كيف أعادت أسابيع من الصراع رسم خريطة الغاز العالمي؟

مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)
مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)
TT

كيف أعادت أسابيع من الصراع رسم خريطة الغاز العالمي؟

مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)
مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)

بدأت أصداء الانفجارات في مجمع رأس لفان الصناعي في قطر، والذي يضم أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم، تتردد في أروقة البورصات العالمية، منبئة باضطراب طويل الأمد في سوق الغاز الطبيعي المسال. فخروج خُمس الإمدادات العالمية عن الخدمة، وتوقف الملاحة عبر مضيق هرمز، لم يرفعا الأسعار فحسب؛ بل أعادا صياغة خريطة الطاقة لعام 2026، وحوَّلا التفاؤل بوفرة المعروض إلى سباق محموم بين الدول لتفادي شلل صناعي وتضخم في فواتير الطاقة المنزلية لا يمكن التنبؤ بنهايته.

وأفادت شركة «قطر للطاقة» بأن كثيراً من منشآت الغاز الطبيعي المسال في رأس لفان تعرضت لهجمات صاروخية، ما أدى إلى اندلاع حرائق وإلحاق أضرار جسيمة؛ بينما أوضحت شركة «شل» أن الهجوم تسبب ‌في أضرار بمشروع «اللؤلؤة» (بيرل) لتحويل ⁠الغاز إلى سوائل، وأن الحريق جرى إخماده بسرعة، ولم يجرِ الإبلاغ عن ⁠وقوع إصابات، وأن ‌المنشأة ‌أصبحت الآن في «حالة ​آمنة».

وتمتلك «‌شل» حصة مائة في المائة في مشروع «اللؤلؤة» والذي ‌تبلغ طاقته الاستيعابية معالجة ما يصل ⁠إلى ⁠1.6 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز عند فوهة البئر، وتحويله إلى 140 ألف برميل يومياً من السوائل المشتقة من الغاز.

ويتوقع المحللون أن تستغرق أعمال إصلاح أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم عدة أشهر، إن لم تكن سنوات، وذلك تبعاً لحجم الأضرار، وقد رفع بعضهم توقعاته لأسعار الغاز لعام 2026.

تأتي قطر في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة كأكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي المسال في العالم؛ إذ تُنتج ما يقارب 20 في المائة من الإمدادات العالمية لهذا الغاز فائق التبريد. وقد توقف إنتاجها قبل أسبوعين بسبب إغلاق مضيق هرمز.

منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «قطر للطاقة» (رويترز)

القلب النابض للطاقة

تُصنَّف مدينة رأس لفان الصناعية كواحدة من أهم المناطق الاستراتيجية على خريطة الطاقة الدولية؛ فهي تمتد على مساحة شاسعة تبلغ 295 كيلومتراً مربعاً، ما يعادل ثلث مساحة مدينة نيويورك تقريباً. ولا تقتصر أهميتها على كونها العمود الفقري للاقتصاد القطري فحسب؛ بل هي الضمانة الأولى لاستقرار إمدادات الغاز في عشرات الدول، مما يجعل أي ضرر يلحق بها بمنزلة تهديد مباشر للتوازن الطاقي العالمي.

وتضم المدينة أكبر مجمع لوحدات تسييل الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم، وهي ليست مجرد منشأة إنتاجية؛ بل هي مركز لوجستي هائل. ففي عام 2025، كانت رأس لفان وحدها مسؤولة عن إنتاج وتصدير نحو 19 في المائة من إجمالي الغاز المسال عالمياً. هذا الثقل يعني بلغة الأرقام أن توقُّف العمل في هذا المجمع يؤدي إلى اختفاء خُمس المعروض العالمي فجأة، وهو عجز لا يمكن للسوق العالمية استيعابه بسهولة.

