل يكمن في تحرك حاسم لفرض سلطة القانون، وتفكيك التشكيلات المسلحة، وإعادة دمج عناصرها بشكل فردي ومهني داخل المؤسسات النظامية»، عاداً أن الطبيعة «أحادية الخلية» لهذه المجموعات تجعل استهداف قياداتها مدخلاً رئيسياً لإنهاء نفوذها بوصفها قوة موازية للدولة.


مقالات ذات صلة

البرلمان و«الأعلى للدولة» في ليبيا يستأنفان التنسيق «لمواجهة التحديات»

شمال افريقيا اجتماع وفد المجلس الأعلى للدولة الليبي مع رئيس مجلس النواب في بنغازي 25 أكتوبر (المجلس الأعلى)

البرلمان و«الأعلى للدولة» في ليبيا يستأنفان التنسيق «لمواجهة التحديات»

يتواصل تنسيق مجلسي النواب و«الدولة» في ليبيا لتوحيد المؤسسات الرقابية والسيادية، بالتوازي مع تحركات المنفي العسكرية لتوحيد المؤسسة العسكرية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من اجتماع وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر في الجزائر 25 أكتوبر (الخارجية المصرية)

مصر والجزائر وتونس ترسم «خطوطاً مشتركة» لتسوية الأزمة الليبية

اتفقت مصر والجزائر وتونس، خلال اجتماع آلية دول الجوار بالجزائر، على دعم مسار «ليبي - ليبي» ينتهي بانتخابات متزامنة، مع رفض التدخلات الخارجية وسحب المرتزقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا هيئة رئاسة مجلس النواب الليبي 20 أكتوبر الحالي (مجلس النواب)

ليبيا تتمسك بمشاورة مصر بشأن «الاتفاقية البحرية» مع تركيا

تمسّكت ليبيا على لسان مجلس النواب وحكومة حمّاد بالحوار والتشاور مع مصر لتسوية الخلافات بشأن «الاتفاقية البحرية» عبر القانون الدولي بما يحفظ حقوق البلدين

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا صورة أرشيفية نشرتها «وكالة الأنباء الليبية» لأحد السدود

ليبيا تتأهب لموجة أمطار جديدة وسط مخاوف

رفعت السلطات الليبية حالة التأهب لمواجهة موجة أمطار غزيرة متوقعة، مع تشديد مراقبة السدود، وتجهيز فرق الطوارئ لتجنب تكرار الفيضانات الأخيرة.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من اجتماع وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس بالقاهرة مايو الماضي (الخارجية المصرية)

حراك إقليمي ودولي مكثف لدفع التسوية السياسية في ليبيا

تزامنت التحركات الدبلوماسية في الجزائر والدوحة وطرابلس الأحد لدفع مسار الحل السياسي والتعاون الاقتصادي والأمني بما يدعم استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رئيس الصومال يدعو المعارضة للحوار... هل تتفكّك الأزمة؟

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

رئيس الصومال يدعو المعارضة للحوار... هل تتفكّك الأزمة؟

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

دعا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود المعارضة في البلاد إلى الحوار للتوصل لحلول بشأن قضايا الوطن، بعد أيام من رفض قوى سياسية مسار الانتخابات المباشرة المقررة لأول مرة منذ عقود في عام 2027.

ذلك الطرح الرئاسي الجديد يعتقد خبير صومالي في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن وحده أن يفكك الأزمة ما لم يُطرح مسار تفاوضي جاد ليس فيه شروط للوصول لتوافق بشأن المسار الانتخابي محل الأزمة منذ أكثر من عامين».

وتتمسك المعارضة بنظام المحاصصة القبلية في تقاسم المناصب السيادية، الذي يجري فيه توزيع المقاعد على القبائل الأربع الرئيسية، في حين يُمنح «نصف مقعد (حصة)» للمجموعات العرقية الصغيرة.

باب الحوار

وأفادت وكالة «الأنباء الصومالية» بأن حسن شيخ محمود وجّه خطاباً للشعب بشأن «تطوير المسار الديمقراطي، وتنفيذ الانتخابات المباشرة القائمة على مبدأ (صوت واحد لكل مواطن)، إلى جانب الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار السياسي والوحدة الوطنية». وأكد أن «باب الحوار يظل مفتوحاً في جميع الأوقات للتوصل إلى حلول توافقية للقضايا الوطنية»، وفق ما نقلته الوكالة مساء الأحد.

