الاقتصاد العالمي يترقب أول «كشف حساب» لآثار حرب إيران

بيانات المشتريات والتضخم يكشفان الحجم الحقيقي للصدمة وتداعيات قفزة الطاقة

الناس يسيرون في الحي المالي مقر بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
الناس يسيرون في الحي المالي مقر بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

الاقتصاد العالمي يترقب أول «كشف حساب» لآثار حرب إيران

الناس يسيرون في الحي المالي مقر بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
الناس يسيرون في الحي المالي مقر بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

يُشكِّل الأسبوع المقبل لحظةً مهمةً في تتبع المسار الاقتصادي العالمي لعام 2026؛ فمن خلال بيانات المشتريات والتضخم المرتقبة، سيتحوَّل الجدل من التوقعات النظرية إلى الحقائق الرقمية حول مدى عمق الندوب التي تركتها حرب الشرق الأوسط في جسد الاقتصاد العالمي. وبينما يبدو الاقتصاد الأميركي مستقراً نسبياً بفضل موارده الطاقية، تظل أوروبا وبريطانيا في قلب «العاصفة»، حيث يضعهما ارتفاع تكاليف المعيشة أمام معادلة شبه مستحيلة: فإما المضي في رفع الفائدة لمواجهة التضخم والمخاطرة بركود حاد، أو الانتظار ومراقبة الأسعار وهي تتجاوز المستويات الآمنة.

في أميركا، ستُقدِّم استطلاعات مديري المشتريات الأميركية الأولية لقطاعَي التصنيع والخدمات، والمقرِّر صدورها يوم الثلاثاء، مؤشراً أولياً على أداء الشركات خلال حرب الشرق الأوسط، التي تسببت في ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وكان «الاحتياطي الفيدرالي» أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير، وأشار إلى أن مخاطر التضخم قد تُصعّب خفضها. ومع ذلك، يُعدّ الاقتصاد الأميركي في وضع أفضل من اقتصادات كثير من الدول في أوروبا وآسيا، نظراً لكون الولايات المتحدة مُصدِّراً صافياً للطاقة، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» مترئساً اجتماع لجنة السوق المفتوحة (أ.ف.ب)

وقال الخبير الاقتصادي جيمس نايتلي من بنك «آي إن جي» في مذكرة: «لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي مهمة مزدوجة: الحفاظ على استقرار الأسعار، وتعظيم فرص العمل، ويواجه الجزء الثاني تحديات أكبر. ولذلك، ما زلنا نعتقد أن مجلس (الاحتياطي الفيدرالي) يميل إلى خفض أسعار الفائدة بدلاً من رفعها».

منطقة اليورو: «ستار من الشك»

تترقَّب منطقة اليورو أسبوعاً حافلاً بالبيانات التي ستكشف حجم الأضرار التي ألحقتها حرب الشرق الأوسط والقفزة «الهائلة» في أسعار الطاقة بالثقة لدى الشركات والمستهلكين على حد سواء. وستكون البداية يوم الثلاثاء مع صدور القراءات الأولية لمؤشرات مديري المشتريات لشهر مارس (آذار) في كل من فرنسا وألمانيا والمنطقة كلها، بالإضافة إلى سلسلة من مسوح الثقة المُقرَّر صدورها خلال الأسبوع.

وعلى الرغم من أن تقرير شهر فبراير (شباط) الماضي كان قد أظهر بوادر انتعاش في الطلب وتحسناً في التفاؤل، فإنَّ التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط تهدِّد بتقويض هذا الزخم. وفي هذا السياق، أكد ريان جاجاسابوترا، المحلل في «إنفستيك»، أن قطاع التصنيع سيكون «الأكثر تضرراً» من الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة، متوقعاً أن يلقي «ستار من عدم اليقين» الناجم عن الصراع بظلاله الثقيلة على مؤشرات مديري المشتريات هذا الشهر، وفق «وول ستريت جورنال».

رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد تتحدث إلى الصحافة عقب اجتماع مجلس إدارة البنك (رويترز)

وبالتوازي مع بيانات المشتريات، تصدر يوم الاثنين البيانات الأولية لثقة المستهلكين في منطقة اليورو، يليها يوم الأربعاء مؤشر «إيفو» لمناخ الأعمال في ألمانيا، الذي يحظى بمتابعة دقيقة، ثم بيانات الثقة في قطاع التصنيع الفرنسي يوم الخميس. وفي يوم الجمعة، ستكون الأسواق على موعد مع بيانات التضخم الأولية في إسبانيا، والتي ستعطي مؤشراً حاسماً لمدى سرعة انتقال قفزة أسعار الطاقة إلى المستهلك النهائي.

وعلى صعيد السياسة النقدية، تسبب مشهد الحرب في تغيير موازين القوى داخل البنك المركزي الأوروبي؛ فبعد أن أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير، أشار البنك بوضوح إلى استعداده لرفع الفائدة إذا أدت أسعار الطاقة المرتفعة إلى انفلات التضخم مجدداً. وتشير بيانات «إل إس إي جي» إلى أنَّ أسواق المال باتت تسعر الآن «بشكل كامل» قيام البنك برفع الفائدة في يونيو (حزيران) المقبل.

وفي ظلِّ هذه الأجواء المتوترة، تشهد سوق السندات الأوروبية نشاطاً مكثفاً؛ حيث ستجري بلجيكا وهولندا مزادات يومَي الاثنين والثلاثاء، بينما تعلن وكالة التمويل الألمانية عن مراجعتها ربع السنوية للتمويل قبل طرح سندات متنوعة الآجال يومَي الثلاثاء والأربعاء، وتختتم إيطاليا الأسبوع بمزادات يومَي الأربعاء والجمعة.

بريطانيا... والخيارات الصعبة

من المتوقع أن تصدر يوم الأربعاء بيانات تضخم أسعار المستهلكين لشهر فبراير، وهي البيانات التي يترقبها المستثمرون بكثير من الحذر. ورغم أن هذه الأرقام تعود للفترة التي سبقت القفزة الهائلة في أسعار النفط والغاز الناجمة عن اندلاع المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط، فإنَّها ستقدم صورةً حاسمةً للقاعدة السعرية التي انطلقت منها البلاد قبل الصدمة الأخيرة.

لافتة إرشادية بالقرب من مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

تعاني بريطانيا بالفعل من مستويات تضخم مرتفعة، وهو ما دفع «بنك إنجلترا» في اجتماعه الأخير للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، مع التلويح صراحةً بإمكانية رفعها للسيطرة على الأسعار إذا اقتضت الضرورة. ويرى خبراء اقتصاد في «إتش إس بي سي» أنَّ مؤشرَي أسعار المستهلكين وأسعار التجزئة قد يستقران عند 3 في المائة و3.8 في المائة على التوالي في قراءة فبراير، لكن أي أرقام تتجاوز هذه التوقعات قد تثير ذعر المستثمرين، خصوصاً مع وصول عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2008.

إلى جانب التضخم، ستصدر يوم الثلاثاء القراءات الأولية لمؤشرات مديري المشتريات لقطاعَي التصنيع والخدمات لشهر مارس، والتي ستوفِّر أول لقطة حية لمدى تضرُّر معنويات الأعمال منذ بدء العمليات العسكرية ضد إيران. ويختتم الأسبوع بصدور مسح ثقة المستهلكين وأرقام مبيعات التجزئة، وهي مؤشرات ستعكس مدى استعداد الأسر البريطانية لمواجهة موجة غلاء جديدة.

الصين واليابان... وتحولات «أمن الطاقة»

في الصين، ورغم الهدوء النسبي في البيانات، فإنَّ تقارير «بي أن بي باريبا» تشير إلى إعادة صياغة الأولويات السياسية نحو «الاستقرار المالي وأمن الطاقة». ومع تأجيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب زيارته المُخطَّط لها إلى بكين، تظل العلاقات الثنائية تحت المراقبة.

موظفون يفرزون الفاكهة بمتجر «وول مارت» في بكين (رويترز)

وتستفيد الصين من عزلة نسبية عن صدمات الطاقة المباشرة مقارنة باليابان وكوريا؛ مما يمنحها بعض الاستقلالية في رسم سياساتها المحلية.

