«أغنية» حوت عمرها 75 عاماً تكشف عن أسرار أصوات المحيطات

تتيح للعلماء فهماً أعمق لكيفية تواصل الحيتان في محيط كان أكثر هدوءاً من اليوم

صوت الحوت الأحدب ينساب في العتمة الزرقاء (أ.ف.ب)
صوت الحوت الأحدب ينساب في العتمة الزرقاء (أ.ف.ب)
TT

«أغنية» حوت عمرها 75 عاماً تكشف عن أسرار أصوات المحيطات

صوت الحوت الأحدب ينساب في العتمة الزرقاء (أ.ف.ب)
صوت الحوت الأحدب ينساب في العتمة الزرقاء (أ.ف.ب)

تسجيل لحوت أحدب يعود لعام 1949 قد يُقدّم فهماً جديداً لكيفية تواصل هذه الحيوانات الضخمة.

ووفق باحثين، فإنّ «أغنية» حوت شجية عُثر عليها في معدات صوتية يعود عمرها لعقود مضت، قد تفتح آفاقاً جديدة لفهم كيفية تواصل هذه الحيوانات العملاقة، مؤكدين أنه أقدم تسجيل من نوعه عُرف حتى الآن.

وذكرت «الغارديان» أنّ الأغنية تعود إلى حوت أحدب، وهو عملاق بحريّ يحظى بمحبّة مراقبي الحيتان لطبيعته الوديعة وقفزاته المذهلة فوق سطح الماء. وأكد الباحثون في معهد «وودز هول» لعلوم المحيطات في فالموث بولاية ماساتشوستس، أنّ العلماء سجّلوا هذا الصوت في مارس (آذار) من عام 1949 في منطقة برمودا.

وأشار عالم الصوتيات الحيوية البحريّة والباحث الفخري في معهد «وودز هول»، بيتر تياك، إلى أنّ صوت المحيط من حول الحوت لا يقلّ أهمية عن غناء الحوت نفسه. وأوضح أنّ المحيط في أواخر الأربعينات كان أكثر هدوءاً بكثير مما هو عليه اليوم، ممّا وفر خلفية صوتية تختلف تماماً عما اعتاد العلماء سماعه في أغنيات الحيتان المعاصرة.

وقال تياك: «لا تسمح لنا التسجيلات المُستعادة بتتبُّع أصوات الحيتان فحسب، وإنما تُخبرنا أيضاً كيف كان يبدو المشهد الصوتي للمحيطات في أواخر الأربعينات، وهو أمر يصعب إعادة بنائه بأيّ وسيلة أخرى».

وأضاف أنّ وجود تسجيل محفوظ من الأربعينات يمكن أن يساعد العلماء أيضاً على فهم أفضل لكيفية تأثير الأصوات الجديدة من صنع الإنسان، مثل زيادة ضجيج الشحن البحريّ، على الطريقة التي تتواصل بها الحيتان. وتؤكد البحوث التي نشرتها الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوّي أنّ الحيتان يمكن أن تُغير سلوك النداء الخاص بها اعتماداً على الضوضاء الموجودة في بيئتها.

ويسبق هذا التسجيل اكتشاف العالم روجر باين غناء الحيتان بنحو 20 عاماً. وقالت مديرة بيانات البحوث وخدمات المكتبة في معهد «وودز هول»، أشلي جيستر، إنّ علماء المعهد كانوا على سفينة بحوث في ذلك الوقت يختبرون أنظمة «السونار»، ويجرون تجارب صوتية بالتعاون مع مكتب البحوث البحرية الأميركي عندما التقطوا هذا الصوت.

وذكرت جيستر أنّ العلماء في ذلك الوقت لم يكونوا يدركون ماهية الأصوات التي يسمعونها، لكنهم قرّروا تسجيلها وحفظها على أيّ حال.

وقالت جيستر: «لقد تملّكهم الفضول، لذا تركوا أجهزة التسجيل تعمل، بل خصّصوا وقتاً لإجراء تسجيلات تعمّدوا فيها عدم إصدار أيّ ضجيج من سفنهم، وذلك فقط لسماع أكبر قدر ممكن مما يدور في الأعماق. وقد احتفظوا بهذه التسجيلات».

