«العسكري»… سفير «الحرس الثوري» في بغداد

قد يكون رجلاً واحداً أو مجموعة رجال… لكنه «وحدة قياس» إيرانية

أفراد من الأمن العراقي إلى جانب نعش أحد عناصر الحشد الشعبي الذي قُتل بهجوم في قضاء القائم (أ.ف.ب)
أفراد من الأمن العراقي إلى جانب نعش أحد عناصر الحشد الشعبي الذي قُتل بهجوم في قضاء القائم (أ.ف.ب)
TT

«العسكري»… سفير «الحرس الثوري» في بغداد

أفراد من الأمن العراقي إلى جانب نعش أحد عناصر الحشد الشعبي الذي قُتل بهجوم في قضاء القائم (أ.ف.ب)
أفراد من الأمن العراقي إلى جانب نعش أحد عناصر الحشد الشعبي الذي قُتل بهجوم في قضاء القائم (أ.ف.ب)

قد يكون «أبو علي العسكري» الذي أعلنت «كتائب حزب الله» العراقية مقتله مؤخراً منظومة دبلوماسية متكاملة تمثل «الحرس الثوري» الإيراني في بغداد، وليس رجلاً واحداً تمت تصفيته.

على الأغلب، كان العسكري وهو حساب مستتر في منصة «إكس»، عنواناً لمجموعة رجال يتناوبون على وظيفة «سفير الظل» الذي يطبق سياسات «الثورة الإسلامية» بحذافيرها في بغداد، بما في ذلك فرض إيقاع صارم على آليات صنع القرار السياسي في البلاد.

وأعلنت «الكتائب»، إحدى الجماعات المسلحة الموالية لطهران، يوم 16 مارس (آذار) 2026 مقتل العسكري من دون الإشارة إلى المكان أو الزمان.

ويُعتقد أن الكتائب أعلنت عن مقتل العسكري في أعقاب هجوم صاروخي على منزل في حي الكرادة وسط بغداد، حيث كان أشخاص ذوو نفوذ كبير في الفصائل المسلحة يعقدون اجتماعاً «عملياتياً»، رغم أن مصادر أمنية أفادت بأنه ربما «استُهدف في أحد هجومين وقعا على عجلة ومنزل آخر شرقي العاصمة».

وفي بيان حمل توقيع «أحمد محسن فرج الحميداوي»، زعيم «الكتائب»، وُصف العسكري بأنه «شريان التواصل بين الميادين العسكرية والمنصات الإعلامية».

ومنذ نحو خمس سنوات، يضخ هذا الاسم الوهمي سلسلة من المواقف المتشددة التي ساهمت في تكريس سياسات متشددة في العراق، وغالباً ما كانت تعبر عن المواقف غير الرسمية لإيران، تلك التي لا يفصح عنها سفيرها الرسمي في بغداد.

وكان هذا الحساب يُحذف أو يجمد ويُعاد إنشاؤه أكثر من مرة، لذلك تنقل اقتباساته غالباً عبر وسائل إعلام أو لقطات شاشة، وليس دائماً من المصدر المباشر.

تشييع عنصر في «كتائب حزب الله» في بغداد بعد يوم من مقتله بضربة جوية في جنوب العراق 4 مارس 2026 (أ.ف.ب)

لغز «العسكري»

طالما كان العسكري لغزاً محيراً، إذ أُحيط اسمه بسيل لم يتوقف من التكهنات حول شخصيته الحقيقية. وكان الباحث العراقي هشام الهاشمي، الذي قُتل برصاص عنصر من «الكتائب» في صيف 2020، قد صرح من قبل بأن العسكري هو النائب حسين مؤنس عن «حركة حقوق»، الجناح السياسي للكتائب في البرلمان العراقي.

لكن كثيرين نفوا الصلة بين العسكري ومؤنس، واستقرت سرديات تفاعلت طوال السنوات الماضية على أن العسكري رجل غامض يقوم بأدوار عملياتية بالغة الحساسية، بينما كان يعرف نفسه في المنصة الرقمية بـ«المسؤول الأمني في كتائب حزب الله في العراق».

