ردود متباينة على دعوة ترمب لتحالف دولي من أجل هرمز

دول رافضة وأخرى متحفظة على إشراك «الناتو»... والخوف من الألغام يدفع للبحث عن مخرج دبلوماسي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى البيت الأبيض مساء الأحد قادماً من فلوريدا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى البيت الأبيض مساء الأحد قادماً من فلوريدا (أ.ب)
TT

ردود متباينة على دعوة ترمب لتحالف دولي من أجل هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى البيت الأبيض مساء الأحد قادماً من فلوريدا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى البيت الأبيض مساء الأحد قادماً من فلوريدا (أ.ب)

واجهت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتشكيل تحالف دولي بحري يحمي الملاحة ويُرافق الناقلات العالقة خارج مضيق هرمز، ردود فعل متحفظة ورافضة، وتعقيدات قانونية وسياسية ولوجيستية تحول تنفيذها إلى مغامرة عالية الكلفة قد تُفاقم الأزمة بدلاً من حلها.

وطالب ترمب، عبر تصريحات له في الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» ومنشورات على منصة «تروث سوشيال»، سبع دول منها الصين، فرنسا، اليابان، كوريا الجنوبية، بريطانيا، بالانضمام إلى تحالف بحري يرافق الناقلات ويحمي الملاحة. وروج ترمب لهذا التحالف باعتباره خطوة لتصحيح «عدم العدالة»، قائلاً للصحافيين إن «أميركا لم تعد بحاجة لنفط هرمز كما كانت، فليحمِ الآخرون مصالحهم بأنفسهم». وهدد حلف «الناتو» بمواجهة مستقبل «سيئ للغاية» إذا لم يساهم حلفاء واشنطن في فتح مضيق هرمز.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث إلى الصحافيين في مقر الحكومة بلندن الاثنين (إ.ب.أ)

رفض وتحفظ

لكن هذه الدعوة، التي تهدف إلى تقاسم عبء تأمين واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، واجهت رفضاً صريحاً وتحفظات واسعة من عدد من الدول الحليفة، وسط مخاوف من مخاطر عسكرية واقتصادية قد تتجاوز بكثير حدود مهمة مرافقة السفن التجارية. فقد رفضت كل من اليابان وأستراليا وبريطانيا إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، مشيرة إلى تحديات قانونية ولوجيستية وأمنية.

وقالت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي (التي تزور البيت الأبيض يوم الخميس) إن بلادها تبحث ما يمكنها القيام به بشكل مستقل أو ضمن الإطار القانوني القائم.

أما في أوروبا، فقد عبرت دول عدة عن القلق من تداعيات إغلاق المضيق، لكنها أبدت تحفظاً شديداً من الانجرار إلى حرب مفتوحة وصدام مباشر مع إيران.

وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الاثنين، إن بلاده تعمل مع حلفائها لوضع خطة «قابلة للتنفيذ» لإعادة فتح مضيق هرمز، مشدداً على أنها لن تكون تحت مظلة حلف شمال الأطلسي. وأوضح ستارمر: «نعمل مع جميع حلفائنا، بمن فيهم شركاؤنا الأوروبيون، لوضع خطة جماعية قابلة للتنفيذ تُعيد حرية الملاحة في المنطقة بأسرع وقت ممكن وتُخفف من الآثار الاقتصادية». ولفت إلى أنه ناقش المسألة مع ترمب. وشدد على أن بريطانيا «تتخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن نفسها وعن حلفائها، لكنها لن تنجر إلى الحرب الأوسع» في الشرق الأوسط.

بدورها، أكدت الحكومة الألمانية أن حلف «الناتو» غير معني بالحرب الحالية في الشرق الأوسط إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران. وصرح ستيفان كورنيليوس، المتحدث باسم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، بأن «(الناتو) تحالف للدفاع عن الأراضي» العائدة لأعضائه، مضيفاً أنّه «لا توجد صلاحية لنشر قوات الحلف» في الوضع الراهن. وأشار المتحدث إلى أنّ «الحرب الحالية لا دخل لها بـ(الناتو). هذه ليست حرب التحالف».