كما تمثل رأس لفان «المُغذِّي الرئيسي» لأكبر الاقتصادات الصاعدة في آسيا؛ حيث تعتمد هذه القوى بشكل شبه كلي على إنتاجها. وتكشف البيانات أن شحنات المجمع تغطي أكثر من 20 في المائة من استهلاك الغاز في دول حيوية، مثل الهند وباكستان وتايوان. وتشكل أيضاً جزءاً لا يتجزأ من أمن الطاقة في الصين وكوريا الجنوبية، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد يهدد بشلل النشاط الصناعي وارتفاع تكاليف المعيشة في تلك الدول.

ومع التحولات الجيوسياسية المتسارعة، برزت رأس لفان كأهم مورِّد بديل وموثوق للقارة الأوروبية الساعية لتنويع مصادر طاقتها. ومن شأن غياب هذه الإمدادات في التوقيت الراهن أن يضع الأسواق الأوروبية تحت ضغط سعري هائل، ويجبر الدول هناك على الدخول في منافسة مكلفة للحصول على الشحنات الفورية المتاحة، مما يفاقم من أزمة التضخم الطاقي في القارة العجوز.

مضخات البنزين والديزل في محطة وقود بمدينة هدرسفيلد، شمال إنجلترا (أ.ف.ب)

قفزة كبيرة في الأسعار

وقد انعكست هذه التطورات الميدانية فوراً على بورصات الطاقة؛ فقد قفزت عقود الغاز الأوروبية بنسبة تتجاوز 70 في المائة، بينما سجلت العقود الآسيوية ارتفاعاً قياسياً بنسبة 88 في المائة. حتى السوق الأميركية التي تظل عادة بمنأى عن التقلبات العالمية، لم تسلم من الارتفاع. وتشير التوقعات المحدَّثة لعام 2026 إلى أن متوسط أسعار الغاز قد يستقر عند 30 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، وهو ما يمثل ثلاثة أضعاف التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى 9 دولارات فقط، ما يعكس تحولاً جذرياً في التوازنات المالية للدول المستوردة.

وقال كوشال راميش، نائب رئيس قسم الغاز والغاز الطبيعي المسال في شركة «ريستاد إنرجي»، إن أسعار الغاز الطبيعي المسال التي تضاعفت تقريباً منذ الضربات الأولية على إيران في 28 فبراير (شباط) لتتجاوز 20 دولاراً للوحدة، قد ترتفع الآن إلى 30 دولاراً في المتوسط ​​لهذا العام، إذا كانت الأضرار جسيمة وأدت إلى انقطاع أشهراً عدة.

من جهته، قال شاؤول كافونيك، محلل الطاقة في شركة «إم إس تي ماركي»: «قد تتسبب الهجمات على رأس لفان في نقص عالمي طويل الأمد في الغاز». وأضاف: «إنها (الهجوم) بالغة الأهمية؛ لأنه حتى بعد انتهاء الحرب، قد يستمر تأثيرها على الإمدادات أشهراً أو حتى سنوات، ريثما يتم تنفيذ أعمال الإصلاح وتوفير قطع الغيار».

ويرى المراقبون أن التطورات الأخيرة تعني أن إعادة فتح المضيق لن تُفضي فوراً إلى استئناف كامل لصادرات قطر، المورد الرئيسي للهند وباكستان والصين وكوريا، فضلاً عن أوروبا. ويقولون إن أستراليا -بصفتها ثالث أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم- لا تملك مجالاً يُذكر لزيادة إنتاجها لتعويض الصادرات القطرية المفقودة.

أحد الزبائن يقوم بتعبئة سيارته بالوقود في محطة وقود بمدينة ميلنسبريدغ، إحدى ضواحي هدرسفيلد (أ.ف.ب)

تهديد للإمدادات العالمية

يُؤدي انقطاع إنتاج محطة رأس لفان إلى تضييق حاد في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية التي كان من المتوقع أن تُحقق فائضاً هذا العام، مع بدء مشاريع جديدة. ويُهدد هذا الوضع بنقص في الإمدادات في دول نامية تعاني من ضائقة مالية، كالهند وبنغلاديش، فضلاً عن تباطؤ النشاط الصناعي وارتفاع فواتير الطاقة من المملكة المتحدة إلى اليابان.