ويأتي الخطاب الرئاسي بعد أيام من تحذير «مجلس مستقبل الصومال» المعارض، في بيان، من إجراء انتخابات أحادية الجانب في البلاد، مؤكداً «معارضته الشديدة لجدول انتخابات مجلسَي البرلمان الفيدرالي ورئاسة الجمهورية»، الذي قال إنه «صدر بأمر من الرئيس حسن شيخ محمود، دون التوصل إلى اتفاق سياسي شامل بشأن عملية انتخابية قابلة للتنفيذ في البلاد».

ودعا «مجلس مستقبل الصومال» أخيراً إلى «اتفاق بشأن الانتخابات»، مشدداً على «أهمية استئناف المحادثات والسعي إلى اتفاق سياسي مقبول لدى جميع الأحزاب السياسية ويحظى بدعم الشركاء الدوليين».

وأوضح «المجلس» أنه في حال إصرار الرئيس حسن شيخ محمود على القرارات «سيتخذ تدابير دستورية وسياسية أخرى لحماية حقوق الشعب وشرعية الانتخابات»، داعياً الشعب إلى «معارضة هذه الإجراءات بشكل جماعي».

وفي منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أعلنت «اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات» بالصومال إجراء الاقتراع البرلماني والرئاسي في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين بنظام الانتخابات المباشرة.

الرئيس الصومالي في لقاء سابق مع قيادة «منتدى الإنقاذ» الذي يضم قوى معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية علي محمود كلني أنه «لا يكفي أن تقتصر الجهود على الدعوة إلى الحوار، ما لم تقترن بخطوات عملية لبناء الثقة والتوصل إلى اتفاق واضح بشأن الإطار الانتخابي وضمانات مشاركة الأطراف السياسية والإدارات الإقليمية».

وشدد على أن «التسوية المبكرة تظل الخيار الأقل تكلفة للحفاظ على استقرار المؤسسات وتجنب انزلاق الخلافات إلى مواجهة مفتوحة».

مزيد من التعقيد

وحذر من أن «الأزمة السياسية في الصومال نحو مزيد من التعقيد حال لم يتم تقديم الأطراف تنازلات متبادلة، ومعها تتزايد المخاوف من اتساع فجوة الثقة وتراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية قبل استحقاقات عام 2027».

ولم يكن طرح حسن شيخ محمود الأول نحو مسار الحوار؛ إذ ذكّرت الحكومة عقب إعلان جدول الانتخابات الشعب الصومالي وسائر الأطراف المعنية بأنها «عملت خلال الأشهر الـ18 الماضية على تهيئة أجواء التشاور والحوار»، مؤكدة أن «المشاورات والمفاوضات ستتواصل»، ومشددة على حرصها على «إنجاحها وتحقيق نتائج ملموسة تفضي إلى توافق واسع بين مختلف الأطراف».

وسبق أن عقدت الرئاسة والحكومة في مقديشو جولات حوار عديدة مع المعارضة بدعم تركي وغربي للوصول إلى تفاهمات حول الخلافات دون الوصول إلى نتائج حاسمة.

احتواء الخلافات

ووفق محمود، فإن «قدرة الحكومة الفيدرالية على احتواء هذه الخلافات ستتوقف إلى حد كبير على مدى استعدادها لإبداء مرونة سياسية وإدارية، وفتح المجال أمام تفاهمات تتجاوز الحسابات الضيقة للصراع على السلطة».

وشدد على أن «استمرار النهج القائم على فرض الخيارات السياسية دون توافق واسع قد يدفع مزيداً من الأطراف إلى الابتعاد عن الحكومة، ويعمّق الانقسام داخل النظام الفيدرالي».

كما يعتقد أن الصومال أمام مفترق طرق سياسياً؛ فإما إطلاق مسار تفاوضي قائم على حوار جاد يفضي إلى توافق بشأن الانتخابات وانتقال السلطة، أو استمرار الاستقطاب بما قد يوسّع دائرة الخلاف ويضعف تماسك النظام الفيدرالي.


