هل دخل البرنامج الصاروخي الإيراني عتبة المدى العابر للقارات؟

الهجوم على «دييغو غارسيا» يضع أمن أوروبا في قلب الجدل

رجلا دين يشاركان في مراسم إحياء ذكرى الثورة فيما يُعرض صاروخ باليستي بميدان آزادي غرب طهران (رويترز)
رجلا دين يشاركان في مراسم إحياء ذكرى الثورة فيما يُعرض صاروخ باليستي بميدان آزادي غرب طهران (رويترز)
TT

هل دخل البرنامج الصاروخي الإيراني عتبة المدى العابر للقارات؟

رجلا دين يشاركان في مراسم إحياء ذكرى الثورة فيما يُعرض صاروخ باليستي بميدان آزادي غرب طهران (رويترز)
رجلا دين يشاركان في مراسم إحياء ذكرى الثورة فيما يُعرض صاروخ باليستي بميدان آزادي غرب طهران (رويترز)

يكشف إطلاق صاروخ إيراني باتجاه قاعدة «دييغو غارسيا» البريطانية - الأميركية المشتركة في المحيط الهندي عن أخطر تطور في مسار البرنامج الباليستي الإيراني منذ سنوات، إذ أعاد إلى الواجهة، دفعة واحدة، ملف الصاروخ العابر للقارات الذي لطالما نفت طهران سعيها إليه أو قللت من أهميته.

وبينما تباينت الروايات الغربية والإسرائيلية في توصيف السلاح المستخدم، فإن الحادثة أعادت مسار تطوير الصواريخ الإيرانية إلى الواجهة، وفتحت الباب أمام أسئلة مباشرة بشأن حدود المدى الفعلي، وما إذا كانت طهران تقترب من مستوى يطول عمق القارة الأوروبية.

بدأت الموجة الأحدث من الجدل مع تقارير عن إطلاق إيران صاروخاً أو صاروخين باتجاه قاعدة «دييغو غارسيا»، الواقعة على مسافة نحو 4000 كيلومتر (2500 ميل) من الأراضي الإيرانية.

وتحدثت التقارير الأولى عن إطلاق صاروخين باليستيين متوسطي المدى، سقط أحدهما في أثناء الطيران وأسقطت سفينة أميركية الآخر، بينما ذهب الجيش الإسرائيلي إلى توصيف أبعد، قائلاً إن إيران استخدمت صاروخاً باليستياً عابراً للقارات من مرحلتين.

ولم يبدد هذا التباين في التوصيف الدلالة الأساسية للواقعة. فمجرد محاولة استهداف قاعدة على هذه المسافة عكس اتساع هامش المدى الإيراني إلى مستوى يتجاوز السقف الذي ظل يتكرر في الخطاب الرسمي الإيراني لسنوات وهو ألفا كيلومتر. وبذلك انتقلت القضية سريعاً من نقاش تقني إلى ملف أمني أوسع، لا يتعلق بإسرائيل والمنطقة فقط، بل بأوروبا أيضاً.

وعلى الفور، أقرت لندن، السبت، بأن إيران استهدفت القاعدة المشتركة في «دييغو غارسيا»، ووصفت الهجوم بأنه «متهور»، من دون الدخول في تفاصيل تقنية بشأن نوع الصاروخ أو مدى اقترابه من الهدف. وعكس هذا التحفظ البريطاني حرصاً على تثبيت الحدث نفسه، مع تجنب تبني الرواية الإسرائيلية الأشد تصعيداً في توصيف المدى.

ومع ذلك، فإن الإقرار البريطاني بوقوع الاستهداف كان كافياً لإبقاء النقاش مفتوحاً حول طبيعة التطور الذي بلغه البرنامج الإيراني. فالجدل لم يعد يدور فقط حول ما يمكن أن تفعله إيران مستقبلاً، بل حول ما حاولت فعله بالفعل في ساحة عمليات بعيدة.

جدل أميركي

جاء إطلاق الصاروخ بعد أسابيع من جدل في الولايات المتحدة، بعدما قال الرئيس دونالد ترمب إن إيران تعمل على تطوير صواريخ ستصل قريباً إلى الولايات المتحدة. لكن تقارير لاحقة نقلت عن مصادر مطلعة على التقييمات الاستخباراتية الأميركية أن هذه التقديرات لا تدعم هذا الزعم، وأن إيران لا تزال بعيدة سنوات عن امتلاك صاروخ قادر على ضرب الأراضي الأميركية على نحو موثوق.

لكن ضربة «دييغو غارسيا» قد تعيد الجدل إلى الواجهة وتعزز موقف ترمب. ورغم أنها لم تثبت بعد أن إيران قادرة على ضرب البر الأميركي، فإنها أظهرت أن هامش المدى الإيراني اتسع أكثر مما كانت تشير إليه الحدود المعلنة رسمياً، وأن مسألة الوصول إلى أهداف بعيدة لم تعد فرضية استخباراتية مجردة.

تجربة صاروخ «قدر» الباليستي فبراير 2016 وكانت أول تجربة صواريخ باليستية عقب إبرام الاتفاق النووي في فترة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما (أرشيفية - مهر)

ومن شأن الهجوم أن يضغط على الدوائر الاستخباراتية الأميركية التي شككت بتحذيرات ترمب، ليس لأن إيران صارت في اليوم التالي قادرة على إصابة نيويورك أو واشنطن، بل لأن الطريق إلى المديات الأبعد لم يعد يبدو نظرياً بالقدر نفسه.

وفي هذا السياق، قال السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، الأحد إن من المهم أن إيران قد أظهرت قدرتها على إطلاق صواريخ باليستية بعيدة المدى قادرة على ضرب أجزاء كبيرة من أوروبا.

وقال والتز، في حديث لقناة «فوكس نيوز»، إن إيران أخفت جزءاً من تطوير قدرتها على إعادة دخول الغلاف الجوي لهذا النوع من الصواريخ ضمن ما يُسمى «برنامج الفضاء»، مضيفاً: «لا أعتقد أن أحداً يتوقع رؤية إيرانيين على سطح القمر».