وتغطي مدينة رأس لفان الصناعية مساحة 295 كيلومتراً مربعاً، أي ما يُعادل ثلث مساحة مدينة نيويورك تقريباً، وفق «بلومبرغ».

إلى جانب معالجة الغاز الطبيعي المسال، تضم المدينة منشآت أخرى متعلقة بالغاز، تشمل محطة لتحويل الغاز إلى سوائل، ومرافق تخزين الغاز الطبيعي المسال، ووحدات فصل المكثفات، ومصفاة نفط.

وكانت «قطر للطاقة» قد أعلنت أن هجوماً وقع مساء الأربعاء ألحق أضراراً بمحطة تحويل الغاز إلى سوائل، بينما استُهدفت معدات الغاز الطبيعي المسال في هجوم ثانٍ صباح الخميس.

وكانت عمليات الإنتاج في رأس لفان قد توقفت مطلع هذا الشهر إثر هجوم إيراني بطائرة مُسيَّرة، ما دفع شركة «قطر للطاقة» إلى إعلان حالة «القوة القاهرة» على الشحنات، ودفع المشترين إلى البحث عن مصادر بديلة.

ووفقاً لبيانات تتبع السفن التي جمعتها «بلومبرغ»، شكّلت منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال نحو 19 في المائة من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية في عام 2025. كما مثَّلت شحناتها أكثر من خمس إجمالي استهلاك الغاز في الهند وتايوان وباكستان، وفقاً لبيانات معهد الطاقة.


مقالات ذات صلة

منتدى الرياض الاقتصادي يناقش 5 دراسات لدعم التنمية خلال أكتوبر

الاقتصاد صورة من النسخة السابقة لمنتدى الرياض الاقتصادي (واس)

منتدى الرياض الاقتصادي يناقش 5 دراسات لدعم التنمية خلال أكتوبر

يناقش منتدى الرياض الاقتصادي 5 دراسات متخصصة، تتناول الأمن الغذائي، والذكاء الاصطناعي، والنقل والتشريعات، والفعاليات الكبرى، والتنمية المستدامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد أفراد إنفاذ القانون يعمل عند نقطة تفتيش قبل اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في مدينة آشفيل (رويترز)

مجموعة العشرين تبحث عزل الاقتصاد الإيراني وسط تصاعد التوترات

تستضيف الولايات المتحدة وزراء مالية مجموعة العشرين ومحافظي البنوك المركزية في مدينة آشفيل بولاية نورث كارولاينا يومي الاثنين والثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (آشفيل - نورث كارولاينا)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

الأسواق تترقب أسبوعاً حافلاً بالبيانات الاقتصادية وقرارات البنوك المركزية

تتجه أنظار المستثمرين خلال الأسبوع المقبل إلى حزمة واسعة من البيانات الاقتصادية من الصين والولايات المتحدة وأوروبا وآسيا.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
تحليل إخباري متداول يعمل بينما تبث الشاشات مؤتمراً صحافياً لوارش عقب إعلان سعر الفائدة في يوليو (رويترز)

تحليل إخباري المستثمرون يرحبون بتشدد وارش بشأن التضخم... ويترقبون قرار الفائدة

رحب المستثمرون بإشارات رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش بشأن عزمه كبح التضخم، لكنهم ظلوا يبحثون عن مزيد من الوضوح.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تحليل إخباري وارش يصل إلى ندوة «جاكسون هول» في وايومنغ (أ.ب)

تحليل إخباري «فيدرالي» وارش الهادئ يفتح نافذة على مسار الفائدة

بعد أشهر من الغموض خفّف رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش، للمرة الأولى، من نهجه الحذر في التواصل بشأن مسار السياسة النقدية.

