هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكير الطبيب؟

تجربة سريرية حديثة تحاكي الواقع... تجيب

القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
TT

هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكير الطبيب؟

القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها

عندما ينظر الطبيب إلى شاشة التحليل، قد لا يكون ما يراه مجرد بيانات طبية، بل اقتراحاً كاملاً للتشخيص صاغته خوارزمية خلال ثوانٍ... في تلك اللحظة، لا يدور السؤال حول دقة هذا الاقتراح فحسب، بل حول تأثيره الخفي: هل يساعد هذا الاقتراح الطبيب على التفكير، أم يغيّر طريقته في التفكير دون أن يشعر؟

الذكاء الاصطناعي... طرف غير مرئي في القرار

هذا التحول الصامت في العلاقة بين الطبيب والمعلومة هو ما بدأت الأبحاث الحديثة في استكشافه، مع دخول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى صميم القرار السريري. فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات، بل أصبح طرفاً غير مرئي في تشكيل الحكم الطبي، يؤثر في كيفية قراءة المعلومات وربطها، وربما في المسار الذهني الذي يقود إلى القرار النهائي.

دراسة علمية حديثة

هذا السؤال حاولت الإجابة عنه دراسة علمية حديثة نُشرت في فبراير (شباط) 2026 في مجلة نيتشر ميديسن (Nature Medicine)، حيث صمم الباحثون تجربة سريرية محكمة لاختبار تأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي على طريقة تحليل الأطباء للحالات الطبية واتخاذهم للقرارات التشخيصية.

قاد الدراسة فريق بحثي دولي من جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا الأميركية بالتعاون مع باحثين من مختبرات «غوغل ريسيرش» و«غوغل ديب مايند». وشارك في الإشراف على البحث الطبيب والعالم الأميركي إيوان آشلي (Euan Ashley)، إلى جانب الباحثين جاك أوسوليفان (Jack W. O’Sullivan) وتاو تو (Tao Tu)، وعدد من المتخصصين في الطب والذكاء الاصطناعي.

التجارب السريرية للذكاء الاصطناعي الطبي

تجربة سريرية تحاكي الواقع الطبي

اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على تصميم علمي يعرف باسم «التجربة العشوائية المحكمة»، وهو من أكثر الأساليب العلمية دقة وموثوقية في تقييم التقنيات الطبية.

ولمحاكاة الظروف الحقيقية للعمل داخل العيادات، طُلب من مجموعة من أطباء القلب تحليل حالات سريرية حقيقية لمرضى، باستخدام بيانات طبية متعددة، شملت تخطيط القلب الكهربائي وصور القلب واختبارات الجهد وغيرها من المعلومات السريرية المعقدة.

ثم قُسم الأطباء إلى مجموعتين: الأولى قامت بتقييم الحالات بالطريقة التقليدية دون أي مساعدة رقمية، بينما حصلت المجموعة الثانية على دعم من نظام ذكاء اصطناعي طبي يُعرف باسم AMIE، وهو نموذج يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحليل البيانات الطبية وتقديم تقييم أولي للحالة.

وكان الهدف من هذه التجربة معرفة ما إذا كانت مساعدة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تؤثر في طريقة تحليل الطبيب للحالة الطبية أو في جودة القرار السريري الذي يتخذه.

تقييم القرارات دون معرفة مصدرها

ولضمان حياد النتائج، اتبع الباحثون خطوة منهجية مهمة. فقد عُرضت تحليلات الأطباء للحالات على مجموعة من أطباء القلب المتخصصين ليقوموا بمراجعتها وتقدير جودتها العلمية.

غير أن هؤلاء الخبراء لم يكونوا على علم بما إذا كانت تلك التحليلات قد أُعدّت بمساعدة نظام الذكاء الاصطناعي أم من دونه. وقد سمح هذا الأسلوب العلمي، المعروف باسم «التقييم المعمّى» (Blinded Evaluation)، بمقارنة مستوى القرارات الطبية بصورة موضوعية، بعيداً عن أي تأثير لمعرفة مصدر التقييم.

 

 

* الأطباء تعاملوا مع توصيات النظام الذكي بوصفها أداة تحليل إضافية وليس بوصفها قراراً نهائياً *

ماذا كشفت الدراسة؟

أظهرت نتائج التجربة أن استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الأطباء على تنظيم المعلومات الطبية وتحليل البيانات المعقدة بصورة أكثر شمولاً. ففي الحالات التي تضمنت كميات كبيرة من البيانات السريرية، ساهم النظام الذكي في تسهيل تجميع المعلومات وربطها ببعضها، وهو ما قد يساعد الطبيب على تكوين صورة أوضح للحالة المرضية.

لكن النتائج أشارت أيضاً إلى جانب مهم في طبيعة العلاقة بين الطبيب وهذه الأنظمة. فقد تعامل الأطباء مع التوصيات التي قدمها النظام الذكي بوصفها أداة تحليل إضافية، وليس بوصفها قراراً نهائياً.

