الجزائر لفتح صفحة جديدة مع النيجر بعد «أزمة الطائرة المسيَّرة»

وفد رسمي رفيع بحث في نيامي تنمية مناطق الحدود والتصدي للهجرة السرية

رئيسا حكومتَي الجزائر والنيجر خلال أشغال لجنة التعاون المشتركة (الحكومة الجزائرية)
رئيسا حكومتَي الجزائر والنيجر خلال أشغال لجنة التعاون المشتركة (الحكومة الجزائرية)
TT

الجزائر لفتح صفحة جديدة مع النيجر بعد «أزمة الطائرة المسيَّرة»

رئيسا حكومتَي الجزائر والنيجر خلال أشغال لجنة التعاون المشتركة (الحكومة الجزائرية)
رئيسا حكومتَي الجزائر والنيجر خلال أشغال لجنة التعاون المشتركة (الحكومة الجزائرية)

أجرى وفد حكومي جزائري رفيع المستوى محادثات في النيجر، يومي الاثنين والثلاثاء، تناولت تأمين الحدود البرية المشتركة ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية. كما شملت أجندته إطلاق مشروعات بنية تحتية في المناطق الحدودية لانتشالها من الهشاشة، وتحصينها ضد الاستقطاب من الجماعات المتطرفة، في خطوة جادّة لطي صفحة الخلاف المرتبط بـ«حادثة الطائرة المسيّرة».

بعثة الوزراء ورجال الأعمال الجزائريين في النيجر (الحكومة الجزائرية)

ترأس الوزير الأول الجزائري سيفي غريب، مع رئيس حكومة النيجر علي الأمين زين محمد، الثلاثاء، اليوم الثاني والأخير من أشغال «اللجنة الكبرى المشتركة للتعاون»، حيث أعلنا عن ترتيبات تخص إطلاق «منطقة تعاون حدودية متكاملة»، تخص التنمية المحلية والتكامل الاقتصادي، لمواجهة مظاهر الهشاشة وعدم الاستقرار، حسب بيان للحكومة الجزائرية، الذي لفت إلى «جهود جارية لتسريع تجسيد الممر التجاري المرتقب بين البلدين، وتعزيز دور المناطق الحدودية كجسور حقيقية للتكامل الاقتصادي».

وفدا وزراتَي الداخلية الجزائري والنيجري (وزارة الداخلية الجزائرية)

وفي كلمة له ذكر سيفي أن الجزائر والنيجر «أرستا أسس مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية»، مشيراً إلى أن زيارته النيجر تهدف إلى «تحويل هذه الديناميكية السياسية التي تشهدها العلاقات الثنائية إلى مشروعات حقيقية، ونتائج ملموسة على الأرض، بما يخدم بشكل مباشر مصالح البلدين، لا سيما في المناطق الحدودية التي تُعد فضاءً طبيعياً للتعاون والتكامل».

واتفق مسؤولا الجهازين التنفيذيين الجزائري والنيجري، وفق البيان نفسه، على «تعزيز تعاونهما في القطاعات ذات الإمكانات العالية، لا سيما الطاقة، بما في ذلك المحروقات والطاقات المتجددة، والزراعة والبنى التحتية والصحة والتكوين المهني والرقمنة، إلى جانب تعزيز ريادة الأعمال والابتكار».

الطاقة والأمن لتحسين العلاقات

أكد غريب أن دورة «اللجنة الكبرى للتعاون» حققت «تقدماً ملحوظاً في عدد من الملفات المهمة، وفي مقدمتها مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، والطريق العابر للصحراء (نيجيريا - النيجر - الجزائر)، ومشروع الربط بالألياف البصرية».

رئيسا حكومتَي الجزائر والنيجر بمناسبة تدشين مشروع مشترك للطاقة (الحكومة الجزائرية)

كما شدد على ضرورة «تسريع المشاريع الاستراتيجية، التي تُعد ركائز للتكامل الإقليمي، مثل الطريق العابر للصحراء، وأنبوب الغاز العابر للصحراء، والعمود الفقري للألياف البصرية العابرة للصحراء»، مؤكداً أن هذه المشاريع «لا تقتصر على كونها بنى تحتية، بل تمثل دعائم أساسية للتنمية والتكامل، وتشكل نواة ممر اقتصادي واعد يربط حوض البحر الأبيض المتوسط بعمق غرب إفريقيا، بما يفتح آفاقاً واسعة للتبادل التجاري والاستثمار والتنمية المشتركة».