خبراء: زيارة أمين عام الجامعة العربية للخرطوم تُمهد لحوار سوداني - سوداني

وزير الخارجية السوداني في أثناء استقباله أمين عام الجامعة العربية في مطار الخرطوم الاثنين (الخارجية السودانية)
وزير الخارجية السوداني في أثناء استقباله أمين عام الجامعة العربية في مطار الخرطوم الاثنين (الخارجية السودانية)
TT

خبراء: زيارة أمين عام الجامعة العربية للخرطوم تُمهد لحوار سوداني - سوداني

وزير الخارجية السوداني في أثناء استقباله أمين عام الجامعة العربية في مطار الخرطوم الاثنين (الخارجية السودانية)
وزير الخارجية السوداني في أثناء استقباله أمين عام الجامعة العربية في مطار الخرطوم الاثنين (الخارجية السودانية)

قال دبلوماسيون سابقون وخبراء إن زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى الخرطوم «تمهد لحوار سوداني - سوداني»، وأكدوا لـ«الشرق الأوسط» أن «دعم الجامعة العربية خطوة مهمة لتدشين (خريطة سياسية) تنهي أزمة الحرب الداخلية».

وزار الأمين العام لجامعة الدول العربية، الاثنين، الخرطوم، في زيارة عمل للسودان، هي الأولى له منذ تولي منصبه في يوليو (تموز) الماضي.

وتأتي زيارة فهمي في إطار «حرص الجامعة العربية على دعم الجهود الرامية إلى وقف الحرب السودانية، وتخفيف معاناة السودانيين»، وفق بيان لـ«الجامعة العربية»، الاثنين.

ومنذ بداية الحرب الداخلية بالسودان، في أبريل (نيسان) 2023، اتخذت «الجامعة العربية» قرارات على مستويات مختلفة، تؤكد «دعم وحدة السودان وسلامة أراضيه، وتدعو إلى وقف الحرب الداخلية».

وحسب بيان «الجامعة العربية»، تأتي زيارة الأمين العام للخرطوم في إطار «تضامن الجامعة مع السودان، دولة وشعباً، في هذا الظرف الدقيق»، وانطلاقاً من «المواقف الثابتة للجامعة الداعم لوحدة السودان، وسيادته وسلامة أراضيه، وصون مؤسساته الوطنية»، بجانب حرصها على «دعم الجهود الرامية لوقف الحرب، وتخفيف معاناة السودانيين».

واعتمد مجلس الجامعة العربية في مايو (أيار) الماضي، القرار رقم 9246 خلال الاجتماع غير العادي على مستوى المندوبين الدائمين، والذي شدد على «أهمية الحفاظ على أمن السودان واستقراره»، وأدان المجلس «بأشد العبارات الهجمات التي تستهدف البنى التحتية والمنشآت المدنية في السودان، وما تسببت به من خسائر في الأرواح والممتلكات العامة والخاصة»، وتضمن القرار تكليف الأمانة العامة للجامعة بـ«اتخاذ الإجراءات اللازمة لإحالة القرار إلى الدول والمنظمات ذات الصلة، في إطار دعم الجهود الرامية إلى حماية السودان، والحفاظ على استقراره».

ويرى سفير مصر الأسبق لدى السودان حسام عيسى أن «زيارة فهمي للخرطوم تكتسب أهمية سياسية في هذا التوقيت»، وأشار إلى أنها «تأتي في وقت يسعى فيه السودان لبدء حوار سياسي داخلي سوداني - سوداني، ومن ثم، فإن دعم الجامعة العربية لهذا المسار، خطوة مهمة لتدشين (خريطة سياسية) تنهي أزمة الحرب الداخلية».

ودعت الحكومة السودانية إلى حوار سوداني - سوداني، داخلي، وأعلنت «لجنة تهيئة الحوار»، المشكَّلة من مجلس السيادة، انطلاق أعمالها في نهاية أغسطس (آب) الماضي، للتواصل مع القوى السياسية والمجتمعية داخل السودان وخارجه، تمهيداً للحوار الشامل.