بمعنى آخر، أظهر الأطباء ميلاً إلى استخدام مخرجات الذكاء الاصطناعي كوسيلة لدعم التفكير السريري وإعادة فحص المعلومات الطبية، مع بقاء عملية الحكم الطبي النهائي قائمة على خبرتهم السريرية وتقييمهم الشامل لحالة المريض.

 

الطبيب يقود والذكاء الاصطناعي يدعم القرار الطبي

استقلالية الحكم السريري

واللافت في النتائج أن الأطباء لم يتعاملوا مع توصيات النظام بوصفها إجابة جاهزة، بل كمنطلق لإعادة التفكير، وهو ما يعكس بقاء الحكم السريري مستقلاً رغم حضور الذكاء الاصطناعي.

ولم يكن هدف الباحثين قياس دقة القرارات الطبية فقط، بل فهم تأثير الذكاء الاصطناعي في طريقة تفكير الطبيب نفسه أثناء تحليل الحالة. فالدراسة حاولت اختبار ما إذا كانت التوصيات التي يقدمها النظام الذكي يمكن أن تؤثر في المسار الذهني الذي يتبعه الطبيب عند تقييم المعلومات السريرية، وهو مجال بحثي جديد يدرس التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الطبي.

كيف يتغير التفكير الطبي؟

تشير نتائج هذه الدراسة إلى تحول تدريجي في طريقة عمل الأطباء داخل البيئة الطبية الحديثة. فمع ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية، لم يعد الطبيب يعمل مع المعلومات وحده، بل أصبح يتعامل مع طبقة إضافية من التحليل الرقمي تساعده على قراءة المعطيات المعقدة بسرعة أكبر.

وفي هذا النموذج الجديد من الممارسة الطبية، تقوم الأنظمة الذكية بدور تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الإحصائية الخفية، بينما يبقى دور الطبيب في تفسير هذه النتائج وربطها بالسياق السريري الكامل للمريض.

وبذلك لا يصبح الذكاء الاصطناعي صانع القرار الطبي، بل أداة تحليل متقدمة قد تساعد الطبيب على رؤية تفاصيل في البيانات لم تكن واضحة من قبل، ما قد يساهم في تحسين دقة التقييم السريري واتخاذ القرار العلاجي.

ما الذي يعنيه هذا للأنظمة الصحية؟

تشير نتائج هذه الدراسة إلى أن نجاح الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعتمد على تطور الخوارزميات وحده، بل على الطريقة التي تُدمج بها هذه التقنيات داخل منظومة الرعاية الصحية. فالتكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تحقق فائدتها الكاملة ما لم تعمل ضمن بيئة طبية منظمة تسمح بتبادل البيانات وتحليلها بصورة آمنة وموثوقة.

ولهذا السبب تؤكد دراسات الصحة الرقمية أن أحد أهم شروط الاستفادة من الذكاء الاصطناعي هو وجود بنية رقمية متطورة تشمل السجلات الطبية الإلكترونية وقواعد البيانات السريرية القابلة للتحليل.

وتبرز أهمية هذا التحول في الدول التي تستثمر في التحول الصحي الرقمي، مثل المملكة العربية السعودية، حيث تعمل مبادرات «رؤية 2030» على تطوير السجلات الصحية الإلكترونية وتوسيع استخدام التقنيات الذكية في المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية.

وفي مثل هذه البيئات الرقمية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الأطباء على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية بسرعة أكبر، مما قد يساهم في تحسين دقة التشخيص ودعم اتخاذ القرار السريري.

مستقبل القرار الطبي

تشير هذه الدراسة إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي في الطب قد يتجاوز مجرد إدخال أدوات تقنية جديدة إلى العيادة. فمع استخدام هذه الأنظمة في تحليل البيانات الطبية المعقدة، قد يتغير أيضاً الأسلوب الذي يتعامل به الأطباء مع المعلومات السريرية عند تقييم الحالات المرضية.

غير أن نتائج التجربة تشير في الوقت نفسه إلى حقيقة أساسية: فالذكاء الاصطناعي قد يساعد في تحليل البيانات وتنظيمها، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الخبرة السريرية للطبيب أو قدرته على فهم السياق الكامل لحالة المريض.

ولهذا قد يكون مستقبل القرار الطبي في السنوات القادمة قائماً على تفاعل جديد بين الإنسان والتكنولوجيا، حيث تساعد الأنظمة الذكية في قراءة البيانات الطبية، بينما يبقى الطبيب المسؤول عن تفسير هذه المعطيات وربطها بالإنسان الذي يقف خلفها.

أما في العالم العربي، فإن الاستفادة الحقيقية من هذه التطورات تتطلب الاستثمار في السجلات الطبية الرقمية وتطوير البنية التحتية للبيانات الصحية، إضافة إلى تدريب الأطباء على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بوصفها أدوات دعم للقرار الطبي لا بديلاً عنه.