«الشرق الأوسط» (جاكسون هول، وايومنغ)

بنكا الإمارات ومصر المركزيان ينسقان بشأن فروع بنك مصر بعد إشعار الخزانة الأميركية

مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على إنستغرام)
مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على إنستغرام)
TT

بنكا الإمارات ومصر المركزيان ينسقان بشأن فروع بنك مصر بعد إشعار الخزانة الأميركية

مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على إنستغرام)
مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على إنستغرام)

أكد مصرف الإمارات المركزي والبنك المركزي ​المصري، في بيان مشترك صدر اليوم الأحد، على التعاون والتنسيق بينهما بشأن فروع بنك مصر ‌في الإمارات، ‌وذلك ​بعد ‌أن ⁠أعلنت وزارة ​الخزانة الأميركية، ⁠يوم الجمعة، أنها اتخذت إجراءات لقطع فروع البنك في الدولة الخليجية عن ⁠المعاملات بالدولار بسبب ‌تعاملاتها ‌مع إيران.

وورد في ​البيان ‌أن البنكين يؤكدان ‌على «التعاون والتنسيق التام والدائم بينهما بخصوص قيام فروع بنك مصر ‌بالإمارات العربية المتحدة بمزاولة أعمالها كافة ⁠بصورة ⁠طبيعية».

وأضاف البيان: «ستقوم فروع بنك مصر بالإمارات العربية المتحدة باتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة كافة خلال الفترة المحددة لذلك».


طفرة المشاريع السعودية تفرض قواعد جديدة للمشتريات وسلاسل الإمداد

جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)
جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

طفرة المشاريع السعودية تفرض قواعد جديدة للمشتريات وسلاسل الإمداد

جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)
جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)

تتجه مشاريع البناء الكبرى في السعودية إلى تبنِّي نماذج أكثر مرونة في التخطيط والتصميم والمشتريات، مع ازدياد الضغط على سلاسل الإمداد، وتنافس المشاريع المتزامنة على الموارد والمورِّدين، في وقت تتجه فيه الشركات إلى تعزيز التوطين، وبناء شراكات طويلة الأجل مع المقاولين والمورِّدين، والاستفادة من البيانات والذكاء الاصطناعي لتحسين القدرة على التنبؤ بالمخاطر والاستجابة لها.

وقال كريستوفر سيمور، المدير العام لشركة «Mace Consult» في الشرق الأوسط وأفريقيا، إن مفهوم المرونة في قطاع البناء تغيَّر بصورة كبيرة خلال السنوات الخمس الماضية، في ظل النمو السريع للمشاريع في السعودية؛ مشيراً إلى أن السوق تحتاج إلى وقت لبناء طاقتها الاستيعابية، ومواكبة تنوع المشاريع التي تدخل مراحل التنفيذ.

وأوضح خلال جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض، أن تعزيز المرونة يتطلب إشراك السوق في مراحل مبكرة من التخطيط، ومنح الشركات رؤية أوضح حول المشاريع التي ستدخل مرحلة التنفيذ، حتى تتمكن من الاستعداد لها.

مرونة أكبر في تصميم المشاريع

وأشار سيمور إلى أن التغيير لا يقتصر على التخطيط؛ بل يمتد إلى تصميم المشاريع ومواصفاتها، موضحاً أن التصاميم يجب أن تكون أكثر مرونة بما يسمح باستخدام البدائل عند عدم توفُّر بعض المنتجات أو وجود فترات توريد طويلة، إلى جانب زيادة الاعتماد على المصادر المحلية.

وقال إن الأشهُر الستة الماضية شهدت تغييرات كبيرة في مواصفات وتصاميم عدد من المشاريع القائمة، بما في ذلك الرسومات واختيارات المنتجات، الأمر الذي أدى إلى زيادة عمليات الاستبدال واللجوء إلى البدائل في البرامج الكبرى.

وأضاف أن التغيير الثالث يرتبط بتطور أدوات الرقابة على المشاريع، مع تحسُّن أدوات التحكم والمتابعة وانتشار مكاتب إدارة المشاريع، ما جعل الفجوات والمشكلات أكثر وضوحاً مع رفعها إلى مستويات الإدارة العليا.

جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)

وأكد أن المشروع المرن يحتاج إلى حوكمة قوية وشفافية، وبيئة لا يخشى فيها العاملون من طرح المشكلات الصعبة، إلى جانب التخطيط المبكر، موضحاً أن التغيير سيحدث بالتأكيد، ولكن الأهم هو إنشاء بيئة قادرة على الاستجابة له وإدارته.

