عيد الأمهات… حين تلهم الأم ذاكرة الفنانين

تعبيرات بالحجر والعدسة والنسيج

من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)
من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)
TT

عيد الأمهات… حين تلهم الأم ذاكرة الفنانين

من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)
من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)

كما ترعى الأم وتلهم العالم، تترك أثرها أيضاً في قلوب الفنانين وفكرهم وأعمالهم. فقد تتجسّد الأم في العمل نفسه، كما سنلاحظ في حوارنا مع المصورة السعودية نجلاء الخليفة، وأحياناً تُصبح الذاكرة الأمومية أو قضايا الأمهات منبعاً للأفكار، وهنا نتوقف عند أعمال الفنانة منال الضويان.

وربما تتحول رمزية الأمومة إلى مفهوم جمالي وفلسفي ممتد، وهنا نقترب من أعمال النحاتة الأردنية منى السعودي. هذه باختصار رسالة حب وتحية للأمهات بلمسة فنية.

من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)

«رب ارحمهما»

تُحدّثنا المصورة السعودية نجلاء الخليفة عن لحظة عابرة جمعتها بوالدتها، وولدت على أثرها فكرة عملها الفني «رب ارحمهما كما ربياني صغيراً». في ذلك اليوم، كان الطريق مزدحماً وأمضتا في رحلتهما بالسيارة وقتاً طويلاً. خلال الرحلة، انتبهت نجلاء إلى الطريقة التي تضم بها والدتها يديها، وبعد لحظات من التأمل أدركت أن والدتها دائماً ما تضم يديها بهذه الحركة العفوية، فالتقطت لها صورة. ومن ذلك المشهد تبلورت الفكرة، تقول نجلاء: «الفكرة كانت أن ألتقط صوراً احترافية ليد والدتي، ضمن سلسلة مفاهيمية عن الأمومة، بدأت بصور فردية لها ثم توسعت لتشمل الأبناء والأحفاد». تضيف: «العمل يخلّد قصة أمي، قصة اليد الحانية التي رعتني وآمنت بي. قصة امرأة حكيمة وقوية وأم ناجحة».

بدأت نجلاء الخليفة تصوير السلسلة في عام 2017 وتنظر إليها على أنها مشروع مستمر. شاركت بالمجموعة في مسابقة طوكيو الدولية للتصوير، وفازت بالميدالية الذهبية عن محور العائلة. تصف ردود الفعل عند عرض المجموعة لأول مرة في مهرجان سكة للفنون والتصميم بمدينة دبي قائلة: «كان التفاعل غير مسبوق، حميمياً وشخصياً، زاره أشخاص من مختلف أنحاء العالم، ومع ذلك الإحساس بالأم هو ذاته. الكثير رأى نفسه في هذه المجموعة، البعض غالبتهم دموعهم عند تذكّر والدتهم الراحلة، وآخر أخرج هاتفه للاتصال بوالدته، والبعض شارك ذكريات طفولته مع والدته».

تقول الخليفة عن سبب اختيار عنوان العمل «رب ارحمهما كما ربياني صغيراً» أنها أرادت أن ترمز إلى العلاقة التكاملية بين الأم والأبناء حيث تغمر الأم أبناءها بالرعاية والاحتواء في صغرهم وحين يكبرون تتبدل الأدوار. أما عن سبب تصوير الأيدي فتوضح: «اليد ترمز للكثير من القيم والمعاني، اليد هي البصمة التي تختزل تاريخ الإنسان من ذكريات سعيدة وحزينة. كذلك فاليد هي التي تربيك وترعاك وتطمئنك وتساندك وتدعو لك».

نسأل نجلاء: ما الدرس الأهم الذي تعلمتِه من والدتك؟ تجيب: «الكثير من الدروس، من أهمها التركيز على تحقيق الأهداف مهما كانت الصعوبات والاستمرار حتى الوصول». تضيف في نهاية الحوار: «كنت سعيدة جداً بمشاركة شغفي في التصوير مع والدتي وعائلتي في هذا المشروع الحميمي، وكم تمنيت لو أسعفني الوقت ونفذت سلسلة مشابهة مع والدي رحمه الله».