أما في اليابان، فتركز الأنظار على نتائج مفاوضات الأجور السنوية وبيانات التضخم التي قد تظهر تراجعاً طفيفاً بفضل الدعم الحكومي للطاقة، بينما يراقب المستثمرون الطلب على سندات الحكومة اليابانية لأجل 40 عاماً التي تقدِّم عوائد مرتفعة للغاية.

كما تستعد أستراليا لبيانات تضخم قد تكون «الهدوء الذي يسبق العاصفة»، حيث يتوقَّع المحللون قفزةً في معدلات التضخم بنحو 5 في المائة في الأشهر المقبلة؛ نتيجة حرب إيران، مما يعزِّز احتمالات قيام البنك المركزي الأسترالي برفع الفائدة 5 مرات قبل نهاية العام. وفي النرويج، يُتوقَّع أن يبدي البنك المركزي حذراً كبيراً تجاه أي خفض مستقبلي للفائدة في ظلِّ «صدمة الطاقة» الحالية.


مقالات ذات صلة

الذهب يرتد بأكثر من 1 % مع تراجع الدولار وعوائد السندات عن أعلى مستوياتها

الاقتصاد عامل مصفاة يكدّس سبائك الذهب بعد إخراجها من قوالبها في مصهر مصفاة بسيدني (أ.ف.ب)

الذهب يرتد بأكثر من 1 % مع تراجع الدولار وعوائد السندات عن أعلى مستوياتها

ارتدت أسعار الذهب من أدنى مستوى لها في نحو شهر، يوم الأربعاء، مع تراجع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأميركية عن أعلى مستوياتها الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مصفاة إمبريال أويل في الممر الصناعي لوادي الكيماويات في سارنيا بأونتاريو - كندا (رويترز)

النفط يتراجع مع ترقب المستثمرين تداعيات الضربات الأميركية ـ الإيرانية

تراجعت أسعار النفط قليلاً، اليوم الخميس، بينما يقيّم المستثمرون حالة عدم اليقين الناجمة عن تجدد الضربات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تهدد بتعطيل…

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية في مجموعة العشرين (رويترز)

موجة بيع السندات العالمية تتعمَّق... النفط والتضخم يرفعان تكلفة الاقتراض

تعمَّقت موجة بيع السندات في الأسواق العالمية، الأربعاء، مع ارتفاع عوائد الديون السيادية إلى مستويات لم تشهدها بعض الاقتصادات منذ عقود.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
تقرير إخباري صورة جماعية لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية في مجموعة العشرين بمدينة آشفيل (أ.ف.ب)

تقرير إخباري مجموعة العشرين تصطف ضد اختلالات التجارة... والصين ترفض الإجماع

دعم وزراء مالية مجموعة العشرين التحرك ضد السياسات غير السوقية وفوائض الصادرات المفرطة، وسط تصعيد أميركي للضغط على الصين.

«الشرق الأوسط» (آشفيل - نورث كارولاينا)
الاقتصاد رجل يمر أمام محل لبيع الذهب في السوق الكبيرة بإسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يهبط لأدنى مستوى في أكثر من 3 أسابيع مع تصاعد مخاوف رفع الفائدة

هبطت أسعار الذهب إلى أدنى مستوى لها في أكثر من ثلاثة أسابيع يوم الأربعاء، مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن)

رايت ينفي «سرقة» النفط الفنزويلي... وواشنطن تدفع باتجاه إعادة إحياء القطاع

وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز عقب توقيع اتفاقيات نفطية (رويترز)
وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز عقب توقيع اتفاقيات نفطية (رويترز)
TT

رايت ينفي «سرقة» النفط الفنزويلي... وواشنطن تدفع باتجاه إعادة إحياء القطاع

وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز عقب توقيع اتفاقيات نفطية (رويترز)
وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز عقب توقيع اتفاقيات نفطية (رويترز)

سعت الولايات المتحدة إلى احتواء الانتقادات المتصاعدة بشأن اتفاقها النفطي مع فنزويلا، إذ رفض وزير الطاقة الأميركي كريس رايت اتهامات بأن واشنطن «تسرق النفط الفنزويلي»، بالتزامن مع توقيع شركات طاقة أميركية وأوروبية اتفاقات جديدة بمليارات الدولارات لتوسيع الإنتاج النفطي وإعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة في البلاد.