وجاءت الجلسة تحت عنوان «من الرؤية إلى التنفيذ: القيادة والحوكمة لعصر جديد من المرونة في المشتريات وسلاسل الإمداد لقطاع البناء»، ضمن «Big 5 Talks» في اليوم الأول من المعرض، وأدارها داركو ماكورا، الرئيس التنفيذي لمجموعة «الخولي» وزميل المعهد المعتمد للبناء FCIOB))، بمشاركة سيمور، وخالد الدغيثر، مدير إدارة المشتريات والعقود في «مجموعة روشن»، ويوسف بن زايد، المدير العام لشركة «الفطيم لإدارة المرافق».

«روشن»: المشتريات تنتقل من خفض التكلفة إلى خلق القيمة

وقال خالد الدغيثر إن المشتريات في السوق السعودية كانت قبل 5 سنوات تعتمد بصورة أكبر على طرح المناقصات، والحصول على أفضل تكلفة، ثم توقيع العقود، والانتقال إلى المناقصة التالية.

وأوضح أن ما تحاول «روشن» بناءه حالياً هو خلق القيمة، والاستفادة من خططها متعددة السنوات، لمنح المقاولين والمورِّدين قدرة أكبر على التنبؤ بحجم الأعمال التي سيحصلون عليها مستقبلاً.

وأضاف أن ذلك ينقل العلاقة من معاملات منفردة إلى علاقات أطول، تتيح تبادل المعرفة وتقاسم المخاطر؛ مشيراً إلى أن مشاريع «روشن» تقوم على مجتمعات متعددة المراحل، وليس على مشاريع منفردة، ما يجعل بناء هذه العلاقات مع المورِّدين والمقاولين عاملاً مهماً في تعزيز مرونة شبكة الإمداد.

الحوكمة وسرعة القرار

وفيما يتعلق بالتوازن بين الحوكمة وسرعة اتخاذ القرار، قال يوسف بن زايد، إن الحوكمة يفترض أن توفر السلطة والوضوح للمشاريع التي تشرف عليها؛ مشيراً إلى أن إدارة المرافق تأتي مكمِّلة لما يتم إنجازه في قطاع الإنشاء والمقاولين.

وأوضح أن الحوكمة يجب أن تمنح المقاول والمصمم وضوحاً حول كيفية إدارة المشروع أو الأصل وإمكانية صيانته، بما يساعد على إطالة دورة حياته.

من جانبه، قال سيمور إن الحوكمة لا تبطئ التنفيذ؛ بل يمكن أن تسرِّعه؛ لأنها توفر الإطار الذي يربط الأدلة والمعلومات القادمة من المشروع بالقرار الذي يجب اتخاذه.

وأضاف أن وجود مصفوفة واضحة للصلاحيات، وتمكين مدير المشروع وفريقه من اتخاذ القرارات ضمن المستويات المحددة أمر ضروري، محذراً من أن تصعيد القرارات بصورة مستمرة إلى مستويات أعلى قد يجعل شخصاً واحداً «عنق زجاجة» للمشروع.

التوطين يتحول إلى أداة لإدارة مخاطر الإمداد

وفي محور المشتريات، قال الدغيثر إن السعر وتحويل المخاطر إلى المقاولين لا يزالان جزءاً من المعادلة، ولكنهما لم يعودا المعيارين الوحيدين.

وأوضح أن السوق انتقلت إلى نهج يركز بصورة أكبر على إدارة المخاطر والمرونة؛ مشيراً إلى أن استراتيجية التوريد لدى «روشن» أسهمت في تعزيز منظومتها المحلية، ورفعت نسبة التوطين لديها إلى 52 في المائة.

وقال إن «روشن» لا تنظر إلى نسبة التوطين بوصفها مؤشراً للامتثال فقط، وإنما بوصفها «مؤشراً على المرونة».

وأضاف أن أقل سعر لا يعني بالضرورة اختيار المقاول المناسب؛ إذ يجب النظر أيضاً إلى قدرته المالية، وطاقة التوريد المحلية، والتكامل الرقمي مع عمليات الشركة، وقدرته على إبلاغها بأي اضطرابات تحدث على أرض الواقع، بما يسمح بالتدخل بسرعة لدعم تنفيذ المشروع.