وأعلنت فرنسا أنها لا تنوي الانضمام إلى الحرب وأن الدور الفرنسي في المنطقة يبقى دفاعياً.

ورفضت اليونان المشاركة، مشيرة إلى أن أي مشاركة عسكرية قد تؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة في المنطقة. وطالبت إيطاليا بتبني الدبلوماسية كأفضل سبيل لحل الأزمة في مضيق هرمز. أما وزير خارجية الدنمارك لارس راسموسن فقال إن على بلاده أن تنظر، بعقلية منفتحة، في السبل التي يمكن من خلالها المساهمة في تأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز. وأضاف راسموسن للصحافيين في بروكسل: «بوصفنا دولة صغيرة، لكننا أمة بحرية كبرى، يجب أن ‌نبقى منفتحين على ‌هذه المسألة».

وفي آسيا، أبدت كل من الصين وكوريا الجنوبية، الأكثر تضرراً من إغلاق مضيق هرمز، مخاوف من تعرض ناقلاتهما لضربات انتقامية ورغبة في تفضيل الضغط الدبلوماسي.

وردت الخارجية الصينية باقتضاب بأن بكين تتواصل مع جميع الأطراف وأنها ملتزمة بخفض التصعيد في مضيق هرمز.

ويعكس هذا التردد الدولي مخاوف متزايدة من الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، خصوصاً في ظل تقديرات بأن أي تحالف بحري لحماية الملاحة قد يصبح هدفاً لهجمات إيرانية، ما قد يوسع نطاق الحرب ويجر دولاً جديدة إلى الصراع.

تعقيدات قانونية وسياسية

قانونياً، تستند فكرة التحالف الدولي إلى مبدأ «حرية الملاحة» بموجب اتفاقية قانون البحار، لكن إيران تعتبر المضيق «تحت سيادتها» وترفض أي وجود عسكري أجنبي موسع. أي تفتيش أو مرافقة قد يُتهم بأنه «حصار» أو «استخدام غير مشروع للقوة».

سياسياً، يتذكر الرأي العام الأوروبي والآسيوي «تحالفات» سابقة انتهت باستنزاف طويل في العراق وأفغانستان، ما يجعل البرلمانات مترددة في منح تفويض واسع لمثل هذا التحالف البحري.

ويرى خبراء في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن مضيق هرمز يمثل «عنق زجاجة» ويمر منه يومياً نحو 15 مليون برميل نفط خام وأكثر من 4 ملايين برميل مشتقات وكميات هائلة من الغاز المسال، وأي اضطراب في الملاحة عبره يمكن أن يؤدي سريعاً إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة وإرباك الأسواق العالمية بما يهدد الاقتصاد العالمي. ويحذر هؤلاء من سجل وخبرة إيران في زرع الألغام واستخدام الزوارق السريعة وقدرتها على زرع رؤوس متفجرة «ذكية» كفيلة بإغلاق مضيق هرمز لأيام أو أسابيع.

وحتى لو وافقت دول على الدخول في هذا التحالف، فإن الصعوبات الميدانية واللوجيستية تبقى هائلة، فمهمة تطهير الألغام تحتاج سفناً كاسحة متخصصة ومسيّرات تحت الماء تعمل في ممر ضيق تحت تهديد الصواريخ الساحلية. ويشير الخبراء إلى تحديات لوجيستية أخرى متعلقة بسلاسل القيادة والاشتباك التي ستحتاج لقواعد موحدة وتحديد متى يُسمح بالرد، ومن يتحمل المسؤولية عن القتلى، وكلما زاد عدد الأعلام الأجنبية في المضيق، ارتفعت احتمالات التصعيد في بيئة ضيقة تجعل الحوادث الكارثية محتملة. كما أن الردع يحتاج قواعد اشتباك موحدة ومركز قيادة واضحاً، وفهماً دقيقاً لسلوك طهران التي تستخدم التصعيد أداة ضغط تدريجية لا هدفاً وجودياً.