«أمومة الأرض»

لطالما ارتبط مفهوم الأمومة بالأرض، فالأم تحمل في داخلها سر الحياة وكذلك الأرض، والأم تحمي الجنين في رحمها وترعاه، كما تنمي الأرض البذور وتغذّي كل الكائنات. هذا المفهوم ترك أثره على فكر الفلاسفة وأعمال الكتاب والفنانين، ومن أبرزهم على الصعيد العربي الفنانة الراحلة منى السعودي. في عام 1965 أنجزت عملها «أمومة الأرض»، وهو أول منحوتة لها بخامة الحجر «مادة الأرض الأولى»، كما وصفتها في مذكراتها. هذا العمل هو تجسيد حي لانشغالها منذ الطفولة بالأرض والطبيعة وميتافيزيقية الخلق. وحين أرادت التعبير عن علاقتها الوثيقة بالأرض اختارت وصفاً بليغاً لها وهو الأمومة. خلال مسيرتها الفنية جمعت منى السعودي في أسلوبها التجريدي بين الطابعَيْن الهندسي والعضوي، وتميزت أعمالها بالكتل المستديرة والمنحنية المرتبطة فنياً بالجسد الأنثوي.

منى السعودي - «أمومة الأرض» 2006 (إنستغرام)

كما استمرت في تقديم أفكار حول مفهوم التكوين وتقاطعاته مع موضوعات النمو وقوة الحياة والخلق والخصوبة وكذلك الأمومة. في سبعينيات القرن الماضي أصبحت أعمال منى السعودي أكثر قرباً من موضوعات الأمومة والخصوبة، فمن بين الأعمال التي قدمتها، عمل بعنوان «أمومة» في عام 1972، وكذلك «ولادة» عام 1971، ومنحوتة رخامية بعنوان «أم وابن» أنجزتها في عام 1981. كما كررت على مدار حياتها الفنية تسمية عدة منحوتات بـ«أمومة الأرض»، ومنها منحوتة بحجر لبناني أنجزتها عام 2006، هذه المنحوتة اختارتها من السعودي لتترك برفقتها على صفحة «إنستغرام» الخاصة بها، معايدة لكل الأمهات بمناسبة يوم الأم.

نخلة وشجرة

دأبت الفنانة منال الضويان على تناول قضايا النساء في أعمالها، وحرصت على أن يكن مشاركات فاعلات في إنجاز كثير منها، وبطبيعة الحال كانت للأم حصة من هذه الأعمال.

منال الضويان «أنا منك وأنت مني» (موقع الفنانة)

من حكاية والدتها مع النخيل استلهمت عملها «أنا منك وأنت مني». كانت والدة منال الضويان تتحدث إلى أشجار النخيل بوصفها عادة متوارثة، تتبادل معها حوارات عامة، تأخذ في مرات منحى أكثر خصوصية فيه أحاديث عن الحب والموت. كانت منال الضويان تظن أن هذا الحوار من طرف واحد، لكنها اطلعت لاحقاً على أبحاث علمية تثبت أن للنخيل قدرة على التواصل بلغة صامتة من خلال الرائحة والطعم ونبضات كهربائية. في وصف العمل توضح منال الضويان أن هذا العمل هو محاولة لخلق عالم بديل مع المشاهد تطرح فيه حوارات عن الشجر والبشر، ومن هو الأقدر على التفاعل مع العالم وبناء بيئة آمنة. ومن ناحية أخرى تعكس حكاية والدتها مع النخيل نداء لندرب حواسنا على التواصل مع المخفي والاستماع إلى ما هو غير مسموع. يتكون «أنا منك وأنت مني» من قطع مختلفة الأحجام من نسيج البوليستر وعرض العمل عام 2017 في «فن أبوظبي» بمدينة العين.