 


مقالات ذات صلة

«جنرال موتورز» تنقل إدراج أسهمها من بورصة نيويورك إلى «ناسداك»

الاقتصاد شعار «جنرال موتورز» على خزان مياه مصنع التجميع التابع للشركة في راموس أريزبي في المكسيك (رويترز)

«جنرال موتورز» تنقل إدراج أسهمها من بورصة نيويورك إلى «ناسداك»

أعلنت شركة «جنرال موتورز» الأميركية، الثلاثاء، نقل إدراج أسهمها العادية من بورصة نيويورك إلى «ناسداك».

«الشرق الأوسط» (ديترويت)
الاقتصاد متداولون في العقود الآجلة داخل قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة للأسهم الأميركية تستقر وسط ترقب قرار «الفيدرالي» ونتائج الشركات

استقرت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية إلى حد كبير، الثلاثاء، مع بقاء أسعار النفط الخام قرب أعلى مستوياتها في 6 أسابيع.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم «جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته

عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

على الشركة المنتجة والمستشفى والطبيب معرفة قدرات النظام وحدوده ومخاطره

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد موظفون في شركة «إس كيه هاينكس» خلال مراسم قرع جرس افتتاح التداول في بورصة «ناسداك» (رويترز)

أسهم التكنولوجيا تقود المكاسب الآسيوية بدعم من «وول ستريت» وخطة طرح «أنثروبيك»

ارتفعت أسهم شركات التكنولوجيا، الثلاثاء، متتبعةً أثر المكاسب القوية في «وول ستريت»، بعدما رحّب المستثمرون بإيداع شركة «أنثروبيك» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد مقر «سنوفليك» (الشركة)

«سنوفليك» تخطط لاستثمارات بـ300 مليون دولار في السعودية حتى 2030

أعلنت شركة «سنوفليك» الأميركية، عن استثمارات متوقعة بقيمة 300 مليون دولار في عملياتها بالسعودية حتى عام 2030، بالتزامن مع افتتاح مقرها الإقليمي في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟
TT

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

لا تملك عملية التطور أهدافاً، بل تقدم نتائج فحسب، فالانتقاء الطبيعي الدارويني لا يصيغ الكائنات لتصبح «أفضل» أو «أرقى» بمعيار موضوعي مطلق، بل يشكّلها لكي تنجح في بيئتها وزمانها الراهنين. وما قد يكون مفيداً في بيئة أو حقبة زمنية معينة، قد يتحول إلى مصدر ضرر في سياق آخر. ويرى بعض العلماء أن هذه الحقيقة التطورية قد تساعد في تفسير أصول أمراض المناعة الذاتية لدى البشر، كما كتب ديفيد كوامن(*).

أمراض المناعة الذاتية

تعد أمراض المناعة الذاتية autoimmune diseases ظاهرة غامضة نوعاً ما، لكنها ليست نادرة على الإطلاق؛ إذ تشمل التصلب المتعدد multiple sclerosis، والتهاب المفاصل الروماتويدي rheumatoid arthritis، والسكري من النوع الأول Type 1 diabetes، والذئبة lupus، وداء كرون Crohn’s disease، والصدفية psoriasis، إلى جانب أكثر من 100 مرض آخر. وتتراوح حدة هذه الأمراض بين التسبب في معاناة شديدة، أو مجرد شعور بعدم الراحة والإزعاج، وصولاً إلى حالات قد تكون قاتلة. أما القاسم المشترك بين هذه الحالات فهو أن خلايا الجهاز المناعي لدى الشخص تبدأ -لأسباب لا تزال غير واضحة- بمهاجمة أنسجة الجسم وأعضائه، بدلاً من الاكتفاء بالدفاع عنه ضد الغزاة الخارجيين كالفيروسات والبكتيريا.

نحو 15 مليون أميركي مصاب بها

تشير التقديرات إلى أن أمراض المناعة الذاتية تصيب نحو 15 مليون شخص في الولايات المتحدة، وما بين 5 في المائة و10 في المائة من سكان الدول الصناعية، في حين تقل نسبتها في الدول النامية. وتتجه هذه الأرقام نحو الارتفاع، ربما بسبب عوامل بيئية -مثل النظام الغذائي والملوثات- التي تلعب دوراً في تحفيز ظهور هذه الأمراض. ومع ذلك، تلعب العوامل الوراثية دوراً مهماً أيضاً؛ وهنا كشفت الأبحاث في السنوات الأخيرة عن نمط مثير للاهتمام.