زورق تابع لقوات خفر السواحل العُمانية يراقب المنطقة في ظل تراجع الملاحة في مضيق هرمز يوم 12 مارس الحالي (رويترز)

خطر الألغام

ويُعد خطر الألغام البحرية أحد أكبر التحديات أمام أي قوة بحرية تسعى إلى تأمين المضيق. فهذه الألغام يمكن أن تعطل الملاحة بسهولة نسبية، كما أن إزالتها تتطلب عمليات معقدة تستغرق وقتاً طويلاً. وأي خطأ – كإصابة ناقلة أو فرقاطة – يمكن أن يحول الحماية إلى كارثة سياسية.

ويقول خبراء عسكريون لشبكة «سي بي إس نيوز» إن أي جهد لتأمين عبور ناقلات النفط عبر المضيق مروراً بمناطق قد تحوي ألغاماً إيرانية محتملة، أو صواريخ، أو طائرات مسيّرة، أو قوارب انتحارية محمّلة بالمتفجرات، سيتطلب إجراء تحضيرات مسبقة لتقويض قدرة إيران على شن ضربات ضد الأهداف البحرية. وبعد إتمام تلك التحضيرات، قد تتطلب العملية مشاركة سفن أميركية، وطائرات حربية، وقدرات استطلاع ومراقبة.

ووصف المحلل العسكري آرون ماكلين، أي مهمة محتملة لمرافقة ناقلات النفط بأنها عملية تتألف من مرحلتين: أولاً، يتعين على الولايات المتحدة «إعداد ساحة المعركة من خلال استنزاف المخزونات التي تمتلكها إيران من أي شيء يمكن استخدامه لتدمير السفن»، ومن ثم، وفي مرحلة ثانية، يمكنها البدء في تنفيذ عمليات المرافقة.

الناقلة الهندية «شيفاليك» لدى وصولها إلى ميناء موندرا الاثنين بعد عبورها مضيق هرمز وسط التوتر القائم في المنطقة (رويترز)

شبح حرب الناقلات

وتقوم فكرة التحالف البحري على مرافقة ناقلات النفط والسفن التجارية أثناء عبورها المضيق، وهي استراتيجية سبق أن استخدمتها الولايات المتحدة في ثمانينات القرن الماضي خلال الحرب العراقية - الإيرانية. لكن خبراء يشيرون إلى أن الظروف العسكرية اليوم أكثر تعقيداً بكثير مما كانت عليه في تلك الفترة. فإيران تمتلك الآن مجموعة واسعة من القدرات غير التقليدية، تشمل الزوارق السريعة المسلحة، والصواريخ الساحلية المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة، إضافة إلى الألغام البحرية التي يمكن نشرها بسرعة في الممرات الضيقة.

ويحذر تقرير لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية من حرب ناقلات شاملة، أو حادثة واحدة تحول المهمة إلى حرب إقليمية واسعة، ويستشهد خبراء بحادث وقع عام 1988 عندما اصطدمت المدمرة الأميركية USS Samuel B. Roberts بلغم بحري في الخليج خلال عملية حماية الناقلات، ما أدى إلى أضرار جسيمة في هيكل السفينة وإصابة عدد من البحارة وكاد يتسبب في غرقها.

وردت الولايات المتحدة حينها بعملية عسكرية واسعة ضد القوات البحرية الإيرانية.

لكن التحدي اليوم قد يكون أكبر، إذ تشير تقديرات عسكرية إلى أن إيران قد تمتلك مخزوناً كبيراً من الألغام البحرية يمكن نشره بسرعة في المضيق. كما أن التكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والزوارق غير المأهولة، قد تزيد من تعقيد عمليات إزالة الألغام وحماية السفن.

ويخشى كثير من الخبراء من أن يتحول مضيق هرمز مرة أخرى إلى ساحة مواجهة بحرية شبيهة بما حدث خلال «حرب الناقلات» في الثمانينات، لكن بتداعيات وأخطار أكبر بكثير.