وقال رايت، خلال وجوده في كاراكاس للإشراف على توقيع الاتفاقات، إن النفط الفنزويلي «مملوك للشعب الفنزويلي»، مؤكداً أن الشركات الخاصة هي التي تجلب رأس المال والتكنولوجيا اللازمة لإنتاجه، بينما تذهب العوائد والامتيازات والضرائب إلى الحكومة والشعب الفنزويلي.

وأضاف أن الاتفاق لا يتعلق بالاستيلاء على النفط، وإنما بتحويل أصول نفطية «خامدة تحت الأرض» إلى إنتاج فعلي من خلال ضخ الأموال والتكنولوجيا اللازمة لتطويرها.

وتأتي تصريحات رايت بعد أيام من اتفاق يمنح الولايات المتحدة سيطرة أغلبية على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة في فنزويلا، ضمن ترتيبات تمتد لسنوات طويلة وتشمل 17 حقلاً. وقدرت الحكومة الفنزويلية الإيرادات التي يمكن أن تحصل عليها من الاتفاق بنحو 209 مليارات دولار على مدى 25 عاماً.

وزير الطاقة يتحدث مع مهندسين خلال جولة تفقدية في منطقة تضررت جراء زلازل (رويترز)

مليارات جديدة تدخل القطاع

ولم تكتفِ واشنطن بالدفاع عن الاتفاق، إذ شهدت كاراكاس توقيع سلسلة من الصفقات الجديدة مع شركات طاقة كبرى، في خطوة تهدف إلى تحويل الاتفاق السياسي إلى استثمارات وإنتاج فعلي.

وكانت «شيفرون» في مقدمة الشركات التي أعلنت توسيع عملياتها، مع خطة لاستثمار أكثر من 7 مليارات دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، وتطوير مساحات إضافية في حزام أورينوكو النفطي، بما يتيح لها أكثر من مضاعفة إنتاجها في فنزويلا إلى نحو 600 ألف برميل يومياً مقارنة بمستويات 2026.

وتشمل خطط «شيفرون»، عبر مشروعها المشترك «بتروإندبندنسيا»، تطوير منطقتي «كارابوبو-1» و«كارابوبو-2 ساوث إيه»، في توسع يضيف حقولاً جديدة إلى محفظة الشركة في حزام أورينوكو.

أما شركة «إيني» الإيطالية، فقد وقعت مع شركة النفط الوطنية الفنزويلية «بي دي في إس إيه» عقداً لمدة 25 عاماً لتطوير حقل «خونين 5»، الذي يحتوي على نحو 35 مليار برميل من النفط المعتمد في مكانه، على أن تتولى «إيني» تشغيل الحقل وإدارته فنياً ومالياً وتجارياً. ويستهدف تطوير الحقل المساهمة في الوصول إلى إنتاج يتجاوز مليون برميل يومياً بحلول 2031.

وفي قطاع الكهرباء، وقعت «جي إي فيرنوفا» اتفاقاً لتحديث وتوسيع شبكة الكهرباء الفنزويلية، وهو ملف يعتبره رايت شرطاً أساسياً لإعادة تشغيل صناعة النفط بكامل طاقتها.

صياد يمر بقارب بجانب مضخة نفطية غير نشطة في بحيرة ماراكايبو في كابيمس بفنزويلا (أ.ب)

وتخطط الشركة لإضافة غيغاواط واحد من الطاقة الموثوقة خلال أول 24 شهراً، ثم إضافة 5 غيغاواط أخرى خلال السنوات الأربع التالية، مع العمل على محطات التوليد الحرارية والكهرومائية وشبكات النقل والتوزيع والمحطات الفرعية.

النفط والكهرباء... معركة واحدة

ويرى رايت أن إصلاح قطاع النفط لن يكون ممكناً من دون معالجة أزمة الكهرباء، بعدما أصبحت انقطاعات التيار جزءاً من الحياة اليومية في مناطق واسعة من فنزويلا.

وقال إن البلد يحتاج إلى القطاعين معاً، معتبراً أن البنية التحتية الكهربائية الموجودة يمكن إعادة استخدامها ضمن خطة تمتد خمس سنوات.