ومع إعلان «الكتائب» مقتل العسكري، ظهرت تسريبات مختلفة عن هوية الرجل. قيل أولاً إنه أحد القتلى في الهجوم على منزل الكرادة، أبو علي العامري، الذي كان يشغل منصب المستشار الخاص ومعاون زعيم الكتائب.

قبل أن تروج منصات مقربة من الفصائل المسلحة أن العسكري أحد أشقاء أبو حسين الحميداوي، فيما ذهبت تقديرات إلى أن «الكتائب» اختلقت قصة مقتله للتغطية على اغتيال عدد من قادة الفصائل من جراء هجمات دقيقة استهدفت مواقع مختلفة في بغداد منذ اندلاع الحرب على إيران.

في النهاية، سيبدو «أبو علي العسكري» مجموعة من الأشخاص، وأن تعدد الهويات كان جزءاً من استراتيجية إعلامية اتبعتها «الكتائب» في محاكاة لأسلوب «الحرس الثوري» في إنتاج التخويف عبر الغموض، ما يرجح أيضاً أن نبأ مقتله جزء من التورية عن حدث داخلي مهم، إذ يمكن التكتم على مقتل «حساب وهمي».

وترجح مصادر موثوقة أن الشخص أو مجموعة الأشخاص الذين عملوا في حساب «أبو علي العسكري» هم، على الأرجح، مسؤول أمني في «الكتائب»، وعضو مجلس الشورى، ومستشار عسكري حظي بتدريب عالٍ من «الحرس الثوري» لتمكينه من صياغة المقاربات الميدانية والسياسية. وفي جميع الأحوال فإن العسكري واحد من أهم الاستثمارات السياسية لـ«الحرس الثوري» في بغداد.

استعراض لـ«كتائب حزب الله» في بغداد (أرشيفية - متداولة)

وحدة القياس الإيرانية

في نهاية المطاف، لن يكون «أبو علي العسكري» حتى اسماً وهمياً يختفي خلفه أشخاص، بل هو عنوان وظيفي لإحدى أخطر المهام الاستراتيجية لإيران في العراق، وبالنظر إلى تأثيره، سيبدو الأداة الفعالة التي كانت تتكفل بتوجيه العملية السياسية كي ترسو دائماً عند المقاربة الإيرانية في العراق.

قبل إعلان مقتله بأيام، كان العسكري قد كتب في تدوينة عبر حسابه أن «تعيين رئيس الحكومة المقبلة لن يتم دون بصمة إبهام المقاومة الإسلامية». وبينما كان «الإطار التنسيقي» عاجزاً عن الخروج من مأزق ترشيح نوري المالكي المرفوض، يُنظر إلى موقف العسكري الحاد كضابط إيقاع للسلوك السياسي الشيعي في البلاد، بل وحدة قياس للرؤية الإيرانية التي لا يمكن تجاوزها، بما في ذلك تكليف شخصية تباركها طهران أولاً لتشكيل الحكومة.

وكان العسكري وحدة قياس الهجوم على حكومة مصطفى الكاظمي، ومن ثم تخفيف اللهجة مع حكومة محمد شياع السوداني التي ولدت بعد اشتباكات عنيفة بين أنصار الصدر وقوات أمنية في المنطقة الخضراء. كان قد بارك تشكيل الحكومة الحالية في وقت مبكر.

وخلال السنوات الماضية، انشغل العسكري في التعليق على كل قرار أو موقف داخلي. وكان معارضاً لمد أنبوب النفط العراقي الأردني.

وبقوة التأثير ذاتها، كان العسكري قد أنشأ مساراً لإجهاض حكومة الأغلبية التي أراد مقتدى الصدر تشكيلها بعد انتخابات 2021، ووصف المشروع بأنه «إقصائي لسلاح الفصائل، متضامن مع الرؤية الأميركية».

وبالعودة إلى عام 2019، كانت عمليات قتل صريحة نفذت ضد متظاهرين طالبوا بالتخلص من النفوذ الإيراني في البلاد، نسبت إلى طرف ثالث، بينما كان العسكري يصفهم بالمندسين الذين ينفذون أجندات خارجية مشبوهة. في لهجة طالما وصفت بأنها «تنكيل» بمئات من الشبان المحتجين.

بهذا المعنى، قد لا يكون مهماً التعرف على الهوية الحقيقية للعسكري، أياً كان اسمه، بل اكتشاف مساحة التأثير التي تمكنت «الكتائب» من تكريسها خلال السنوات الماضية.