من جانبه، قال سيمور إن نقل المخاطر إلى المقاول لا يعني التخلص منها، موضحاً أن المخاطر ستظل في النهاية على عاتق العميل.

وأضاف أن المبدأ المتعارف عليه يتمثل في وضع المخاطر لدى الطرف الأكثر قدرة على إدارتها، ولكن يجب في الوقت نفسه التأكد من أن هذا الطرف يستطيع تسعير المخاطر بصورة عادلة.

وأوضح أن المقاولين غالباً ما يكونون الأقدر على إدارة مخاطر سلاسل الإمداد، بحكم تعاملهم المباشر مع السوق، ولكن تحميلهم مخاطر من دون منحهم القدرة على تسعيرها بصورة عادلة قد يدفعهم إلى تسعير المخاطر بشكل مرتفع تحسباً لتطورات غير متوقعة، وهو ما قد لا يكون في مصلحة العميل.

وأشار إلى أن المقاول يمكن أن يتحمل جزءاً من المخاطر لإظهار التزامه بالمشروع ونجاحه، ولكن من دون أن يصل ذلك إلى مستوى يهدد قدرته على الاستمرار.

جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)

«الفطيم»: المورِّدون شركاء في المشروع

وقال يوسف بن زايد، إن استراتيجية المشتريات يجب أن تستهدف بناء شراكة مع المورِّدين والشركات التي تتقدم للمناقصات، بدلاً من النظر إليهم فقط بوصفهم أطرافاً تعاقدية.

وأوضح أن المالك يمكنه الحصول على قيمة إضافية من هذه العلاقة، من خلال الاستفادة من قدرات وخبرات المقاولين والمورِّدين في مراحل مختلفة من المشروع.

وأشار إلى أنه سبق أن استفاد من خبرات مرتبطة بأعمال الميكانيكا والكهرباء والتكييف (MEP) في مرحلة إدارة المرافق، بما يمكن أن يقدم قيمة إضافية للعميل.

وأكد أهمية النظر إلى دورة الحياة الطويلة للمبنى والأصل، بحيث لا يقتصر التفكير على مرحلة الإنشاء، وإنما يمتد إلى كيفية تشغيل الأصل وصيانته على المدى الطويل.

وفيما يتعلق بالمخاطر، قال بن زايد إن استخدام بنود «القوة القاهرة» (Force Majeure) أصبح متكرراً في الآونة الأخيرة وبصورة مبالغ فيها في بعض الحالات.

وأضاف أن التعامل مع هذه الحالات يتطلَّب مساهمة جميع الأطراف، موضحاً أنه لا يمكن تحميل العميل المسؤولية بصورة تلقائية، إذا كان بالإمكان تفادي بعض التداعيات، والوصول بالمشروع إلى نهاية ناجحة وأكثر مرونة.

وأشار إلى أن المقاول يمكن أن يتحمَّل جزءاً من المخاطر لإظهار التزامه بالمشروع ونجاحه، ولكن من دون أن يصل ذلك إلى مستوى يهدد قدرته على الاستمرار.

وفي محور التكنولوجيا، قال سيمور إن أكثر من 85 في المائة من البيانات التي يتم إنشاؤها خلال تنفيذ المشروع لا يعاد استخدامها بعد الغرض الذي أنشئت من أجله.

ووصف ذلك بأنه فرصة كبيرة أمام القطاع؛ مشيراً إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي والخوارزميات يمكن أن يساعد في تحليل تاريخ المشاريع السابقة والمشاريع المشابهة، وتحسين القدرة على التنبؤ بالأحداث التي قد تقع، وإدارة المخاطر بصورة أفضل.

وأوضح أن الاستفادة من البيانات يمكن أن تحسِّن إدارة مخاطر سلاسل الإمداد والحوكمة، إلا أن القطاع لا يزال يواجه مشكلة في تصنيف البيانات منذ بداية المشروع.