من جهتها، أعلنت وزارة الداخلية الجزائرية أن الوزير سعيد سعيود، الذي كان ضمن الوفد، ناقش مع وزير داخلية النيجر الجنرال محمد تومبا، «إعادة تفعيل اللجنة الثنائية الحدودية، بما يسهم في تعزيز أمن واستقرار المناطق الحدودية»، و«بعث وتكثيف برامج التكوين لفائدة أطر الشرطة الوطنية النيجرية، بما يدعم القدرات العملياتية». كما تبادلا الخبرات والتجارب في مجال تسيير ظاهرة الهجرة غير الشرعية «وفق مقاربة مشتركة».

لحظة وصول رئيس النيجر إلى الجزائر واستقباله من نظيره الجزائري منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

والمعروف أن آلاف النيجريين يعبرون سنوياً إلى الجزائر عبر الحدود في إطار موجات هجرة سرية نحو أوروبا. ومنذ إلغاء النيجر لقانون تجريم تهريب الأشخاص عقب انقلاب 26 يوليو (تموز) 2023، شهدت أعداد المهاجرين نحو ليبيا والجزائر ارتفاعاً ملحوظاً، في وقت تواجه فيه الجزائر انتقادات متكررة بشأن ظروف ترحيل هؤلاء المهاجرين نحو الحدود.

وفي تقدير مسؤول حكومي جزائري، يكتسي تنقل الوزير الأول ووزير الداخلية الجزائريين إلى النيجر «أهمية استراتيجية من منظور التحولات الكبرى، التي تعيشها دول جنوب الصحراء، خصوصاً بعد أن عقدت دولها تحالفات جديدة مع روسيا، وقرارها الانفصال عن فرنسا»، صاحبة النفوذ في المنطقة منذ مرحلة الاستعمار. وأوضح المسؤول نفسه أن أولوية الدولة الجزائرية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، «لم تعد تقتصر على البحر المتوسط أو العلاقات مع أوروبا فقط، بل أصبحت منطقة الساحل هي المفتاح الذي يقرر استقرار الجزائر من عدمه. فإذا استقر الساحل ارتاحت الجزائر، وإذا اضطرب، واجهت الجزائر مخاطر مباشرة».

رئيس النيجر السابق محمد بازوم لدى زيارته الجزائر قبل عام من عزله بانقلاب عسكري في 2023 (الرئاسة الجزائرية)

وتدهورت علاقات الجزائر بجيرانها المباشرين في الجنوب، بشكل لافت، في ربيع العام الماضي، حينما أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية في فاتح أبريل (نيسان) الماضي بأنها دمَرت طائرة مسيَّرة مالية، «بعدما كانت في منحى عدائي وهي تحلّق فوق الأجواء الجزائرية»، من دون تفاصيل أخرى.

وحسب الجزائر كانت الطائرة بصدد تعقُّب عناصر المعارضة المسلحة المالية الذين يتحركون على حدود الجزائر، بهدف ضربهم، حيث تصفهم باماكو بـ«الإرهابيين»، وتتهم الجزائر بأنها توفر المأوى والدعم المالي لهم.

ودفعت هذه التطورات دول «تحالف دول الساحل»، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، لاستدعاء سفرائها من الجزائر التي ردت بالمثل. ودلّ هذا المنعطف على تغيرات جذرية في المنطقة، حيث كانت الجزائر تَعد نفسها صاحبة نفوذ سياسي وأمني كبير.

الانفراجة بعد القطيعة

بعد نحو عام من القطيعة، أُعلن في 12 فبراير (شباط) 2026 اتفاق بين الجزائر والنيجر يخص العودة المتزامنة لسفيري البلدين، في خطوة أنهت رسمياً الأزمة بينهما. وتم تثبيت هذه الانفراجة خلال استقبال الجزائر رئيس النيجر عبد الرحمن تياني، في منتصف الشهر ذاته.