تحذير إسرائيلي

في إسرائيل، استثمر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الواقعة إلى أقصى حد للضغط على الأوروبيين، وجاء في بيان صادر عن مكتبه، الأحد، أن إيران أطلقت صاروخاً باليستياً عابراً للقارات على «دييغو غارسيا» بمدى 4000 كيلومتر، معتبراً أن ذلك يثبت أن إيران باتت قادرة على تهديد عمق أوروبا.

وبدا واضحاً أن نتنياهو لم يتعامل مع الحادثة بوصفها مجرد ضربة بعيدة المدى، بل بوصفها دليلاً إضافياً على أن البرنامج الصاروخي الإيراني تجاوز الإطار الإقليمي ودخل في حسابات الأمن الأوروبي والعالمي.

قبل نتنياهو بساعات، قدم رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير التوصيف العسكري الأوضح للحادثة، عندما قال إن إيران أطلقت صاروخاً باليستياً عابراً للقارات من مرحلتين بمدى 4000 كيلومتر باتجاه هدف أميركي في «دييغو غارسيا». وأضاف أن هذه الصواريخ «ليست مخصصة لضرب إسرائيل»، وأن مداها يضع برلين وباريس وروما ضمن نطاق التهديد المباشر.

وتكمن أهمية كلام زامير في أنه ربط مباشرةً بين حادثة «دييغو غارسيا» وبين الأمن الأوروبي، وهي نقطة من المرجح ان تتكرر لاحقاً في الخطاب الإسرائيلي.

على نقيض ذلك، وصفت وسائل إعلام غربية الصواريخ بـ«متوسطة المدى»، وهو ما أبقى الخلاف قائماً حول توصيف السلاح نفسه، لا حول وقوع الاستهداف.

تغيير العقيدة الإيرانية

على الجانب الإيراني، جاءت تصريحات قائد العمليات في هيئة الأركان والقيادي في «الحرس الثوري»، الجنرال علي عبد اللهي، لتضيف بعداً آخر إلى المشهد. فقد قال إن عقيدة القوات المسلحة الإيرانية انتقلت «من الدفاع إلى الهجوم»، وإن تكتيكات الميدان عُدِّلت بما يتناسب مع هذا التحول. وأضاف أن إيران أنتجت «تجهيزات وأسلحة متطورة»، وأن استخدامها سيقلب حسابات العدو بالكامل.

ولم يتطرق عبد اللهي إلى «دييغو غارسيا» مباشرةً في هذا التصريح، لكنه قدم إشارات ودلالات مهمة تزامناً مع الجدل بشأن قدرة إيران على استهداف قاعدة «دييغو غارسيا».

ومن شأن تزامن الحديث عن انتقال العقيدة من الدفاع إلى الهجوم مع إطلاق صاروخ بعيد المدى، ألا يُبقي رسالة عبد اللهي محصورة في إطار الردع التقليدي، بل تمتد إلى إعلان استعداد لاستخدام قدرات متطورة في سياق هجومي مباشر.

قبل ذلك بأشهر، كان المرشد الإيراني السابق علي خامنئي قد أعطى إشارة واضحة إلى اتجاه البرنامج، حين دعا في 12 فبراير (شباط) 2025 إلى مواصلة تطوير القدرات الصاروخية «دون توقف»، مع التشديد على رفع الدقة والابتكار.

وقال خامنئي: «التقدم يجب ألا يتوقف، لا يمكن أن نرضى (بمستوانا الحالي). وضعنا من قبل حداً لدقة صواريخنا، لكننا نشعر الآن أن هذا الحد لم يعد كافياً. يجب أن نمضي قدماً» في إشارة فُسِّرت على أنها ضوء أخضر لرفع مدى الصواريخ الباليستية. ومثَّل ذلك التوجيه محطة مهمة، لأنه رفع الملف من مستوى تصريحات القادة العسكريين إلى مستوى الغطاء السياسي من صاحب كلمة الفصل في المؤسسة الحاكمة.

خلال عملية إطلاق صاروخ «باليستي» إيراني من مكان غير معلن بإيران... صورة منشورة في 25 مايو 2023 (رويترز)

جاء خطاب خامنئي بعد فترة من تصاعد الحديث داخل إيران عن إمكان تجاوز سقف الألفي كيلومتر، وبعد تقارير ربطت بين تجارب صاروخية ومنشآت إنتاج واختبار جديدة. وبذلك بدا أن التوجيه لم يكن معزولاً عن مسار قائم، بل أقرب إلى تثبيت رسمي له.

أوروبا في الخطاب

في أغسطس (آب) 2025 قال أمير حياة مقدم، النائب المقرب من «الحرس الثوري»، إن جميع الدول الأوروبية باتت في مرمى الصواريخ الإيرانية، مضيفاً أن طهران تستطيع نظرياً استهداف واشنطن ونيويورك من البحر.

جاء هذا التصريح في سياق توتر متصاعد مع أوروبا حينها، حول ملف «سناب باك» لإعادة العقوبات الأممية الذي تم تفعيله في سبتمبر (أيلول) الماضي، لكنه حمل في الوقت نفسه معنى أوسع يتعلق بكيفية تقديم البرنامج الصاروخي بوصفه أداة ردع خارج الإطار الإقليمي المباشر.

كانت هذه من أكثر اللحظات صراحة في الخطاب الإيراني بشأن أوروبا. فالحديث لم يعد يقتصر على الإيحاء بإمكان رفع المدى أو التلميح إلى مراجعة الحدود المعلنة، بل صار يتضمن وضع أوروبا نفسها ضمن دائرة التهديد الصريح، مع توسيع النقاش ليشمل، نظرياً، أهدافاً أميركية أبعد.

إشارات أقدم

لم يبدأ هذا المسار في 2025 ودخول حرب الظل مع إسرائيل إلى المواجهة المباشرة. وفي فبراير 2023 قال قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده، إن سقف 2000 كيلومتر للصواريخ الإيرانية قائم «احتراماً للأوروبيين»، في صيغة أوحت بأن هذا الحد ليس تقنياً ثابتاً بقدر ما هو قرار سياسي قابل للمراجعة.

وبعد ثلاثة أيام من تحذير حاجي زاده، قال قائد «الحرس الثوري» السابق حسين سلامي، إن إيران تستطيع زيادة مدى أسلحتها، داعياً الأوروبيين إلى الحذر وعدم تعريض أنفسهم للخطر. وقُتل كل من حاجي زاده وسلامي في الضربات الأولى من حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران).