حضور يتأهب للمشاركة في فعاليات «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أن البيانات تبدأ في التراكم منذ اليوم الأول للمشروع، بينما يتم وضع تصنيف البيانات في كثير من الأحيان في مراحل متأخرة، مثل مرحلة تعيين مكتب إدارة المشروع، بعد أن يكون التصميم قد تجاوز مرحلة التصور ودخل مراحل متقدمة.

وقال إن هذا الأمر يحدث في وقت متأخر جداً، داعياً إلى وضع تصنيفات البيانات في وقت مبكر، وتوحيد طريقة خروج البيانات من المشروع، بما يسمح بالاستفادة منها بصورة أكبر.

وأضاف أن القطاع يمتلك اليوم أدوات رقمية متقدمة، ولكنه لا يزال يرتكب أخطاء أساسية في التعامل مع البيانات، مشدداً على ضرورة تغيير طريقة إعداد المشاريع وإدارة البيانات في الوقت الحالي.

وفي هذا السياق، قال بن زايد إن التطور التقني في قطاع الإنشاءات لا يمكن إنكاره؛ مشيراً إلى توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات في القطاع.

وكشف أن «الفطيم» تعمل على تطوير استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات المشتريات، موضحاً أن الشركة تقوم حالياً بتدريب وكيل يعتمد على الذكاء الاصطناعي للتفاعل مع المورِّدين والتفاوض معهم.

وقال إن هذا الاستخدام لا يزال قيد التطوير، معتبراً أن توظيف التقنيات الحديثة يمكن أن يغيِّر طريقة العمل في قطاع الإنشاءات والتعاقدات، ولكنه شدَّد في الوقت نفسه على أهمية عدم فقدان العنصر البشري.

وأكد ماكورا خلال النقاش أهمية أن تضع المؤسسات ضوابط واضحة للتقنيات والمنتجات القائمة على الذكاء الاصطناعي التي تسمح باستخدامها في المشاريع، وألا يُترك للموظفين اختيار أي أدوات بصورة عشوائية، مع ضرورة التحقق من نتائجها وتقييمها من جانب المختصين.

وانطلقت الأحد أعمال معرض «Big 5 Construct Saudi» في مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات، بواجهة «روشن»، ويستمر حتى 2 سبتمبر (أيلول)، ويفتح أبوابه يومياً من الرابعة عصراً حتى العاشرة مساءً.

ويجمع المعرض أكثر من ألف شركة عارضة من أكثر من 50 دولة، إلى جانب أكثر من 40 متحدثاً، حسب الموقع الرسمي للفعالية.


ترمب يعتزم ملء الاحتياطي النفطي الأميركي بالخام الفنزويلي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في صورة أرشيفية بنادي ليبرتي ناشونال للغولف (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في صورة أرشيفية بنادي ليبرتي ناشونال للغولف (أ.ب)
TT

ترمب يعتزم ملء الاحتياطي النفطي الأميركي بالخام الفنزويلي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في صورة أرشيفية بنادي ليبرتي ناشونال للغولف (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في صورة أرشيفية بنادي ليبرتي ناشونال للغولف (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الولايات المتحدة ستستخدم النفط الفنزويلي لإعادة ملء احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، في خطوة جديدة تكشف عن أحد الأهداف العملية للاتفاق النفطي الذي أبرمته واشنطن مع كاراكاس، والذي يمنح الولايات المتحدة سيطرة أغلبية على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات الفنزويلية المؤكدة.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن عملية إعادة ملء الاحتياطي ستبدأ «قريباً»، واصفاً النفط الفنزويلي بأنه «هدية من فنزويلا إلى شعب الولايات المتحدة».

ويأتي الإعلان فيما لا يزال الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي عند مستوى منخفض تاريخياً، بعدما تراجع إلى نحو 290 مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ 44 عاماً.

ولفت ترمب إلى أن الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي «أُفرغ تقريباً» بسبب الرئيس السابق جو بايدن، مضيفاً أن عملية إعادة ملئه بالنفط الفنزويلي ستبدأ «قريباً».