وفي الفترة نفسها، أعادت الجزائر وصل علاقاتها مع بوركينا فاسو، عبر بوابة الغاز والنفط من خلال تعزيز التعاون في قطاع الطاقة. حيث أوفدت وزيري المحروقات والطاقات المتجددة إلى العاصمة واغادوغو، وتم توقيع بروتوكول تعاون في مجالات النفط والمناجم والكهرباء.

بقايا الطائرة المسيَّرة المالية بعد أن دمّرها سلاح الجو الجزائري (المعارضة المالية المسلحة)

وأعطت خطوات التقارب المتسارعة مع النيجر وبوركينا فاسو انطباعاً بتهميش مالي في هذا المشهد، لا سيما أن التوتر بين باماكو والجزائر يعود إلى مطلع 2024، حين أعلن رئيس السلطة العسكرية، العقيد عاصيمي غويتا، الانسحاب من اتفاق السلام مع المعارضة، ودعا إلى إنهاء الوساطة الجزائرية.


مقالات ذات صلة

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

شمال افريقيا السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية في تجمع دعائي بشرق العاصمة تحسباً للانتخابات التشريعية (إعلام حزبي)

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

أطلقت الأحزاب الجزائرية حملة مزدوجة تحسباً للانتخابات التشريعية، المقررة في 2 يوليو (تموز) المقبل، تتركز في مسارين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا البابا ببيت الراهبات في عنابة (فاتيكان نيوز)

البابا يختتم جولته في الجزائر بوقفة إنسانية عند «مهد القديس أغسطينوس»

أكد البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، خلال لقائه نزلاء «دار المسنين» في عنابة، أن «رسالة السماء تنحاز دوماً إلى المستضعفين».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً بابا الفاتيكان بالمطار (الرئاسة الجزائرية) p-circle 00:51

في مستهل زيارة تاريخية للجزائر... بابا الفاتيكان ينشر رسالة سلام

انطلاقاً من الجزائر، بدأ بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، يوم الاثنين، جولة أفريقية تشمل أربع دول، وتهدف إلى تعزيز حوار الأديان، وقيم التسامح، والتعايش الديني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يستقبل البابا ليو الرابع عشر بعد هبوطه في مطار هواري بومدين الدولي في العاصمة الجزائر... 13 أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle 00:51

رئيس الجزائر: أدعو مع البابا ليو بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان

دعا الرئيس الجزائري، خلال لقائه بابا الفاتيكان، بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا البابا ليو الرابع عشر لدى وصوله إلى الجزائر في بداية جولة أفريقية (رويترز)

البابا ليو يبدأ زيارة تاريخية للجزائر في مستهل جولة أفريقية

تستعد الجزائر لاستقبال ليو الرابع عشر اليوم (الاثنين) في زيارة تاريخية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

شرق الكونغو... اجتماعات جنيف بين آمال التهدئة وواقع التعثر

قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
TT

شرق الكونغو... اجتماعات جنيف بين آمال التهدئة وواقع التعثر

قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)

غداة أشهر من التعثر في تطبيق مسار السلام بشرق الكونغو وتصاعد العنف في 2026، احتضنت جنيف محادثات بين الحكومة وحركة «23 مارس» المتمردة بعد عام من الاتفاقات برعاية أميركية - قطرية، لم تصمد منذ مطلع العام الحالي.

تلك المحادثات التي تشارك فيها الدوحة وواشنطن، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» قادرة على فتح الباب للعودة لمسار التهدئة، غير أن واقع التعثر سيظل قائماً طالما لم يقم على 3 عوامل رئيسية، تشمل المصالحة الشاملة والتنمية.

وأفادت «إذاعة فرنسا الدولية» بأن حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية ومندوبي حركة «23 مارس» اجتمعوا بجنيف، الثلاثاء، في محاولة لإنهاء الحرب التي دمرت شرق البلاد، غداة انطلاق الجولة التاسعة من المحادثات التي تختتم الجمعة، بمشاركة مندوب قطري ومبعوث الولايات المتحدة، مسعد بولس، بينما حضر ممثل عن بعثة الأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية (مونوسكو) بصفة مراقب، وسط مناقشات أولية كانت «صعبة».