واكتشف علماء معهد «وودز هول» هذه الأغنية العام الماضي خلال عملية رقمية للأرشيف الصوتي القديم. كان التسجيل محفوظاً على قرص بحالة جيدة صنعته آلة «غراي أودوغراف»، وهي نوع من أجهزة التسجيل الصوتي التي شاع استخدامها في الأربعينات، وقد نجحت جيستر في تحديد مكان هذا القرص.

وأوضحت أنه رغم أنّ معدّات التسجيل تحت الماء المُستخدمة، آنذاك، تُعدّ بدائية بمعايير اليوم، فإنها كانت تمثّل ذروة التكنولوجيا في عصرها. وأضافت أنّ تسجيل الصوت على قرص بلاستيكي يُعدّ أمراً بالغ الأهمية؛ لأنّ أغلب تسجيلات تلك الحقبة كان يجري على أشرطة مغناطيسية تدهورت حالتها بمرور الزمن.

وتُعد قدرة الحيتان على إصدار الأصوات أمراً حيوياً لبقائها على قيد الحياة، وركيزة أساسية في تفاعلها الاجتماعي وتواصلها. ووفق علماء الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوّي، تأتي هذه الأصوات في شكل نقرات وصفارات ونداءات.

ويشير العلماء إلى أنّ هذه الأصوات تسمح للحيتان أيضاً بالعثور على الطعام، والانتقال، وتحديد مواقع بعضها بعضاً، وفهم مجالها في المحيط الشاسع. وتُصدر أنواع عدّة أصواتاً تكرارية تُشبه الأغنيات، وتُعد الحيتان الحدباء، التي قد يتجاوز وزنها 25 ألف كيلوغرام، أشهر مغنية في المحيطات، وهي قادرة على إصدار أصوات معقَّدة قد تبدو أثيرية أو حتى حزينة.

وقال الباحث في مركز «أندرسون كابوت» لحياة المحيطات في حوض أسماك نيو إنغلاند، هانسن جونسون، إنّ اكتشاف أغنية حوت مفقودة منذ زمن طويل من محيط كان أكثر هدوءاً، قد يمثّل نقطة انطلاق لفهم أفضل للأصوات التي تُصدرها هذه الحيوانات اليوم.

وأضاف جونسون الذي لم يشارك في البحث: «كما تعلمون، الاستماع إليها أمر جميل جداً، وقد ألهم كثيراً من الناس للتساؤل عن المحيط والاهتمام بحياته البحريّة بشكل عام. إنه أمر استثنائي حقاً».


مقالات ذات صلة

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

يوميات الشرق البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق تحت الماء أيضاً توجد قصص نجاة (أ.ف.ب)

الشعاب المرجانية ترفض الاستسلام لتغيُّر المناخ

في المياه الشفافة قبالة ساحل كينيا، تزدهر الشعاب المرجانية، وهو ما يُعدّ دلالة على قصة جيدة نادرة في معركة حماية المحيطات من الآثار المُدمِّرة للتغيُّر المناخي.

«الشرق الأوسط» (مومباسا (كينيا))
يوميات الشرق تعود إلى الشاطئ الذي تحفظه الذاكرة (شاترستوك)

60 ألف سلحفاة تُحوّل شواطئ عُمان إلى حَضانة طبيعية عملاقة

وضعت آلاف السلاحف الخضراء بيضها على امتداد شواطئ جنوب الشرقية في سلطنة عمان...

«الشرق الأوسط» (مسقط )
يوميات الشرق كلما ظنَّ الإنسان أنه رأى كلَّ شيء... فاجأه البحر (جامعة أستراليا الغربية لبحوث أعماق البحار)

«أبشع سمكة قرش على وجه الأرض» تظهر حيّةً في أعماق المحيط

وثَّق علماء ظهوراً نادراً لأسماك «قرش العفريت» في بيئتها الطبيعية بأعماق المحيط، في أول مشاهدة مباشرة لهذا النوع الغامض وهو حيّ في موطنه الأصلي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق للمحيطات أرشيفها الخاص (رويترز)

اكتشاف مقبرة حيتان عمرها 5 ملايين عام

اكتشف فريق دولي من الباحثين مقبرة هائلة للحيتان تمتدّ لنحو 1200 كيلومتر في جنوب شرقي المحيط الهندي...