وتعكس الصفقة الجديدة هذا الترابط؛ فواشنطن لا تراهن فقط على زيادة استخراج النفط، وإنما على إعادة بناء المنظومة التي تسمح بإنتاجه ونقله وتشغيل الحقول والمنشآت المرتبطة به.

وبحسب وزارة الطاقة الأميركية، تستهدف الاتفاقات الجديدة مضاعفة إنتاج فنزويلا النفطي خلال أقل من 5 سنوات، في إطار خطة استثمار أوسع قد تصل إلى 100 مليار دولار

أكثر من مليوني برميل يومياً

ويراهن رايت على أن الاستثمارات الجديدة ستغير حجم الإنتاج الفنزويلي بصورة كبيرة، إذ توقع أن يتجاوز إنتاج البلاد مليوني برميل يومياً بحلول نهاية العقد.

ويبلغ الإنتاج الحالي نحو 1.25 مليون برميل يومياً، بحسب بيانات حديثة، ما يعني أن تحقيق هدف مليوني برميل سيتطلب استثمارات ضخمة وإعادة تأهيل واسعة للحقول والمنشآت والبنية التحتية.

وتقدم واشنطن هذه الزيادة باعتبارها مكسباً مزدوجاً: استعادة قطاع الطاقة الفنزويلي من جهة، وزيادة الإمدادات النفطية المتاحة للسوق العالمية من جهة أخرى، بما قد يساعد على تخفيف الضغوط على أسعار الطاقة.

لكن الطريق إلى هذه الزيادة ليس قصيراً، إذ إن الاتفاقات الجديدة تمثل بداية عملية استثمارية طويلة، وليست إضافة فورية لملايين البراميل إلى السوق.

وزير الطاقة يتحدث مع الرئيس التنفيذي والمهندس الإنشائي لشركة مياموتو الدولية كيت مياموتو خلال جولة تفقدية في منطقة تضررت جراء زلازل (رويترز)

«ناب» في قلب الصفقة

وفي الوقت نفسه، يظل الاتفاق الأكبر المبرم عبر شركة «نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز » (ناب) محور الجدل، خصوصاً بسبب حصول الحكومة الأميركية على حصة تبلغ 35 في المائة في الشركة التي ستطور مجموعة الحقول النفطية المشمولة بالاتفاق.

وتقود «ناب» الاتفاق إلى جانب رجل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكورت، الذي أثار دوره تساؤلات بسبب ارتباط اسمه سابقاً بفضيحة في شركة «بي دي في إس إيه».

ودافع رايت عن الشركة وسجلها الإنتاجي، قائلاً إن لديها خبرة ناجحة في إنتاج كميات كبيرة من النفط داخل فنزويلا.

غير أن الانتقادات لا تتعلق فقط بهوية الشريك، بل أيضاً بشروط الاتفاق ومدته، إذ أثارت حقوق التطوير التي تمتد إلى 100 عام على 17 حقلاً، وتضم احتياطيات تبلغ 65 مليار برميل، تساؤلات حول مدى قدرة أي حكومة فنزويلية مستقبلية على الالتزام بهذه الترتيبات.

صفقة نفطية في قلب تحول سياسي

ويمنح الاتفاق واشنطن نفوذاً غير مسبوق على جزء ضخم من ثروة فنزويلا النفطية، في تحول لافت بعد عقود من سيطرة الدولة على القطاع.

وتقول القيادة الفنزويلية المؤقتة إن فتح الباب أمام الشركات الأميركية والدولية هو السبيل لاستعادة الاستثمار والإنتاج، وإن زيادة إنتاج النفط ستنعكس على الوظائف والأجور والخدمات العامة.

أما منتقدو الاتفاق فيرون أن الظروف السياسية التي أُبرم فيها، إلى جانب الضغوط الأميركية، تجعل مستقبله عرضة للتحديات، خصوصاً إذا شهدت فنزويلا تحولاً سياسياً في السنوات المقبلة. وقد أبدت الجمعية الوطنية التي يهيمن عليها الحزب الحاكم دعمها للاتفاق، من دون أن تجري نقاشاً أو تصويتاً رسمياً عليه في الجلسة التي سبقت توقيع الصفقات الجديدة.

وفي هذا السياق، حاول رايت الفصل بين ملف الطاقة والانتخابات، مؤكداً أن خطة إجراء الانتخابات في فنزويلا لم تتغير، لكنها تحتاج إلى استكمال الإصلاحات وتجهيز المؤسسات واستقرار الاقتصاد قبل إجراء الاقتراع.