وتجرى المحادثات وسط استمرار المواجهات، حيث تتركز المعارك حالياً في مقاطعتي كيفو الشمالية، وكيفو الجنوبية، الشرقيتين.

وأكّد متحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، استمرار جهود الوساطة بين الكونغو الديمقراطية وحركة «23 مارس» ورواندا، والتمسك بالمسار القائم، رغم التحديات المرتبطة بتنفيذ الاتفاقات، التي يجري متابعتها بشكل مستمر.

وباليوم ذاته، بحث رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، مع الممثل الخاص الجديد للأمين العام للأمم المتحدة في البلاد، ورئيس بعثة الأمم المتحدة، لتثبيت الاستقرار هناك، جيمس سوان، دعم عمل البعثة في مراقبة وقف إطلاق النار المتفق عليه في واشنطن وقطر، وفق بيان للرئاسة الكونغولية عبر منصة «إكس».

وقال الخبير في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، لـ«الشرق الأوسط»، إن انطلاق المحادثات بين الحكومة الكونغولية و«23 مارس» بسويسرا يأتي في سياق المحاولات الحثيثة والمقدرة التي تبذلها قطر والولايات المتحدة، إلى جانب عدد من الأطراف الإقليمية الفاعلة، بهدف إعادة الأمن والاستقرار في شرق الكونغو، بما يسهم في تحقيق الاستقرار المنشود في منطقة البحيرات العظمى بأكملها.

وشدّد على أن هذه الخطوة تعدّ في غاية الأهمية، كونها تأتي ضمن سلسلة من التعقيدات والمحاولات الحثيثة لتحقيق الاستقرار في شرق الكونغو، وهي المحاولات التي واجهت في فترات سابقة عثرات عدة، وباءت بالفشل.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن المسار الحالي في سويسرا «يمكن أن يفتح الباب أمام حوار جادّ، ويتوصل إلى نتائج ملموسة، لكن التحدي الحقيقي يظل دائماً في كيفية تنفيذ هذه النتائج على أرض الواقع»، بحسب تورتشين.

وقبيل المحادثات، اتهم الزعيم السياسي للحركة، برتراند بيسيموا، القوات الحكومية «بتصعيد الهجمات»، قائلاً: «اختار نظام كينشاسا توقيت استئناف المفاوضات السياسية لقصف عدة قرى».

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى تورشين أن التعقيدات الإثنية والعرقية المتجذرة في منطقة البحيرات العظمى تفرض ضرورة تبني مقاربات غير تقليدية تختلف عن النتائج التي تم التوصل إليها في الجولات السابقة. ويضيف: «هناك حاجة إلى واقع جديد يبدأ بتحقيق السلم المجتمعي أولاً، كمدخل أساسي قبل الولوج في الأبعاد السياسية، خاصة أن آثار وتبعات الصراعات التاريخية بين قوميتي الهوتو والتوتسي لا تزال حاضرة ومؤثرة، سواء في الكونغو أو رواندا أو بوروندي».

ويؤكد أن مسألة المصالحات الوطنية هي أمر جوهري، ولا غنى عنه، حيث إن البعد المجتمعي يعدّ المدخل الحقيقي للاستقرار السياسي، والسلم المجتمعي يتطلب مصالحات حقيقية وعدالة انتقالية فاعلة، وكذلك تلعب التنمية دوراً محورياً في تحقيق الأمن، ويلفت إلى أنه على الرغم مما تتمتع به مناطق شرق الكونغو من ثروات هائلة وإمكانات ضخمة، فإن الفقر والبؤس يسيطران على الواقع السياسي والاقتصادي، ما يجعل من استمرارية الحرب واقعاً معاشاً.

وخلص الخبير في الشؤون الأفريقية إلى تأكيد ضرورة التركيز على 3 عوامل أساسية لتحقيق السلام في شرق الكونغو ومنطقة البحيرات العظمى، أولها البعد الاقتصادي والتنموي، بجانب تعزيز المشاركة السياسية على كافة المستويات المحلية والإقليمية والوطنية للمجموعات التي تشعر بالاضطهاد والتهميش، وأخيراً تطبيق العدالة الانتقالية والمصالحات الوطنية الشاملة.