«الشرق الأوسط» (لندن)

«جنون التكييف» في باريس... طوابير ومشادات والشرطة تتدخل

يأتي الإقبال المتزايد على أجهزة التكييف رغم النظرة التقليدية السائدة في فرنسا بأن استخدام أجهزة التكييف يضر بالبيئة (أ.ف.ب)
يأتي الإقبال المتزايد على أجهزة التكييف رغم النظرة التقليدية السائدة في فرنسا بأن استخدام أجهزة التكييف يضر بالبيئة (أ.ف.ب)
TT

«جنون التكييف» في باريس... طوابير ومشادات والشرطة تتدخل

يأتي الإقبال المتزايد على أجهزة التكييف رغم النظرة التقليدية السائدة في فرنسا بأن استخدام أجهزة التكييف يضر بالبيئة (أ.ف.ب)
يأتي الإقبال المتزايد على أجهزة التكييف رغم النظرة التقليدية السائدة في فرنسا بأن استخدام أجهزة التكييف يضر بالبيئة (أ.ف.ب)

شهدت متاجر كبرى في باريس وضواحيها، مشاهد ازدحام وتدافع، مع توافد مئات الأشخاص لشراء أجهزة تكييف منخفضة السعر؛ استعداداً لموجة حر جديدة يُتوقع أن تضرب العاصمة الفرنسية خلال الأيام المقبلة، وفق تقرير نشرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

واصطف مئات الزبائن أمام متاجر سلسلة «ليدل» (Lidl)، التي طرحت أجهزة تكييف بسعر يبدأ من 179 يورو، في حين تتجاوز أسعار الأجهزة المماثلة في الأسواق الفرنسية عادة 1200 يورو؛ ما دفع الشرطة إلى التدخل في عدد من الفروع لتنظيم الحشود.

انتظار لساعات... وأجهزة لا تكفي الجميع

قال موسى تراوري، الذي انتظر أكثر من ساعة مع نحو 200 شخص أمام أحد متاجر «ليدل»، إنه أُبلغ بأن المتجر يملك جهازين فقط للبيع.

وأضاف مازحاً: «ثم حضرت الشرطة، وأُبلغنا بأنه لم يعد هناك أي جهاز... أعتقد أن رجال الشرطة أخذوهما».

أما لاسانا، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه الكامل، فقال إنه تمكن من شراء أحد الجهازين بعد أن انتظر سبع ساعات منذ الرابعة فجراً أمام أحد المتاجر في شمال باريس، وهي منطقة تضم مباني مرتفعة تفتقر إلى العزل الحراري وتعاني بشدة خلال فصل الصيف.

موجة حر جديدة بعد درجات حرارة قياسية

وتتوقع هيئات الأرصاد الجوية الفرنسية عودة الطقس الحار خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعد موجة حر قياسية شهدها أواخر يونيو (حزيران)، تسببت في وفيات إضافية، وضغط على المستشفيات، وإغلاق عدد من المدارس.

اتهامات لـ«ليدل» بالإعلان المضلل

لكن الحظ لم يحالف فاطو، وهي جدة تبلغ من العمر 69 عاماً؛ إذ انتظرت ست ساعات في الطابور، وأدت صلاة الصباح أثناء الانتظار، لكنها غادرت ومعها مروحة فقط، رغم أنها كانت الثالثة في الصف.

وتفتقر غالبية المنازل والمدارس في فرنسا إلى أجهزة التكييف.

وأظهرت دراسة حديثة أن منزلاً من كل منزلين في البلاد «غير مجهز بشكل كافٍ» لمواجهة درجات الحرارة المرتفعة؛ ما يحول كثيراً من المساكن إلى ما يشبه «الأفران الحرارية» خلال موجات الحر المتكررة، التي يربطها العلماء بتغير المناخ الناتج من الأنشطة البشرية.

وأعرب كثير من المنتظرين أمام متجر في الدائرة التاسعة عشرة بباريس عن غضبهم من طريقة إدارة عملية البيع.