أمين عام الجامعة العربية في أثناء وصوله لمطار الخرطوم الاثنين (الخارجية السودانية)

ويعتقد عيسى أن «التأييد العربي لمسار الحوار السياسي الداخلي، مهم خصوصاً في ظل أزمة انعدام الثقة بين الفرقاء السودانيين»، وقال إن «محادثات أمين الجامعة العربية مع المسؤولين في الخرطوم، تأتي بعد أيام من اجتماعات (الرباعية) الدولية في جنيف، التي ناقشت الأوضاع الإنسانية في السودانية، وفرص التسوية السياسية للأزمة»، وقال إن «التعويل على الدور العربي مهم في هذه المرحلة».

وعقدت مجموعة الرباعية الدولية بشأن السودان (التي تضم المملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات، والولايات المتحدة) اجتماعات مكثفة في مدينة جنيف السويسرية، الأسبوع الماضي، بحضور كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وأكدت على أنه «لا حل عسكرياً للنزاع داخل السودان».

بينما يشير مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية» مكي المغربي إلى أن «دور الجامعة العربية مطلوب في المسألة السودانية والحوار السوداني - السوداني»، لافتاً إلى أن «الدعم المباشر من الجامعة للسودان ربما يدفع إلى حلول فعلية على الأرض».

ويوضح المغربي أن «الجامعة العربية، الأجدر على حشد الجهود نحو موقف عربي موحد، داعم للشرعية في السودان، ورافض لأي محاولات للمساس بسيادته»، وقال إن «مواقف الجامعة قاطعة في هذا الأمر، وسبق أن أكدت على الرفض القاطع للمساس بوحدة السودان وسلامة أراضيه»، بجانب «رفض التعامل مع أي كيانات موازية في السودان».


المسيرات تغرق جنوب شرقي السودان بالظلام

قصف بالمسيرات لمحطة كهرباء عطبرة (أرشيف - متداولة)
قصف بالمسيرات لمحطة كهرباء عطبرة (أرشيف - متداولة)
TT

المسيرات تغرق جنوب شرقي السودان بالظلام

قصف بالمسيرات لمحطة كهرباء عطبرة (أرشيف - متداولة)
قصف بالمسيرات لمحطة كهرباء عطبرة (أرشيف - متداولة)

أغرقت طائرات مسيرة، يرجح أنها لـ«قوات الدعم السريع»، جنوب شرقي السودان بالظلام، إذ قصفت خمس محطات تحويلية للكهرباء في السودان، ما تسبب في انقطاع التيار عن ولايات «سنار، القضارف، النيل الأبيض، والجزيرة»، وألحق القصف أضراراً بالغة قالت السلطات إنها تهدد استقرار الشبكة القومية للكهرباء.

وقالت شركة كهرباء السودان القابضة، في بيان الاثنين، إن الهجمات استهدفت محطات «سنجة بولاية سنار، والفاو، والحواتة بولاية القضارف، ومشكور بولاية النيل الأبيض، والجنيد بولاية الجزيرة» التحويلية، وسببت أضراراً بالغة بمكونات هذه المحطات، وأدت لإظلام تام بالشبكة الجنوبية الشرقية للبلاد.

اتهام «الدعم السريع»

واتهمت الشركة صراحة «قوات الدعم السريع» بمهاجمة محطاتها، بقولها: «تودّ شركة كهرباء السودان القابضة أن تطلع الرأي العام والمواطنين الكرام، على تفاصيل الاعتداءات الإرهابية الغادرة التي نفذتها ميليشيا (الدعم السريع) المتمردة صباح اليوم عبر الطائرات المسيرة، والتي استهدفت بشكل مباشر عدداً من المحطات التحويلية والحيوية بالبلاد، موضحة أنها استنفرت فرقها الهندسية والفنية للوصول إلى المحطات المتضررة وحصر الأضرار، وبدء المعالجات اللازمة لإعادة التيار واستقرار الشبكة، دون تحديد موعد لاستعادة الخدمة».