ويعود هذا النوع من الخطاب إلى ما هو أقدم من ذلك. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 دعا سلامي، وكان آنذاك نائباً لقائد «الحرس الثوري»، الأوروبيين إلى عدم تحدي إيران في الملف الصاروخي والاعتراف بقدراتها.

وهذا يعني أن البعد الأوروبي كان حاضراً في الخطاب الصاروخي الإيراني قبل سنوات من التحول الأخير، وإن كان قد اتَّخذ يومها طابعاً سياسياً أقل مباشرةً مما ظهر لاحقاً.

من الفضاء إلى الميدان

ولطالما أبدت القوى الغربية قلقها من أنشطة إيران لتطوير برامج متعلقة بإرسال صواريخ حاملة للأقمار الاصطناعية إلى مدار الأرض. فالولايات المتحدة وحلفاؤها ينظرون إلى هذا البرنامج بوصفه أحد المسارات التي قد تسرّع تطوير صواريخ أبعد مدى، لا سيما مع استخدام تقنيات تتداخل مع البرنامج الباليستي، مثل المحركات العاملة بالوقود الصلب، وتعدد المراحل، وأنظمة الدفع والتوجيه.

وتكررت التحذيرات الأوروبية لإيران من أن إطلاق الأقمار الاصطناعية، بوصفه مساراً يمنح إيران خبرة تقنية متراكمة يمكن توظيفها لاحقاً في تطوير صواريخ تقترب من المديات العابرة للقارات.

في هذا السياق، اكتسب إطلاق القمر العسكري «نور 3» في سبتمبر 2023، ثم إطلاق «تشمران - 1» في سبتمبر 2024، دلالة تتجاوز البعد الفضائي البحت. فواشنطن وصفت برنامج الإطلاق الفضائي الإيراني أكثر من مرة بأنه غطاء لأنشطة باليستية بعيدة المدى، وربطت بين تطوير الحوامل الفضائية وبين احتمال تقصير الطريق إلى صاروخ عابر للقارات.

صاروخ «سلیماني» الباليستي خلال عرضه إلى جانب صاروخ يحمل أقماراً اصطناعية خلال مسيرة ذكرى الثورة في فبراير الماضي (تسنيم)

تستند هذه المخاوف إلى تقديرات استخباراتية وخبرات فنية تراكمت خلال السنوات الماضية. ومن أبرز ما استندت إليه المواقف الغربية ما أورده تقييم مجتمع الاستخبارات الأميركي لعام 2022، الذي قال إن تطوير مركبات إطلاق الأقمار الاصطناعية «يقصِّر الجدول الزمني» لإيران لتطوير صاروخ باليستي عابر للقارات، لأن التقنية المستخدمة متشابهة.

كما ركز خبراء غربيون على الصواريخ الحاملة العاملة بالوقود الصلب بوصفها أكثر العناصر إثارةً للقلق، نظراً إلى ما توفره من قابلية للتخزين والاستجابة السريعة وإمكان البناء على تقنياتها للوصول إلى مديات أبعد.

ولم تكن المخاوف الغربية مرتبطة فقط بالإطلاقات الفردية، بل أيضاً بالبنية الصناعية التي كشفت عنها صور الأقمار الاصطناعية في منشآت إيرانية لتوسيع إنتاج الصواريخ ومحركاتها.

في هذا الإطار، تبدو ضربة «دييغو غارسيا» أكثر من مجرد حادثة ميدانية فاشلة. فهي لم تثبت نهائياً أن إيران أصبحت تملك قدرة مستقرة ومكتملة على تشغيل صاروخ عابر للقارات بالمعنى العسكري الكامل، لكنها كشفت عن أن المسار الذي لطالما دار حوله الجدل لم يعد يمكن فصله عن الوقائع الميدانية. كما أظهرت أن السقف الذي تحدثت عنه طهران طويلاً بوصفه حداً لمدى صواريخها لم يعد كافياً لشرح طبيعة التطور الحاصل.


مقالات ذات صلة

«الإقصاء الاقتصادي» يبدأ من إيران... وصداه يمتد من «هرمز» إلى الأسواق العالمية

خاص سائقون يصطفون في طابور أمام محطة وقود بطهران (أ.ف.ب) p-circle 00:23

«الإقصاء الاقتصادي» يبدأ من إيران... وصداه يمتد من «هرمز» إلى الأسواق العالمية

دخلت العقوبات الأميركية الجديدة على إيران مرحلة أكثر تشدداً مع إطلاق «عملية الإقصاء الاقتصادي»، في حملة تستهدف قطع ما تبقى من قنوات التمويل والتجارة والإيرادات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال فعالية للعودة إلى المدارس في حديقة الورود بالبيت الأبيض في واشنطن... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

تحليل إخباري «يوم إنزال اقتصادي» على إيران يصطدم بتاريخ العقوبات

بإعلانه «يوم إنزال اقتصادي» جديداً ضد إيران، الاثنين، يلجأ الرئيس دونالد ترمب إلى استراتيجية أخرى في محاولة لتلمس طريقه للخروج من مغامرة عسكرية.

ديفيد إي. سانغر (واشنطن)
الاقتصاد منظر جوي لقاعدة شيبوشي الوطنية لتخزين النفط باليابان (رويترز)

اليابان لا تخطط لسحب كميات إضافية من احتياطات النفط في سبتمبر وأكتوبر المقبلين

صرح وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني بأن اليابان لا تخطط لسحب أي كميات إضافية من النفط الخام من احتياطاتها الوطنية في سبتمبر أو أكتوبر المقبلين

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
شؤون إقليمية عراقجي لدى استقبال نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)

عراقجي والبوسعيدي يبدآن محادثات «هرمز» في طهران

بدأ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العُماني بدر البوسعيدي، الثلاثاء، محادثات في طهران بشأن ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، في محاولة لاستكمال تفاهمات.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
الاقتصاد حفارات نفط تعمل داخل حقل بجمهورية تترستان في روسيا (رويترز)

النفط يواصل خسائره ويهبط بأكثر من 3 %

ازدادت خسائر أسعار النفط بأكثر من 3 في المائة، إلى أدنى مستوى في أسبوع، خلال جلسة الثلاثاء، بعد أنباء عن إعادة دبلوماسيين أميركيين إلى ⁠سفارات بالشرق الأوسط...