وزير الطاقة يتحدث مع مهندسين خلال جولة تفقدية في منطقة تضررت جراء زلازل (رويترز)

من الاحتياطيات إلى الإنتاج

وبينما وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاتفاق بأنه «أكبر صفقة نفط في تاريخ العالم»، فإن الاختبار الحقيقي للصفقة لن يكون في حجم الاحتياطيات التي أصبحت تحت النفوذ الأميركي، بل في قدرة الشركات على تحويل هذه الثروة إلى إنتاج فعلي.

فالاتفاقات الجديدة تضع للمرة الأولى خريطة واضحة للاستثمار: «شيفرون» بأكثر من 7 مليارات دولار، و«إيني» في «خونين 5»، و«جي إي فيرنوفا» في الكهرباء، و«ناب» في مجموعة الحقول الأكبر.

وبذلك، تحاول واشنطن الانتقال من مرحلة السيطرة على الموارد إلى مرحلة تطويرها، بينما تراهن كاراكاس على أن تدفق رأس المال والتكنولوجيا سيعيد قطاع الطاقة إلى العمل ويولد إيرادات بمليارات الدولارات.

لكن نجاح الرهان سيظل مرتبطاً بسرعة إعادة تأهيل البنية التحتية، وقدرة الشركات على تنفيذ استثماراتها، واستقرار الإطار القانوني والسياسي الذي تقوم عليه هذه الصفقات.


القطاع الخاص غير النفطي السعودي ينمو بأعلى مستوى في 6 أشهر مع تسارع الإنتاج

صورة جوية للمركز المالي في الرياض (واس)
صورة جوية للمركز المالي في الرياض (واس)
TT

القطاع الخاص غير النفطي السعودي ينمو بأعلى مستوى في 6 أشهر مع تسارع الإنتاج

صورة جوية للمركز المالي في الرياض (واس)
صورة جوية للمركز المالي في الرياض (واس)

سجل القطاع الخاص غير المنتج للنفط في السعودية تسارعاً ملحوظاً في معدلات النمو خلال شهر أغسطس (آب) 2026، متصدراً أعلى مستوى له في ستة أشهر. ويُعزى هذا الزخم التوسعي إلى الانتعاش القوي في حجم الإنتاج واستمرار تحسن حركة السوق المحلية، وذلك وفقاً لأحدث بيانات مؤشر بنك الرياض لمديري المشتريات (PMI) الصادر عن مجموعة «ستاندرد آند بورز غلوبال».

وأظهرت النتائج الأساسية للتقرير ارتفاع مؤشر مديري المشتريات الرئيسي المعدل موسمياً إلى 53.8 نقطة في أغسطس مقارنة بـ53.1 نقطة في يوليو (تموز) الماضي، ليتجاوز بفارق ملموس مستوى 50.0 نقطة المحايد الذي يفصل بين النمو والانكماش، موضحاً تحسناً كلياً في ظروف الأعمال للشركات ضمن القطاع.

تعليقاً على البيانات الصادرة، قال الدكتور نايف الغيث، كبير الاقتصاديين في بنك الرياض: «ارتفع مؤشر مديري المشتريات لبنك الرياض السعودي إلى 53.8 نقطة في شهر أغسطس، ليصل إلى أعلى مستوى له في ستة أشهر، ما يعزز الرأي القائل إن الاقتصاد غير المنتج للنفط يحافظ على زخم إيجابي خلال الربع الثالث. ويعكس هذا التحسن استمرار انتعاش نشاط السوق؛ حيث يتوسع الإنتاج بأقوى وتيرة له في سبعة أشهر ويقترب من متوسطه على المدى الطويل».

وأوضح الغيث قائلاً: «لا يزال الطلب المحلي محركاً مهماً للنمو، ويستمر في توفير أساس متين للشركات، كما أنه يعزز أهمية الاستثمار والاستهلاك المحليين في دعم النمو غير المنتج للنفط على المدى القريب. وفي الوقت نفسه، يبدو أن الشركات لديها قدرة كافية على الاستجابة للطلب المتزايد دون أن يؤدي ذلك إلى اختناقات تشغيلية كبيرة».