مقالات ذات صلة

المحكمة العليا الأميركية تبحث طلب ترمب إلغاء الحماية المؤقتة للمهاجرين من سوريا وهايتي 

الولايات المتحدة​ صورة من خارج مبنى المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن في 14 مارس 2026 (رويترز)

المحكمة العليا الأميركية تبحث طلب ترمب إلغاء الحماية المؤقتة للمهاجرين من سوريا وهايتي 

قالت المحكمة العليا الأميركية إنها ستنظر في المرافعات المتعلقة بشرعية قرار إدارة الرئيس دونالد ترمب بإلغاء الحماية المؤقتة للمهاجرين من سوريا وهايتي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب بين سوزي وايلز ورئيس مجلس النواب مايك جونسون (أ.ف.ب)

ترمب: كبيرة موظفي البيت الأبيض مصابة بسرطان الثدي

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي اليوم عن تشخيص إصابة كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز بسرطان الثدي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون يستمع إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء حديثه في مأدبة غداء مع أعضاء مجلس إدارة مركز كينيدي بالقاعة الشرقية في البيت الأبيض (رويترز)

ترمب يوسّع الضغوط على الحلفاء لتأمين «هرمز»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن بلاده تستطيع التحرك عسكرياً، لكنها تحتاج إلى مشاركة دول أخرى لحماية الملاحة في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، محاطاً برئيس مجلس النواب مايك جونسون ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، يتحدث خلال فعالية بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن، 16 مارس 2026 (رويترز) p-circle

ترمب: الحملة العسكرية على إيران مستمرة «بكامل قوتها»

قال ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إن ‌الحملة ‌العسكرية ​التي ‌تشنها الولايات ⁠المتحدة ​على إيران استمرت «بكامل ⁠قوتها» خلال الأيام القليلة الماضية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً مع الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (أ.ف.ب)

ترمب يتوقّع صفقة «قريباً جداً» مع كوبا… بعد الانتهاء من إيران

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه قد يتوصل إلى اتفاق مع كوبا «قريباً جداً»، مضيفاً أنه سيعالج الأزمة معها بعد الانتهاء من الحرب الدائرة حالياً مع إيران.

علي بردى (واشنطن)

الجيش الأميركي يعلن إصابة 200 من عناصره منذ بدء الحرب على إيران

الجيش الأميركي قال إن العمليات القتالية الرئيسية مستمرة ضد إيران (أرشيفية - رويترز)
الجيش الأميركي قال إن العمليات القتالية الرئيسية مستمرة ضد إيران (أرشيفية - رويترز)
TT

الجيش الأميركي يعلن إصابة 200 من عناصره منذ بدء الحرب على إيران

الجيش الأميركي قال إن العمليات القتالية الرئيسية مستمرة ضد إيران (أرشيفية - رويترز)
الجيش الأميركي قال إن العمليات القتالية الرئيسية مستمرة ضد إيران (أرشيفية - رويترز)

أعلن متحدث عسكري أميركي، الاثنين، إصابة نحو 200 من عناصر القوات الأميركية منذ بدء الحرب على إيران.

وقال الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية: «معظم هذه الإصابات طفيفة، وقد عاد أكثر من 180 عنصراً إلى الخدمة، بينما اعتبر 10 في حالة خطيرة».


الرئيس الإسرائيلي: الحرب على إيران تشكّل «منعطفاً تاريخياً»

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية بتل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية بتل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الإسرائيلي: الحرب على إيران تشكّل «منعطفاً تاريخياً»

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية بتل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية بتل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)

اعتبر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الاثنين، في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، أن الحرب على إيران تشكّل «منعطفاً تاريخياً».

وقال هرتسوغ: «نحن عند منعطف تاريخي، لحظة سيتم فيها، بعد حروب لا نهاية لها لأكثر من جيل، وإراقة دماء وإرهاب، تعطيل ووقف السبب العميق لكل ذلك، الذي يأتي من طهران، وسيتم تحويل مسار المنطقة بكاملها».


الدموع الساخنة... أمهات يبكين أثناء دفن قتلى الحرب في جبانة بطهران

حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)
حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)
TT

الدموع الساخنة... أمهات يبكين أثناء دفن قتلى الحرب في جبانة بطهران

حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)
حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)

بينما كان حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، كانت مرضية رضائي تبكي على ابنها عرفان شامي، الذي لقي حتفه في انفجار بمعسكر تدريب قبل أيام من موعد عودته إلى المنزل في إجازة.