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب يصعد الضغط... وطهران تتوعد بـ«هجوم»

صحيفة «همشهري» الإيرانية معروضة في كشك بوسط طهران تحت عنوان «العقيدة الاقتصادية الإيرانية أصبحت عسكرية» وصورة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)
صحيفة «همشهري» الإيرانية معروضة في كشك بوسط طهران تحت عنوان «العقيدة الاقتصادية الإيرانية أصبحت عسكرية» وصورة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)
TT

ترمب يصعد الضغط... وطهران تتوعد بـ«هجوم»

صحيفة «همشهري» الإيرانية معروضة في كشك بوسط طهران تحت عنوان «العقيدة الاقتصادية الإيرانية أصبحت عسكرية» وصورة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)
صحيفة «همشهري» الإيرانية معروضة في كشك بوسط طهران تحت عنوان «العقيدة الاقتصادية الإيرانية أصبحت عسكرية» وصورة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، أن البحرية الأميركية أبلغته بإزالة أو تفجير جميع الألغام الموجودة في المياه الدولية بمضيق هرمز، محذراً إيران من أن أي سفينة أو زورق يزرع ألغاماً جديدة «سيُدمَّر فوراً وبصورة منهجية».

وأضاف ترمب في منشور على منصته «تروث سوشيال»، أن الولايات المتحدة تراقب «كل شبر» من المضيق عبر «قوة الفضاء»، إلى جانب موقع «جبل بيك آكس» وثلاثة مواقع نووية أخرى قال إنها دُمرت بالفعل. وشدد على أن واشنطن تطبق سياسة «عدم التسامح مطلقاً» مع زرع الألغام في المضيق.

وفي منشور سابق، قال ترمب إن السلطات الإيرانية لا تدفع رواتب قطاعات واسعة من قواتها العسكرية، واتهمها بقتل محتجين وأشخاص «حتى عندما لا يكونون في احتجاجات»، وذلك بالتزامن مع تشديد واشنطن العقوبات الاقتصادية على طهران.

وجاء موقف ترمب غداة إعلان وزير الخزانة سكوت بيسنت توسيع العقوبات الأميركية على إيران في حملة تستهدف عزل اقتصادها وقطع القنوات المالية والتجارية التي تتيح استمرار تعاملها مع الأسواق الخارجية.

وتوعدت طهران بالرد على الإجراءات الهادفة إلى عزل اقتصادها، وعبرت عن ثقتها بأن شركاءها التجاريين الرئيسيين سيقاومون حملة الضغط الأميركية.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشيال» أن «الجمهورية الإيرانية المتداعية لا تدفع رواتب قطاعات واسعة من قواتها العسكرية، وفي الوقت نفسه تقتل المحتجين، حتى عندما لا يكونون في احتجاجات، بمستويات لم نشهدها من قبل». وأضاف: «إنها أزمة إنسانية ذات أبعاد هائلة، ويجب وقفها الآن».

وشهدت إيران زيادة في تنفيذ أحكام الإعدام منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، بعد أسابيع من احتجاجات واسعة ضد السلطات.

وبدأت الاحتجاجات أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025 على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة، ثم اتسع نطاقها وبلغت ذروتها في 8 و9 يناير (كانون الثاني). وأعلنت السلطات الإيرانية مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص، ونسبت العنف إلى «أعمال إرهابية» دبرتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وسجلت منظمات حقوقية خارج إيران حصيلة أعلى، وقالت إن قوات الأمن أطلقت النار على المحتجين. وفي وقت سابق من أغسطس (آب)، أدانت أكثر من 30 دولة في رسالة مشتركة «عمليات الإعدام المستمرة للمتظاهرين واستخدام عقوبة الإعدام» في إيران. وأُعدم منذ نشرها ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص في إيران بتهم مرتبطة بالمشاركة في الاحتجاجات.

عقوبات موسعة

وأعلنت وزارة الخزانة عقوبات جديدة على نحو 60 شخصاً وكياناً وسفينة، ووسعت نطاق العقوبات الثانوية المحتملة إلى خمسة قطاعات هي الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن.

لكن الإجراءات لم تشمل مؤسسات مالية صينية تشتبه واشنطن في أنها تسهل تجارة النفط الإيرانية، ولم يحدد بيسنت الدول التي ستستهدفها العقوبات الجديدة أو موعد بدء تطبيقها عليها.

وقال بيسنت إن الدول والشركات التي تواصل التجارة مع إيران ستُمنح مهلة للامتثال للتوجيهات الأميركية، محذراً من أن الجهات التي تستمر في التعامل مع طهران قد تُستبعد من النظام المالي القائم على الدولار.

وسُئل عن سبب عدم الانتقال مباشرة إلى إجراءات أشد، فأجاب: «لماذا قد أرغب في تدمير النظام المالي العالمي؟»، مضيفاً أن واشنطن تمنح الدول والشركات وقتاً لإنهاء العلاقات التي حددتها وزارة الخزانة.

ورداً على سؤال عن البنوك الصينية، قال بيسنت: «نريد أن نوضح هنا اليوم أنه لا أحد بمنأى عن العقوبات الأميركية».

وظلت الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني خلال السنوات الماضية، لكن الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، الذي أعيد فرضه في منتصف يوليو (تموز)، خفض بالفعل تدفقات الخام الإيراني إلى الصين.

وقالت بكين، الثلاثاء، إن تعاونها مع إيران يجري في إطار القانون الدولي، ولا ينبغي التدخل فيه أو عرقلته، وإنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها.

سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب إيران الثلاثاء 25 أغسطس 2026 (رويترز)

وأضافت وزارة الخارجية الصينية أن العقوبات ووسائل الضغط «لا تساعد في حل القضايا»، مؤكدة أن بكين ستتخذ ما يلزم لحماية مصالحها.

وكانت الصين قد استحوذت على الحصة الأكبر من صادرات النفط الإيرانية خلال السنوات الماضية، ما يجعل تطبيق العقوبات الثانوية على المؤسسات التي تسهل هذه التجارة أحد أبرز الاختبارات أمام الحملة الأميركية الجديدة.

ويأتي ذلك قبل محادثات متوقعة الشهر المقبل بين ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ، وسط خلافات بين البلدين تشمل التجارة وصادرات المعادن الحرجة.