وبينما لم يعلق الجيش السوداني رسمياً على الأحداث، نقلت منصات موالية تابعة له عن مصادر «عسكرية»، أن المسيرات التي استهدفت محطات الكهرباء، كانت قادمة من جهة «إثيوبيا» التي يتهمها السودان بدعم «قوات الدعم السريع»، وهو اتهام درجت على نفيه مراراً.

من جهتها، أعلنت لجنة أمن ولاية سنار أن طائرة مسيرة استراتيجية، استهدفت محطة سنجة التحويلية بصاروخين، ما أسفر عن أضرار مادية وإصابة أفراد من طاقم الحراسة، وحددت مجموعة «محامو الطوارئ» في بيان منفصل، عدد المصابين باثنين.

وقالت المجموعة إن انقطاع الكهرباء، امتد أيضاً إلى أجزاء من ولايتي شمال كردفان وكسلا، وإن الهجوم على محطة مشكور بمحلية الدويم تسبب في تلف المحول.

مستودعات الوقود

وتأتي الهجمات بعد محاولة استهداف مستودعات «أم عليلة للوقود» شرق ود مدني، فجر أمس الأحد، ونقلت تقارير صحافية وقتها أن الدفاعات الجوية أسقطت أربع مسيرات انقضاضية كانت تستهدف المستودعات.

وتعرضت المستودعات ذاتها لهجوم في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي، تسبب في اندلاع حريق، وقالت هيئة إذاعة وتلفزيون ولاية الجزيرة وقتها، إن المسيرة أصابت خزانين للجازولين من أصل أربعة، قبل أن تتمكن فرق الدفاع المدني من السيطرة على النيران.

محطة تحويلية تعرضت لقصف (أرشيف - متداولة)

وشهدت الأيام الأخيرة أيضاً هجمات على محطات وقود في كل من مدن «أم روابة، والرهد» بولاية شمال كردفان، وذكرت مصادر ميدانية أن الهجوم طال أربع محطات وقود في مدنية الرهد الخميس وأسفر عن مقتل شخص، كما طال محطتي وقود في أم روابة، مسبباً أضراراً وإصابات.

وقالت مجموعة «محامو الطوارئ» إن هجمات الاثنين سبقها ست هجمات على محطات كهرباء خلال أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، شملت: «الدبة، مروي، عطبرة، الروصيرص، تندلتي، والفاو»، وحذرت من تداعيات تعطيل الكهرباء على المرافق الصحية ومصادر المياه والخدمات الأساسية.

تبديد الآمال

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن المزارع بمشروع الجنيد عبد الحافظ دفع الله، أن إصلاح المحطة وتحسن الكهرباء خلال الأشهر الثلاثة الماضية، أعادا الأمل في تشغيل مضخات الري واستئناف الزراعة، قبل أن يبدد الهجوم الحالي هذه الآمال، وقوله: «كنا نأمل في أن نتمكن أخيراً من أن نزرع مجدداً، لكنّ المحطة ضربت الآن».

وقال بابكر يوسف من مدينة الفاو إن انقطاع الكهرباء يهدد حفظ «الإنسولين» الخاص بابنه، وإن شراء الدواء مجدداً سيمثل عبئاً إضافياً على أسرته في ظل صعوبات الموسم الزراعي، وتابع: «لا نعرف متى تعود الكهرباء».

تصاعد الغارات

وتزامنت هجمات منشآت الطاقة مع تصاعد الغارات التي ينفذها الجيش على مدينة نيالا، الخاضعة لسيطرة «الدعم السريع» في جنوب دارفور، ونقلت صحيفة «دارفور 24» عن شهود أن غارات استهدفت مواقع لـ«الدعم السريع» ومحيط سوق المواشي، وأوقعت قتلى وجرحى، بينهم أجانب.

وذكرت أن شخصاً على الأقل قتل بقصف قالت إن الجيش السوداني نفذه على منجم «أغبش» في محلية الردوم بولاية جنوب دارفور بأربعة صواريخ، حيث استهدف مقر شركة تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، اليوم الاثنين.

ويستخدم طرفا الحرب، المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، الطائرات المسيرة لضرب مواقع بعيدة عن خطوط القتال، وسط تحذيرات أممية متكررة من أن استهداف منشآت الطاقة، يهدد الرعاية الصحية والخدمات الأساسية لملايين السكان.