وأضاف الغيث في تصريحه: «بالنظر إلى المستقبل، فإن التحسن في توقعات الأعمال يعطي إشارة بناءة للفترة المتبقية من العام. ويظل الدعم المالي المستمر ومشاريع التنمية قيد التنفيذ ركائز مهمة لنشاط القطاع الخاص، في حين أن الثقة المتزايدة تترجم إلى استثمارات وتوظيف».

واختتم تعليقه بالإشارة إلى المشهد العام قائلاً: «بشكل عام، تشير دراسة شهر أغسطس إلى مسار نمو أكثر ثباتاً للقطاع الخاص غير المنتج للنفط؛ حيث يوفّر تحسن ثقة الأعمال واستمرار النشاط المحلي أساساً بناءً للنمو خلال الفترة المتبقية من عام 2026».

أداء مبيعات الإنتاج المحلي

ارتفع النشاط التجاري وحجم الإنتاج في القطاع غير النفطي بأقوى وتيرة له منذ بداية عام 2026، مستنداً إلى ارتفاع أحجام المبيعات وتعافي ظروف السوق الكلية. وشهدت الطلبات الجديدة توسعاً للشهر الخامس على التوالي عقب التراجع الخفيف المنفذ في شهر مارس (آذار).

وعلى العكس من الزخم المحلي، أفادت الشركات بوجود تحديات أمام المبيعات ناجمة عن المنافسة الشديدة وفائض العرض. وظلت ظروف التصدير الخارجي صعبة؛ حيث تراجعت طلبات التصدير الدولية بشكل حاد وبوتيرة أسرع مقارنة بشهر يوليو، بضغط من التوترات الإقليمية والمنافسة الأجنبية الشديدة.

اتجاهات التوظيف وسلسلة التوريد

أظهرت بيانات الدراسة ارتفاع أعداد العاملين للشهر الثاني على التوالي، إلا أن معدل خلق الوظائف ظل متواضعاً دون مستوى الاتجاه العام لسلسلة البيانات. وتزامن ذلك مع انخفاض الأعمال المتراكمة للشهر الثالث على التوالي، مما يدل على وجود طاقة إنتاجية فائضة لدى المنشآت تُمكنها من تلبية الطلب المتزايد.

وعلى صعيد سلاسل الإمداد، واصلت ظروف التوريد تحسنها بدعم من زيادة الجهود المبذولة لتوفير السلع محلياً واستجابة الموردين، رغم تسجيل أبطأ وتيرة تحسن في ثلاثة أشهر. وحثت هذه العوامل، إلى جانب ارتفاع متطلبات الإنتاج، الشركات على تسريع شراء مستلزمات الإنتاج بأعلى معدل منذ شهر فبراير (شباط).

ضغوط التكاليف وأسعار المخرجات

ظلت الضغوط التضخمية مرتفعة في منتصف الربع الثالث، على الرغم من ظهور مؤشرات على التراجع. وسلطت التقارير الضوء على ارتفاع تكاليف المواد والنقل، إلى جانب ارتفاع تكاليف الموظفين والأجور بأقوى وتيرة منذ شهر فبراير نتيجة جهود المنشآت للاحتفاظ بالكفاءات والزيادات القائمة على تقييم الأداء أميركياً ودولياً.

وفي مقابل ارتفاع تكاليف المشتريات والعمالة، ارتفعت أسعار المخرجات والبيع بأبطأ وتيرة لها منذ شهر مارس؛ حيث قيدت المنافسة السوقية قدرة الشركات على تعديل قرارات التسعير ورفع الأسعار للعملاء.

انتعاش ثقة الأعمال والتوقعات المستقبلية

انتعشت ثقة المنشآت للعام المقبل لتبلغ أعلى مستوى لها في سبعة أشهر خلال شهر أغسطس؛ إذ توقعت 20 في المائة من الشركات التي شملتها الدراسة زيادة حجم النشاط خلال الـ12 شهراً المقبلة، مقارنة بنسبة 2 في المائة فقط توقعت حدوث تراجع. واستندت هذه المشاعر الإيجابية إلى مرونة نشاط السوق، واستمرار الدعم المالي، ومشاريع التنمية الإقليمية الجاري تنفيذها.