الخيار العسكري قائم

وبالتزامن مع تشديد الضغط الاقتصادي، أبقت إدارة ترمب خيار استئناف الضربات العسكرية ضد إيران مطروحاً. وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن واشنطن لا تستبعد العودة إلى استخدام القوة إذا اقتضت التطورات ذلك، رغم التراجع الحالي في وتيرة الأعمال القتالية.

وقال هيغسيث للصحافيين، الاثنين: «لا نستبعد بأي حال استخدام ضربات حركية، في أي مكان، في مضيق هرمز أو حول إيران».

وأضاف أنه إذا «بالغت إيران في تقدير أوراقها أو تعرضت للجيش الأميركي»، فإن الولايات المتحدة «ستفعل ما يتعين عليها فعله»، لكنه أشار إلى أن الإدارة ترى أن «الضغط الاقتصادي هو أكثر ما يؤلمهم في الوقت الراهن».

طهران تتوعد بالرد

وردت إيران على الإجراءات الأميركية بالتلويح بتحرك مضاد. وقال وزير الاقتصاد علي مدني زاده إن بلاده «على أتم الاستعداد للعقوبات الأميركية»، وإن لديها وسائلها الخاصة لمواجهتها، حسبما أوردت «رويترز» عن الإعلام الحكومي الإيراني.

وأضاف للتلفزيون الحكومي: «يريد الأعداء شن هجوم إرهابي اقتصادي علينا، لكننا أيضاً نمتلك وسائلنا الخاصة ونعرف كيف نلعب هذه اللعبة». وتابع: «يجب ألا يظنوا أن نهجنا دفاعي وأننا سنكتفي بالدفاع فقط، بل عليهم أن يتوقعوا هجوماً منا».

وقال مدني زاده إن الصين وروسيا لم «تقبلا» الإجراءات الأميركية، وتوقع أن تعارضها دول أخرى. وفي تصريح آخر، قال إن الحكومة لديها «خطة مدتها سنتان» للتعامل مع العقوبات.

ونقلت قناة «برس تي في» عن حسين محبي، المتحدث باسم «الحرس الثوري»، تعهده بتوجيه ضربات قوية للمصالح الحيوية للولايات المتحدة وممرات الطاقة إذا تعرضت البنية التحتية الإيرانية للتهديد.

وبالتزامن، قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ناقلة نفط أصيبت، الثلاثاء، بمقذوف لم تتحدد طبيعته وتعطلت على بعد نحو تسعة أميال بحرية شمال شرقي مدينة شيصة العُمانية، عند مدخل مضيق هرمز.

ولم تعلن الهيئة الجهة المسؤولة عن الحادث. وكانت إيران قد هددت، قبل إعلان العقوبات، بالرد على أي ضغط اقتصادي أميركي وبإجراءات من شأنها زيادة تراجع صادرات النفط من الخليج العربي.

وتراجعت أسعار النفط لليوم الثاني على التوالي، مع محدودية رد فعل المتعاملين على العقوبات الجديدة، رغم استمرار القلق بشأن قدرة إيران على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.

وأظهرت بيانات أولية من شركة «فورتكسا» لتتبع السفن أن تدفقات النفط عبر المضيق بلغت خمسة ملايين برميل يومياً، الاثنين، مقارنة بأكثر من 20 مليون برميل يومياً قبل الحرب.

رسالة أميركية عبر باكستان

ومع تشديد الضغوط الاقتصادية على طهران، ظهرت مؤشرات إلى استمرار الاتصالات السياسية عبر الوسطاء. وقال النائب عباس غلرو، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الإيراني، إن قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير نقل رسالة من الولايات المتحدة إلى إيران خلال زيارته طهران، الاثنين.

ونقلت وكالة «إيسنا» عن غلرو قوله إن «الهدف الرئيسي، على ما يبدو، هو إحياء العملية السياسية المتوقفة». ولم يصدر تعليق من البيت الأبيض أو وزارة الخارجية الأميركية على مضمون الرسالة.

من جهته، قال الجيش الباكستاني، الثلاثاء، إن إسلام آباد أحرزت «تقدماً كبيراً» في أحدث محادثاتها مع طهران، وإن الاجتماعات ركزت على منع مزيد من التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز.

وكان منير قد زار طهران برفقة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، والتقى الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي.

وكتب نقوي على منصة «إكس» أن بزشكيان «شارك بصراحة وجهة نظر حكومته»، وأن الجانبين أجريا «مباحثات بناءة للغاية حول القضايا ذات الصلة».

بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)

وقال مهدي طباطبائي، المسؤول في مكتب الرئيس الإيراني، إن زيارة منير «أثمرت إنجازات دبلوماسية قيمة للغاية، ستتضح نتائجها قريباً»، من دون تقديم تفاصيل.

وكانت إيران والولايات المتحدة قد توصلتا في يونيو (حزيران) إلى اتفاق مؤقت عُرف باسم «مذكرة إسلام آباد»، لكنه تعثر بعد ذلك، واستؤنفت الهجمات الإيرانية التي أوقفت معظم صادرات الطاقة من الخليج العربي.

وأفادت «نيويورك تايمز»، نقلاً عن وثيقة داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، بأن واشنطن قد تبدأ إعادة دبلوماسيين إلى سفارات في الشرق الأوسط بعد إجلائهم قبل الحرب وخلالها. ولم يتضح ما إذا كانت الخطوة مرتبطة بجهود الوساطة.

حرب بلا تسوية

وعلى الرغم من عدم تنفيذ الطرفين هجمات كبيرة منذ أسابيع، لا توجد حتى الآن تسوية دبلوماسية تنهي الحرب التي بدأت في 28 فبراير بضربات أميركية - إسرائيلية على إيران.

وأمضت إيران عقوداً تحت وطأة عقوبات أميركية ودولية أضعفت اقتصادها، لكنها واصلت تصدير النفط عبر شبكات مالية وتجارية خارجية، قبل أن يؤدي الحصار البحري الأميركي إلى تقليص صادراتها بصورة حادة.

وأظهر استطلاع أجرته «رويترز/إبسوس» وانتهى الاثنين أن تأييد الأميركيين للحرب هبط إلى أدنى مستوى له منذ الأيام الأولى للصراع، وأن شعبية ترمب بلغت أدنى مستوى لها قبل انتخابات الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني).