شجرة الذاكرة للفنانة منال الضويان (موقع الفنانة)

في عملها «شجرة الذاكرة» طلبت منال الضويان من مجموعة من المشاركات كتابة ورسم شجرة العائلة الخاصة بهن، ولكن من منظور نسائي، بداية من اسم المشاركة ثم الأم والجدات. هنا تطرح الضويان فكرة تثمين ما تحمله النساء من ذاكرة اجتماعية تتمثل في العادات والتقاليد، وكذلك التاريخ الشفهي من حكايات وأساطير وأغاني الأمهات لأطفالهن. يتكوّن العمل من سلاسل من أوراق الشجر النحاسية التي تحمل الأسماء. جمعت منال الضويان ألفي قطعة من الأوراق النحاسية و400 رسم لشجرة العائلة. اتخذت سلاسل الأوراق النحاسية من أسماء الأمهات والجدات تصاميم مختلفة خلال سفرها وعرضها في مدن عدة حول العالم.

Your Premium trial has ended



8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».


في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
TT

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

لا تزال الآلات تدور في مصنع «كاتبه» للنسيج بمنطقة الحدث، والخيوط تعبُر مراحل الإنتاج، والأيدي تعرف طريقها إلى القماش. على مساحة ألفَي متر مربّع، تستمر صناعة تراجعت في لبنان حتى غدت مصانعها العاملة استثناءً. وفي هذا المكان الذي احتفظ بصوت الآلات وحركة العمّال، اختارت منصة «فراغمنتا» الثقافية أن تبدأ حكاية «قميص»، مشروعها الثاني الذي يتّخذ من قطعة نرتديها يومياً مدخلاً إلى تاريخ صناعة النسيج في لبنان، وما تختزنه من معارف وحِرف وذاكرة إنسانية.

ألوان ونقوش تحفظ شيئاً من تاريخ النسيج اللبناني (الشرق الأوسط)

تحت رعاية وزارة الثقافة، جمع لقاء «خيوط المعرفة» شخصيات من الأوساط الثقافية والصناعية والنسيجية داخل مصنع «كاتبه»، تمهيداً لمعرض «قميص... شذرات من اللباس» المُرتقب في نوفمبر (تشرين الثاني). وجاء اختيار المصنع من صميم فكرة المشروع الذي تنطلق فيه مؤسِّستا «فراغمنتا» نور نجم وغيلين إلياس من الأشياء المألوفة للبحث في المعارف الإنسانية والتقنية والتاريخية التي تقف وراءها.

القميص في نظرهما قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية، بالليونة والبناء الهندسي. وراءه، رحلة طويلة تبدأ بالألياف والخيوط، وتمرّ بالنسيج والآلات والخياطة، وصولاً إلى الأيدي التي تمنحه شكله النهائي. ومن هذه الرحلة يتفرَّع مشروع «قميص» إلى 5 فصول مترابطة تتناول أصول المواد والبناء والتفسيرات المعاصرة، والحوار مع الصنّاع والذاكرة والأرشيف.

ذاكرة النسيج مطويّة بين صفحات من قماش (الشرق الأوسط)

ويحمل مصنع «كاتبه» جانباً من تاريخ الصناعة اللبنانية التي أدّت حتى سبعينات القرن الماضي دوراً أساسياً في الاقتصاد المحلّي. ففي عام 1974، شكَّلت الصناعات التحويلية نحو 18 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، وكانت صناعة النسيج من القطاعات الراسخة آنذاك. ثم جاءت الحرب والتحوّلات الاقتصادية وتبدُّل الأسواق، وتراكمت الأزمات التي أضعفت هذا الإنتاج.