واتهمت فاطو وعدد من الزبائن سلسلة «ليدل» بـ«الإعلان المضلل»، عادّين أنها روجت لعرض تعرف مسبقاً أنه لن يلبي الطلب الكبير على أجهزة التكييف.

ورغم أن الأجواء بقيت في معظمها هادئة، فقد اندلعت مشادات بين بعض الأشخاص بعد محاولات لتجاوز الطوابير.

وقال مدير أحد الفروع للزبائن الغاضبين: «لن أفتح المتجر ما لم تغادروا»، في حين أكد أحد الموظفين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن المتجر تسلم جهازين فقط، من دون أن يوضح ما إذا كانا قد بِيعا بالفعل.

الازدحام يمتد إلى ضواحي باريس

وامتدت الفوضى إلى متجر آخر في مدينة سيفران شمال باريس، حيث تسببت السيارات المصطفة أمام المتجر في شل حركة المرور وسط المدينة.

وتكرر المشهد نفسه في ضاحية ليفري-غارغان المجاورة. وقالت إحدى السكان، وتدعى لولو: «استسلمت... الأمر جنوني».

وأضافت: «تركت سيارتي في شارع بعيد وحاولت الوصول سيراً على الأقدام، لكن موقف السيارات كان ممتلئاً والطابور هائلاً... الأمر مستحيل».

تغير في المواقف تجاه أجهزة التكييف

ويأتي الإقبال المتزايد على أجهزة التكييف رغم النظرة التقليدية السائدة في فرنسا، حيث يرى ثمانية من كل عشرة أشخاص أن استخدام أجهزة التكييف يضر بالبيئة، وفقاً لاستطلاع للرأي.

لكن يبدو أن هذه المواقف بدأت تتغير مع ارتفاع درجات الحرارة؛ إذ تشهد أجهزة التبريد طلباً غير مسبوق.

وفي ذروة موجة الحر في 22 يونيو (حزيران)، أعلنت سلسلة «كارفور» أنها باعت 30 ألف جهاز تكييف بحلول الساعة السادسة والنصف مساءً، وهو رقم وصفه رئيسها التنفيذي ألكسندر بومبار بأنه يزيد ألف مرة على حجم المبيعات المعتاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر الفرنسية المجهزة بأجهزة تكييف من 18 في المائة عام 2023 إلى 24 في المائة عام 2025، وفق بيانات وكالة البيئة الفرنسية (Ademe).


ابتكار يمنح بطاريات السيارات المُستهلكة حياة جديدة

الابتكار يرى قيمةً حيث يرى الآخرون نفايات (جامعة كاليفورنيا في سان دييغو)
الابتكار يرى قيمةً حيث يرى الآخرون نفايات (جامعة كاليفورنيا في سان دييغو)
TT

ابتكار يمنح بطاريات السيارات المُستهلكة حياة جديدة

الابتكار يرى قيمةً حيث يرى الآخرون نفايات (جامعة كاليفورنيا في سان دييغو)
الابتكار يرى قيمةً حيث يرى الآخرون نفايات (جامعة كاليفورنيا في سان دييغو)

طوَّر باحثون في جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة تقنية جديدة وصديقة للبيئة لإعادة تدوير بطاريات السيارات الكهربائية المستهلكة.

وأوضحوا أنّ التقنية لا تقتصر على استعادة مكوّناتها، بل تحوّلها إلى مادة أكثر كفاءة يمكن استخدامها في إنتاج بطاريات ذات أداء أعلى وسعة تخزين أكبر. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «جول».

وتمثّل بطاريات السيارات الكهربائية المستهلكة تحدّياً بيئياً متزايداً مع التوسُّع السريع في استخدام المركبات الكهربائية حول العالم؛ إذ يؤدّي انتهاء عمرها التشغيلي إلى تراكم كميات كبيرة من النفايات التي تتطلّب حلولاً فعالة ومستدامة لإعادة التدوير.

وأوضح الباحثون أنّ التقنية الجديدة تحول مادة الكاثود (القطب الموجب)، المستخرجة من بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم المنتهية الصلاحية، إلى مادة وسيطة تُعرف باسم فوسفات الليثيوم والمنغنيز والحديد، التي تتميّز بكثافة طاقة أعلى، ممّا يتيح تخزين كمية أكبر من الطاقة، مع الحفاظ على مستويات الأمان والمتانة التي تشتهر بها بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم.