وحدة قياس «أبو علي العسكري» كانت تشمل أيضاً وضع قواعد اشتباك ورسم حدود الأوزان السياسية للاعبين المحليين من السنة والكرد، والتلويح بالعصا تجاه المقاربات العراقية مع الخارج، بما في ذلك العلاقة مع المحيط العربي والخليجي والدولي. كان العسكري حذر في مرحلة ما من «إعادة دمج سوريا وتأهيل قيادتها الجديدة ضمن المجتمع الدولي».

سفير الظل الإيراني

في أعقاب استفتاء حق تقرير المصير في إقليم كردستان عام 2017، عبّر العسكري عن موقف متشدد من مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي، ومنح ضوءاً أخضر غير رسمي لسلوك عقابي تجاه الكرد. وعدّ الفكرة «مشروع تقسيم تدعمه أميركا وإسرائيل».

وبالنسبة للعسكري، فإن وصول محمد الحلبوسي إلى رئاسة البرلمان عام 2018 كان نتاجاً لتوازنات غير وطنية، في تسوية مدعومة من الخارج. وكان واضحاً أن زعيم حزب «تقدم» السني دفع ثمن الرؤية الفصائلية التي كانت تفيد، وفق العسكري، بـ«تقاطع الحلبوسي مع مشروع خارجي مشبوه».

في يناير (كانون الثاني) 2020، كتب العسكري، بعد مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، أن «القوات الأميركية في العراق أصبحت أهدافاً مشروعة». بعد خمس سنوات، تبدو جميع هذه المواقف في ذروة حرب مفتوحة على مسرح العراق كأنها صدرت عن «سفارة ظل» لإيران، تعيد صياغة المواقف الحادة التي يُؤخذ بها حرفياً، من دون أن ينطق بها سفراء رسميون.


مقالات ذات صلة

ماذا نعرف عن مهام بحرية «الحرس الثوري»؟

شؤون إقليمية زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات بحرية (تسنيم)

ماذا نعرف عن مهام بحرية «الحرس الثوري»؟

تعمل بحرية «الحرس الثوري» باعتبارها جهازاً موازياً للجيش النظامي الإيراني، لكنها تؤدي وظيفة مختلفة عن البحرية التقليدية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية طائرة حربية إسرائيلية في طريقها للمشاركة بالعمليات العسكرية ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)

إسرائيل تبلغ واشنطن استعدادها للانضمام إلى حرب ضد إيران فوراً

أعلن ناطق عسكري في تل أبيب، الأربعاء، أن الجيش الإسرائيلي يقف على أهبة الاستعداد للانضمام إلى الحرب إلى جانب الجيش الأميركي ضد إيران فور تلقيه أوامر من الحكومة.

نظير مجلي ( تل أبيب)
المشرق العربي لقطة مأخوذة من فيديو لإسماعيل قاآني (الأول من اليمين) يعتقد أنها في «مطار النجف» بالعراق (شفق نيوز)

هل يؤثر ظهور قاآني «الخاطف» على زيارة الزيدي واشنطن؟

ظهر قائد «قوة القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، بشكل خاطف خلال تشييع المرشد علي خامنئي في مدينة النجف بالعراق... فما الذي يعنيه هذا سياسياً؟

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية لقطة من فيديو متداول تظهر انفجارات في بندر عباس (وسائل التواصل الاجتماعي) p-circle

ترمب يلوّح بضربات جديدة على إيران ويعلن نهاية التفاهم

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء إن مذكرة التفاهم المؤقتة مع إيران «انتهت» ملوحاً بضربات جديدة بعد ساعات من غارات أميركية استهدفت أكثر من 80 موقعاً.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يعقدان اجتماعاً ثنائياً على هامش قمة قادة الحلف بالمجمع الرئاسي في أنقرة الأربعاء (رويترز)

أوروبا تدين هجمات إيران و«ناتو» يدعم الرد الأميركي

قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إن الهجمات الجديدة تزيد تعقيد المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب في حين أيَّد أمين عام «ناتو» الضربات الأميركية

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب: الضربات الأميركية ستشتد إذا لم توقف إيران هجماتها