قفزات «الإيجار الجديد» تُعمّق معاناة أسر مصرية

بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)
بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)
TT

قفزات «الإيجار الجديد» تُعمّق معاناة أسر مصرية

بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)
بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)

بعد ثلاثة شهور، سيكون على الثلاثينية سارة أحمد، جمع أغراضها تمهيداً للانتقال من الشقة التي تسكنها حالياً في شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة) إلى شقة أخرى، لا تعلم أين أو كيف سيكون حالها، وإن كانت تُرجح أنها «ستكون أسوأ، في ظل الارتفاعات الكبيرة في الإيجارات».

تؤجر سارة وزوجها وطفلتها ذات الثلاثة أعوام، شقتها بنظام «الإيجار الجديد»، ولا تتجاوز مساحتها 90 متراً، لكنها تبتلع ربع ميزانية أسرتها تقريباً، بقيمة 2500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً)، وسينتهي عقدها في يوليو (تموز) المقبل، وحين سألت عن الأسعار في المناطق المحيطة وجدتها بمتوسط 4 آلاف جنيه.

وتشهد مصر منذ عدة سنوات قفزات كبيرة في أسعار الشقق السكنية بنظام «الإيجار الجديد»، الذي يحصل بموجبه المُستأجر على الشقة مقابل عقد يتجدد سنوياً أو كل عدة سنوات.

وتختلف منظومة «الإيجار الجديد» عن «الإيجارات القديمة» التي يسكنها نحو 1.6 مليون أسرة وفق تقديرات رسمية، في أن عقود «القديمة» غير محددة المدة، وهو الوضع الذي تدخل القانون رقم 164 لسنة 2025 لإنهائه.

وارتبطت قفزات الإيجارات في مصر بتوافد مئات الآلاف من اللاجئين خصوصاً السودانيين، بعد اندلاع الحرب السودانية في أبريل (نيسان) 2023، حيث تمركزوا في مناطق معينة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الإيجارات فيها، وأبرزها منطقة فيصل الشعبية (جنوب القاهرة) التي كان يسكنها أبناء الطبقة الدُنيا وشرائح من الطبقة الوسطى في مصر.

ولم تقتصر ارتفاعات الإيجارات على هذه المناطق، إذ باتت سمة في سوق العقارات بشكل عام، وهو ما أقرت به الحكومة آنذاك، وعدها رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي في أغسطس (آب) 2024، «مؤقتة»، لكن الارتفاعات استمرت، ولم تتراجع حتى مع رحيل بعض الوافدين، في ظل معدلات مرتفعة من التضخم.

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

تسكن سامية إبراهيم (اسم مستعار) مع أسرتها الصغيرة، في منطقة فيصل منذ عدة أعوام، مقابل إيجار شهري 5 آلاف جنيه، لمدة 3 أعوام بزيادة سنوية نحو 500 جنيه. تقول لـ«الشرق الأوسط» إنه بفعل ارتفاع أسعار الإيجارات بالمنطقة بعد توافد السودانيين، لن يكفي المبلغ الحالي للحصول على شقة بالمستوى المتوسط نفسه.

تصف سامية، وهي صحافية وأم لطفلة، وضعها الحالي قائلة: «نعيش بصحبة كراتين ورقية نضع فيها أغراضنا عند الانتقال، في حالة من عدم الاستقرار، والتأزم المستمر في المصاريف، حتى أن زوجي يعمل في وظيفتين بخلاف عملي أنا أيضاً».

واستغاثت السيدة الأربعينية هاجر كامل، بالرئيس عبد الفتاح السيسي، في مقطع فيديو انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب ارتفاعات الإيجارات المبالغ فيها، مطالبة الحكومة بوضع حد لها.