وعلى خلاف أساليب إعادة التدوير التقليدية، التي تعتمد على تفكيك الكاثود إلى مواد خام ثم إعادة تصنيعه بالكامل، تتيح التقنية الجديدة ترقية مادة الكاثود المستهلكة مباشرة، ممّا يجعل العملية أكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للموارد، وفق الباحثين.

وتعتمد معظم تقنيات إعادة تدوير البطاريات الحالية على درجات حرارة مرتفعة أو مواد كيميائية قاسية لاستخلاص المواد الخام، وهي عمليات تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، وتُخلّف انبعاثات ومخلفات بيئية. لكن الباحثين يؤكدون أنّ النهج الجديد يُقلّل استهلاك الطاقة، ويحدّ من الانبعاثات والمخلفات، مع إنتاج مادة ذات قيمة مضافة وأداء أفضل.

وتبدأ العملية بتفكيك حزمة البطارية واستخراج البنية الداخلية الملفوفة، ثم تقطيعها إلى شرائح ونقعها في الماء. ويساعد التحريك الميكانيكي على فصل طبقة الكاثود عن رقائق الألمنيوم التي يمكن إعادة تدويرها بصورة مستقلّة.

بعد ذلك، تُزال المياه من المادة المتبقية، وهي خليط يحتوي على الكاثود المستهلك، ثم تُجفف وتُطحن للحصول على مسحوق أسود يُستخدم أساساً في عملية التحويل إلى المادة الجديدة.

وفي المرحلة التالية، يضيف الباحثون أملاحاً تحتوي على الليثيوم والمنغنيز والفوسفات، لكنها لا تمتزج مباشرة مع مادة الكاثود بسبب اختلاف تركيبهما البلوري.

وللتغلُّب على هذه المشكلة، ابتكر الفريق مادة فوسفات الليثيوم والمنغنيز التي تمتلك بنية بلورية متوافقة مع المادة الأصلية، ممّا يسمح بامتزاج المكوّنات بصورة متجانسة.

ويُطحن الخليط للحصول على جسيمات دقيقة ومتجانسة، ثم يُسخّن داخل فرن، حيث تتفاعل الأملاح لتكوين المادة الوسيطة أولاً، قبل أن تنتشر ذرات المنغنيز تدريجياً داخل البنية البلورية لتحلَّ محل جزء من ذرات الحديد، لينتج في النهاية مركب فوسفات الليثيوم والمنغنيز والحديد، الأعلى في كثافة الطاقة.

وخلال عملية التسخين، تتكوّن أيضاً طبقة رقيقة من الكربون حول جسيمات المادة الجديدة، ممّا يحسّن التوصيل الكهربائي ويحميها من التدهور خلال دورات الشحن والتفريغ، وهو ما يعزّز أداء البطارية ويُطيل عمرها التشغيلي.

وأظهرت الاختبارات أنّ المادة الجديدة قادرة على تخزين طاقة أكبر مقارنة ببطاريات فوسفات الحديد والليثيوم التقليدية، مع الحفاظ على مستوى الأمان المرتفع والعمر التشغيلي الطويل اللذَيْن تتميّز بهما هذه البطاريات.

كما أثبت الباحثون نجاح التقنية على بطاريات مستهلكة من شركات تصنيع مختلفة، وتمكّنوا من توسيع نطاق العملية لإنتاج كميات تصل إلى مستوى الكيلوغرامات.


أول رحلة لفكّ أسرار آخر سفينتَيْن في تاريخ الاستكشاف القطبي

هناك في القاع لا يزال الزمن راسياً (غيتي)
هناك في القاع لا يزال الزمن راسياً (غيتي)
TT

أول رحلة لفكّ أسرار آخر سفينتَيْن في تاريخ الاستكشاف القطبي

هناك في القاع لا يزال الزمن راسياً (غيتي)
هناك في القاع لا يزال الزمن راسياً (غيتي)

تنطلق خلال الشهر الحالي بعثة وُصفت بأنها «تُتاح مرة كلّ جيل» لإجراء مسح شامل لآخر سفينتين استخدمهما رائدا الاستكشاف القطبي، السير إرنست شاكلتون والكابتن روبرت فالكون سكوت.