ترمب أثناء تغيير طائرته في قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني خلال عودته إلى واشنطن بعد مشاركته في قمة قادة حلف شمال الأطلسي في تركيا (رويترز)
ترمب أثناء تغيير طائرته في قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني خلال عودته إلى واشنطن بعد مشاركته في قمة قادة حلف شمال الأطلسي في تركيا (رويترز)
TT

ترمب: الضربات الأميركية ستشتد إذا لم توقف إيران هجماتها

ترمب أثناء تغيير طائرته في قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني خلال عودته إلى واشنطن بعد مشاركته في قمة قادة حلف شمال الأطلسي في تركيا (رويترز)
ترمب أثناء تغيير طائرته في قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني خلال عودته إلى واشنطن بعد مشاركته في قمة قادة حلف شمال الأطلسي في تركيا (رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن ضربات الولايات المتحدة لإيران ستزداد بشكل كبير إذا استمرت طهران في مهاجمة السفن في مضيق هرمز.

وكتب الرئيس الأميركي على وسائل التواصل الاجتماعي فوق صورة نشرها تظهر ما يبدو أنه قصف لموقع في إيران «هذا انتقام من الضربات التي شنّتها إيران ضد سفن يوم أمس. إذا تكرر ذلك، سيصبح الأمر أسوأ بكثير!».

وسُمع دوي انفجارات في مواقع عدة على طول الساحل الإيراني مع شن الولايات المتحدة ضربات جديدة على إيران ليل الأربعاء، وفق ما أفادت وكالة «إرنا» الرسمية للأنباء.

وأفادت «إرنا» بسماع هدير طائرات حربية فوق جزيرة كيش، كما هزت انفجارات مدن بندر عباس وكنارك وتشادبار الساحلية، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن أجزاء منها.


الجيش الأميركي يعلن شن غارات جديدة على إيران

مقاتلة أميركية في أجواء الشرق الأوسط (سنتكوم)
مقاتلة أميركية في أجواء الشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

الجيش الأميركي يعلن شن غارات جديدة على إيران

مقاتلة أميركية في أجواء الشرق الأوسط (سنتكوم)
مقاتلة أميركية في أجواء الشرق الأوسط (سنتكوم)

أعلن الجيش الأميركي، الأربعاء، أنه «بدأ في شن ضربات إضافية» ضد إيران وذلك بهدف إضعاف قدرة طهران على تهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وقالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، في بيان، إن الولايات المتحدة «تُحمّل إيران مسؤولية الاعتداء الأخير غير المبرر على السفن التجارية والطواقم المدنية التي تبحر بحرية في ممر مائي دولي حيوي».

بدوره، نقل موقع «نور نيوز» الإيراني عن مصدر عسكري قوله إن الجيش الإيراني سيشن هجوماً «واسع النطاق» على قواعد الجيش الأميركي في المنطقة رداً على الضربات.

وذكرت وسائل إعلام إيرانية أنه سُمع دوي انفجار في بوشهر، لكن مصدر إيراني مُطلع أكد أن الهجوم الأميركي لم يتسبب في أي أضرار لمحطة الطاقة النووية.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في وقت سابق الأربعاء، إن مذكرة التفاهم المؤقتة مع إيران «انتهت»، ملوحاً بضربات جديدة بعد ساعات من غارات أميركية استهدفت أكثر من 80 موقعاً إيرانياً، في تصعيد هز وقف إطلاق النار ودفع المواجهة حول مضيق هرمز إلى مرحلة أشد خطورة، فيما حذرت طهران من أن أي إنزال لقوات معادية على سواحلها سيقودها إلى «جحيم لا مخرج منه».

وجاءت تصريحات ترمب بعد ساعات من إعلان القيادة المركزية الأميركية تنفيذ جولة واسعة من الضربات على أهداف إيرانية، رداً على هجمات استهدفت ثلاث ناقلات نفط وغاز في مضيق هرمز. وردت إيران باستهداف مواقع عسكرية أميركية في البحرين والكويت، فيما ألغت واشنطن ترخيصاً كان يسمح لطهران ببيع النفط في إطار الاتفاق المؤقت.