وقُتل آلاف الأشخاص منذ بدء الحرب، معظمهم في إيران ولبنان، وتراجعت القدرات العسكرية التقليدية الإيرانية بشدة، فيما يواجه اقتصاد البلاد ضغوطاً متزايدة، وقُتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضربات الافتتاحية للحرب.

ومع ذلك، لا تزال إيران تملك صواريخ وطائرات مسيّرة قادرة على استهداف دول مجاورة في الخليج العربي وتهديد ناقلات النفط في مضيق هرمز.

ولا يزال الوضع الدقيق للبرنامج النووي الإيراني غير معروف، بعدما استهدفت الولايات المتحدة وإسرائيل منشآت مرتبطة به خلال الحرب، في حين لم تُحسم بعد المفاوضات المتعلقة بمصير المواد النووية أو شروط إنهاء القتال.


«يوم إنزال اقتصادي» على إيران يصطدم بتاريخ العقوبات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل لإلقاء كلمة خلال فعالية للعودة إلى المدارس في حديقة الورود بالبيت الأبيض في واشنطن... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل لإلقاء كلمة خلال فعالية للعودة إلى المدارس في حديقة الورود بالبيت الأبيض في واشنطن... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)
TT

«يوم إنزال اقتصادي» على إيران يصطدم بتاريخ العقوبات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل لإلقاء كلمة خلال فعالية للعودة إلى المدارس في حديقة الورود بالبيت الأبيض في واشنطن... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل لإلقاء كلمة خلال فعالية للعودة إلى المدارس في حديقة الورود بالبيت الأبيض في واشنطن... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

بإعلانهما «يوم إنزال اقتصادي» جديداً ضد إيران، الاثنين، يلجأ الرئيس دونالد ترمب ووزير الخزانة سكوت بيسنت إلى استراتيجية أخرى في محاولة لتلمس طريقهما للخروج من مغامرة عسكرية سارت على نحو سيئ. وفي أثناء ذلك، يقلبان النهج المعتاد لإكراه الخصوم على الانصياع للإرادة الأميركية.

عادة، تتعامل واشنطن مع مشكلة مثل تفكيك البرنامج النووي الإيراني عبر دبلوماسية مباشرة. وإذا لم تؤدِّ إلى نتيجة، يمزج المسؤولون معها عقوبات اقتصادية متصاعدة، مضيفين عنصراً من الإكراه. أما العمل العسكري فهو الملاذ الأخير، ولا يُلجأ إليه إلا إذا قرر الرئيس أن المخاطرة بأرواح الأميركيين تستحق الفائدة المحتملة.

لكن ترمب قفز من جولة قصيرة من الدبلوماسية مباشرة إلى شن غارات جوية، كان الهدف منها إجبار البلاد على التخلي عن مخزونها البالغ 11 طناً من اليورانيوم المخصب - بما في ذلك كمية كانت قريبة من أن تصبح جاهزة لصنع قنبلة - وربما إسقاط الحكومة.

وفشلت الهجمات في تحقيق كلا الهدفين، بكلفة بلغت 18 قتيلاً أميركياً، ومئات أو آلاف القتلى الإيرانيين، وفاتورة قدرها محللون مستقلون بأكثر من 100 مليار دولار، رغم أن تقديرات البنتاغون أقل.

والآن فقط يحاول ترمب وبيسنت تجربة كبرى أخرى، أُطلق عليها اسم «عملية المنبوذ الاقتصادي»، ووصفها البيت الأبيض بأنها «حملة غير مسبوقة لقطع كل شريان حياة اقتصادي متبقٍ يدعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية».

والخطة ليست غير معقولة. فكما شرحها بيسنت، تقوم على خنق كل معاملة توصل الأموال إلى طهران، حتى آخر معاملة، سواء كانت معاملات رقمية مموهة جيداً، أو عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى، أو تحريك الذهب حول العالم.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يشير إلى الصحافيين خلال مؤتمر صحافي لإعلان عقوبات إضافية على إيران في مقر الوزارة بواشنطن... الاثنين 24 أغسطس 2026 (رويترز)

وقال بيسنت، الذي أصبح الوجه العلني لجهود الخنق الاقتصادي، خلال مؤتمر صحافي في وزارة الخزانة، الاثنين: «هذه عملية مستمرة للقضاء على كل خيار متبقٍّ لإيران».

لكن هذه الجهود تثير سلسلة من الأسئلة التي لم يجب عنها البيت الأبيض.

وفي مقدمتها: إذا كان من الممكن فرض عقوبات بهذا القدر من الإحكام، فلماذا لم تُستخدم قبل أن يأمر ترمب الجيش الأميركي بدخول المعركة، بما كشف نقصاً في ذخائر أساسية وحدود القوة العسكرية الأميركية؟

والآن، بعدما «مهّد» الجيش، بحسب تعبير بيسنت، الطريق للنجاح، ماذا عن الصين، التي اشترت أكثر من 80 في المائة من صادرات إيران النفطية في عام 2025؟

وهل الإدارة مستعدة للمخاطرة بمواجهة مباشرة أخرى مع بكين، التي تختلف معها بالفعل بشأن الذكاء الاصطناعي وتايوان والتوسع النووي السريع وفائض إنتاجي هائل يهدد الاقتصاد العالمي؟

لم يكن «يوم الإنزال» الأصلي، على شواطئ نورماندي، يحتاج إلى مشاركة صينية. أما «يوم الإنزال الاقتصادي» هذا فيحتاج إليها، ولا توجد حتى الآن أي إشارة إلى أنها آتية، قبل شهر من الموعد المقرر لوصول الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن في أول زيارة دولة له منذ أكثر من عقد.

وقال بيتر هاريل، الباحث الزائر في كلية الحقوق بجامعة جورجتاون، الذي كتب على نطاق واسع عن حدود العقوبات الاقتصادية، الاثنين: «سيكون هذا صعباً».

وأشار هاريل إلى أن ترمب، عندما كان يقرر في وقت سابق من هذا العام كيفية إخضاع إيران، «كان أمامه خيار أن يتشدد فعلاً مع الصينيين، وهو ما لم يكن يريد فعله بسبب أجندته الاقتصادية الخاصة مع شي، أو أن يفرض الحصار البحري على الناقلات الإيرانية».