تُعد السفينتان «كويست» و«تيرا نوفا» آخر ما تبقّى من إرث شاكلتون وسكوت، اللذين تنافسا على بلوغ القطب الجنوبي في مطلع القرن العشرين، قبل أن يلقى كلّ منهما حتفه خلال إحدى بعثاته الاستكشافية، وفق «الإندبندنت».

وستتولّى مؤسّسة «وودز هول» لعلوم المحيطات، بالتعاون مع الجمعية الجغرافية الملكية الكندية، تنفيذ أول مسح بصري شامل لحطامي السفينتين الغارقتين، بهدف إنتاج نسختين رقميتين مطابقـتين لهما.

وستنطلق البعثة على سفينة البحوث «أتلانتس»، مستخدمةً مزيجاً من كاميرات فيديو عالية الدقة بدقة 5.2K، إلى جانب تقنية التصوير المجسَّم الكندية المتطوّرة «فوييس»، لرسم خرائط لحطام السفينتين وما تناثر حول هيكلهما.

وكانت «كويست» السفينة الخاصة بالمستكشف البريطاني المولود في آيرلندا إرنست شاكلتون، الذي توفي على متنها عام 1922.

وعُثر على حطام السفينة عام 2024 مستقراً على عارضتها في قاع البحر، تحت مياه شديدة البرودة على عمق 390 متراً (1280 قدماً)، قبالة سواحل لابرادور في كندا، وذلك بعد 62 عاماً من اختفائها.

وشكلت وفاة شاكلتون على متن السفينة عام 1922 نهاية ما يصفه المؤرّخون بـ«العصر البطولي» لاستكشاف القارة القطبية الجنوبية.

وقال قائد البعثة ورئيس الجمعية الجغرافية الملكية الكندية، جون غايغر: «كان اكتشاف كويست عام 2024 مجرّد البداية».

أما «تيرا نوفا»، آخر سفن سكوت، فقد اكتشفها معهد شميدت لعلوم المحيطات للمرة الأولى عام 2012. وكان سكوت وجميع أفراد بعثته قد لقوا حتفهم متجمّدين خلال رحلة العودة.

وغرقت السفينة قبالة سواحل غرينلاند عام 1943، قبل أن يُحدّد موقعها باستخدام أجهزة حديثة لقياس الأعماق بالموجات الصوتية.

ولم تخضع أيّ من السفينتين سابقاً لعمليات مسح باستخدام تقنية «فوييس»، التي ستنتج نموذجَيْن رقميَيْن مطابقَيْن للحطامَيْن.

وقال غايغر: «من خلال الجمع بين التقنيات الكندية والأميركية، والاستعانة بفريق دولي من الخبراء، سنوثق كويست وتيرا نوفا بتفاصيل غير مسبوقة، لننشئ سجلاً استثنائياً لحطامين تاريخيين، ونشارك هاتين القصتين المهمتين مع العالم».

وأضاف كبير العلماء المشاركين في قيادة البعثة، دوايت كولمان: «باستخدام أدوات التصوير المتقدّمة، والمركبات الآلية التي تُدار عن بُعد، والغواصة الشهيرة (ألفين)، سنتمكّن من مشاهدة وإعادة إنشاء حطامين يتمتّعان بأهمية تاريخية كبيرة، وإحياء قصتي اثنين من أعظم المستكشفين».

وتُعد المركبة المأهولة للغوص «ألفين» أول غواصة أعماق تُجري مسحاً لحطام السفينة الشهيرة «تيتانيك».

وقال خبير حطام السفن ديفيد ميرنز، الذي وصف البعثة بأنها فرصة «تُتاح مرة كلّ جيل»: «لقد ألهمت الشجاعة والقيادة اللتان تحلّى بهما هذان الرائدان في الاستكشاف القطبي أجيالاً من المستكشفين، ونأمل أن يسهم توثيق آخر سفينتين لهما في إلهام الجيل المقبل من المستكشفين حول العالم».