مجموعات جينية كانت ذات فائدة يوماً ما... تصبح عبئاً

قد تنشأ أمراض المناعة الذاتية، جزئياً، نتيجةً لعمل جينات أو مجموعات جينية كانت ذات فائدة في مراحل سابقة من التاريخ البشري، لكنها أصبحت تشكل عبئاً أو ضرراً في الوقت الحاضر. وبشكل أكثر تحديداً، وجد العلماء أدلة على حدوث انتخاب طبيعي لمتغيرات جينية معينة خلال العصر البرونزي -الذي بدأ قبل نحو 5000 عام واستمر لألفي عام- حيث قد تزيد هذه المتغيرات ذاتها من خطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية لدى الأشخاص الذين يحملونها اليوم.

ويُطلق على هذه التأثيرات المتناقضة مصطلح «تعدد التأثير المتضاد» (antagonistic pleiotropy)؛ وببساطة، يعني هذا أن الجين قد يكون مفيداً في سياق معين، وقد يصبح ضاراً في سياق آخر.

مقارنة التسلسل الجيني للحمض النووي البشري القديم بالجينومات البشرية المعاصرة

لماذا قد تؤدي بعض المتغيرات الجينية وظيفة قيّمة للبشر في العصور القديمة، ولكن تتحول إلى مصدر ضرر في عصرنا الحالي؟ تتمثل إحدى الإجابات -التي تدعمها دراسات حديثة تستند إلى التسلسل الجيني للحمض النووي البشري القديم ومقارنته بالجينومات البشرية المعاصرة- في الأمراض المعدية.

وخلال تلك الألفيات الغابرة، تحول البشر من نمط حياة يعتمد على الصيد والجمع ضمن مجموعات صغيرة متنقلة، إلى نمطين آخرين: الزراعة والرعي. وفي حين اتسم المزارعون بالاستقرار في أماكن ثابتة، قام الرعاة باستئناس الحيوانات البرية -كالأبقار والأغنام والماعز- وارتحلوا عبر مساحات شاسعة لتوفير المراعي لماشيتهم. وقد أدى العمل في الزراعة إلى احتكاك وثيق بين البشر والنباتات، في حين أدى الرعي إلى احتكاك وثيق بينهم وبين الفيروسات والبكتيريا وغيرها من العوامل المسببة للعدوى التي تحملها الحيوانات البرية (والتي أصبحت لاحقاً حيوانات مستأنسة).

انتقال العديد من مسببات الأمراض إلى الرعاة

انتقلت العديد من مسببات الأمراض هذه إلى الرعاة، ما أدى إلى ظهور ما يُعرف اليوم بـ«الأمراض حيوانية المنشأ» (zoonotic diseases)؛ وهي عدوى تنتقل من الحيوانات إلى البشر. وكان البقاء على قيد الحياة في مواجهة هذه التهديدات المرضية يعتمد على الحظ والجينات؛ إذ عمل الانتقاء الطبيعي على استبعاد الأشخاص الأقل حظاً، فيما بقيت مجموعات من الناجين الذين حملوا طفرات جينية منحتهم مقاومة ضد تلك العدوى.

طفرات جينية مفيدة قديماً... تتحول إلى عوامل خطر

غير أنه يبدو الآن أن تلك الطفرات الجينية، التي وفرت الحماية في العصر البرونزي، قد يكون لها أثر سلبي في عصرنا الحديث الذي يتميز بأنظمة صرف صحي متطورة، وتوافر المضادات الحيوية والمطهرات، وغيرها من تدابير مكافحة العدوى. فمن خلال رفع حساسية الجهاز المناعي إلى مستويات مفرطة، تحولت هذه الطفرات إلى عوامل خطر للإصابة بأمراض المناعة الذاتية. وهذا ما يُعرف بفرضية «التأثير الجيني المزدوج المتضاد» (antagonistic pleiotropy hypothesis)..

طفرات جينية ترتبط بمرض التصلب المتعدد

وقد وجد العلماء أدلة تدعم هذه الفرضية؛ إذ أفاد باحثون في جامعة أكسفورد وزملاؤهم في مؤسسات أخرى بوجود ارتباط قوي بين طفرات جينية معينة -انتشرت بسرعة بين الشعوب الأوروبية قبل نحو 5000 عام- وبين زيادة احتمالية الإصابة بمرض التصلب المتعدد في وقتنا الحاضر. وقد ازداد شيوع هذه الطفرات مع وصول الرعاة المهاجرين من سهوب أوراسيا إلى أوروبا. وقد وفرت معظم هذه الطفرات حماية ضد أنواع معينة من العدوى الفيروسية والبكتيرية أو الطفيليات، ما ساعد البشر لا على التكيف مع نمط الحياة الرعوي فقط، بل أيضاً على التأقلم مع زيادة الكثافة السكانية، التي أدت بدورها إلى تكثيف انتقال الأمراض المعدية وانتشارها.