وسط التراجع، بقي المصنع الذي تُديره اليوم العائلة في جيلها الرابع، ممثَّلاً بطوني كاتبه، شاهداً على استمرارية المعرفة الصناعية. فهو ينتج الأقمشة البسيطة النسج والمناشف القطنية، وتَشغَل أقمشة القمصان نحو 40 في المائة من إنتاجه الحالي، فيما تتوزَّع النسبة المتبقّية على منتجات أخرى.

تبدأ العملية بخيوط تُستورَد من مورّدين مُعتَمدين، ثم تُلفّ وتُنسَج وتُغسَل وتُستَكمل مراحل تجهيزها داخل المصنع، حيث تتعاقب الآلات والعمل اليدوي حتى يتحوّل الخيط إلى قماش.

خيوط تنتظر أن تمنحها الآلات شكلاً وحياة (الشرق الأوسط)

بالنسبة إلى طوني كاتبه، يرتبط الحفاظ على المصنع بمسؤولية إنسانية واجتماعية. فالمشروع الذي بدأ مع جدّه وانتقل بين أجيال العائلة، لا يزال يؤمّن للعاملين فيه مصدر رزق واستقراراً لعائلاتهم، ويحفظ خبرات مَن أمضوا أعمارهم في هذه المهنة، لتُنقل حكاية الصناعة على ألسنة الذين عاشوها وأسهموا في بقائها.

ومن هذه الحكاية التي يرويها المصنع بأهله وآلاته، تنطلق «فراغمنتا» للبحث عمّا بقي من صناعة النسيج اللبنانية، وما يمكن أن تقدّمه خبراتها للمستقبل. فنور نجم وغيلين إلياس تريان في المهارات والمعارف التي صمدت رغم تراجع القطاع مادةً يمكن البناء عليها وإعادة إدخالها في ممارسات التصميم والإنتاج المعاصرة، بما يمنح هذه الذاكرة فرصة للتجدُّد والانتقال إلى أجيال مقبلة.

وتسعى «فراغمنتا» إلى نقل هذه المعارف بين الحرفيين والمصمّمين والباحثين، وإيجاد مساحات يلتقي فيها أصحاب الخبرة الصناعية بالممارسات الفنّية والتصميمية الحديثة. وتقوم مشاريعها على البحث في المواد والأشياء التي تحمل شيئاً من تاريخ المنطقة وثقافتها، وما تكشف عن علاقة الإنسان بالصناعة والحرفة. وقد اختارت في دورتها الثانية القميص، بما يختزنه من ذاكرة صناعة النسيج اللبنانية والعاملين فيها.

صفحات من قماش تختزن سنوات من الحرفة وتحوّلاتها (الشرق الأوسط)

وفي احتضان «كاتبه» إطلاق المشروع، تأكيدٌ على أهمية العودة إلى الأماكن التي احتفظت بمعارفها الصناعية، وإلى الأشخاص الذين توارثوا هذه الخبرات وحافظوا عليها رغم التحوّلات التي شهدها لبنان. فالمصنع الذي لا يزال ينتج حتى اليوم، يضع أمام «قميص» تاريخاً يمكن قراءته من خلال العمل، وأيضاً العاملين الذين يعرفون أسرار هذه المهنة.

يُفتتح المعرض أمام الجمهور في 28 نوفمبر المقبل، ويستمر حتى 5 يناير (كانون الثاني) 2027، في معمل تكرير السكّر المهجور بمنطقة الزلقا شمال بيروت؛ ليُعيد «قميص» إلى الأشياء التي نرتديها وجوهَ الذين صنعوها، وإلى الأيدي التي أمضت أعمارها في هذه المهنة شيئاً من حقّها في الذاكرة. فالقماش الذي يُرافقنا من دون أن نفكّر في حكايته، مرَّ يوماً بين أصابع تعرف أسرار الخيط والآلة، وحمل معه شيئاً من أعمار أصحابها. وللخيط عمرٌ آخر حين يُغادر المصنع؛ يواصل حياةً بدأها آخرون، ويصير بعض أقرب الأشياء إلينا، فيما تبقى أيديهم بعيدة عن العيون.