وأضاف: «اتضح أن فرض الحصار على جميع الناقلات الإيرانية كان أسهل سياسياً من أن نقول للصينيين: (سنفرض عقوبات على شركاتكم الكبرى) إذا واصلوا تجارتهم مع إيران».

ولا تزال المسألة حساسة. وهدد بيسنت بما يسمى «العقوبات الثانوية» على جميع الدول التي تواصل التعامل التجاري مع إيران. لكن بيسنت، سواء في مقال رأي نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» خلال عطلة نهاية الأسبوع أو في مؤتمره الصحافي الاثنين، لم ينطق بكلمة «الصين» مطلقاً.

وكان يتعمد تفادي إغضاب ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والدولة التي قد تحدد، أكثر من أي دولة أخرى، ما إذا كانت هذه الاستراتيجية الجديدة للبيت الأبيض تملك فرصة للنجاح.

وبالطبع، لا جديد في محاولة جعل إيران منبوذة اقتصادياً. فالجهود الجدية الأولى لفرض عقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي تعود إلى إدارة جورج دبليو بوش. وعندما كانت إدارة أوباما تحاول دفع إيران إلى المفاوضات في عام 2009، وعدت وزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلينتون بفرض «عقوبات مشلّة» ما لم تدخل البلاد في مفاوضات.

واستغرق تحقيق النتائج سنوات، لكن خبراء كثيرين يرون أن العقوبات المتصاعدة التي أعقبت ذلك ساعدت على إجبار إيران على الموافقة على الاتفاق النووي لعام 2015، الذي حدّ بشدة من أنشطتها النووية مقابل رفع العقوبات المالية والنفطية.

ومزق ترمب ذلك الاتفاق في عام 2018، معلناً أنه معيب بشدة. وفي ذلك الوقت، بدأ إعادة فرض العقوبات، وتوقع هو ووزير خارجيته مايك بومبيو أن يصبح الضغط الاقتصادي أكبر من أن يحتمله قادة إيران.

وكتب بومبيو في مجلة «فورين أفيرز» في أواخر عام 2018: «تتبع إدارة ترمب حملة (ضغط أقصى) مصممة لخنق الإيرادات التي يستخدمها النظام - وخصوصاً الحرس الثوري الإسلامي، وهو جزء من المؤسسة العسكرية الإيرانية يخضع مباشرة للمرشد الإيراني - لتمويل العنف».

وأضاف: «لكن الرئيس ترمب لا يريد انخراطاً عسكرياً أميركياً آخر طويل الأمد في الشرق الأوسط».

وكان بومبيو، الذي بات الآن على خلاف مع ترمب، يردد كثيراً من المحاور نفسها التي كررها بيسنت الاثنين.

والاستثناء هو أن الولايات المتحدة ملتزمة الآن بوجود عسكري قبالة سواحل إيران لمدة غير محددة، ولكن بالتأكيد ما دامت إيران تهدد حركة الشحن عبر مضيق هرمز.

وسجل هذه العقوبات السابقة غير مثير للإعجاب: فقد واصلت إيران تصدير ما بين مليوني وثلاثة ملايين برميل من النفط يومياً رغمها. وقد انخفضت تلك الأرقام الآن إلى مجرد قطرات، بفضل الحصار البحري القائم حالياً.

لكن المواد النووية لم تُنقل من مواقع تخزينها المغطاة بالأنقاض منذ أن قصفت الولايات المتحدة تلك المواقع في يونيو (حزيران) 2025، بحسب ما تشير إليه صور الأقمار الاصطناعية.

ولا تزال الحكومة قائمة، وإن كانت تحت إدارة مختلفة، بعد مقتل المرشد علي خامنئي في الضربات الافتتاحية للحرب في فبراير (شباط). ويتولى ابنه الآن المنصب، وهو يُعد أكثر تشدداً، رغم أنه لم يظهر أو يُسمع منه مباشرة.

ونتيجة لذلك، جاء أحد أكثر عناصر خطاب بيسنت إثارة للفضول، الاثنين، عندما عاد إلى وعد أطلقه ترمب قبل نحو ستة أشهر: بأنه سيهيئ الظروف لتغيير النظام.

وفي ذلك الوقت، كان ترمب يعتقد أن المعركة العسكرية ستستمر بضعة أيام أو أسابيع، قبل أن تقدم إيران ما سماه الرئيس «الاستسلام غير المشروط».

مارة يعبرون أمام لوحة دعائية في طهران تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحت الماء وسط انفجارات وتحمل عبارة «انتصار عظيم! مضيق هرمز»... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

وحض الشعب الإيراني على الانتفاض والاستيلاء على حكومته بعد انقشاع دخان القصف الأميركي. لكن ترمب تخلى سريعاً عن ذلك المسعى، وأقر في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» في يونيو بأن الشعب الإيراني ببساطة لم يكن يملك السلاح أو التنظيم اللازمين لتحقيق ذلك.

وحاول بيسنت اتباع نهج مختلف قليلاً، الاثنين. وقال بيسنت: «إلى الجنود العاديين الذين يدعمون هذا النظام: مع توقف صرف المزيد والمزيد من رواتبكم، أو الزعم بأنها تأخرت فقط، اسألوا أنفسكم إن كان قادتكم يقودون بلادكم إلى النصر أم إلى الخراب، وتذكروا أن جدار برلين سقط عندما قرر الجنود العاديون ألا يطلقوا النار على شعبهم».

وبالطبع، كانت الظروف عندما سقط الجدار مختلفة تماماً عن الظروف القائمة في إيران. فلم تكن هناك حرب خارجية نشطة دائرة، بل كان هناك فقط الضغط المتسارع للحرب الباردة.

كما أن الاتحاد السوفياتي والدول التابعة له لم ترَ أملاً يُذكر في قمع الانتفاضات المحلية، بما فيها تلك التي اندلعت في ألمانيا الشرقية وأدت إلى التشبيه التاريخي الذي استخدمه بيسنت.