وقوضت الهجمات المتبادلة وقف إطلاق النار الهش، وأضعفت الآمال في تحويل مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو (حزيران) إلى اتفاق دائم لإنهاء حرب بدأت بضربات أميركية - إسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، قبل أن تمتد إلى مواجهة إقليمية حول مضيق هرمز وهجمات إيرانية على دول الجوار.


ماذا نعرف عن مهام بحرية «الحرس الثوري»؟

زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات بحرية (تسنيم)
زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات بحرية (تسنيم)
TT

ماذا نعرف عن مهام بحرية «الحرس الثوري»؟

زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات بحرية (تسنيم)
زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات بحرية (تسنيم)

تعمل بحرية «الحرس الثوري» باعتبارها جهازاً موازياً للجيش النظامي الإيراني، لكنها تؤدي وظيفة مختلفة عن البحرية التقليدية. فقد نشأت على عقيدة صُممت للمياه الضيقة والحساسة في الخليج العربي ومضيق هرمز، حيث تتداخل تجارة الطاقة مع الجزر والقواعد الأجنبية وخطوط الملاحة الدولية.

وفي هذه البيئة، تعتمد القوة على الانتشار القريب من الساحل، والزوارق السريعة، والصواريخ، ووحدات الاعتراض، أكثر من اعتمادها على نموذج الأساطيل الكبيرة المخصصة للانتشار الواسع في البحار.

رسمياً، تؤكد القيادة العسكرية الإيرانية عدم وجود «موازاة» في مهام الجيش و«الحرس الثوري»، وتقدم الأمر بوصفه توزيعاً للأدوار فرضته طبيعة التهديدات.

غير أن خريطة الانتشار تكشف عن جهازين بحريين داخل المنظومة العسكرية نفسها، إذ تتولى بحرية الجيش بحر عمان وبحر قزوين والمهام البعيدة، فيما تتمركز بحرية «الحرس الثوري» في الخليج العربي ومضيق هرمز، عند أكثر نقاط الاحتكاك حساسية مع الولايات المتحدة وحلفائها.

فرقاطة مشتعلة كما ظهرت في قاعدة كنارك البحرية بإيران على إثر غارات إسرائيلية أميركية 28 فبراير الماضي (رويترز)

نشأت هذه القوة رسمياً عام 1985، في خضم الحرب العراقية - الإيرانية، بعد سنوات من عمل وحدات بحرية صغيرة تابعة لـ«الحرس» في الأهوار والممرات النهرية والبيئات الساحلية. ومع نهاية الحرب، تطورت تدريجياً إلى ذراع بحرية مستقلة داخل «الحرس»، تقوم على القوارب السريعة، وصواريخ الساحل - بحر، ووحدات الكوماندوز، والدفاع الساحلي، مع دور أقل للسفن الكبيرة مقارنة بالبحريات التقليدية.

ومنذ عام 1999، تعزز موقع بحرية «الحرس الثوري» بعدما أُنيطت بها مسؤولية تأمين المياه الإيرانية في الخليج العربي ومضيق هرمز، ضمن نطاق يمتد على نحو 1200 كيلومتر من الحدود البحرية. ونقل هذا التكليف القوة التي نشأت في خضم الحرب إلى جهاز يتولى واحدة من أكثر الأوراق البحرية حساسية في يد إيران، وهي الممر الذي يعبر منه جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية.

خمس مناطق بحرية

قسّم «الحرس الثوري» نطاق عمله في الخليج العربي إلى خمس مناطق عملياتية. وتتمركز المنطقة الأولى في بندر عباس، وتُعرف باسم «صاحب الزمان»، وهي أقرب مناطقه البحرية إلى مضيق هرمز. وتتركز مهمتها على العمليات الدفاعية والهجومية داخل نطاق المضيق.

وتتمركز المنطقة الثانية في بوشهر، وتُعرف باسم «نوح النبي». وتتركز مهمتها الأساسية على حماية جزيرة خرج وضمان استمرار صادرات النفط الإيرانية.

أما المنطقة الثالثة فتتمركز في ميناء معشور، وتغطي شمال الخليج العربي، من معشور إلى شط العرب، أي المياه الساحلية لمحافظة الأحواز ذات الغالبية السكانية العربية. وتعد قاعدة «أروندكنار» في مدينة القصبة، المحاذية للفاو العراقي، من أبرز القواعد التابعة لها.