ويرى الباحثون أن هذه الطفرات الجينية ذاتها تبدو اليوم وكأنها تُحدث تأثيراً معاكساً تماماً. مع تحسّن السيطرة على الأمراض المعدية وتزايد معدلات الإصابة بالتصلب المتعدد، كتب الباحثون: «نلاحظ مجدداً ارتباطاً لافتاً بالتغيرات التي طرأت على بيئتنا -بما في ذلك أنماط الحياة وتحسّن مستويات النظافة- وهي تغيرات لم تعد تتوافق مع البنية الجينية التي كانت سائدة سابقاً». وبعبارة أخرى، فإن الجينات التي كانت توفر لنا الحماية في الماضي قد تصبح اليوم سبباً في تعريضنا للخطر.

تسلسلات الحمض النووي في زمن الطاعون

تناولت دراسة أخرى، أجراها فريق دولي من الباحثين، حقبة تاريخية أكثر حداثة شهدت تغيراً ديمغرافياً مفاجئاً، ألا وهي فترة تفشي «الموت الأسود» (الطاعون). فقد اجتاح هذا الوباء -الذي ظهر في القرن الرابع عشر، وتسببت فيه بكتيريا «يرسينيا الطاعونية» (Yersinia pestis) التي تنتقل عبر البراغيث التي تحملها الفئران- كلاً من أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الفترة ما بين عامي 1346 و1353، ما أسفر عن وفاة ما يتراوح بين 30 في المائة و50 في المائة من سكان تلك المناطق.

وقد فحص الباحثون بدقة تسلسلات الحمض النووي (DNA) لأشخاص دُفنوا في إنجلترا والدنمارك؛ بعضهم دُفن قبيل سنوات الطاعون، وبعضهم أثناء تفشيه، وآخرون بعد انتهائه. ومن بين المواقع التي استعانوا بها موقع «إيست سميثفيلد» (East Smithfield)، وهو مقبرة جماعية لضحايا الموت الأسود تقع شرق «برج لندن».

وفي هذا الموقع وغيره، اكتشف الباحثون أربعة متغيرات جينية مرتبطة بالمناعة لدى أعداد أكبر من الأشخاص الذين دُفنوا بعد الطاعون مقارنة بمن دُفنوا قبله أو أثناءه؛ ما يشير إلى أن هذه المتغيرات منحت أصحابها ميزة ساعدتهم على البقاء.

متغير جيني مضاد للطاعون يسهم في حدوث مرض كرون

حصر الباحثون استنتاجهم في متغير واحد فقط. وقد تبين أن هذا المتغير -الذي كان مفيداً في التكيف ومواجهة الطاعون- يُعد اليوم عامل خطر للإصابة بداء كرون (Crohn’s disease). وهكذا، يبدو أن «الموت الأسود» -على غرار التحول نحو الرعي خلال العصر البرونزي- ربما كان حدثاً انتقائياً زاد من عرضة الأجيال اللاحقة للإصابة بأمراض المناعة الذاتية.

ورغم أن فريق جامعة أكسفورد، في دراسته حول مرض التصلب المتعدد (MS)، وصف هذا الوضع بأنه حالة من «البنية الجينية» التي عفّى عليها الزمن، إلا أن هناك تشبيهاً آخر يوضح الفكرة بشكل أكثر حيوية؛ إذ يُقال عن إخفاقات القيادة العسكرية إن الجنرالات يقضون أوقات السلم في الاستعداد لخوض «الحرب السابقة» بدلاً من «الحرب القادمة». فهم يتمسكون بتكتيكات واستراتيجيات وأسلحة عفّى عليها الزمن -أشياء كانت فعالة في الماضي- متجاهلين مرور الوقت وظهور معطيات جديدة.

متغيرات جينية تسبب المعاناة

ويبدو أن هذا بالضبط ما فعله التطور بالمتغيرات الجينية التي يحملها الكثير منا اليوم؛ فأمراض المناعة الذاتية في القرن الحادي والعشرين قد تمثّل محاولات الجهاز المناعي البشري لخوض حربٍ ضد أمراض معدية كانت يوماً ما كارثية -وإن كانت حدتها قد تراجعت الآن- وهي أمراض لا تزال منتشرة في كل مكان ولا يوجد لها علاج شافٍ. بالنسبة للبعض، تُعد معاناة الإصابة بالتصلب المتعدد (MS) أو الذئبة أو غيرهما من أمراض المناعة الذاتية سوء حظ قاسياً. أما آخرون فهم أكثر حظاً؛ فأنا، على سبيل المثال، لا أعاني سوى من الصدفية -التي ورثتها عن والدي، الذي ورثها بدوره عن أسلافٍ له من ريف النرويج- وهي بمثابة تذكيرٍ بأن جهاز مناعتي مستعدٌّ ومتحمسٌ، بل متحمسٌ أكثر من اللازم، لخوض معركةٍ قديمةٍ تعود إلى العصر البرونزي؛ معركةٍ دارت رحاها بين راعٍ من ذلك العصر وفيروسٍ انتقل إليه من إحدى معيزه.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الجينات وحدها لا تفسّر سلوكنا

الجينات وحدها لا تحدد السلوك
الجينات وحدها لا تحدد السلوك
TT

الجينات وحدها لا تفسّر سلوكنا

الجينات وحدها لا تحدد السلوك
الجينات وحدها لا تحدد السلوك

كشفت دراسة دولية واسعة عن أن التأثيرات الجينية المرتبطة بالسلوك الاجتماعي لدى الإنسان تختلف تبعاً للعمر والبيئة الاجتماعية، وباختلاف الشخص الذي يصف السلوك ويقيّمه. وهذا ما يؤكد أن فهم السلوك البشري يتطلب النظر إلى الجينات والسياق الذي يتطور فيه هذا السلوك معاً.