يقول مسؤولون إيرانيون إن الحرب، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) بسلسلة من الغارات الجوية على طهران ومدن أخرى وأغرقت الشرق الأوسط في أزمة، أودت بحياة أكثر من 1300 إيراني حتى الآن.

سالت الدموع بغزارة على وجه مرضية وهي تحدق بذهول في الفراغ، وتعانق صورة كبيرة لابنها البالغ من العمر 23 عاماً. كان صوتها يرتجف من الحزن، وهي تتذكر آخر محادثة دارت بينهما عندما ناقشا تفاصيل إجازته المقبلة وعودته إلى عائلته.

قالت «لم أره منذ شهرين»، مضيفة أن آخر يوم له قبل العودة إلى المنزل كان من المفترض أن يكون اليوم الاثنين، وهو اليوم الذي قابلتها فيه «رويترز». كان من المقرر أن يتزوج بعد ذلك بوقت قصير، وكانت رحلة العودة إلى المنزل جزءاً من الاستعدادات للزفاف.

أم تبكي على ابنها (رويترز)

قتل شامي في انفجار وقع في معسكر التدريب في كرمانشاه بغرب إيران في الرابع من مارس (آذار)، حوّل خيمته إلى كرة من اللهب وحول جثته إلى كتلة متفحمة لدرجة أن أمه لم تتمكن من رؤيتها.

وسط مهابة الموت وجلال المشهد، وتحت الأمطار الخفيفة التي تتساقط ببطء حولها، جلست مرضية أمام القبر في مقبرة بهشت زهراء (جنة الزهراء) الفسيحة التي تمتد على مساحة واسعة جنوبي طهران. وقالت إن ابنها كان شخصاً مأمون الجانب حتى إنه «كان يخاف من الظلام».

حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)

دفن شامي وغيره من القتلى في الصراع الحالي في القسم 42 من المقبرة، حيث كان عشرات من حفاري القبور منشغلين، اليوم الاثنين، بتحضيرات الدفن. وكان العمال يجهزون أحجار الرخام الأبيض التي نُقشت عليها أسماء المتوفين.

وأثناء إحضار جثة أخرى للدفن، في نعش محمول على أكتاف الأهل والأقارب، تردد صوت الهدير الناتج عن جراء غارة جوية عبر المقبرة، وارتفع دخان رمادي من منطقة مجاورة.

امتدت القبور تحت مظلة مزينة بصور الموتى والأعلام الإيرانية، بينما تجمعت العائلات، تبكي وتتحدث. جلست نساء بجانب القبور، بعضهن يبكين في هدوء، وأخريات يضربن صدورهن بقبضات أيديهن تعبيراً عن الحزن والألم.

وقفت شاحنة على مقربة، وكانت محملة بالزهور الملونة. ونثرت الزهور فوق القبور بينما كانت مكبرات الصوت تبث ترانيم الحداد الشيعية. تضم قبور أخرى في القسم نفسه رفات أعضاء «الباسيج»، وهي قوة تطوعية شبه عسكرية تابعة للحرس الثوري، ومسؤولين ومعتقلين من سجن إيفين، الذي استُهدف في الحرب الحالية وفي غارات في يونيو (حزيران) من العام الماضي.

فقدت فاطمة دربيشي (58 عاماً) شقيقها البالغ من العمر 44 عاماً في بداية الحرب، عندما كان يحاول إنقاذ أشخاص محاصرين في سيارة تعرضت للقصف، فأصيب بشظايا انفجار آخر، مما أدى إلى إصابته بجروح أودت بحياته. توفي والداهما عندما كان طفلاً صغيراً. وقالت وهي تبكي «نشأ يتيماً. أنا من ربيته». لكن بالنسبة لبعض المشيعين، كان الحزن مصحوباً بالغضب والتحدي تجاه إسرائيل والولايات المتحدة بسبب حملة القصف. وقالت والدة إحسان جانجرافي البالغ من العمر 25 عاماً وهي ترفع قبضة يدها في الهواء: «لن يوقفونا، ولن يجبرونا على الرضوخ عندما يحرقون قلوبنا».