تسكن هاجر حالياً في شقة سينتهي عقدها في مايو (أيار) المقبل، مع أطفالها الأربعة، وهي مطلقة، قائلة إنهم يوفرون احتياجاتهم المعيشية الأساسية من طعام وشراب بصعوبة كبيرة، ويرغب مالك الشقة في رفع إيجارها لـ2500 وهو ما لن تستطيع تحمله، وتابعت: «كثيرون مثلي».

وانتشر المقطع وسط تعليقات مستنكرة لارتفاع الإيجارات وغلاء المعيشة، ما يعمق أزمات البسطاء.

وبلغ معدل التضخم على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، 15.2 في المائة، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي.

وأشار الكاتب الاقتصادي والباحث في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، إلى أن سوق العقارات في مصر تشهد تضخماً لافتاً يتغذى على التضخم العام ما يؤثر على ارتفاع الإيجارات، ويضع أعباء كبيرة على كاهل الأسر.

وأضاف عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن سوق العقارات لا تشهد تراجعاً في الأسعار رغم معاناتها من حالة ركود، ووفرة في المعروض مقابل الطلب، غير أنه في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار يعد أصحاب العقارات أنها مخزون جيد للقيمة، فيرفعون الأسعار، مشيراً إلى أن عقوداً تشهد بنوداً تربط زيادة القيمة الإيجارية بسعر الدولار.

بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)

وكلما تمكن فارس قنديل (اسم مستعار) وهو مصور فوتوغرافي، من دفع إيجار شهر لشقته التي لا تتعدى مساحتها الـ60 متراً في منطقة السيدة زينب (وسط القاهرة) يسقط حمل من على كتفيه لساعات، قبل أن يعود إليه قلق حول كيفية تدبير إيجار الشهر المقبل، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

لدى قنديل طفل وطفلة في المرحلتين الأساسية والتمهيدية، وتعمل زوجته موظفة، بينما يعمل هو بنظام القطعة (مصور حر)، ويدفع إيجاراً قيمته 4500 جنيه، بعدما كان 1200 جنيه، قبل القفزات الكبيرة في الإيجارات، متخوفاً من أن تدفعه الزيادات المستمرة إلى الانتقال لمنطقة أخرى أو لمستوى أقل في المعيشة.

أما السيدة الستينية دلال أنور (اسم مستعار)، فباتت عاجزة عن دفع الإيجار الذي ارتفع إلى 3500 جنيه بدلاً من 1500 في مدينة 6 أكتوبر، خصوصاً بعدما أقعدها المرض عن عملها في التنظيف بأحد المولات الشهيرة، تقول لـ«الشرق الأوسط» إن المساعدات الخيرية هي ما تمكنها من العيش، لكن الإيجار همّ لا تعلم كيف تدبره.


محادثات مصرية مستمرة في واشنطن لدعم التهدئة وتعزيز الشراكة

وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)
TT

محادثات مصرية مستمرة في واشنطن لدعم التهدئة وتعزيز الشراكة

وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)

تتواصل محادثات وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في واشنطن، حول ملفات عديدة بينها تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتوترات المنطقة التي تتصدرها الأزمة الإيرانية والقضية الفلسطينية.

وحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن تلك المحادثات من شأنها أن تعزز سبل التهدئة في المنطقة، لما تتمتع به مصر من مكانة وزانة، وكونها شريكاً أساسياً في السعي إلى تهدئة في أزمتَي إيران وفلسطين، متوقعين أن تدفع واشنطن باتجاه حث المنظمات الدولية على تقديم دعم عاجل لمصر لتفادي تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية جراء الحرب.

وأفادت الخارجية المصرية، الأربعاء، بأن الوزير عبد العاطي التقى رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، جيمس ريش، وزعيم الأغلبية الجمهورية بمجلس النواب ستيف سكاليس، بعد لقاء مع نظيره الأميركي مارك روبيو.

وأكد عبد العاطي وريش، خصوصية العلاقات المصرية - الأميركية التي تمتد لأكثر من أربعة عقود، واستعرضا جهود مصر لخفض التصعيد واحتواء التوتر؛ أكان بالنسبة إلى إيران أو غزة والشأن الفلسطيني كله.