تحليل 500 ألف ملاحظة سلوكية جُمعت من أكثر من 73 ألف شخص

وحلّل باحثون بقيادة معهد «ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي» في مدينة نايميخن الهولندية نحو 500 ألف ملاحظة سلوكية جُمعت من أكثر من 73 ألف شخص. وأظهرت الدراسة المنشورة في مجلة «Nature Human Behaviour» في 21 سبتمبر (أيلول) 2026 أن الأنماط الجينية المرتبطة بالسلوك الاجتماعي تختلف عبر مراحل النمو وبين تقييمات الوالدين والمعلمين والتقارير الذاتية للأفراد.

وتسلّط النتائج الضوء على أهمية السياق الاجتماعي في دراسة الأسس الجينية للسلوك وعلاقته باضطرابات النمو العصبي، بما فيها التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

تتبّع السلوك عبر مراحل النمو

وركّز الباحثون على جانبين من السلوك الاجتماعي: الأول مدى استعداد الفرد لمساعدة الآخرين ومشاركة ما لديه معهم ومواساتهم عند الحاجة. أما الثاني، فهي الصعوبات التي قد يواجهها في تكوين الصداقات والتواصل مع أقرانه والحفاظ على العلاقات معهم.

وشملت التقييمات أشخاصاً تتراوح أعمارهم بين عامين و29 عاماً مع تكرار تقييم بعض المشاركين في مراحل عمرية مختلفة. كما قارن الباحثون بين تقارير الوالدين والمعلمين والتقييمات الذاتية للمشاركين.

وعلى خلاف الدراسات الجينية التقليدية التي تجمع النتائج في تقدير عام استخدم الباحثون أسلوباً إحصائياً يُعرف باسم «الانحدار التَّلَوِي Meta-regression» يتيح مقارنة نتائج دراسات متعددة وتحليلها مع مراعاة العوامل التي قد تؤثر فيها. وساعدهم هذا الأسلوب على الكشف عن كيفية اختلاف الارتباطات الجينية بالسلوك الاجتماعي تبعاً لنوع السلوك وعمر الفرد والشخص الذي يقيّمه بدلاً من التعامل مع هذه الاختلافات بوصفها نمطاً واحداً ثابتاً.

6 مناطق جينومية مرتبطة بالسلوك

وحدّد التحليل ست مناطق جينومية مرتبطة بالسلوك الاجتماعي وأظهرت جميعها اختلافات في ارتباطاتها تبعاً لنوع السلوك والعمر والجهة التي أبلغت عنه.

وظهر أقوى ارتباط جيني في منطقة CADM2 وهو جين يسهم في تنظيم الاتصالات بين الخلايا العصبية. وكان الارتباط أكثر وضوحاً في حالات انخفاض السلوك الاجتماعي الإيجابي وفقاً للتقييم الذاتي في أواخر الطفولة وبداية المراهقة. وسبق أن رُبطت تغيرات جينية في هذه المنطقة بالتوحّد وسمات أخرى.

وقدّرت الدراسة أن الاختلافات الجينية الشائعة تفسّر ما بين 2 و7 في المائة من التباين في السلوك الاجتماعي. كما حدّد الباحثون أربعة عوامل جينية مترابطة ارتبط اثنان منها بمجالي السلوك المدروسين بينما عكس الآخران الاختلافات بين تقييمات الوالدين والمعلمين.

وتشير النتائج إلى أن سلوك الطفل في المنزل قد يختلف عن طريقة تفاعله في المدرسة أو مع أقرانه، مما يستدعي مراعاة هذه الاختلافات عند دراسة النمو.

وأوضحت لوسيا دي هويوس، الباحثة الأولى في الدراسة من قسم اللغة وعلم الوراثة في معهد «ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي» في هولندا، أن الطبيعة المتغيرة للنمو البشري تستدعي اعتماد مناهج جينومية قادرة على رصد التغيرات عبر مراحل النمو. من جانبها أكدت بياته سانت بوركاين، الباحثة الرئيسية في الدراسة من القسم نفسه، أهمية مراعاة اختلاف تجارب الأطفال الاجتماعية عند تحليل التأثيرات الجينية بدلاً من اختزالها في تقدير عام واحد قد يغفل الفروق بين السياقات والأعمار.