ومع ذلك، فهذا هو الرهان الكبير الذي يعقده ترمب الآن. وكان قراره في فبراير الاستغناء عن نوع العقوبات الذي أُعلن عنه الاثنين، والانتقال مباشرة إلى القوة العسكرية، اعترافاً من بعض النواحي بأن العقوبات الاقتصادية تتحرك ببطء، وأن التاريخ يشير إلى أنها كثيراً ما تفشل في تحقيق أهدافها.

واليوم، عاد إلى تلك الخطة، في غياب كثير من الخيارات الأخرى القابلة للتطبيق.

* خدمة «نيويورك تايمز»


عراقجي والبوسعيدي يبدآن محادثات «هرمز» في طهران

عراقجي لدى استقبال نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)
عراقجي لدى استقبال نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)
TT

عراقجي والبوسعيدي يبدآن محادثات «هرمز» في طهران

عراقجي لدى استقبال نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)
عراقجي لدى استقبال نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)

بدأ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العُماني بدر البوسعيدي، الثلاثاء، محادثات في طهران بشأن ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، في محاولة لاستكمال تفاهمات أولية توصل إليها البلدان حول مسارات جديدة لعبور السفن.

واستقبل عراقجي البوسعيدي لدى وصوله إلى مقر وزارة الخارجية الإيرانية، قبل أن يبدأ الوزيران اجتماعاً ثنائياً، وفق صور نشرتها الخارجية الإيرانية.

وأفادت وكالة «إيسنا» الحكومية بأن المحور الرئيسي للمحادثات هو الاتفاق بين طهران ومسقط بشأن تحديد ممر مائي في مضيق هرمز للعبور الآمن للسفن، ومراجعة أحدث التفاهمات التي توصل إليها الجانبان في هذا الشأن. ومن المقرر أن يلتقي البوسعيدي خلال زيارته عدداً آخر من كبار المسؤولين الإيرانيين.

وتأتي المحادثات بعد أسابيع من مفاوضات فنية بين طهران ومسقط بلغت، وفق الجانب الإيراني، مرحلة متقدمة، لكنها لم تفض حتى الآن إلى اتفاق نهائي بشأن إعادة فتح المضيق بالكامل أو الرسوم وسلطة إدارة حركة السفن.

عراقجي يجري مباحثات مع نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)

وكان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قد أعلن أن زيارة البوسعيدي ستتناول «المشاورات السياسية المستمرة بين الجانبين، باعتبارهما دولتين مطلتين على مضيق هرمز، للمساعدة في تعزيز السلام والأمن في المنطقة»، إضافة إلى العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية.

وسبق الاجتماع اتصال هاتفي بين الوزيرين، الجمعة. وقالت وكالة الأنباء العُمانية إن عراقجي والبوسعيدي بحثا «سبل تهيئة الظروف الملائمة لاستئناف الحوار والتفاوض، وتطورات الملاحة في مضيق هرمز».

وأضافت أن الجانبين شددا على «أهمية مواصلة المباحثات للتوصل إلى تفاهمات عملية» تدعم استئناف حرية الملاحة وانسيابها وأمن المنطقة واستقرارها.

صيغة نهائية قيد البحث

وقال بقائي، الاثنين، إن المحادثات مع سلطنة عُمان بشأن المضيق «مستمرة»، وإن الجانبين يعملان على «وضع اللمسات الأخيرة» لتثبيت مذكرة تفاهم والوصول إلى صيغة نهائية.

وكان قد أعلن في 15 أغسطس أن البلدين اتفقا على خريطة لمسار عبور السفن، وأنهما يعملان على إعداد بيان مشترك بشأن الترتيبات التي جرى التوصل إليها.

ووصف عراقجي، مطلع الأسبوع الماضي، المحادثات بأنها مسار فني منفصل تماماً عن الاتصالات المتعلقة بإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، وقال إن خبراء من البلدين، بمشاركة القوات المسلحة الإيرانية، يعملون على تحديد الممرات البحرية الجديدة.

ويقوم التصور الذي بحثه الجانبان على استبدال نظام الملاحة المعمول به منذ عقود بترتيبات تمنح إيران دوراً أوسع في إدارة حركة السفن.

وفي مرحلة انتقالية، تدخل السفن الخليج العربي عبر ممر شمالي قرب الساحل الإيراني وجزيرة لارك، وتخرج عبر ممر جنوبي قريب من الساحل العُماني.

وقالت طهران إن هذه المرحلة قد تستمر بين شهرين وأربعة أشهر أو أكثر، قبل الانتقال إلى «مسار أوسط» تتولى إيران إدارة حركة الدخول عبره، بينما تخضع حركة الخروج لتنسيق مشترك بين إيران وعُمان.

واقترحت طهران أيضاً إنشاء مركز إيراني - عُماني مشترك لتنسيق حركة السفن وتبادل المعلومات المتعلقة بالناقلات والسفن التجارية.

إعادة الفتح والرسوم

لكن إيران تفصل بين الاتفاق الفني على الممرات وبين إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

ورهن مسؤولون إيرانيون عودة الملاحة إلى وضعها الطبيعي برفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف العمليات العسكرية، والسماح باستئناف صادرات النفط الإيرانية.

ولا تزال الرسوم إحدى القضايا التي تبحثها الترتيبات. وكانت إيران قد طرحت خلال مراحل سابقة رسوماً تراوحت بين 5 و7 في المائة من قيمة الشحنات العابرة، بينما ناقش الجانب العُماني صيغة تقارب 3 في المائة ضمن تسوية أوسع.

سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب إيران، الثلاثاء 25 أغسطس 2026 (رويترز)

وأقرت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، الأحد، مادة تسمح بتحصيل رسوم من سفن الدول المسموح لها بالعبور مقابل خدمات تشمل الملاحة والتأمين والسلامة والخدمات البيئية والتزود بالوقود في الظروف الخاصة.

ولا يحدد النص البرلماني نسبة من قيمة الحمولة، ولا يفرض رسماً مقابل مجرد المرور، وينص على تحصيل الرسوم بالريال الإيراني أو بأي عملة تختارها طهران.

وتعارض واشنطن منح إيران سلطة منفردة على الملاحة أو فرض رسوم إلزامية على السفن، وتتمسك بحرية المرور في المضيق.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد هدد بمواجهة أي ترتيبات في مضيق هرمز إذا «وقفت في طريق» الخطة الأميركية، في إشارة إلى التفاهمات التي تفاوضت عليها عُمان مع إيران.