الذهب يرتد بأكثر من 1 % مع تراجع الدولار وعوائد السندات عن أعلى مستوياتها

عامل مصفاة يكدّس سبائك الذهب بعد إخراجها من قوالبها في مصهر مصفاة بسيدني (أ.ف.ب)
عامل مصفاة يكدّس سبائك الذهب بعد إخراجها من قوالبها في مصهر مصفاة بسيدني (أ.ف.ب)
TT

الذهب يرتد بأكثر من 1 % مع تراجع الدولار وعوائد السندات عن أعلى مستوياتها

عامل مصفاة يكدّس سبائك الذهب بعد إخراجها من قوالبها في مصهر مصفاة بسيدني (أ.ف.ب)
عامل مصفاة يكدّس سبائك الذهب بعد إخراجها من قوالبها في مصهر مصفاة بسيدني (أ.ف.ب)

ارتدت أسعار الذهب من أدنى مستوى لها في نحو شهر، يوم الأربعاء، مع تراجع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأميركية عن أعلى مستوياتها الأخيرة، بينما يترقب المستثمرون بيانات الوظائف الأميركية المقرر صدورها في وقت لاحق من هذا الأسبوع، بحثاً عن مؤشرات بشأن مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وارتفع الذهب الفوري 1.1 في المائة إلى 4376.41 دولار للأوقية بحلول الساعة 1:57 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (17:57 بتوقيت غرينتش)، بعدما هبط في وقت سابق من الجلسة إلى أدنى مستوى له منذ 7 أغسطس (آب). كما ارتفعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم ديسمبر (كانون الأول) 0.4 في المائة لتستقر عند 4414.60 دولار للأوقية.

وقال ديفيد ميغر، مدير تداول المعادن لدى «هاي ريدج فيوتشرز»: «أحد أسباب تمكن الذهب من العودة إلى ما فوق مستويات الإغلاق السابقة هو تراجع العوائد قليلاً خلال الجلسة، وهو ما سمح للذهب بالارتداد من بعض المستويات المنخفضة التي سجلها أخيراً».

وأضاف: «من الواضح أن قطاع الطاقة والعوائد سيظلان محورين رئيسيين لسوق الذهب خلال الفترة المقبلة».

وتراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بعدما لامست أعلى مستوياتها في عدة سنوات في وقت سابق من الجلسة، مع انخفاض أسعار النفط وتقييم المستثمرين أحدث البيانات الاقتصادية.

كما تراجع الدولار عن أعلى مستوى له في نحو ثلاثة أسابيع.

وقال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، جون ويليامز، إن ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل لا يرجع إلى مخاوف بشأن التضخم، وإنما يعكس قوة الاقتصاد.

وفي الوقت نفسه، جاء نمو الوظائف في القطاع الخاص الأميركي أقل من التوقعات خلال أغسطس، لكن أسعار الذهب ظلت مستقرة إلى حد كبير، مع توجه أنظار المستثمرين إلى تقرير الوظائف غير الزراعية المقرر صدوره يوم الجمعة.

وقالت رونا أوكونيل، رئيسة تحليل الأسواق لدى «ستون إكس»: «بيانات (إيه دي بي) غير موثوقة، وقد تحدد نغمة تقرير الوظائف غير الزراعية، لكن تقرير الوظائف غير الزراعية هو، بفارق كبير، الأكثر أهمية بالنسبة إلى الأسواق».

وبحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، يسعّر المتعاملون حالياً احتمالاً بنسبة 64 في المائة لرفع البنك المركزي أسعار الفائدة خلال اجتماعه هذا الشهر.

وفي تطور آخر، قال البنك المركزي الهولندي إنه نقل 86 طناً مترياً من الذهب من نيويورك وأوتاوا إلى لندن خلال الأشهر الستة الماضية، بهدف تحسين قابلية تداوله وتعزيز الاستعداد لمواجهة الأزمات.

وبالنسبة إلى المعادن النفيسة الأخرى، ارتفعت الفضة الفورية 1.2 في المائة إلى 65.03 دولار للأوقية، وصعد البلاتين 0.9 في المائة إلى 1756.39 دولار، بينما قفز البلاديوم 3.18 في المائة إلى 1352.74 دولار للأوقية.