روابط بالصحة النفسية

ولاختبار دقة التنبؤات الجينية أنشأ الباحثون درجات متعددة الجينات تجمع تأثيرات عديد من المتغيرات الجينية واختبروها لدى 16305 أشخاص من أصول أوروبية وأفريقية. وتحسّنت التنبؤات عندما تطابق السياق الاجتماعي المستخدم في تطوير هذه الدرجات مع السياق الذي طُبّقت فيه.

كما درس الفريق العلاقات الجينية بين السلوك الاجتماعي في الطفولة وسمات لاحقة منها التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. وأظهرت النتائج أن هذه العلاقات يمكن رصدها في مراحل عمرية مختلفة حسب السلوك والسياق المدروسين.

الجينات لا تحدد المصير

وشدّد الباحثون على أن النتائج لا تعني إمكانية التنبؤ بسلوك طفل بعينه، إذ يتأثر السلوك بتفاعل العوامل الجينية مع التنشئة والبيئة الاجتماعية والدعم الذي يتلقاه الفرد.

وقال توماس بورجيرون، المشارك في الدراسة والباحث في معهد «باستور» بفرنسا، إن الجينات تؤدي دوراً مهماً لكنها لا تحدد مصير الإنسان، مشيراً إلى أن توفير البيئة المناسبة والدعم والفرص يساعد الأفراد على التكيف وتطوير قدراتهم.

وتندرج الدراسة ضمن مشروع «المخاطر والمرونة في التنوع النمائي والصحة النفسية (R2D2-MH)»، وهو مبادرة بحثية تمتد خمس سنوات بتمويل مشترك من المفوضية الأوروبية وتهدف إلى تحديد العوامل التي تزيد مخاطر اضطرابات النمو العصبي أو تساعد على التكيف معها بما يشمل التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه والإعاقة الذهنية.

ويخطط الفريق لمواصلة أبحاثه من خلال دراسة الاختلافات الجينية بين الذكور والإناث بهدف تعميق فهم تطور السلوك الاجتماعي وعلاقته بالصحة النفسية.


عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
TT

عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته

​في 21 سبتمبر (أيلول) 2026، رفضت محكمة الاستئناف الخامسة في تكساس التماساً من شركة «أكلارينت» (Acclarent)، التي أضافت قدرات الذكاء الاصطناعي إلى نظام «ترو دي» لمساعدة الجرَّاحين في جراحات الأنف والجيوب الأنفية. وتعلَّق الالتماس بالكشف عن أجزاء محجوبة من وثائق دعوى قضائية. ولم يكن القرار إدانة للشركة، ولا إثباتاً لتسبُّب تقنيتها في إصابة مريض؛ بل تناول ضرورة إتاحة الوثائق خلال التقاضي.

وتكمن أهمية هذه القرارات في أن التحقيق في الخطأ الطبي قد يتجاوز تصرف الطبيب إلى: ما الذي عرفته الشركة عن نظامها؟ وكيف اختبرته؟ وما الذي أوضحته لمستخدميه عن قدراته وحدوده؟ فعندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى غرفة العمليات، قد تصبح وثائق تطويره وتقييم سلامته أدلة لفهم ما حدث وتحديد المسؤولية.

«ترو دي» خريطة داخل الجسم

يعمل نظام «ترو دي» (TruDi) كخريطة رقمية داخل الأنف والجيوب الأنفية؛ إذ يستعين بصور الأشعة وتتبع الأدوات، ليُظهر للجرَّاح موضع أداته بالنسبة إلى الأنسجة المحيطة؛ خصوصاً قرب أجزاء حساسة، مثل قاعدة الجمجمة والشرايين المغذية للدماغ، فالجرَّاح يحرك الأداة، والنظام يساعده على توجيهها.

وفي عام 2021، أعلنت «أكلارينت» إضافة قدرات للذكاء الاصطناعي تساعد على التعرُّف على أجزاء تشريحية، واقتراح مسار للأداة بين نقطتين يختارهما الطبيب. ويشبه ذلك تطبيق الخرائط الذي يساعد السائق على تحديد موقعه واختيار الطريق، ولكنه لا يتولى القيادة عنه.

وإذا اختلف الموقع المعروض عن الموقع الفعلي للأداة، فقد يتأثر تقدير الجرَّاح. ولكن تحديد السبب يحتاج إلى تحقيق: هل هو يرتبط بوظائف الذكاء الاصطناعي؟ أم بتتبع الأدوات؟ أم بإعداد النظام واستخدامه؟

إصابات تصل إلى المحاكم

سلَّط تحقيق لوكالة «رويترز»، نُشر في 9 فبراير (شباط) 2026، الضوء على دعوتين تتعلقان باستخدام «ترو دي». ففي مايو (أيار) 2023، خضعت دونا فيرنيهو لجراحة للجيوب الأنفية، وتقول دعواها إن إصابة الشريان السباتي، أحد الشرايين الرئيسية المغذية للدماغ، أدت إلى سكتة دماغية. وفي يونيو (حزيران) 2022، خضعت إيرين رالف لجراحة مشابهة، وادَّعت أن النظام أعطى الجرَّاح معلومات غير دقيقة عن موضع أدواته، ما أدى إلى إصابة الشريان السباتي وسكتة دماغية.