وبحث عبد العاطي مع سكاليس، «الشراكة الاستراتيجية الوثيقة بين مصر والولايات المتحدة، والجهود المصرية الحثيثة لتحقيق الاستقرار الإقليمي، من خلال الاتصالات المكثفة مع مختلف الأطراف، بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين، لدفع مسار التهدئة وخفض التصعيد واحتواء الأزمة، بخلاف تناول عدد من الملفات الإقليمية ومنها تطورات القضية الفلسطينية، والأوضاع في لبنان».

كما بحث بدر عبد العاطي، مع روبيو، الثلاثاء سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، والتشاور بشأن مستجدات الأوضاع في الشرق الأوسط وتطورات عدد من الملفات الإقليمية الأخرى، وعلى رأسها التصعيد العسكري في الإقليم، والملف الفلسطيني، والسودان، ولبنان، والقرن الأفريقي والأمن المائي المصري.

وأشاد وزير الخارجية الأميركي بالعلاقات الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، «وما تحققه الشراكة الاستراتيجية بين البلدين من منفعة متبادلة في شتى المجالات،» مثمناً «الجهود التي تبذلها مصر لدعم الأمن والاستقرار في المنطقة».

وزير الخارجية المصري يلتقي زعيم الأغلبية الجمهورية بمجلس النواب الأميركي (الخارجية المصرية)

ويرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية»، مختار غباشي، أن مصر شريك أساسي في مسار إسلام آباد مع تركيا لدعم التهدئة عبر تنسيق المواقف مع أطراف المنطقة كافة، وبالتالي المحادثات ستعزز ذلك المسار وتؤكده وتدفعه إلى الأمام.

ويتوقع أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأن الأميركي، الدكتور سعيد صادق، لـ«الشرق الأوسط»، أن تلعب مصر دوراً مهماً خلال هذه المحادثات مع واشنطن، في تعزيز التهدئة في المنطقة خاصة، وأن الأزمة باتت مكلفة عالمياً على اقتصاديات المنطقة.

المسار الاقتصادي

كان للمباحثات مع المنظمات الدولية جانب من الزيارة، في ظل أزمة مالية تضرب دولاً بالمنطقة ومنها مصر وأدت إلى ارتفاع في أسعار الوقود والمواصلات.

والتقى بدر عبد العاطي، مختار ديوب، المدير التنفيذي لـ«مؤسسة التمويل الدولية»، وذلك على هامش زيارته واشنطن للمشاركة في اجتماعات الربيع للبنك وصندوق النقد الدوليين.

وتطرق اللقاء إلى تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة على الاقتصاد العالمي، وأعرب ديوب عن «اعتزازه بالشراكة مع مصر»، مؤكداً «الالتزام بمواصلة دعم جهود التنمية الوطنية من خلال توفير التمويل والخبرات الفنية للقطاع الخاص المصري»، حسب بيان للخارجية المصرية.

كما بحث عبد العاطي مع عثمان دايون، نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فرص التوسع في مجالات الدعم الفني المقدم من البنك الدولي لمصر في عدد من القطاعات الحيوية، وتداعيات التصعيد العسكري في الإقليم على الاقتصاد العالمي.

وعلى صعيد آخر، أكد وزير الخارجية المصري ضرورة عدم انصراف الاهتمام الدولي عن إعادة إعمار غزة، بوصفها ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والسلام.

ويرى صادق أن واشنطن بما لديها من نفوذ على صندوق النقد الدولي يمكن أن تتحرك لدعم القاهرة مالياً من خلال المنظمات الدولية الكبرى، في ضوء العلاقات المصرية - الأميركية وكون مصر دولة وازنة في المنطقة، والجميع في حاجة إلى استقرارها، مشدداً على أن الأزمة الاقتصادية الحالية في مصر ناتجة عن عوامل خارجية أحد أطرافها الولايات المتحدة، مما سيقوّي موقف مصر في الوصول إلى تفاهمات بشأن الدعم المالي لها.

ويعتقد غباشي أن واشنطن لديها خصوصية في العلاقات مع مصر، ويمكن أن تساعد بشكل مباشر أو غير مباشر على توجيه مساعدات إلى مصر سواء عن طريقها أو عن طريق المؤسسات الدولية.

Your Premium trial has ended