وتقع المنطقة الرابعة في عسلوية، وتغطي الشريط الممتد من جزيرة كيش إلى رأس مطاف، بطول يقارب 350 كيلومتراً. وتستمد أهميتها من قربها من حقل «بارس» الجنوبي للغاز، أحد أعمدة الاقتصاد الإيراني، والمشترك جيولوجياً مع حقل الشمال القطري.

أفراد مشاة بحرية «الحرس الثوري» يقتحمون سفينة كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)

أما المنطقة الخامسة، ومقرها بندر لنجة، فقد أُنشئت عام 2012 بعد فصل جزء من نطاق المنطقة الأولى. وتغطي جزر أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى، إضافة إلى جزيرة سيري، ويمتد نطاقها من نهاية جزيرة قشم إلى غرب جزيرة كيش. وكان الهدف من هذا التقسيم تركيز مهام المنطقة الأولى على مضيق هرمز، وأفراد نطاق مستقل للجزر.

في كل منطقة من هذه المناطق، تنتشر مع القوارب السريعة وحدات صاروخية ساحل - بحر، ومجموعات دفاع جوي مستقلة، ووحدات خاصة، وقوات كوماندوز ومشاة بحرية. وتعكس هذه البنية عقيدة بحرية قائمة على حرب غير متكافئة وكثيفة وقريبة من الساحل، تستهدف إرباك خصم أكبر حجماً.

وتشكل الزوارق السريعة العمود الفقري لهذه العقيدة، إذ تستخدم في الاعتراض والمناورة والاقتراب من السفن وعمليات الكر والفر. وتظهر هذه الزوارق ضمن نظام تهديد متعدد الطبقات يضم الصواريخ الساحلية، والمسيّرات، والألغام، والتشويش الإلكتروني.

وطورت بحرية «الحرس الثوري» أيضاً منصات أكبر، فضلاً عن قدرات مروحية ومسيّرة ومنظومات دفاع جوي محمولة بحراً، مثل «سوم خرداد» و«طبس». وتقدم طهران هذه المنصات بوصفها خطوة نحو توسيع حضور بحرية «الحرس» خارج المياه القريبة.

قارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز جنوب البلاد ديسمبر الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)

ضربة في مركز الثقل

وتعرضت البحرية الإيرانية لضربة واسعة خلال الحرب الأخيرة، طالت السفن والقواعد والمنشآت المرتبطة بالإنتاج العسكري البحري. وقالت القيادة المركزية الأميركية إن حملتها ألحقت أضراراً أو دمرت أكثر من ثلثي منشآت إنتاج الصواريخ والمسيّرات والقدرات البحرية وأحواض السفن، في مؤشر إلى أن المواجهة تستهدف البنية التي اعتمدت عليها طهران لتهديد الملاحة.

وبحسب القيادة المركزية الأميركية، دُمرت 92 في المائة من أكبر سفن البحرية الإيرانية. وجاءت الخسائر المادية مع ضربة قيادية داخل بحرية «الحرس الثوري»، بعد مقتل قائدها علي رضا تنغسيري خلال الحرب. وكان تنغسيري من أبرز الوجوه المرتبطة بعقيدة الضغط البحري في «الحرس».

لافتة دعائية على مبنى في طهران تجسد إغلاق مضيق هرمز وتتوسطها صورة علي رضا تنغسيري قائد بحرية «الحرس الثوري» الذي قتل في القصف الأميركي - الإسرائيلي وإلى جانبه رئيسعلي دلواري شخصية إيرانية قاتلت القوات البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى (رويترز)

وبعد نحو أربعة أشهر من مقتله، أعلنت طهران رسمياً تعيين علي عظمائي قائداً جديداً لبحرية «الحرس الثوري». وجاء التغيير في لحظة تراجعت فيها صورة الردع البحري الإيراني تحت وطأة الخسائر، ما يجعل مهمة القيادة الجديدة مرتبطة بإعادة ترتيب الوحدات المتضررة، وترميم شبكة القواعد والمنصات، واستعادة الثقة في الساحة التي تعدها طهران إحدى أهم أوراقها في مواجهة الولايات المتحدة.