ونفت «أكلارينت» الادعاءات؛ إذ أكدت الشركة المالكة لها: «إنتيغرا لايف ساينسز» (Integra LifeSciences)، عدم وجود دليل يربط الذكاء الاصطناعي بالإصابات المذكورة. ويبقى حسم السبب رهناً بالأدلة: هل أسهم خلل في النظام في الضرر؟ أم طريقة استخدامه؟ أم عوامل أخرى؟ فحدوث الإصابة أثناء استخدام التقنية لا يثبت وحده أنها تسببت فيها.

حين تؤثر الخوارزمية في تغطية العلاج

ولا تقتصر النزاعات على غرفة العمليات. ففي 9 مارس (آذار) 2026، وافقت محكمة فيدرالية في مينيسوتا الأميركية جزئياً على إلزام مجموعة «يونايتد هيلث» (UnitedHealth Group) بتقديم وثائق عن سياسات تغطية الرعاية واستخدام خوارزمية «إن إتش بريديكت» (nH Predict)، في دعوى أقامها ممثلو تركة الراحل جين لوكن وآخرون.

ويقول المدَّعون إن الشركة استخدمت الخوارزمية في قرارات أوقفت تحمُّل تكاليف رعاية مرضى ما زالوا بحاجة إليها، مثل التأهيل والتمريض المتخصص بعد العلاج في المستشفى. وتناولت طلبات الوثائق استخدام الأداة وتدريب الموظفين والرقابة عليها. ولم يحسم القرار صحة الاتهامات؛ بل أتاح الحصول على أدلة لفحصها.

وتكشف القضية أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يمتد إلى قرار شركة التأمين بشأن استمرار دفع تكاليف العلاج. وبالنسبة إلى المريض، قد يعني توقف التغطية صعوبة استكمال الرعاية التي يحتاج إليها.

من يتحمل المسؤولية؟

تدفعنا هذه القضايا إلى سؤال أوسع من: «أي طبيب أخطأ؟». فقبل استخدام النظام، تشارك جهات عدة في تطويره واختباره وتسويقه وشرائه واعتماده داخل المستشفى. وقد ينشأ الخلل في أي مرحلة؛ من تصميم البرنامج إلى تدريب العاملين ومراقبة أدائه.

ومن منظور الحوكمة، ينبغي توضيح واجبات كل طرف؛ إذ على الشركة أن تشرح قدرات النظام وحدوده والمخاطر المعروفة، وعلى المستشفى أن يتحقق من ملاءمته لمرضاه ومن أنه يوفر التدريب والمتابعة، وعلى الطبيب أن يستخدمه ضمن الغرض المخصص له، ويبلِّغ عن الخلل. أما المسؤولية القانونية فتتحدد وفق الأدلة وسبب الضرر والقانون المعمول به.

ولا يكفي القول إن النظام يعمل «تحت إشراف الطبيب». فالإشراف يتطلب فهم حدود الأداة، وامتلاك الوقت والصلاحية لمراجعة توصيتها ورفضها عند الحاجة، والتحقق حين تتعارض معلوماتها مع حالة المريض. فوجود الطبيب في نهاية سلسلة القرار لا يجعله مسؤولاً وحده عن كل خلل سبقها، كما أن استخدام التقنية لا يلغي واجبه في التحقق.

درس للمؤسسات الصحية العربية

تقدم هذه القضايا درساً للمؤسسات الصحية السعودية؛ والعربية عموماً: تبدأ حماية المريض قبل إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العيادة، بالتحقق من أدائه محلياً، وتدريب مستخدميه، وتعيين مسؤول عن سلامته، ووضع إجراءات للإبلاغ عن الأخطاء، وإيقاف استخدامه عند ظهور أخطار تستدعي التحقيق.

ومن الضروري حفظ سجل يوضح نسخة البرنامج المستخدمة، والمعلومات التي قدمها، وكيف تعامل معها الفريق الطبي؛ لفهم مصدر الخلل حتى بعد تحديث البرنامج. وينبغي أن تضمن عقود الشراء تعاون الشركة في التحقيق وإتاحة السجلات اللازمة، مع حماية بيانات المرضى.

ويحتاج المريض إلى جهة واضحة للسؤال والشكوى، فالثقة تنمو بقدرة المؤسسة على اكتشاف الخطأ وتصحيحه وإنصاف المتضرر. وعندما يصل النزاع إلى المحكمة، يجب أن يكون ممكناً تتبع ما حدث؛ فالقرار قد يمر عبر أطراف كثيرة، ولكن المسؤولية يجب ألا تضيع بينها.